ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

تحليل الفعل الاجتماعي

وبدائل اتخاذ القرار

((مع قراءة في أنساق القرار العربي))

 

المقدمة

منذ أن أذعن آدم لمشيئة حواء وقرر اقتطاف تلك الثمرة، وحتى يومنا هذا، تدفع ظروف الحياة بني آدم نـحو خيارات متباينة لابد من سلوك واحد منها وترك ماعداها.

تلك هي طبيعة الحياة، شئنا أم ابينا.

والإنسان في موقف اختيار السلوك الملائم كائن نفعي يسعى نـحو ما يحقق له غايته، فلا بد أن يكون في قراره غائياً ونفعياً، وان يكون في تفكيره على مستوى ما يصبو اليه.

غير أن عملية اتخاذ القرار ـ سواء على مستوى الفرد او الجماعة ـ عملية معقدة تتداخل فيها عوامل متشابكة ومتعددة، وليس كما يتصورها البعض مجرد عملية تستند إلى قرار نفعي فردي بحت.

فالفرد في تفاعله مع الظروف المحيطة به كائن بايولوجي حي يتأثر بمؤثرات بيئية عديدة ويخضع لها خضوعاً متبايناً، وهو في تفاعله مع الاخرين كائن اجتماعي يتأثر بظروف وعوامل بعضها داخلي ينبع من كيانه الشخصي او من ظروف الموقف التفاعلي ذاته، وبعضها خارجي يؤثر في الموقف التفاعلي ويضع قيوداً على الفرد ويحد من نفعيته من ناحية ثانية.

لذلك فان عملية اتخاذ القرار عملية اجتماعية على ما فيها من فردية في التقرير.

وهنا يحق لنا إن نتساءل.

أليس بالإمكان أن نتعامل مع عملية اتخاذ القرار ونفهم آلياتها على ضوء فهمنا للموقف التفاعلي؟

وكيف يمكن أن نـحلل ذلك الفعل الفردي تحليلاً سوسيولوجياً طبقاً لأدراكنا طبيعة الموقف الاجتماعي؟

ثم إلى أي مدى استطاع علم الاجتماع بما قدمه من أفكار تحليلية أن يتعامل مع المتغيرات الاجتماعية المماثلة انطلاقاً من ذلك الفهم؟

أن هذا البحث محاولة بسيطة للإجابة عن تلك الأسئلة، وللتعرف على إمكانية تحليل الموقف التفاعلي كنسق اجتماعي (Social System). ومن ثم فهو محاولة لتحليل الفعل الاجتماعي ومعرفة دور العوامل الفردية والشخصية والبيئية والاجتماعية في عملية اتخاذ القرار، بغية زيادة مساحة الإسهام الجمعي في صناعة القرار وتوسيع دور العلوم السلوكية في تحديد البدائل السلوكية لاختيار القرار الصائب ولاسيما في المواقف التي ترتبط بها مصائر الشعوب والامم وتقدم المجتمعات.

ولكي نرسم اطاراً تصورياً للبحث نقول، ان البحث قد قسم إلى خمسة محاور رئيسة تضمن البعض منها مباحث فرعية. فقد انطلقنا في المحور الاول للحديث عما يعنيه أسلوب تحليل النظم ومتى استخدم ذلك الأسلوب، وكيف انتقل إلى حقل علم الاجتماع؟

ثم عالجنا في الفصل الثاني فكرة النماذج الاجتماعية باعتبارها استخداماً تطبيقياً لاسلوب تحليل النظم في حقل علم الاجتماع.

أما المحور الثالث فقد خصصناه لتحليل الفعل الاجتماعي(Social Action) انطلاقاً من ان الفعل الاجتماعي يمكن التعامل معه تعاملاً نسقياً كما اشار لذلك عالم الاجتماع (تالكوت بارسونز). وقد عالجنا تلك الفكرة من خلال مباحث فرعية ضمن المحور الثالث مستعينين قدر الإمكان برسوم ومخططات ايضاحية.

وقد حاولنا في محور رابع تطويع نظرية بارسونز في الفعل الاجتماعي لاستيعاب مقولة الصراع التي تعتبر نقطة الضعف الرئيسية في الفكر الوظيفي وذلك بالتعامل مع الصراع بأعتباره موقفاً تفاعلياً يتطلب اتخاذ قرار رشيد، مستندين في تلك المحاولة على التعامل مع الصراع كنسق اجتماعي يتفاعل فيه طرفان تفاعلاً صراعياً بهدف فرض إرادة طرف على آخر، وذلك بالاستناد إلى توقعات كل طرف لسلوك الطرف الآخر في ذلك الموقف الصراعي، تلك التوقعات المستمدة أصلاً من الأفكار والمستويات والمعايير المشتركة في أنماط التفكير والتي سبق للطرفين أن اكتسبا واستمدا وتعلما أنماطها وأساليبها من نسق أكبر هو نسق الحياة الاجتماعية المشتركة.

ولعملية اتخاذ القرار خصصنا محوراً منفرداً في البحث موزعين إياه على أربعة مفاصل فرعية، كان الأول منها مخصصاً للحديث عن عملية صناعة القرار ثم انتقلنا إلى الحديث عن التفكير العلمي والتحليل الاستراتيجي في المبحث الثاني تمهيداً للدخول في توضيح لنظرية اللعب ومتطلباتها وأنواع نماذج اتخاذ القرار. أما المبحث الرابع من هذا الفصل فقد خصص للحديث عن إشكالية القرار وذلك باستعراض تلك الإشكالية من خلال أمثلة واقعية عن القرار العربي وصولاً إلى الدعوة لإنشاء مراكز علمية متخصصة بالتحليل الاستراتيجي.

واخيراً فقد استندنا في بحثنا هذا على مصادر علمية متخصصة وعززنا البحث برسوم ومخططات إيضاحية كلما دعت الحاجة لذلك، آملين أن يكون إسهامنا المتواضع مدخلاً لبحوث سوسيولوجية لاحقة تخترق حاجز الانغلاق على الموضوعات التقليدية في علم الاجتماع وتقتحم أسوار العلوم التطبيقية الأخرى.

 

الفصل الأول

 

أسلوب تحليل النظم Systems Analysis

ترجع نشاة أسلوب تحليل النظم إلى ما بعد الحرب الثانية عندما استخدمه الجيش الأمريكي فيما عرف بعدئذ باسم بحوث العمليات (Operation Research) ومن هناك انتقل إلى الميادين الأخرى. ويعرف ذلك الأسلوب بأنه دراسة إجراءات وأساليب العمل في المؤسسة للوصول إلى كيفية اتخاذ العمليات الضرورية على افضل وجه وتقرير ما يجب عمله تقريراً دقيقاً لتحقيق الأهداف المنشودة (1: ص419).

وأسلوب تحليل النظم أسلوب منهجي لمعالجة المشكلات بهدف التمكن من الوصول إلى القرارات وبدائل الحلول. فهو يرى في أي نظام مجموعة من العلاقات المتداخلة بين الأجزاء المكونة، وعبارة عن مجموعة مصالح ومناحي أنشطة يتصل بعضها ببعض وفقاً لترتيب منظم يتميز بالتنسيق في العمل والتكامل في البناء.

غير ان ما يجب ان نقرره هنا إن أبعاد النظام الذي يخضع للتحليل أنما تحدد في ضوء اعتبارات أهمها أهداف النظام. فكل نظام في الحقيقة يتكون من أجزاء كثيرة يؤدي كل منها وظيفة معينة ترتبط فيما بينها بعلاقات متداخلة تنتظم لتؤدي الغرض المنشود ضمن وسط معين.

الدراجة الهوائية مثلاً يمكن التعامل معها كنظام بسيط يتكون من اجزاء كثيرة يؤدي كل منها وظيفة معينة. وترتبط أجزاء الدراجة متمثلة بوظائفها بعلاقات متداخلة تنتظم كلها لتؤدي الغرض الذي صنعت من اجله الدراجة وهو ((التنقل)). ولكن إذا كنا بصدد معرفة توازن الدراجة في السرعة والدوران، فأننا سندخل الراكب في السياق التحليلي ونعتبر الدراجة والراكب أجزاء في نظام واحد يجمعها. لذلك فأن أبعاد النظام انما تحدد في ضوء اعتبارات داخلية وخارجية تقف في مقدمتها غاية الدراسة وهدفها. فلو كان هدفنا مثلاً معرفة تصميم الدراجة والأجزاء التي تتكون منها، فأننا لن ندخل في حساباتنا بالطبع ما يتعلق بالراكب، وأن كنا نـحتاج إلى أن نأخذ في الاعتبار تأثير الراكب على الدراجة نفسها من حيث وزنه وتأثير قوة حركة قدميه على الفرامل.

وهكذا يتضح أن لكل نظام حدوداً يجب معرفتها والتقيد بها، وفي اطار هذه الحدود تنتظم الأجزاء في علاقاتها المتداخلة، غير ان تلك العلاقات المتداخلة قد تتأثر بدورها بمؤثرات بيئية وهي مؤثرات الوسط الذي يسعى فيه النظام إلى هدفه. فهناك أذن أنظمة مفتوحة تسمح بالآخذ. والعطاء مع البيئة المحيطة، وهناك أنظمة مغلقة لا تسمح بمثل ذلك التعامل(2: صص 295-300)

أن الأنظمة المختلفة ليست على هذه الدرجة من البساطة في المثال الذي أوردناه، فهناك أنظمة تتعقد علاقاتها الداخلية في ارتباطاتها وتفاعلاتها مع المؤثرات والمدخلات الخارجية إلى درجة تصعب معها إمكانية الضبط أو التنبؤ بدرجة عالية من الدقة. لذلك فان اختيار الأسلوب الذي يناسب دراسة نظام معين يتأثر إلى حد بعيد بدرجة تعقد ذلك النظام وعدد المتغيرات أو التفاعلات والبدائل المحتملة.

لقد تطور هذا الحقل في العصر الحديث تطوراً كبيراً، وتعددت فروعه ومجالات استخدامه، واستثمرت في تطويره أساليب وتقنيات متعددة لعل في مقدمتها استخدام فكرة السبرنطقيا في التوصل إلى حل المشكلات والتعامل مع المتغيرات. (1:ص94)، وانظر كذلك هامش (3) والسؤال المطروح ألآن يتعلق بمدى وامكانية استخدام هذا المنهج في دراسة المجتمع وتحليل النظم الاجتماعية ؟ وارى إننا يجب أن نبدأ الإجابة بالوقوف على ما تعنيه كلمة مجتمع أو نظام اجتماعي اولاً.

أن فهم وتفسير المجتمع في علم الاجتماع يختلف بين مفكر وآخر وبين مدرسة فكرية وأخرى كحصيلة لاختلاف الاتجاهات التي سار عليها العلماء في محاولاتهم تفسير الظواهر الاجتماعية وبناء الهيكل المعرفي للنظرية الاجتماعية، وان كان ذلك الاختلاف في حقيقة الأمر لا يتعدى نقطة الانطلاق وابراز عنصر أساسي تركز عليه النظرية الاجتماعية.

على أن سعينا هنا يتوافق مع الفهم التحليلي للمجتمع الذي يفترض أن تتابع الحوادث يرتبط ارتباطاً سببياً مناسباً، وان هذا التتابع يحدث بطريقة رتيبة تمكننا في استخدام الطريقة الإحصائية العلمية أو الالتجاء إلى طريقة المقارنة بين العوامل والظروف تبعاً لاختلاف المتغيرات.

وهنا تظهر نقطة الالتقاء بين أسلوب تحليل النظم في حقل بحوث العمليات وبين ذلك الأسلوب في ميادين علم الاجتماع، ذلك ان ميدان السبرنطيقياً الاجتماعية يستند على فكرة استخدام النماذج الاجتماعية في التعامل مع المتغيرات المجتمعية.

فكيف تم توظيف هذا الأسلوب في الدراسات الاجتماعية؟

 

الفصل الثاني

النماذج الاجتماعية Social Models  

أن فكرة النماذج الاجتماعية ليست حديثة العهد في الدراسات الاجتماعية، اذ تعود في جذورها إلى فكرة الثنائيات ومحاولات المقارنة بين نمطين من انماط الحياة وما يترتب على تلك المقابلة من اختلافات وفروق ثقافية واقتصادية وسياسية ودينية واسرية.

وقد اسهم الكثير من علماء الاجتماع وغيرهم في هذا المجال فرتبوا فروقاً بنائية – كل من زاوية تصوره – وقدموا نماذج نظرية استناداً على ما أنطلقوا منه من عوامل اعتبروها سبباً في ظهور تلك الاختلافات والخصائص.

فهذا وتفوكل مثلاً (K. wittfogell) يرتب على اختلاف الظروف المائية في المجتمعات وطريقة ري المزروعات مجموعة من الخصائص الإدارية والاجتماعية. فالمجتمعات التي تعتمد على الزراعة المطرية تقوم على أساس التبعثر (Decentralization)، الامر الذي لا يتطلب ترابطاً اجتماعياً بين الفلاحين المنتشرين في الأراضي الزراعية، ولذلك فأن القوة ستكون موزعة وليست متمركزة بيد واحدة. ولذا فان علاقات المالك مع اتباعه تكون علاقات تعاقدية وتتميز بالتحفظ حفاظاً على امتيازاتهم. في حين تقوم المجتمعات المعتمدة على أنظمة الري في زراعتها على مبدأ التمركز الذي يؤدي إلى ظهور طبقة موجهة تعمل على تنظيم شبكات الري والبزل وانشاء السدود، والدفاع عن المجتمع، وتسمح بظهور هيكل  بيروقراطي تتركز عنده مصادر القوة ويصبح الاخرين تابعين وخاضعين لسلطانه. أي ان الدولة في تلك المجتمعات أقوى من المجتمع. (4: ص221-229).

ولعلنا نستطيع هنا استذكار آراء ماركس وانجلز حول ما أسمياه بنموذج نمط الإنتاج الآسيوي وأنكارهما وجود طبقات اجتماعية بالمعنى الاقتصادي في ذلك النموذج بسبب غياب الملكية الخاصة في الارض وعدم فصل الفلاح عن وسائل الإنتاج. ولذلك فان اساس العلاقات الاجتماعية في ذلك النمط الانتاجي تقوم على العبودية.

 وقد يطول بناء الحديث لو تابعنا كل آراء المفكرين الاوائل حول فكرة الثنائيات والنماذج الاجتماعية.

 لقد حاول الدكتور خلدون النقيب تكوين نموذج نظري عن المجتمع العربي للكشف عما هو دينامي وفاعل فيه أطلق عليه أسم نموذج الفاعليات السياسية الحضارية (فاسح)، وذلك رداً على نماذج نظرية أخرى رآها غير صالحة، استشفها مما كتب في العلوم الاجتماعية خـلال الفتـرة مـن منتصف القـرن الثـاني عشر إلـى منتصـف القـرن العشرين. (انظر الجدول رقم 1) (5:صص 217- 264).

 

 

 

 

 

 

 

جدول رقم (1)[1][2]

مقارنة بين الاستنتاجات المستمرة من النماذج النظرية

للمجتمع العربي حتى بداية القرن التاسع عشر

النموذج النظري

نوع الجماعات الرئيسية

نوع النشاط الرئيسي

نوع العلاقات الرئيسية

نوع التنظيم الرئيسي

الجمود الاسيوي (جاس)

ـ التجمعات الريفية المنعزلة والمعزولة، او المشترك الريفي في القرى.

ـ الجماعات الحضرية، أو المشترك الاعلى في المدن : مركز السلطة.

ـ التجمعات بين الصناعة (الحرف) والزراعة المشترك القروي.

ـ النشاطات الرعوية هامشية ولكنها توفر مستودعاً للتهديد الخارجي المستمر للمدن وحضارتها 

ـ عدم وجود الملكية الخاصة في الارض جعل المصالح متشابه ـ متنافسة أقتضى تنافسها وجود الدولة المركزية، هكذا الحكام والمحكومون.

ـ علاقات هيمنة بيروقراطية بين الطبقات، تستولي الدولة فيها على الفائض الاجتماعي 

ـ دولة مركزية مستبدة اقوى من المجتمع تقوم على اساس ملكية الارض واحتكار مصادر القوة والسلطة.

ـ الحاجة إلى تعبئة السكان في أعمال ضخمة كالري والبزل والأشغال العامة أعطى للدولة مبرر وجودها. 

التنظيم المفصلي (تام)

ـ مدينة، قرية، بادية في صراع دائم وحاجة متبادلة.

ـ الهيمنة للجماعات القرابية المعششة،أي القبائل في تنظيمات مفصلية.

ـ التركيز على الرعي والزراعة واحتقار الحرف والمهن وعزلها (سواء في الريف او المدن) وعلى الغزو.

ـ الزراعة هامشية بالمقارنة مع الرعي والتجارة او ان القبائل الرعوية تقوم بالزراعة ايضاً

ـ علاقات يغلب عليها العنف العام المتبادل بدون تفويض لسلطة مركزية،أي علاقات غلبة بين المدينة والبادية.

ـ التوزيع المفصلي للسلطة يمنع تبلور طبقات عمودية، ويسود بدلاً منها التناصر العام.

ـ عدم وجود دولة مركزية قوية، وأن وجدت فسلطتها محدودة.

ـ التوزيع المفصلي للسلطة بين القبائل ويقوم على ثنائية الجمع بين العصبية والدين يديم ضعف الدولة المركزية.

الفاعليات السياسية ـ الحضارية (فاسح)

ـ التجمعات الرئيسية في المدن ذات الهيمنة.

ـ علاقة تفاعل وامتصاص مستمر ديموغرافي لسكان الريف والبادية.

ـ عزلة الريف بدأت في وقت متأخر.

ـ توازي تقسيم العمل الاجتماعي وتقسيم العمل الاثني. 

ـ التوازن النسبي بين الزراعة والتجارة والحرف والرعي يميل إلى التجارة كقطاع دينامي في الاقتصاد.

ـ أنـحسار الفتح والتجارة أدى إلى العودة إلى الاقتصاد الزراعية ـ البيروقراطي.

ـ الضوابط والهيمنة الفسكالية منشطة للقطاع الدينامي.

ـ تبلور طبقات اجتماعية حول الدولة والملكية الخاصة.

ـ علاقات صراع متصل بين الاغنياء والفقراء، الحكام والمحكومين،الريف والمدن.

ـ الصراعات السياسية والاقتصادية تترجم إلى صراعات مذهبية

ـ شمول التنظيم القبلي المزدوج بالرموز الدينية لجميع مستويات التنظيم الاجتماعي.

ـ تطور الدولة المركزية من الدول المركتتالية في التكوينة الخراجية إلى الدولة السلطانية في التكوينة البيروقراطية.

ـ تطور الطبقة الحاكمة من الارستقراطية في السلطة إلى الارستقراطية العسكرية تطور مصادر الشرعية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ومن الاستخدامات الامبريقيه لاسلوب تحليل النظم في مجال الدراسات الاجتماعية، المنهجيات التقنية لمدخل تحليل المناطق الاجتماعية ومدخل التحليل العاملي، والتي يمكن من خلالها تحديد مدى وجود انماط متكررة للتنظيم المكاني الحضري وما يمكن التنبؤ بها وصولاً نـحو عدد من التعميمات المرتبطة بالتدرج المكاني للظواهر الاجتماعية داخل المجتمع الحضري.

يفترض دعاة هذه المناهج أن مفهوم العامل قوة فرضية كامنة تفسر التنوع المشترك بين عدة متغيرات ترتبط فيما بينها على نـحو متبادل، كما يفترض ان يفسر كل عامل مجموعة مستقلة نسبياً من المتغيرات ذات الارتباط المتبادل.

وتعتبر الدراسة التي قام بها أشرف شفكي وماريلدين وليامز في لوس انجلس عام 1949، والدراسة التي قام بها وندل بل في سان فرانسيسكو عام 1955 من الدراسات الرائدة التي ترتبط بتطوير مدخل المناطق الاجتماعية، إذا اهتموا بتقديم إجراءات وطرق منهجية يستطيع الباحث من خلالها توضيح أنماط التمايز والتدرج كما تتوزع في المنطقة.

أستخدم مدخل تحليل المناطق الاجتماعية في تحديد المناطق التعدادية الحضرية التي يتشابه سكانها في حدود ثلاثة متغيرات أو أبعاد هي. متغير الرتبة الاجتماعية أو المكانة الاقتصادية. ومتغير التحضر أو المكانة الأسرية ومتغير العزل أو المكانة السلالية والعرقية. كما ساعد هذا المدخل على فهم إبعاد وديناميات المنطقة في ضوء السياق المجتمعي الأكبر طبقاً لقياس التمايزات الايكولوجية والاجتماعية والاقتصادية التي تتلاءم وانتشار التصنيع على نطاق واسع وعلى وفق لا تجانس التركيب الاثني والسلالي للمدينة.

لقد دخلت تعديلات كثيرة على الصيغة التي ابتكرها شفكي وبل وظهرت مقاييس تنتمي إلى هذا الاتجاه الدراسي مثل دليل خصائص المكانة (I.S.C) الذي أعده لويدوارنر وجماعته، ومقياس الحضرية الذي أعده كوين وكاربنتر، وتطبيقات فريق بحث جامعة ميتشجان، ثم مدخل التحليل العاملي او الايكولوجيا العاملية، والمقياس الذي أعده المعهد الوطني للصحة العقلية في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1970.

ويعد تطبيق دانيال برايس لهذا المنهج اول تطبيق عملي في تصنيف الوحدات والمناطق الحضرية، إذ حاول تحديد أصغر عدد ممكن من المتغيرات الاساسية التي تفسر ما يمكن ملاحظته من ارتباطات بين معطيات الواقع. كما تعتبر دراسة جانيت ابو لغد اشهر اختبار عملي لمقاييس التحليل العاملي في مدن العالم الثالث. فقد أوضحت أبو لغد في تطبيقاتها لهذا المدخل في مدينة القاهرة، أن الظاهرة تكشف عن نمط ايكولوجي أشبه بنموذج ما قبل الصناعة ولكن في سياق ثقافي مختلف وبعناصر حديثة تتزايد باستمرار. كما أن ما يميز البناء الايكولوجي لمدينة القاهرة هو بساطة وامكانية تفسيره وتحليله في ضوء عدد قليل من العوامل والأبعاد، وذلك على العكس في نموذج المدينة الصناعية الأمريكية.

وقد حددت الباحثة العوامل والأبعاد الأساسية التي شكلت البناء لايكولوجي لمدينة القاهرة في ثلاث عوامل هي (أسلوب الحياة، توطن المهاجرين الذكور ممن لم يسبق لهم الزواج، ثم الباثولوجيا الاجتماعية أو ظواهر التفكك الاجتماعي). (هامش رقم 6)

وهكذا تبين لنا أن هناك علاقة بين أسلوب تحليل النظم وبين تطبيقاته في مجال علم الاجتماع من خلال تقنيات النماذج الاجتماعية، إذ أن كليهما يرى في الظاهرة او النظام مجموعة من أجزاء متداخلة ترتبط على نـحو يحقق أهداف تلك الظاهرة او النظام، مما يعني بالتالي إمكانية تحليل تلك الظاهرة أو النظام تحليلاً وظيفياً إلى أجزاء متعددة أو قوى وعوامل ومتغيرات بحثاً عن التشابهات أو الاختلافات بين الظواهر أو النظم.

فهل يمكن تعميم هذا التفسير ليشمل السلوك البشري ويستوعب أصغر عناصره؟

أو بمعنى آخر هل يمكن إخضاع الفعل الاجتماعي كأصغر وحدة في السلوك الإنساني إلى مثل هذا التحليل الوظيفي؟

 

 

الفصل الثالث

الفعل الاجتماعي Social Action

اولاً: الاتفاق القيمي

يبدو أن المهتمين بالأبعاد الاجتماعية للسلوك البشري يتفقون على ان الكائن الحي في ظل الظروف الاعتيادية يسلك سلوكاً يستجيب به طبقاُ لتوقعه سلوك الاخرين. ذلك ان هناك من يعتقد أن الحياة الاجتماعية تستند في قيامها على وجود قدر من الاتفاق حول بعض القيم والافكار المشتركة، لذلك فأن أفراد المجتمع يشتركون في الاتفاق على مستويات مشتركة، ومن ثم فان اختيار الفـرد لسـلوك معين لا بـد ان يكـون محكومـاً بتلك المستويـات (7: صص 135 –137)

وفي الحقيقة أن ماكس فيبر (M. Weber) قد أسهم إسهاماً كبيراً في إبراز الدور الذي تلعبه القيم في الحياة الاجتماعية من خلال اهتمامه بالتحليل السوسيولوجي للفعل الإنساني والسلوك الاجتماعي. إذ أكد أن الاعتقاد بأفكار مشتركة لها أهمية كبرى في تشكيل شخصية أفراد المجتمع وتزويدهم بمفاهيم ومعان وافتراضات يمكن بواسطتها ان يدركوا مواقفهم ويفهموها ويستجيبوا لها بطريقة مقبولة من قبل المجتمع (8: ص63)

ولو شئنا ترجمة تلك الاراء في ضوء منطلقات السلوكية الاجتماعية Social behaviorism التي ترى أن الفرد وتعامله مع الاخرين هو الوحدة الأساسية في التحليل السوسيولوجي، واعتمدنا فكرة التحليل النسقي التي جاء بها تالكوت بارسونز لوجدنا ان الفعل الاجتماعي يعني كل ضروب السلوك البشري التي تدفعها وتوجهها المعاني التي يكونها الفاعل عن العالم الخارجي وهي معاني يضعها الفاعل ويستجيب لها في تفاعله مع الاخرين.

فالفعل البشري اذن ليس سلوكاً عشوائياً لا يمكن التنبؤ به، لآن هناك قدر من النظام في سلوك الفرد او الجماعة. ومن ثم فأن الفاعل قادر على أن  يتنبأ بسلوكه وبسلوك الاخرين من حوله على نـحو دقيق.

ولقد أكد بارسونز هذا المعنى عندما أشار إلى أن الأنماط الثقافية تعمل على تكوين وبناء أنساق الفعل لانها تتخذ طابعاً بنائياً بطريقة معينة. لذلك فأن الانماط الثقافية تدفع الفاعل أو تجبره على أن يختار ضروباً من سلوك دون أخرى.

ولو تتبعنا تلك الأفكار لوجدنا جذوراً لها عند أميل دوركهايم وعند سيجموند فرويد، كما سبق ان وجدنا جذوراً لها عند ماكس فيبر. فقد أكد كل من دوركهايم وفرويد ـ رغم اختلافهما ـ هذا المعنى.

فالتصورات الجمعية او الضمير الجمعي ما هي الا قواعد وأنماط تمثل فعل الفرد الذي يخضع للقيود حسب المنظور الدوركهايمي. كما أن الانا الاعلى (Super ego) كضمير أخلاقي للشخصية يتكون من الجزاءات والرموز ذات المعنى حسب التصور الفرويدي (9: ص74)

أذن فالفعل البشري ولا سيما في بعده الاجتماعي ليس فعلاً عشوائياً، بل هو فعل مستند على قواعد ومعايير وانماط تمنـحه أطاراً متسقاً إلى حد يسمح بالتنبؤ به من قبل الاخرين.

 

ثانياً: نسق الفعل action  system

 يرى ماكس فيبر (M. Weber) أن الموضوع الاساسي لعلم الاجتماع هو الفعل الاجتماعي، وان الفعل يصبح أجتماعياً عندما يرتبط معناه الذاتي بسلوك الافراد الاخرين ويكون موجهاً نـحو سلوكهم.

ولكي نفهم الفعل الاجتماعي لابد من فهم معناه على مستويين، مستوى معنى الفعل من وجهة نظر الفرد نفسه، ومستوى معناه بين جماعات الافراد.

ففي المستوى الاول (المستوى الفردي) لابد من النظر إلى دوافع الفرد ونواياه واهتماماته والمعاني الذاتية التي يعطيها لافعاله والتي تكمن خلف سلوكه.

وفي المستوى الثاني (المستوى الجمعي) لابد من النظر إلى النوايا والدوافع والاسباب والاهتمامات التي تكمن وراء سلوك الجماعة (10: صص19-20).

فالفعل اذن يكون أجتماعياً في معناه الذاتي عندما يأخذ في اعتباره سلوك الاخرين ويكون موجهاً في حدوثه. (11: ص 4)

ولأن بارسونز قد تاثر كثيراً في بناء نظريته عن الفعل الاجتماعي بأفكار فيبر، فقد عرف الفعل الاجتماعي بانه كل ضروب السلوك البشري التي توجهها المعاني التي يكونها الفاعل عن العالم الخارجي.

فالفعل الاجتماعي أذن يتطلب شروطاً ثلاثة : أدراك الفاعل للبيئة الخارجية، المشاعر والأفكار والدوافع التي تشكل أفعال الفاعل، ثم ردود أفعال الآخرين تجاه هذه الأفعال. (9: صص 63-64)

ولأن النسق او النظام (System) بمعناه العام ما هو الا مجموعة من الكيانات (Entities) وعلاقات (Relation) تربط بين تلك الكيانات. وأن مصطلح النسق يستخدم في علم الاجتماع للإشارة إلى أيه وحده تنظيمه تؤدي وظيفة في المجتمع، فأن الفعل الاجتماعي لا بد ان يكون نسقاً لانه يتضمن كيانات وعلاقات تربط بين تلك الكيانات. ومن هنا أفترض بارسونز أن الفعل البشري يكشف دائماً عن خصائص النسق، لانه منظم بطريقة كافية لتحليله كنسق.

أن نسق الفعل ليس شيئاً ملموساً كالآسرة أو المصنع. ولكنه أسلوب للصياغة التصورية والتحليل. فهو كيان نظري يتكون من خلال التفاعل بين أعضاء جماعة معينة. ذلك أن أي فعل وعلى أي مستوى من مستويات الواقع سواء أكان سلوكاً بين فردين او صراعاً طبقياً أو خلافاً دولياً يمكن تحليله كنسق. لان الفعل الإنساني في ظرفه التفاعلي يكشف دائماً عن خصائص النسق، وان عملية التفاعل تعكس صورة مصغرة للأنساق الاجتماعية.

وهذا يعني أن الفاعلين داخل النسق يمكن أن يكونوا جماعات أو تجمعات معينة كالقرية أو الطبقة أو الأمة. كما يمكن أن يكونوا أفرادا فقط. ولذا فأن تطبيق نموذج الفعل الذي قدمه بارسونز لا يرتبط بمستوى العلاقات بين الأفراد فحسب ولكنه يمتد إلى كل مستويات الواقع الاجتماعي.

يرى بارسونز أن نسق الفعل (Action System) يتكون من أربعة انساق فرعية هي النسق الثقافي والنسق الاجتماعي ونسق الشخصية ونسق الكائن العضوي.

فالنسق الثقافي يشمل المعتقدات والقيم والوسائل الرمزية للاتصالات بين الافراد والقوانين والتكنولوجيا والمعارف العلمية. أما النسق الاجتماعي فيشر إلى أشكال وأنواع التفاعلات والتنظيمات الاجتماعية والمستندة على فهم مشترك للرموز الثقافية المتضمنة في هذا النسق. ويعنى بنسق الشخصية نواحي الشخصية الإنسانية التي تؤثر في الوظائف الاجتماعية للفرد، أي مظهر الكائن الحي باعتباره ممثلاً Actor، وهو عبارة عن نسق للصفات أو السمات الخاصة بالفرد مثل ميوله واتجاهاته واهتماماته وحاجاته. في حين يكشف نسق الكائن العضوي عن المتغيرات البايولوجيه والفيزيقية للكائن العضـوي مثـل غـرائـزه ودوافعه وغير ذلك من العمليات البايولوجيه. (10:صص 57-62  وكذلك  12:ص 323)     

أن لكل نسق في الأنساق الفرعية الأربعة وظيفة محددة ضمن النموذج العام لنسق الفعل. كما ان نموذج نسق الفعل كما قدمه بارسونز يمكن أن يخضع لمستويات مختلفة من التحليل). ثم أن العلاقات بين الأنساق الفرعية الأربعة لنسق الفعل تتدرج تدرجاً سبرنطيقياً. (انظر المخططات).

 

 

 

 

مخطط رقم(1) مستويات تجريدية في انساق الفعل

مخطط رقم(2) مستويات تجريدية في انساق الفعل

 

النظرية العامة للفعل

 

النسق العضوي: ينظم العلاقات مع العالم الفيزيقي ويتكيف مع البيئة

نسق الشخصية: يحدد اهداف النسق

النسق الاجتماعي: يحدد التضامن ويولد مصادر الولاء ويحدد معالم السلوك السوي ويفرض الضوابط

نسق الثقافة: يزود الفاعلين بالدافعية من خلال المعايير والقيم والايديولوجيات ويفرضهاعليهم.

 

ثالثاً: بيئة النسق

يقول بارسونز ان لكل نسق بيئة، وبيئة أي نسق من الأنساق الفرعية تتكون من الأنساق الثلاثة الأخرى. ومن ثم فان كل نسق فرعي يتفاعل ويتبادل العلاقات مع كل من الأنساق الأخرى، فهناك شبكة من الاعتماد المتبادل بين الأنساق الأربعة، رغم أن كلاً منهم يبقى محتفظاً بدرجة من الاستقلال بحيث يمكن تميزه على المستوى التحليلي عن الأنساق الأخرى. 

ولو شئنا تغير مستوى التحليل من مستوى الفعل الاجتماعي إلى المستوى المجتمعي واتخذنا المجتمع وحدة للتحليل. سنجد أن تبادل العلاقات بين الأنساق الفرعية في المجتمع (النسق الاقتصادي، النسق السياسي، نسق التنشئة الاجتماعية، نسق مجموعة الروابط المجتمعة) يمكن ان تتوضح من خلال المخططات (رقم  3و4)

 

 

مخطط رقم (3) التدرج السبرنطيقي والنسق العام للفعل

 

الانساق الفرعية لنسق الفعل

الابعاد المجتمعية لنسق الفعل

الابعاد الوظيفية لانساق الفعل

العلاقات

السبرنطيقية

النسق الثقافي

تنشئة اجتماعية

المحافظة على النسق

المستوى الاعلى للمعلومات

 

تكيف             ضوابط

 

 

 


 

المستوى الاعلى للطاقة

النسق الاجتماعي

روابط مجتمعية

التكامل

نسق الشخصية

سياسة

تحقيق الهدف

النسق العضوي

اقتصاد

التكيف

 

 

 

المصدر :التخطيطات ماخوذة عن جي روشيه وعن مصادر اخرى

 

مخطط رقم –4-

انساق التبادل في المجتمع[3] *

 

مربع نص: نسق التدعيم السياسي
مربع نص: ( ق - ث )  
مربع نص: نسق
الاستهلاك  والعمل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

رابعاً: بناء الفعل الاجتماعي   

ترتكز نظرية بارسونز في بناء الفعل على العناصر الاساسية التالية: -

1. الفاعل Actor

وهو الشخص الذي يستهدف أهدافا ويصطنع وسائل لبلوغ تلك الأهداف. وقد يكون الفاعل فرداً أو جماعة أو مجتمعاً كاملاً.

2. الموقف Situation

الموقف يعني الظرف الذي يكون فيه الفاعل ملزماً باتخاذ قرار يختار بموجبه بين ادوار يقوم بها دون أخرى.

ويتكون الموقف من الموضوعات الفيزيقية والاجتماعية التي يرتبط بها الفاعل، اذ يشتمل الموقف على مجموعة من المتغيرات الكامنة وغير الكامنة (مادية وغير مادية)، وعلى الرموز Symbols التي يربط من خلالها الفاعل بالعناصر المختلفة داخل المواقف وما يحويه من معاني. وكذلك يشتمل الموقف على القواعد Rules  والمعايير norms  والقيم values  التي تتحكم في توجيه الفاعل. وكذلك على الأنماط المتوقعة من السلوك. ويرتبط تأثير تلك العوامل الموقفية في تحديد الاهداف وفي اختيار الوسائل المناسبة لبلوغها.

3. موجهات الفاعل Actor orientation   

أن عملية اختيار الفرد لدور دون آخر (ضمن الموقف) تحدد بموجب مجموعة من التوجهات.

أ. توجيهات دافعية: أي التوجهات التي تتحكم بها العوامل الغائية او النفعية (utilitarianism). وهي الموجهات التي ترتبط بالثواب والعقاب او بالإشباع والحرمان الفعليين أو الممكنين لاحتياجات الفاعل.

ب. توجهات قيمية: أي الموجهات العقلانية (Rationality) أو الموجهات التي تتعلق بالمعايير الثقافية التي تحكم الفاعل وتمثل تأثير التوقعات الاجتماعية على تعريف الفاعل للموقف. (9:صص 68-69،  وكذلك  13:صص 105-108)

4. الفعل الاجتماعي Social Action

وهو الوحدة الأساسية في التحليل وفي السلوك البشري.

أن تحليل الفعل الاجتماعي لابد أن يتم في ضوء ثنائية (الفعل – الموقف) التي تضم بيئة الفاعل كجزء من ذلك الموقف أضافه إلى الموضوعات الاجتماعية، فالفاعل هو كائن يعيش موقفاً Being in a situation . بمعنى أن هناك عدداً من المؤثرات المنظمة الداخلية والخارجية التي تؤثر في الفاعل في لحظة معينة. لذلك فان السلوك يختلف باختلاف المواقف، الاجتماعية. (9: ص64)

أن بيئة الفاعل لا تعني البيئة الفيزيقية المحيطة بالفاعل فقط، بل تضم أيضاً جهازه العضوي البايولوجي. كما أن الموضوعات الاجتماعية التي تضم الفاعلين الاخرين تشمل أيضاً فئة اخرى من الموضوعات لها أهمية بالغة في نسق الفعل، وهي الموضوعات الثقافية الرمزية.

فالفعل الاجتماعي لا بد ان يتضمن بالضرورة جانباً رمزياً مادام فعلاً ذو معنى. وهذا الجانب الرمزي لا يعمل على تحقيق الاتصال بين الفاعلين فقط. بل يسهم في خلق قواعد السلوك والمعايير والقيم التي تقود الفاعل في توجيهاته لفعله.

وهنا لابد ان نذكر القارئ مرةً أخرى بان الفاعل الذي تحدث عنه بارسونز يمكن ان يكون فرداً او جماعة او تنظيماً أو أقليماً أو مجتمعاً كبيراً أو حضارة كاملة أو أي كيان آخر يمكن أن يفسر سلوكه في ضوء المعايير التي يشتمل عليها فعله.

أن كل الأفعال يمكن النظر أليها على إنها مركبة من وحدات للسلوك (Unit act) تضم فاعلاً او اكثر. ويمكن تجزئة تلك الأفعال إلى الإيماءات والكلمات ومظاهر الأداء الأخرى. أما إذا نظرنا إلى الافعال نظرة كلية شمولية فأنها يمكن أن تكون على سبيل المثال سلسلة من التفاعل بين فردين او اكثر او دوراً اجتماعياً.

ولذلك فأن أي فعل يمكن النظر على انه مركب من وحدات السلوك الصغرى او كعنصر في تركيب اشمل. كما أن أي مركب من السلوك يمكن التعامل معه كنسق للفعل.

لقد انطلق بارسونز في تحليله للعلاقات – شأنه في ذلك شأن علماء الاجتماع الامريكان – من مفهوم الدور Role. وقد نظر بارسونز إلى مكونات الادوار على انها عناصر ثلاثة هي :-

التوقعات والجزاءات والمعايير. فالتفاعل الاجتماعي يجب أن يتضمن توقعات متبادلة بين الفاعلين. والفاعل (الطرف الاول في التفاعل وهو الانا Ego) يتوقع من الفاعل الاخر أو الفاعلين الاخرين (وهو الطرف الثاني في التفاعل أي الاخر Alter) أن يسلكوا بطريقة معينة واضعاً في اعتباره ظروفهم المشتركة والعلاقة التي تربط بينها.

وفي نفس الوقت فان الانا يعرف ان الاخر يكون توقعات خاصة به عن نفس الموقف. ولابد ان يتضمن الموقف معايير معينة، أذ يجب أن توجد مجموعة من المعايير والقيم تحكم سلوك الفاعلين او يفترض ان تحكمه. ودون شك فان التوقعات المتبادلة توجد بسبب وجود القيم والمعايير (أرث ثقافي). وليس مهماً أن يعتمد الانا والاخر في تكوين توقعاتهما على نفس المعايير او على معايير مختلفة. ولكن الشي الاساسي ان الانا يعرف ما هي المعايير التي تحكم سلوك الاخر، كما أن الاخر يعرف المعايير التي تحكم سلوك الانا، فذلك يمكنّ كلاهما من ان يكونّ لنفسه توقعاً معيناً عن سلوك الطرف الثاني، إذ يستطيع من خلال قواعد السلوك المعروفة أن يتنبأ بما يجب أن يفعله الطرف الثاني في موقف معين. اما الجزاءات فأنها تمثل عنصراً ثالثاً في عملية التفاعل، فالانا والاخر يكافئا او يعاقبا بعضهما طبقاً لتوافق أي منهم مع التوقعات المتبادلة او عدم توافقه. (9:صص 71-73)

خلاصة القول أن أي نسق اجتماعي او فعل اجتماعي يمكن أن يخضع للتحليل النسقي إلى وحدات سلوكية فرعية لان وحدة السلوك (Act unit) تعني سلوكاً فعلياً ملموساً وهي الصورة المصغرة للفعل الاجتماعي ومن ثم للنسق الاجتماعي، وهي الفاعل (فرد، جماعة، مجتمع)، والموقف (الوسائل والشروط او الظروف المحيطة)، والمعايير الرمزية، ثم الهدف. ومن ترابط هذه الوحدات المختلفة يتكون الفعل الاجتماعي وتتشكل الانساق المجتمعية التي يتجه كل منها نـحو تحقيق غاية معينة تساهم في استمرار المجتمع.(انظر مخطط رقم5)

             

مربع نص: وسائل 
مربع نص: الموقف
situation
مربع نص: موجهات 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

الفصل الرابع

1. الصراع كنسق أجتماعي Conflict  as a social system

الصراع واحد من الموضوعات الأساسية التي لا زال علم الاجتماع مقصراً في دراستها. ويمكن إرجاع سبب ذلك التقصير إلى سيادة التصور الوظيفي على لغة الخطاب السوسيولوجي في فهم طبيعة المجتمعات الإنسانية والذي يربط ظاهرة الصراع بالتفكك الاجتماعي دائماً.

ومع ذلك فأن الساحة الفكرية لعلم الاجتماع لم تخلو من أعمال رائدة كتبها مفكرون لهم ثقلهم الفكري على مسرح الفكر الاجتماعي أمثال كارل ماركس ورالف دهرندوف ولويس كوزر وجورج سمل، بل أن لطروحات البعض منهم من القوة ما جعلها في مستوى بناءات فكرية او صياغات نظرية تزعمت لواء جناح من اجنـحة الخلاف الايديولوجي في الفكر السوسيولوجي خلال العصر الحديث.

أن تاريخ البشرية ما هو الا تاريخ الصراع الطبقي. هكذا يعالج كارل ماركس مقولة الصراع.

والصراع ـ على حد تعبير جورج سمل ـ عملية من عمليات التفاعل الاجتماعي وهو نوع من المنافسة الناتجة عن تعارض بين رغبات وحاجات ومصالح الجماعات المتصارعة.

كما أن الصراع نضال حول أحقية المصادر والقوة والمكانة على حسب وجهة نظر كوزر.

ولان الصراع عملية اجتماعية فلنا أن نقرر أن له أشكالاً ومظاهراً ووجوه متعددة ابتداءاً من الاختلاف الفكري والمنافسة مروراً بالكراهية والعداوة وانتهاءاً بمظاهر العنف والقوة كالشجار والاشتباك اليدوي والاقتتال الدموي والصراع المسلح.

ولكن اهتمامنا هنا ينبغي ان لا يعنى بمعالجة ظاهرة الصراع من وجهة نظر فلسفية أو فكرية تحاول تفسير حركة التاريخ لان مثل هذا الطرح مسألة شغلت المفكرين الأوائل أمثال عبد الرحمن ابن خلدون وكارل ماركس وجملوفتيش ودارون وتوينبي وكومت وسبنسر واختلفوا فيما بينهم وصولاً إلى صياغات نظرية تفسر حركة المجتمع والتاريخ في ضوء ظاهرة الصراع. بل أن ما يهمنا هنا بالدرجة الأساس البحث عما يساعدنا على فهم الصراع كنسق اجتماعي تفاعلي. او بمعنى آخر أن اهتمامنا سينصب على قراءة الصراع بحروف وظيفية متجاوزين في ذات الوقت إهمال المدرسة الوظيفية لدور ظاهرة الصراع في حركة المجتمع، عسى أن نجد في تلك القراءة رؤى جديدة تساعدنا على فهم آليات الصراع وتوظيف دورها في المجتمع.

ترى هل يمكن ان نعتبر الصراع نسقاً اجتماعياً يتفاعل فيه طرفان؟

وكيف نقف على تصرف الفاعلين في ميادين الصراع، ثم كيف يستقرئ الخصمان خطط أحدهما الآخر؟

واخيراً ما دور عملية الصراع في المحافظة على توازن نسق المجتمع او الاخلال بذلك التوازن؟

ويبدو أنه من العسير الإجابة عن كل تلك التساؤلات جملة واحدة ودون الإحاطة الكاملة بقوانين الصراع ودون اطلاع على ما يجول داخل النفس البشرية من صراع بين الحاجات و الرغبات.

غير أننا يمكن أن نسترشد بمقولة من مقولات بارسونز لنشق طريقاً نـحو ما نسعى أليه، سيما وان بارسونز قد المح أن إطاره التصوري لا يتضح ألا من خلال البحث الامبريقي.

لقد أكد بارسونز في نظريته التي أسلفنا الحديث عنها، أن لكل نسق بيئة، وان بيئة أي نسق من الإنساق الفرعية الأربعة تتكون من الإنساق الثلاثة الأخرى.      

ودعونا ألان نترك هذا جانباً ـ ولو بشكل مؤقت ـ لنستقرئ التفاعل الصراعي ابتداء من اختلاف ثنائي بين فردين (Dyadic) باعتباره أصغر نسق اجتماعي للصراع وابسط شكل  من أشكال التفاعل الصراعي.

من المؤكد ان الاختلاف كشكل أولي من أشكال الصراع يمثل نسقاً تفاعلياً يجد الفاعل (Actor) فيه نفسه امام طرف أخر (Alter) في موقف تضاد خلافي يتطلب تفاعلاً بين طرفين يسعى كل منها الوصول إلى غاية معينة.

ولان عملية التفاعل في أي نسق اجتماعي عملية اجتماعية، فلا بد أن تنطوي على قيم ومعايير ودوافع واهداف تؤثر بدورها على عملية التفاعل داخل النسق. بمعنى اننا لا بد أن نضع في الاعتبار تأثير الأنساق الأخرى والظروف المحيطة على التفاعل بين الطرفين (الخصمين) داخل النسق.

وبتعبير آخر فان ما يحكم التفاعل السلوكي داخل النسق الصراعي ليست ظروف النسق بمفردها، بل ظروف ومتغيرات عديدة بعضها داخلي يتعلق بالنسق ذاته وبالمتفاعلين أنفسهم، وبعضها خارجي يؤثر على النسق. وتمثل تلك الظروف بمجموعها بيئة النسق الصراعي، فيصبح المتفاعلون (Alter. Actor) في موقف يضم عدداً من المتغيرات والعوامل المادية وغير المادية، إضافة إلى متغيرات أخرى ثقافية واجتماعية تمثل المعايير والأنماط والرموز الثقافية التي تؤثر في الموقف وتتحكم بسلوكية الفاعلين وفي اختيارهم غائياً وعقلانياًRationality and Utilitarianism  للوسائل والأساليب والسلوكيات الملائمة من بين عدة بدائل وخيارات في ضوء ظروف الموقف ومتطلباته لتحقيق الأهداف.

ومن الواضح ان الفاعل قبل اتخاذ القرار وقبل اختياره للخيار السلوكي من بين عدة بدائل، سيبذل نشاطاً عقلياً يحاول فيه أن يرسم خريطة معرفية للموقف الكلي وان يقيم الموقف ويتوقع سلوك الخصم وردود الأفعال المحتملة في ضوء تأثير الأنماط والرموز الثقافية والقواعد المعيارية التي تحدد وسائله وتحدد له ما هو عقلاني من سلوك وما هو غير عقلاني.

ويبدو واضحاً أن هذا التصور الفكري ينطلق من افتراض أن النسق الاجتماعي للصراع لا يعمل ألا في سياق عرف موروث وتحت تأثير نسق ثقافي متعارف عليه. وان الفاعلين في نسق الصراع يشتركون في الاعتقاد بقيم وأساليب مشتركة للسلوك، ومن ثم معايير ورموز متشابه ومستدمجة في ذواتهم (Internalization). ولذلك فأنهم يفكرون طبقاً لتلك المعايير والقيم والموجهات ويتصرفون بشكل متشابه في المواقف المتشابهة. غير إننا يجب أن نميز بين أنماط السلوك والتفاعل الفعلية وبين الأنماط المثالية المحددة بواسطة تلك الموجهات أو ذلك الإرث الثقافي. ذلك أن الأفراد، بل والمجتمعات والفئات الاجتماعية في المجتمع الواحد، يستدمجون ويستوعبون تلك المثل والرموز الثقافية بشكل غير متساو او بشكل جزئي وغير كامل. وهذا ما يفسر اختلاف السلوكيات بن الأفراد او بين الفئات، و يفسر كذلك حدوث سلوكيات غير متوقعة إطلاقا ولا سيما تلك التي تكون خارج التوقعات فتؤدي إلى تغير مجرى الأحداث. ولنا أن نقارن ونميز بين الأيديولوجيات والأفكار الدينية وبين التطبيقات والتمثلات الحياتية لتلك الأيديولوجيات من قبل الأفراد.

ولو استثنينا تلك الحوادث النادرة الناتجة عن سلوكيات غير متوقعة غيرت موازين القوى  وأحدثت انقلاباً استراتيجياً في مفاهيم المواقف وأعرافها، كما في بعض الحروب عندما تصرف بعض القادة تصرفاً غير متوقع إطلاقا فغيروا بسلوكهم ذاك نتائج المعركة وحساباتها وأحدثوا تحولاً استراتيجياً في سجل الحروب ودروسها. ولو استثنينا كذلك سلوك القادة الكارزميين او السلوك الكارزمي في المواقف المختلفة، فأن خسارة طرف من أطراف الصراع إنما تعني في الواقع سوء تقدير للموقف الصراعي أو عدم استثمار آلياته على نـحو سليم أو فشل في بناء القرار على أسس سليمة من المعرفة المسبقة لما يترتب على اتخاذ مثل ذلك القرار من نتائج. فما المقصود بصناعة القرار؟

ذلك ما سنـحاول إلقاء الضوء عليه في مبحث لاحق. ولكن قبل ذلك دعونا نـحاول استيعاب الإشكالية البارسونية وتجاوز نقطة الضعف البارسونية المتمثلة في إغفال دور الصراع تحقيقاً لفكرة التكامل (الوفاق بين الأنساق)، الأمر الذي آثار عليها هذا القدر من النقد.

 

2-الأشكالية البارسونية : التغير والصراع

لابد من القول أولا أن ما سنـحاول تقديمه هنا لا يتعدى كونه مجرد فكرة اجتهادية إيضاحية نأمل أن تخضع للتأمل والتمحيص والنقد البناء.

وثانياً:  أن ما استندنا عليه في استنباط تلك الفكرة لم يكن خالصاً من بنات أفكارنا، بل من  مقولة     بارسونية أريد لها أن تقف عند حد معين لتبرير واقع اجتماعي.

ثالثاً: أن اجتهادنا الفكري يحاول جهد المستطاع استيعاب الفهم الجدلي لحركة التاريخ وتوظيف التصور الايديولوجي لذلك الفهم من خلال تطوير الترسيمة البارسونية ذاتها، دون أن يعني ذلك بالضرورة أقراراً بشمولية الفكر البارسوني أو حكماً بدقة معالجاته.

لقد أفترض بارسونز في مقولاته ان تحليل بناء الفعل يوضح العوامل التي تسهم في استقرار النسق. غير أن تحليل الأبعاد الوظيفية لانساق الفعل الفرعية يلقي الضوء على العمليات التي تصطرع داخل النسق. ولذلك حاول بارسونز أيجاد مخرج يربط من خلاله بين الأداء الكلي لانساق الفعل وبين متغيرات النمط، فعرف وظيفة أي نسق بأنها ((مركب من الأنشطة يتجه لإشباع حاجة أو حاجات النسق بوصفه نسقاً)).

ولكي يستمر النسق في الاداء الوظيفي ويحافظ على استمراريته فأنه يجب أن يستجيب لنوعين من الحاجات أو المشاكل، ويولد الأنشطة الضرورية لإشباع تلك الحاجات.

1. الحاجات التي تتصل بعلاقة النسق ببيئته.

2. حاجات التنظيم الداخلي للنسق ذاته.

ولذلك فان هناك أهداف تتضمن علاقات النسق بالبيئة وأخرى تتعلق بالتنظيم الداخلي للنسق ذاته. ومثل تلك الحاجات لا يمكن تطمينها ألا من خلال أنشطة معينة اقترح بارسونز تسميتها بالأنشطة التحقيقية أو التكميلية Consummator، والأنشطة الوسيلة أو الغائية Instrumental  تميزاً لهما فيما يهتمان به من أهداف داخلية أو خارجية.

وتأسيساً على هذا فان أي نسق من انساق الفعل يجب أن تتوافر فيه أربع وظائف لإشباع الحاجات الأساسية للنسق (التكيف، تحقيق الهدف، التكامل، و المحافظة على النمط). وبالتالي فان نسق الفعل لا يمكن أن يوجد ألا إذا أشبعت هذه الحاجات الأربعة ولو إشباعاً جزئياً على الأقل. (9: صص78-84)

بيد أن نسق الفعل ما هو ألا تكوين يجمع بين تركيب بايولوجي وآخر اجتماعي. ومثل هذا التكوين لابد أن يتضمن بالضرورة قدراً من التناقض لا ختلاف التركيبين. فهو أذن حصيلة لتوازن غير مستقر (Problematic) بين ألانا الفردية (Ego) وجذورها، و بين الذات العليا (Super ego) وما تحمله من أنماط فكرية وثقافية ورمزية، وما بينها من بناءات وتنظيمات اجتماعية ومؤسسية. لذلك فان نسق الفعل أنما يمثل في الحقيقة محصلة (Synthesis) تحمل في طياتها ميكانزمات طاقاتها الحركية وآليات ضوابطها وعوامل قلقها وعدم استقرارها، والتي من خلالها يستجيب النسق ويتحرك ويولد الانشطة اللازمة لاشباع حاجاته.

ثم ان الفعاليات رغم فاعليتها في الحفاظ على التوازن غير المستقر وفاعليتها في تلبية الاحتياجات، فانها بحاجة إلى دعم وتعزيز مستمرين للمحافظة على ديمومة الفعل.  وراى ان مثل ذلك الدعم والتعزيز تستمده من نسق آخر (غير شرعي) (Iinformal , Unformed) يقوم بوظيفة التنظيم والتزويد (Distribution) حيث يستمد قدراته التنظيمية هذه من الانساق الشرعية. بمعنى آخر أن النسق اللاشرعي المقترح يأخذ من الانساق الشرعية ما يفيض عن حاجتها من ميكانزمات التكيف وآليات الضبط ويقوم بدوره بتزويد تلك الأنساق بما تحتاجه من معلومات وطاقة. فهو اشبه بالمنظم (Regulator) لعمليات الأخذ والعطاء، وهو الوسيط بين تلك الأنساق في ذات الوقت، ودوره ذلك شبيه بدور عملية الايض (Metabolism ) في جسم الكائن الحي. (1: ص266، وانظر كذلك هامش رقم  15)

وبسبب من مركزية هذا النسق اللاشرعي فأنه اكثر صلة بكل نسق من الأنساق الشرعية واكثر تأثراً وتاثيراً بكل منها في آن واحد. وبالتالي فأنه (وبسبب من لاشرعيته) مستودع لكل حالات التعويق الوظيفي Disfunction  في نسق الفعل العام. أو بمعنى آخر فهو اكثر الإنساق الافتراضية قدرةً على التأثر بيئية النسق – أي بالأنساق الفرعية لنسق الفعل – ومن ثم تأثيرا فيها، مع ملاحظة أن شدة التأثر والتأثير هذه تختلف  من مرحلة لأخرى وتبعاً لنوع ومرحلة التنظيم والاجتماعي السائدة في المجتمع (مرحلة تنظيم جسمي او مرحلة تنظيم وظيفي مثلاً) والى درجة يستطيع معها النسق المقترح أن يتحول إلى نسق شرعي يمارس دوراً ووظيفة واحدة من الأنساق الشرعية ليعيد بذلك الترتيب البنائي لنسق  الفعل العام، وذلك إذا ما بلغ الاختلال أو الارتباك Disorder في وظائف الأنساق الشرعية أو في واحد منها حداً يعيقها عن أداء دورها الوظيفي في الحفاظ على التوازن الكلي أو إشباع الحاجات ولو إشباعاً جزئياً.

ولتقريب هذه الفكرة الاجتهادية المقترحة لذهن القارئ أقدم رسماً تخطيطاً لنسق الفعل على وفق الترسيمية البارسونية الأصلية مع بيان موقع ودور النسق اللاشرعي المقترح(M) والمستدخل في الترسيمية البارسونيه، وعلى وفق مستويات تجريدية ثلاثة.

         

 

 

 

مخطط رقم –6-

مقترح

الترسيمة البارسونية المنقحة

 

مستوى التجريد الاول

مستوى التجريد الثاني

مستوى التجريد الثالث

الابعاد الوظيفية

لنسق الفعل

الانساق الفرعية

لنسق الفعل

الأبعاد المجتمعية

لأنساق الفعل

 

الفصل الخامس

عملية اتخاذ القرار The decision making process   

اولاً: القرار وصناعة القرار

القرار لغوياً المستقر من الأرض. والقرار بالمكان بمعنى الاستقرار (16: ص528). فالقرار بهذا المعنى اختيار وتفضيل لشيء على آخر. لذلك يميز البعض بين القرار وبين عملية صناعة القرار. وهكذا ذهب بارسونز ((فكلمة صنع القرار يفهم على أنها التصرف الذي يعني التصميم من جانب حول مجموعة من البدائل. أما القرار فيجب أن يفهم على أنه ذلك الذي تم تحديده، والحركة هي الشيء الذي حدث. أي الشيء الذي وقع فعلاً بما يتبعه من عناصر التحرك والفعل)) (17: ص124)

ولا خلاف في ذلك ((فعملية صناعة القرار اكثر اتساعاً من القرار لان القرار هو تعبير عن المخرجات التي ترتبط بالموقف. أما عملية صنع القرار فهي كل ما يرتبط بالموقف من مدخلات ومخرجات فضلاً عن التفاعل بينها)) (17:ص 142)

ويمكن اعتبار عملية صنع القرار سلسة من الأحداث والإجراءات المترابطة التي تبدأ بادراك المشكلة وتنتهي بالمواجهة الفعلية او مرحلة التنفيذ الفعلي للقرار. ولذلك نستطيع تفصيل تلك الأحداث على النـحو التالي.

أ. أدراك المشكلة

ب. تحديد أبعاد المشكلة.

ج. تحليل صعوبات الموقف.

د. تحديد الوسائل الملائمة لمواجهة الصعوبات.

هـ. تحديد بدائل السلوك المحتملة.

و. التنبؤ بالتتابع المتوقع لكل بديل.

ز. إعطاء قيمة تفضيلية لكل بديل.

ح. اختيار البديل الأفضل.

ط. تنفيذ القرار.

ويميز البعض بين صور وأشكال القرار. فهناك قرار حاسم، بمعنى مواجهة صريحة بقصد تصفية المشكلة نهائياً كما في قرار خوض الحرب عام 2003. وهناك ما يسمى بقرار التأجيل  بمعنى أرجاء حل المشكلة إلى فترة أخرى اكثر ملائمة، ومثال ذلك قبول القيادة المصرية لمبادرة روجرز عام 1969. ثم هناك قرار توفيقي بمعنى التلاعب بالموقف بقصد الوصول إلى حل للمشكلة لا يصل إلى مرتبة الحسم ولا يقف عند مجرد التأجيل، ومثاله قرار حرب الاستنزاف 1968-1970.(17: صص124-125)

وبعيداً عن الأبعاد السيكولوجية المصاحبة لعلمية صناعة القرار، فان عملية الاختيار بين البدائل السلوكية واتخاذ القرار تعتبر أسلوبا للاستجابة أو سياسة تهدف إلى تكوين استجابة محددة في موقف يتميز بوجود مشكلة معينة. 

ويبدو أن للقرار مستويات عديدة. فهناك من القرارات ما يتخذ على مستويات الفرد أو الجماعة أو الطبقة أو الأمة. أو على مستويات اكثر من تنظيم في آن واحد. وهناك قرارت تكون آثارها داخلية في مقابل قرارات تنسحب تأثيراتها إلى خارج نطاق أو مساحة النسق الذي صدرت عنه. كما يمكن التميز بين القرارات على أساس كونها قرارات تنطلق من مبادرات ذاتية أو قرارات تتخذ كرد فعل لقرار معاكس، إلى جانب إمكانية التميز بين القرارات طبقاً لموضوعاتها ومجالاتها.

ويميز المهتمون بموضوع القرار بين قرار اتخذ على أساس كونه خياراً سلوكياً تم اختياره بعد دراسات مستفيضة واقتراح بدائل مختلفة فتم انتقاء اكثر البدائل رشداً وهو ما يطلق عليه بالنموذج التحليلي لاتخاذ القرار. وبين قرار اعتمد مسبقاً ثم درست ظروف الموقف والاحتمالات المتوقعة لتنفيذه للتأكد من سلامة القرار وصوابه قبل التنفيذ أو ما يطلق عليه بالنموذج المعرفي (18: صص15-17). وبين قرار ثالث لم يكن هناك متسع من الوقت لدراسة ظروف أحداثه فاتخذ على عجل بالاستعانة بخبرات سابقة سبق أن استدمجها الفرد في نسقه الفكري، وهو ما يطلق عليه بالنموذج التنظيمي لاتخاذ القرار.

وتفيدنا كتب التاريخ بان عملية المفاضلة بين البدائل السلوكية وصناعة القرار كانت عملية فردية تعتمد – وحتى وقت قريب – على خبرة رجل الدولة أو صانع القرار وعلى ذكائه وطريقته الشخصية في التفكير وعلى تكوينه النفسي و تنشئته الاجتماعية وعلى ما اكتسبه من مرونة في التكيف مع الظروف المحيطة. ففي ظروف المعارك والحروب والصراعات التاريخية كان تقييم الموقف وتقدير ظروف المعركة وتنبؤ ردود أفعال الخصم، عملية تعتمد على اجتهاد القائد الميداني صانع القرار بالدرجة الأساس، وعلى سلامة تغذيته الراجعة Feed Back  وربما دون الاستعانة بوسائل أو مقاييس للاستنتاج والحكم. فكل ماكان يستعين به رجل القرار في اتخاذه للقرار بعضاً من المعلومات لم تكن تتعدى ملاحظات سطحية لا تصل إلى درجة الاستنتاجات الدقيقة كعدد المقاتلين وأسلحتهم والآليات المستخدمة وظروف الميدان.

ولا شك أن ذلك يعني أن المواجهات التخطيطية في عملية صناعة القرار لم تكن تتم في الواقع ألا بين رجلين فقط. فرجل القرار في الحقيقة لم يكن يستعين ألا بعدد من الصفوة المقربين أليه غالباً، أضافه إلى بعض البيانات الأولية. وكلما كانت البيانات دقيقة ومتوفرة وكانت عملية الربط بين المتغيرات سليمة، كان صانع القرار أقرب إلى النجاح. ولذلك يمكن القول أن عملية صناعة القرار بشكل خاص وادارة الصراع بشكل عام لم تكن في حقيقة الأمر جهداً تحليلياً يخضع للتفكير العلمي والتحليل المنطقي وربط المتغيرات قبل تحديد الاستراتيجية المناسبة واتخاذ القرار.

غير انه ينبغي أن يكون واضحاً بان ذلك لايعني أن عملية صناعة القرار لم تكن تخضع لحسابات وتقديرات و تنبؤات. فخلاصة القول أن تلك الحسابات والتنبؤات كانت تعتمد إلى حد كبير على خبرة رجل القرار ودقة استنتاجاته وعلى مدى ذكائه الفردي في التعامل مع الأحداث، ولذلك فان أي خطأ او سوء تقدير في حساباته أو توقعاته، أو أي خلل في آليات التنفيذ سيكلف معسكره أضراراً وخسائر فادحة كان يمكن تفاديها لو كان تعامله مع الأحداث بمنهجية واضحة وتفكير علمي وتحليل استراتيجي.

 

ثانياُ: التفكير العلمي والتحليل الاستراتيجي

يقصد بالتفكير العلمي ذلك النمط من التفكير المنظم المستند على علاقات منطقية بين المتغيرات. أما الاستراتيجية (Strategic) فهو مصطلح استخدم من قبل الجنرال (كلاوزفيتز) لوصف الطريقة المثلى لخوض الحروب بواسطة الربط بين نتائج العمليات العسكرية في الزمان والمكان بحيث تتمكن القوة المحاربة من تحقيق حالة متفوقة لاتتيح للقوة المعادية اللجوء إلى وسائل تمكنها من تغيير سير القتال.

وقد توسعت الاستخدامات العلمية لمصطلح الاستراتيجية فأصبحت تشمل أموراً عسكرية وغير عسكرية (19: صص103-104) وربما استعمل المصطلح في عالم السياسة بمعنى تحديد الاتجاه الرئيسي للحركة.

أن حقل الدراسات الاستراتيجية حقل حديث تعاظم شأنه بعد الحربين العالميتين وبعد تصاعد وتائر الحرب الباردة وتزايد حدة الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين، عندما أزداد الاعتماد والاستعانة بالعلوم السلوكية في التخطيط لتلك الحروب والمواجهات وتحليل المواقف المؤدية لها والاستفادة من نتائجها.

يتطلب الإطار التحليلي لتلك الدراسات في بعض ما يتطلبه الاعتماد على نتائج ما يسمى بنظرية اللعب Game theory  التي تبحث في معرفة البدائل المتوقعة وما يرتبط بكل بديل من تطورات محتملة وتقدير المكاسب والخسائر المرتبطة بتلك الافتراضات والبدائل وصولاً إلى اختيار الاستراتيجية التي تحقق اكبر قدر ممكن من المكاسب وذلك استناداً على تحليل المعلومات المتوافرة والمستقاة عادةً من مصادر متعددة كأجهزة الرصد والمخابرات ووسائل الأعلام والجهات الأمنية والدبلوماسية في الداخل والخارج.

ومن المؤكد أن ذلك الكم الهائل من البيانات والمعلومات والتي قد تتعارض في مصداقيتها أحياناً يحتاج إلى خزن وتصنيف وتبويب. ومثل هذا الجهد يسهم به علم إدارة المعلومات (Information management ) بتنظيم وتبويب البيانات وتوفير المعلومات التي يحتاجها رجل القرار ساعة اختيار القرار منظمة على وفق سياقات مختلفة بعد اختزالها وتنظيمها وتحويلها إلى الشكل الذي يسمح باستخدامها واستفادة رجل القرار منها وقت الحاجة بما لا يؤثر على المضمون ولا على كيفية وسرعة استفادة رجل القرار منها.

علم بحوث العمليات (Operations research ) هو الآخر ليس بعيداً عن حقل التحليل الاستراتيجي، أذ يتم حل المشكلات الفنية المتعلقة بصناعة القرار منهجياً بواسطة أختبار وتجريب افتراضات متعددة يضم كل منها متغيرات عديدة وتفاصيل دقيقة وأختبارها في ظروف مختلفة بالاعتماد على برامجيات أجهزة الحاسوب وتقنيات الآلات الحاسبة وذكاء العقــول الإلكتــرونيــة حتـى يتــم التوصـل إلــى افضــل نتيجة (Optimum outcome) (20:ص 37)

لقد استثمرت دول العالم المتقدم معطيات تلك العلوم والفروع المعرفية ورصدت أموالا طائلة لقنوات جمع المعلومات و أنشأت مراكز بحثية متخصصة بالتحليل الاستراتيجي تضم العديد من المتخصصين والباحثين في كل فروع المعرفة الإنسانية لتحليل البيانات وتصنيف المعلومات وتجريب الاحتمالات والتعامل مع آلاف المتغيرات والتفاصيل لاختبار البدائل السلوكية والافتراضات المنطقية التي تهئي لتكون جاهزة تحت يد رجل القرار لاختيار البديل السلوكي المناسب في المواقف المحلية والدولية وفي كافة مجالات الحياة.

ولعل العالم العربي مازال دون استيعاب التطورات العلمية (لحقل التحليل الاستراتيجي) استيعاباً سليماً وكافياً عدا استثناءات قليلة لا تتعدى بضع مراكز ومحاولات مازالت بدورها دون مرحلة النضج.

 

ثالثاً: نظرية اللعب Game theory

تستند نظرية اللعب التي وضع أسسها عالم الرياضيات ((جون فون نيومان)) (J.V. newmann) في جوهرها وخطوطها العامة على مجموعة الاحتمالات والافتراضات التي يمكن حدوثها في موقف تفاعلي بين طرفين او اكثر. وتبنى تلك الاحتمالات والتوقعات على نبواءت افتراضية لسلوكيات المتفاعلين في حدود إمكاناتهم وقدراتهم وضمن القواعد المنطقية المتعارف عليها للتحرك. وتحاول النظرية إن تحدد حسابياً اختيار افضل تحرك او استراتيجية يمكن أن يسلكها الفاعل وتشير عليه بما يلزم عمله للخروج من وضع سيء بأقل خسارة ممكنة، أو انتزاع اكبر فوز من وضع ملائم آخذاً بنظر الاعتبار التصرفات الممكنة لطرف منافس يستخدم التحليل العلمي المنطقي وتقع تحت تصرفه إمكانات وموارد معلومة. (21:صص 13-18)

وتعتمد صناعة القرار في الموقف التفاعلي على المفاضلة بين البدائل المنطقية للسلوكيات المحتلمة التي تقدمها افتراضات نظرية اللعب وما يترتب على تلك البدائل من خسائر ومكاسب، ومن ثم اختيار البديل السلوكي الذي يحقق الهدف ضمن أدنى حدود الخسائر.

ويمكن محاكاة عملية التفاعل في الموقف بلعبة الشطرنج وما فيها من قواعد ومعايير تحكم حركة الأحجار والقطع ضمن نطاق ومدى محدد لحركة كل منها، إذ يتطلب نقل أحد الأحجار أن يرسم اللاعب خارطة معرفية (Cognitive map) للموقف يستعرض فيها البدائل ويتنبأ بما يترتب على نقل حجر أو آخر من نقلات مضادة يقوم بها الخصم في اللعبة واضعاً في اعتباره القواعد والمعايير التي تحكم  حركة الأحجار من جهة واحتمالات الربح والخسارة المترتبة على النقلات من جهة أخرى، وذلك في سلسلة من بدائل النقلات وما يترتب عليها من احتمالات التطور قبل اختيار القرار المناسب وتنفيذه.

غير أن هناك مواقف تفاعلية تتشابك فيها المتغيرات وتتلاحق فيها الأحداث بسرعة تتطلب ردود فعل سريعة. إذ تكون فيها ديمومة الحدث أقصر زمنياً من إمكانات استيعاب المدخلات الادراكية، وعندها لا يمكن اعتماد حصر العوامل والمتغيرات وتحليلها قبل اتخاذ القرار المناسب. بل لابد أن تكون عملية صناعة القرار عملية شبه آلية تعتمد إلى حد كبير على خبرة رجل القرار وعلى مقدار ما سبق له أن تعلمه من خبرات معرفية، وما سبق له أن تدرب عليه واستوعبه من نماذج جاهزة لمواقف متشابه سابقاً.

لذلك صنف المهتمون بدراسات القرار مسارات البحث عن البدائل السلوكية في علمية اتخاذ القرار فيما يلي:-

أز المسار الرشيد او التحليلي. Analytic or Rational model  

وفيه يتم البحث عن البدائل المتاحة وتحديد النتائج المحتملة على كل بديل مع تقدير احتمال حدوث كل من تلك النتائج ومراجعة التقديرات كلما تغيرت ظروف الموقف. ويقوم صانع القرار بتحديد القيم التي تتأثر نتيجة اتخاذ القرار مع إعطاء كل قيمة وزناً معيناً طبقاً لأهميتها لرجل القرار. وبعد ذلك ترتب النتائج على وفق علاقتها بكل من النتائج الأخرى، وفي النهاية يتم التوصل إلى دالة واحدة للمنفعة، وبذلك يكون الاختيار النهائي هو الاختيار الذي يحقق المنفعة بالدرجة الأولى.

ب. المســـار المعـــرفي    Cognitive model

وفيه يتم البحث عن البدائل السلوكية التي تتوافق مع النسق العقيدي لصانع القرار ومع خبراته وتصوراته الشخصية والسابقة، ولذلك ترفض البدائل التي تتناقض مع هذا النسق او التي أثبتت الخبرة السابقة عدم جدواها. ويتم اختيار البديل السلوكي الذي لا يتقاطع مع ذلك النسق او مع تلك الخبرات السابقة، بل يتم اختيار البديل الأكثر اتساقاً مع قيمة واحدة يحددها صانع القرار. وبذلك تصبح هذه العملية عملية قياس على النسق (Analogization). (18: صص17-18)

ج‍. المســار التنظيمــي Organizational  model  

يقوم هذا النموذج على رؤية معينة للفعل الإنساني وتفاعله مع البيئة وقدرته على اتخاذ قرارات سريعة ومعقدة في فترة زمنية محدودة للغاية من دون القيام بعمليات حصر شامل للبدائل والنتائج المترتبة عليها. وتقوم افتراضات هذا النموذج على أساس أن عملية صنع القرار تتم على أساس شبه آلي وبطريقة مبرمجة في ضوء برنامج تدرب عليه صانع القرار سلفاً. وبذلك تصبح عملية صنع القرار عملية مبرمجة آلية ترتكز على متغير او متغيرات معينة مع إهمال باقي المتغيرات.

وعلى المستوى التنظيمي يقوم هذا النموذج على أساس أن هناك بيئة هرمية منظمة فيها بناء معقد يتضمن اتصالات وتنظيم. (22: صص 17-18)

ومن الواضح أن هذا التحليل متوافق في خطوطه العامة مع إشارتنا إلى أهمية المؤثرات العقلانية و الغائية على عملية اختيار القرار وتحكمها بسلوكية الفاعل قبل الاختيار.

بيد أن تقسيماً كهذا يحمل في طياته افتراضا نظرياً في الأقل بأن هناك تقاطعاً بين الغائية والعقلانية في السلوك، ومن ثم فان هناك تقاطعاً بين المسار الرشيد والمسار المعرفي لاتخاذ القرار، وان عملية أختيار البديل السلوكي لابد أن تتم في ضوء ذلك التصنيف، مما يعني بالتالي ان المسار الرشيد يتعارض بالضرورة مع المسار المعرفي.

غير أن تجارب الحياة والملاحظات الواقعية تفيد بان صناع القرار في ظل غياب مؤسسات البحث الاستراتيجي، ورغم سعيهم لاختيار البديل السلوكي المناسب، وسواء اعتمدوا سبل التحليل العلمي في التفكير أم لم يعتمدوها، فأنهم لا بد متأثرون بالنسق الثقافي في مجتمعهم وبما استدمجوه في ذواتهم من معايير وما تمثلوه من رموز ثقافية ستدفع الفاعل نـحو اختيار بديل سلوكي دون آخر. وبالتالي فان عملية صناعة القرار في مراحلها المختلفة ستتأثر بصراع عقلاني غائي تتداخل خلاله آليات ومسارات النموذج المعرفي بالنموذج الرشيد إلى درجة يصعب فيها فهم ذلك التداخل او فك الاشتباك دون الرجوع إلى فهم النسق الثقافي المجتمعي من جهة والنسق العقيدي الشخصي من جهة ثانية. بل أن النموذج التنظيمي ذاته يدلل بما لا يقبل الجدل أن اختيار النموذج السلوكي سبيلاً للتصرف وتنفيذ القرار، أنما يخضع لما سبق أن تعرض له رجل القرار من تجارب سابقة وخبرات تدريبية تعلمها بتأثير خضوعه لنسق ثقافي معين دون آخر. فالخبرات المكتسبة في حل المشكلات السابقة ستسهم في اختيار الفرد لبديل دون آخر (راجع هامش رقم 19)، ولنا ان نراجع آراء كيرت ليفن (K. lewin) في مجال الصراع بين الدوافع والرغبات والثواب والعقاب لنتعرف على آليات الصراعات السيكولوجية في عملية اتخاذ القرار. (راجع هامش رقم 23).

خلاصة الآمر أن صناعة القرار تختلف باختلاف المواقف والأفراد وباختلاف استيعاب الفاعل وتمثله لرموز النسق الثقافي، ومدى أيمانه بقيم دون أخرى وطبيعة تنشئته الاجتماعية إضافة إلى حدة ومدى تأثير متغيرات الموقف الأخرى على الفرد.

فالرجل الهندوسي مثلاً رغم تضوره جوعاً، ألا انه يأبى قتل البقر لأيمانه بقدسية ذلك الحيوان. ولذلك فانه يستبعد من خياراته السلوكية كل خيار يتجه به نـحو أكل لحم ذلك الحيوان أو ذبحة. غير أن ذلك الاستبعاد يختلف من هندوسي لاخر تبعاً لدرجة تمثله لقيم الدين الهندوسي او قيم النسق الثقافي الهندوسي أولاً ووفقاً لمتغيرات الموقف الكلي الذي يجد نفسه فيه مدفوعاً نـحو ذلك البديل السلوكي من جهة ثانية. وما يقال عن الرجل الهندوسي يصح ايضاً على الرجل المسلم واكل لحم الخنزير وعلى افراد آخرين وسلوكيات أخرى. وقد أفادتنا تجارب التاريخ أن صانع القرار كثيراً ما تصرف تصرفاً تحلل فيه من بعض التزاماته الخلقية والقيمية وتحلل من أحكام قيود النسق الثقافي متصرفاً بغائية تامة ومبرراً تصرفه هذا بحجج تبريرية رغم أيمانه والتزامه بتلك القيم في سلوكه اليومي.

ولعل بارسونز قد أدرك أبعاد ذلك الازدواج عندما أشار إلى ان هناك سلسلة من المعضلات (Dilemmas ) التي تواجه الفاعل ويتوجب عليه حلها أثناء توجيه فعله، فقدم لنا فكرة لها القدرة على التعميم التحليلي وعلى تفسير العلاقات الاجتماعية في المواقف التي تختلط فيها دعاها بمتغيرات النمط (Pattern variable). وهي فكرة تقوم على أزواج من متغيرات تفسر خيارات الفاعل في المواقف المختلفة بعضها يرتبط بشكل الموضوع (العمومية مقابل الخصوصية، او النوعية مقابل الإنجاز) وبعضها يرتبط بتوجيه الفاعل ناحية الموضوع (الانتشار مقابل التخصيص والوجدانية مقابل الحياد الوجداني) (9: ص127)

خلاصة الآمر أن نظرية اللعب تفترض أن هناك معايير وقواعد يفترض أن تتحكم بسلوكيات الفاعلين في المواقف التفاعلية المختلفة. ولذلك تنظم الاحتمالات السلوكية في سلسلة عنقودية من البدائل مع  تقدير احتمالات المكاسب والخسائر المرتبطة بكل تحرك او احتمال، ودون استبعاد أي احتمال مهما قل شأنه أو تضاءل احتمال حدوثه. فقد يتطلب التحليل في بعض الأحيان افتراض احتمالات غير منطقية أو غير محتملة أو ضعيفة على الصعيد الواقعي مع اقتراح سلسلة من البدائل المختلفة المترتبة على كل افتراض بصيغ تعتمد الرياضيات الحديثة ويتم معالجتها على الحاسبات الإلكترونية.

 

رابعاً : إشكالية القرار

أفترضنا في المباحث السابقة أن متطلبات صناعة القرار الرشيد تستدعي الاستعانة بمؤسسات متخصصة في التحليل الاستراتيجي وصناعة القرار.

ولكي ندعم هذا الاستنتاج لابد أن نختتم هذا الفصل بالحديث عن إشكالية القرار. ولعل خير ما نعبر فيه عن إشكالية القرار أمثله تكون قريبة في عموميتها من أدراك اغلب القارئين. ولاشك أن تلك العمومية تتثمل خير تمثيل في القرارات المؤسسية ذات البعد الرسمي وليس في قرارات فردية ليس لها من تأثير غير البعد الشخصي غالباً.

وربما يكون من المناسب جداً اختيار أمثلة نستمدها من الواقع العربي، ذلك أن القرار العربي في بعده المؤسسي لم يزل قراراً بدائياً (Primitive ) في الصناعة وعاطفياً انفعالياً  (Emotional) في التنفيذ.

وقبل أن ندخل في تفاصيل الموضوع لابد من الإشارة إلى أن ما نقصده بإشكالية القرار العربي، إنما تعني إشكالية وظيفية وليست إشكالية بنائية.  فالقرار العربي يعاني من خلل وظيفي واضح.

أن أول ما يمكن تشخيصه في القرار العربي انه قرار اوتوقراطي (Autocracy) يرتبط صناعةً وتنفيذاً برئيس الدولة أو النخبة الحاكمة. وهو يتأثر في الغالب بالأيمان الأيديولوجي أو العقيدي لرجل القرار، ويتخذ غالباً دون الاعتماد على الأطر العلمية المرجعية لخطوات التحليل الاستراتيجي.

وثاني ما يسجل على القرار العربي أنه قرار نفعي براغماتي. ثم أنه قرار آني مرحلي لا يستند على رؤى مستقبلية بعيدة المدى الا ماندر. وحتى أن استند على بعد زمني فان ذلك البعد لا يتعدى بضعة أعوام معدودة. ويبدو أن الحديث عن القرار بشكل عام يتطلب تناول الموضوع من زاويتين. زاوية تتعلق بصناعة القرار وبنائه وأخرى تتعلق باختياره وتوقيت تنفيذه.

فلو ابتدأنا الحديث عن الوجه الأول كان لزاماً أن نستعين بما اختطه الآخرون في هذا المجال. فصناعة القرار عملية تخصصيه تختلف عن التنفيذ وعن اختيار البديل السلوكي المناسب. ذلك أنها عملية تتطلب جمع بيانات مختلفة وأرقام صماء وحقائق مجردة من مصادر مختلفة، ثم تصنيفها وتحويلها إلى حقائق ومعلومات مفيدة ومصنفة حسب عدة سياقات ومسارات، ثم تحويل تلك المعلومات إلى آلاف من الفرضيات والاحتمالات الناطقة وتجريبها واختبارها في ضوء عوامل ومتغيرات وظروف متغايرة وصولاً نـحو عدد من النتائج والحلول والبدائل السلوكية مع حساب قيم ونسب احتمالات تحقق كل من تلك البدائل في الظروف المختلفة وتقدير ما يترتب على كل قيمة من مكاسب وخسائر افتراضية. فهو جهد أقرب ما يكون إلى العمل المختبري وتحليل العناصر الكيمياوية في المختبر.

ولاشك أن جهداً كبيراً كهذا لا يستطيع أن ينجزه إنسان بمفرده مهما بلغ من نبوغ وذكاء ولا فئة قليلة ولو كانوا على وعي كبير. فهو يحتاج إلى كادر من المتخصصين في علوم ودراسات متغايرة أولا، ويحتاج إلى نوعيات من الكفاءات وأشخاص متخصصين يعملون بموضوعية عالية وبتجرد تام وبمعزل عن الاعتبارات العاطفية والأيديولوجية، وعما يؤمنون به من قيم ومعايير. فهم في عملهم أشبه بعقول الكترونية أو (روبرتات) لا تؤثر في عملهم العواطف ولا اعتبارات الأخلاق والضمير ولا قيم الحق والعدالة، ولا ينعكس على عملهم ما يؤمنون به من مبادئ واتجاهات فكرية،بل يوجهون جل اهتمامهم نـحو البحث عن الحقائق وإيجاد السبل المناسبة لتحقيق المكاسب أينما تكون.

غير أن صناعة القرار في أقطار الوطن العربي غير هذا تماماً. فهي مع اختلاف الأطر الدستورية للحكومات العربية ومدى شرعيتها أو ارتباطها بآمال الجماهير او بعدها عنها، ومع اختلاف الظروف الموضوعية واختلاف منهجيات وأساليب صناعة القرار، فأنها لم تزل صناعة أيديولوجية واكثر ارتباطاً بالدور المركزي لرئيس الدولة أو النخبة الحاكمة، ودون الاستعانة بمراكز علمية متخصصة بالتحليل الاستراتيجي غالباً.

ورغم اختلاف المصادر الأيديولوجية التي تستمد النخب السياسية العربية شرعيتها منها، وسواء أكانت تلك المصادر ثورية أم محافظة، تقليدية أم عشائرية، او كانت سلطة تستمد سلطانها من الشرع او الدستور، فان تلك السلطات آنية التفكير ونفعية السلوك في قراراتها.

آنية التفكير بمعنى أنها تنطلق من مبدأ الحفاظ على الذات، وقراراتها تخضع لمبدأ الفعل ورد الفعل، مع غياب الرؤى المستقبلية البعيدة المدى، وان تلك القرارات تتخذ في إطار الحفاظ على أمن النظام والمصالح الأمنية المباشرة بالدرجة الأولى.

ونفعية السلوك بمعنى أن الأيديولوجية التي تستمد منها السلطة شرعيتها، ما هي الا تبرير لتدعيم سلطانها وتبرير شرعية نظامها السياسي، وليست محدداً مبدئياً لسلوكياتها في المجالين المحلي والعالمي. (24: صص92-93). ولنا من الأدلة على نفعية القرار العربي وآنيته أمثلة عديدة.

فقرار الاتحاد العربي بين العراق والأردن في 14 شباط عام 1958 ما هو الا قرار عاطفي ورد فعل سريع لاعلان الوحدة العربية بين مصر وسوريا.

وقرار السادات زيارة إسرائيل عام 1977 ليس الا رد فعل للمتغيرات المحلية والدولية. ولـم يأخذ بالحسبان الاحتمالات المستقبلية ولا الآثار المترتبة على ذلك القرار (24: ص219)

والهاجس الأمني هو السبب الأول في قيام مجلس التعاون الخليجي رغم الاعلان الرسمي عن أهداف قومية وحدويه تنسيقيه.

وقد استثمرت بعض الأنظمة العربية الخوف الجماهيري الغريزي من العدوان الصهيوني في سياستها لتأجيل الإصلاح الديمقراطي في بلدانها بحجة التركيز على الخطر الإسرائيلي. (25: ص71)

والسلوك النفعي للكيانات القطرية العربية فيما يتعلق بمشكلات الحدود مع الجارات العربية يتناقض مع الأدبيات والشعارات القومية التي تنادي بها،ويرسخ شرعية الوجود القطري على حساب الوجود القومي (24:صص 215-216)

وفي بلدان الخليج والجزيرة العربية احتضنت النخب الحاكمة أحياء روح التعصب الديني وشجعت طرح الإسلام بديلاً عن القومية نظراً لما شكله التيار القومي من تهديد مباشر لأنظمة الحكم فيها (26: صص174-177)

ثم أن مجرد احتكار عملية صناعة القرار في يد رجل واحد قد يفتقر إلى تدريب منهجي مع غياب النظرة الاستطلاعية، يعني أن مركز تحليل المعلومات لم يكن سوى عقل مفرد.

ومن الأكيد أن الفرد مهما أوتي من حكمة واقتدار، لابد ان تكون قدراته الفكرية والتخصصية وإمكاناته التحليلية محدودة، وبالتالي فانه بقدراته المحدودة قد يخطئ في توقعاته وتنبؤاته. فقد يهمل بعضاً من الاحتمالات الممكنة الوقوع لتقاطع ذلك الاحتمال مع نسقه الفكري آو لضآلة احتمال وقوع مثل ذلك الحدث لمخالفته ظروف الواقع او السياق المنطقي للأحداث كما يراها صانع القرار.فضلاً عما قد يتعرض له رجل القرار من إرهاق عصبي وتعب ذهني في فترات الأزمات العصبية أو في الفترات التي تتطلب استجابات سريعة والتي تؤثر في القرار وتدفع به في اتجاه مضلل. وقد دلت أحداث التاريخ أن كثيراً من صيرورات الحدث التاريخي لم تكن تخطر على بال صانع القرار أو تكون ضمن حساباته.

عبد الناصر مثلاُ، رغم انه كان عقلاً استراتيجياً في عملية تأميم شركة قناة السويس عام 1956 لم يكن يتوقع احتمال تواطؤ عسكر بين الغرب وإسرائيل، ولم يضع في حساباته ذلك الاحتمال لتعارضه مع السياقات العقلانية والظروف الموضوعية حسب تقديراته الشخصية. (18:صص 17-18) إذ تصور أن إسرائيل سوف تتردد في القيام بدور التابع لاثنتين من الدول الاستعمارية الكبرى(27:ص 530)

و في عام 1967 تبين أن القرار السياسي بإغلاق مضايق تيران لم يكن مبنياً على دراسة معمقة لحالة القوات المسلحة وقدراتها ومدى استعدادها للقيام بحرب تبادر هي أليها هجوماً أو تفرض عليها دفاعاً. (28: ص299)

وقد تحول قرار أنسحاب القوات المصرية من سيناء عام 1967 إلى هزيمة عسكرية ماحقة كان يمكن تفاديها لو أحسنت القيادة العسكرية التخطيط لتلك العملية او تنظيم خط دفاعي يتصدى للهجوم الإسرائيلي. (28:  صص 309-311)

وفي عام 1991 لم يكن يدور في خلد القيادة العراقية أن قوات التحالف العسكري في حرب الخليج ستلجأ إلى قصف جوي يستمر لفترة طويلة ليست بالحسبان وأنها ستعمد إلى تحاشي الاشتباك البري مع الجيش العراقي نهائياً رغم تحشيداتها واستعداداتها الظاهرية (29 ص:15)

وعلى صعيد التخطيط الحضري أخطا القرار السياسي في حساباته في الخمسينات عندما عالج ظاهرة النمو الحضري في مدينة بغداد التي تفاقمت بعد الفيضان فعمل على توطين المهاجرين في مدينة بغداد الآمر الذي اربك التجربة الصناعية وزاد من تضخم معدلات النمو السكاني فأصبحت تلك المعدلات عبئاً أربك الكيان الاجتماعي للمدينة واخل بالتوازن البيئي – السكاني حتى يومنا هذا.

وإداريا قد تصبح القرارات المركزية في كثير من الأحيان من العوائق الإدارية التي تحد من تطوير الكفاءات وتعترض عملية التنمية الإدارية لاعتمادها المركزي على الطابع القانوني والرقابي المتزمت والذي لا يخلو في غالب الأحيان من تأثيرات النفوذ الاجتماعي والسياسي في عالمنا العربي. والأمثلة كثيرة على مستوى القرار السياسي والعسكري والحضري والإداري.

 خلاصة القول أننا بحاجة إلى مراكز متخصصة في مجال صناعة القرار والاستفادة من تجارب الآخرين في هذا الحقل المعرفي والاهتمام بتدريب وتطوير الكفاءات العلمية والعناية بهم حتى ولو رصدنا لذلك امولاً طائلة في ميزانيات خططنا.

ورغم أننا كعرب لا زلنا في بداية الطريق في تجارب مراكز البحوث الاستراتيجية وأننا بحاجة إلى مضاعفة الجهود وتوسيع الخطى وصرف المزيد من الأموال. ألا أن بعضاً من تجاربنا يمكن ان تكون عوناً وبشيراً يساعد على كسر حاجز الخوف النفسي من خوض التجارب والاستفادة من خبرات من سبقونا في هذا المجال.

فقد أثبت صانع القرار العراقي كفاءة عالية في صنع قرار تأميم النفط عام 1972 رغم كل الظروف والمتغيرات الداخلية والخارجية التي لم تكن تساعد على اتخاذ مثل ذلك القرار على وفق الحسابات التقليدية. كما أظهر المخططون العرب كفاءة مهنية عالية في بناء خطة بدر المشتركة بين سوريا ومصر بدراستهم الاحتمالات والظروف المتعددة والمتعلقة بتحديد يوم الهجوم وساعة الصفر في حرب عام 1973 (28: صص:ص413-414).

 ولو تركنا الشطر الاول الخاص بالصفحة التخطيطية للقرار أو ما أسميناه بصناعة القرار وانتقلتا إلى الصفحة الثانية لوجدنا إنها صفحة تنفيذية صرفة يمكن الحديث عنها في محورين أحدهما يتطرق إلى اختيار البديل السلوكي الملائم، والمحور الآخر يتعلق بتوقيت تنفيذ القرار أو ما يسمى عسكرياً بتحديد ساعة الصفر. ودون شك فان اختيار البديل السلوكي المناسب خطوة لا بد أن تكون مركزية ومبدئية وعلى درجة عالية من الحيطة والكتمان ولا سيما إذا كانت ترتبط بقرارات ذات طابع آمني عسكري أو سياسي أو قرار يتعلق بأمن الدولة والمجتمع. وهذا الأمر ينسحب بدرجة من الدرجات على توقيت القرار.

غير أن توقيت القرار أمر على درجة عالية من الأهمية في تقرير نجاح القرار أو فشله. فكثيراً ما كان توقيت القرار ـ تقديماً او تاخيراً ـ سبباً في إجهاض القرار او إفراغه من محتواه او فشله نهائياً. فهناك قرار لو لم ينفذ في لحظة معينة  لكان سبباً في ضياع فرصة لا يمكن ان تعوض. وهناك قرار لا يمكن تنفيذه قبل أوان محدد، وقرار لا يصح تنفيذه نهائياً لاعتبارات معينة. ومرة أخرى (وبصرف النظر عن طبيعة هذه القرارات وعن  صوابها أو خطئها)، فأن عدم اختيار التوقيت المناسب كان سبباً في إفشال القرار أو إفراغه من محتواه أو أبعاده عن هدفه.

ففي الحرب العالمية الثانية كان بإمكان القيادة العسكرية الالمانيه،فك الحصار الروسي عن برلين،لو صدرت الأوامر إلى الجيش الثاني عشر،وهو القوه الباقية المعتمد عليها لإنقاذ برلين،بدق إسفين في حلقة الحصار يسمح للمدنيين والقوات المدافعة عن المدينة الانسحاب منها. ولكن الأوامر صدرت لهذا الجيش بمعاونة(شتيز) في هجومه في الغرب وتغطية خط نهر (ألب) والدفاع عن (براندنبرج)، ثم التقدم باتجاه الشرق من (بلزج) إلى برلين، وبذلك كان الجيش في موقف غريب، فعليه القيام بالدفاع في الغرب والهجوم في الشرق.الأمر الذي تسبب ليس في سقوط برلين فحسب، بل وفي تعرضها لدمار شامل (30 : ص132). والحكومة الالمانيه ذاتها، لو كانت واعية للظروف المحيطه،وقامت باستغلال فترة التوقف والانتظار في خريف 1944، في محاولة لعقد الهدنة والنجاة من الدمار الشمولي حين كان الحلفاء يتوقعون ذلك. ولكن قرار الحكومة كان متأخرا، إذ كانوا حينها مخطئين،فلم يكن هناك أحد في ألمانيا بعد مؤامرة 20 تموز(يوليو)  يجرؤ على التفكير في الصلح، وطالما ظل هتلر على قيد الحياة فأن ألمانيا ستواصل الحرب. رغم إن القوه المتبقية لم تكن كافبة للتأثير على النتيجة الحتمية. (30: ص18).

وفي العراق عام 1959 أعلن العقيد عبد الوهاب الشواف نبأ تفجير ثورة له في مدينة الموصل في وقت سابق عما اتفق عليه مع زملاء له وذلك بسبب ماتعرضت له المدينة من قبل الشيوعيين. فكان ذلك التقديم سبباً في إجهاض الثورة وفي تعرض القوميين في العراق إلى مذابح مروعة.

وبصرف النظر عن السياسة اللااخلاقيه التي انتهجها الاتحاد السوفيتي في تعامله مع الحزب الشيوعي العراقي،حينما كان يضحي بمصالح الحزب الشيوعي العراقي كلما تعارضت مع مصالح الدولة السوفيتية.(31:ص42)، فأن الشيوعيين أنفسهم الذين كانوا يحلمون بتطبيق أول تجربة شيوعية في الوطن العربي، أضاعوا على أنفسهم فرصة الانتقال إلى سدة الحكم واستثمار الظروف الموضوعة التي كانت  مهيأه لهم في العراق عام 1959 فيما اسماه البعض من الكتاب باللاثورة الشيوعية.

وفي عام 1973 وقبل ثغرة الدفرسوار تباطئ الجيش المصري في تطوير هجومه لان قرار تطوير الهجوم في 14 تشرين الاول/ أكتوبر جاء متأخرا في الزمن فضاعت فرصة استخدام هذا الهجوم أثناء الوقفة التعبوية ضياعاً جعل ذلك القرار ذا طابع سياسي اكثر منه عسكرياً وكان ذلك بدء تغير معالم القتال في الجبهة المصرية. (28:ص442)

وتاريخياً، فأن قرار القيصر الروسي (نيقولا) الذي كانت ترتعد منه الجماهير بالتخلي عن العرش لصالح أحد أقربائه تحت ضغط كبار ضابط الجيش والزعماء الأحرار في بتروجراد بعد تردي الأوضاع في روسيا كان قراراً متأخراً أسدل الستار على حكم آسرة رومانوف نهائياً، بعد أن كان بالإمكان تلافي الأمر بالتنـحي عن العرش لصالح الآسرة قبل فوات الأوان. ويحدثنا التاريخ عن أمثلة كثيرة على هذا المنوال لا أرى مبرراً للاستطراد فيها.

المهم في الآمر كله أننا نريد القول أن عملية اتخاذ القرار عملية تتضمن جانبين أحدهما علمي تخصص بحت (صناعة القرار) والثاني سياسي أو أدارى (تنفيذ القرار) ولاشك أن بحثنا هذا إنما يهتم بعملية صناعة القرار.

 وقبل اختتام هذا البحث أرى من المناسب أن أشير في رسم تخطيطي إلى البدائل المتاحة التي وردت في ذهن القيادة السياسية المصرية عقب قرار سحب عرض تمويل مشروع السد العالي (18:ص143). فربما كان هذا المخطط مفيداً في إلقاء الضوء على طريقة تحديد البدائل السلوكية المتاحة وخطوات النموذج التحليلي في التفكير، رغم أن هذا المخطط لا يعبر إلا تعبيراً أوليا بسيطاً عن تلك الخطوات، إذ يفترض أن تستمر عملية توقع الاحتمالات والافتراضات في سلسلة عنقوديه لا حصر لها من الاحتمالات والتوقعات.

                                      

   مخطط رقم(7)

البدائل المتاحة اثناء عملية اتخاذ قرار تاميم قناة السويس

 

* المصدر : هامش 18، ندوة صنع القرار في الوطن العربي/ بيروت

 

 *النسب المشار اليها نسب افتراضية من واقع تقدير جمال عبد الناصر لاحتمالات تحقيق كل نتيجة 

 

المصادر والهوامش حسب تسلسل ورودها في البحث

 

1. احمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، مكتبة لبنان، بيروت، 1978.

2. محمد منير مرسي،الادارة التعليمية،اصولها وتطبيقاتها، عالم الكتب، القاهرة، 1984.

3. السبرنطيقيا هو العلم الذي يدرس عمليات التحكم والتوجيه والحركة في الكائنات الحية والالات على السواء. وبهذا العلم استطاع الإنسان أن يربط بين النظم الحية والنظم التكنولوجية وان ينتج الات تقوم ببعض العمليات الذهنية والعقلية التي كان ينفرد بها الإنسان دون غيره من الكائنات الحية وأن يستخدم قوة العقول الإلكترونية والتحكم بها بدرجة عالية للتوصل إلى حل المشكلات.

راجع للمزيد عن هذا العلم :

نوبرت فيز، السبرنطقياً، ترجمة رمسيس شحاتة وزميله، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة،1971

4. C.L redman ((the rise of Civilization)) W.H. Freeman and company   -  Sanfrancisco, 1978

5. خلدون حسن النقيب ((بناء المجتمع العربي: بعض الفروض البحثية)) مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1989

6. المعلومات ماخوذة من رسالة دكتوراه للباحث بتعديل. راجع عن دراسة ابو لغد.

J. Abu Lughod ((Migrant adjustment to the city life : the Egyptian Case “American Journal Of sociology V.67 , 1961

7. محمد عاطف غيث ((الموقف النظري في علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، 1989

8. H.H. Gerth and C.W. mills ((From Max Weber ;Essays in Sociology))

  oxford university press ‘New York  1978.

9.جي روشيه،علم الاجتماع الامريكي، دراسة لاعمال، تالكوت بارسونز، دار المعارف بمصر، 1981 (مترجم)

10. محمد عوض عبد السلام، الفعل الاجتماعي عند تالكوت بارسونز دار المطبوعات الجديدة، الكويت، 1986

11. Max Weber،((Economic and Society))،(ed)By Guenther Roth and    Claus Wittich, New york 1968.

12. دنكن ميتشل، معجم علم الاجتماع، وزارة الثقافة والاعلام، بغداد 1980 (مترجم).

13. محمد الغريب عبد الكريم، الاتجاهات الفكرية في نظرية علم الاجتماع المعاصر، المكتب الجامعي الحديث / الإسكندرية، 1982

14. عبد الباسط عبد المعطي  وعادل مختار الهواري، في النظرية المعاصرة لعلم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 1986

15. الايض Metabolism

مجموع العمليات المتصلة ببناء البروتوبلازما ودثورها. وتسير عملية الايض في اتجاهين بناء وهدم. فعملية البناء هي تحول المادة الغذائية إلى مواد تشابه مواد الجسم فهي عملية تكوين الانسجة. اما عملية الهدم فهي تحلل المادة الغذائية لاطلاق الطاقة.

16. محمد بن ابي بكر الرازي،مختار الصحاح، دار الكتاب الحديث الكويت،1987

17. حامد ربيع،الحرب النفسية في الوطن العربي،دار واسط للدراسات والنشر والتوزيع،1988

18. ابراهيم سعد الدين، خلاصة اعمال ندوة صنع القرار في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1988

19. نبيل زكي احمد، في الاستراتيجية الدولية، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد،1986

20. سعد الدين ابراهيم، في سوسيولوجية الصراع العربي الإسرائيلي، دار الطليعة، بيروت،1973

21. نزار حمدون شكر، نظرية الألعاب، وزارة الثقافة والاعلام بغداد / 1985

22. سعد ابودية، عملية اتخاذ القرار في سياسة الاردن الخارجية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990

23. للمتابعه راجع آراء كيرت ليفين في كتابةDynamic theory of personality.

24. تركي الحمد، دراسات ايديولوجية في الحالة العربية، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1992

25. طاهر حمدي كنعان، تأملات حول الوفاق الفلسطيني الاسرائليي، (في) محمود عبد الفضيل، ((اتفاق غزة أريحا : التحديات المخاطر، التداعيات))، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1994.

26. خلدون حسن النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1989

27. محمد حسنين هيكل، ملفات السويس، حرب الثلاثين سنة، مركز الاهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1986

28. هيثم الكيلاني، الاستراتيجيات العسكرية للحروب العربية الاسرائلية 1948 – 1988،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1991

29. بيت الحكمة، حول طلب الادارة الامريكية وقف اطلاق النار من جانب واحد دون قيد او شرط، بغداد، 1997

30. مكتبة النهضة،سلسلة معارك الحرب، معركة برلين:نهاية الرايخ الثالث، مكتبة النهضة، بغداد، 1983، ترجمة كمال عبد الله

31. حنا بطاطو، عودة إلى الطبقات الاجتماعية القديمة، في  مجموعة مؤلفين، المجتمع العراقي: حفريات سوسيولوجيه في الاثنيات والطوائف والطبقات، معهد الدراسات ألاستراتيجيه، بغداد –بيروت، 2006


[1] عن خلدون النقيب

 

* د= نقود  ث= تأثير

ق= قوة    ل=التزامات

* عن جي روشيه