ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

البرجوازية العراقية وصنع التاريخ الثقافي

 

                                                          أ.د. قيس النوري

 

تمهيد

تشير كلمة برجوازية (Bourgeois) إلى الطبقة الوسطى وكل ما يتصل بخصائص وتفضيلات ومواقف هذه الطبقة التي تراكمت عبر مسيرتها، خصوصا في الحضارة الغربية, وبدرجة أقل في المجتمعات النامية. وقد اتسع استخدام هذا المفهوم بعد تأسيس الدولة العراقية عام 1921, واكتسب ابتداء بعض المعاني الثقافية التي تشمل الغنى وسعة الأفاق الفكرية، والتأنق في اللباس والسكن ومتابعة بعض الفنون الجميلة، وإتقان بعض اللغات الحية (خصوصا الإنكليزية) التي انتشرت في العراق ببطء شديد.

ومع ازدياد موظفي الحكومة نما تأثير مؤسساتها خصوصا في مجالات الخدمات البيروقراطية. وصارت كلمة أفندي وأفندية تطلق على هؤلاء الرسميين الذين كونوا طلائع الكادر الحكومي وتميزوا عن بقية المواطنين بارتداء الزى الغربي المؤلف من السترة والبنطلون وربطة العنق والسدارة.

ولم تقتصر البرجوازية على الموظفين بل شملت كثيرا من الأسر الحضرية التي اعتمدت مدخولاتها على مهن وأعمال تجارية مختلفة. ونما حجم هذه الطبقة مع اتساع عملية التحضر وانخراط الكثير من الريفيين في المجالات الحرفية البسيطة والخدمات العامة. ورغم التقدم الذي أحرز, إلا أن تاريخ العراق الحديث شهد انقلابات خطيرة ومتعددة كان لها انعكاساتها وأثارها المدمرة. وهكذا كان كل انقلاب سياسي أو عسكري بمثابة الضربة الرادعة للجهود الحكومية الأسبق لبلوغ مرحلة أعلى والرجوع بها فعلا إلى مراحل أدنى. هذا إلى جانب الأضرار الجسيمة المتمثلة في شل الأنشطة التنموية والإبداعية نتيجة لزج الآلاف في السجون والمعتقلات. لقد تكررت تلك المشاهد المأساوية خلال نصف القرن الأول من عمر الحكومة ونتج عنها تخلف البلاد عن دول الجوار. ومن المؤكد أن الطبقة البرجوازية كانت وما تزال الفئة الأولى المستهدفة بتلك الضربات.

سنـحاول في هذا البحث تحليل واقع البرجوازية في العراق وذلك بتوكيد تفاعلاتها وخياراتها وما يواجهها من صعوبات وتحديات.

 

البرجوازية وتحديات الاندماج :

عندما تأسست الدولة الملكية العراقية كانت ألامية في أعلى درجات انتشارها. وقد انعكس ذلك على ضآلة وجود النخب الفكرية والسياسية التي تصاعدت لها حاجة الحكومة. وبدا ذلك واضحا من تكرار اختيار بعض الوجوه السياسية المزمنة في تشكيل الحكومات المتعاقبة. وقد أعطى ذلك انطباعا لدى المواطنين بان تلك الشخصيات تفضل رسميا لشدة ولائها للدولة وليس لمحدودية عدد المؤهلين لإشغال المناصب الرفيعة.

ولم يكن للبرجوازية الجديدة تأثير كبير في الواقع الذوقي والجمالي والاستهلاكي والسلوكي بحكم تفشي الأمية والفقر المدقع بين سكان المدن والقرى والأرياف. وجدير بالذكر أن الثقافة الغربية بدأت بالتسرب إلى المجتمع العراقي في مطلع القرن العشرين, خصوصا في جوانبها المادية المتمثلة بدخول السيارات والقاطرات والبواخر النهرية ومصابيح الكهرباء والعديد من الأجهزة والأدوات المنزلية. لكن هذه العناصر التكنولوجية المستعارة لم تكن ذات مضمون أيديولوجي مما حيد علاقتها بالتركيبة البرجوازية. فضلا عن اقتصار استخدامها على العوائل ذات الدخول (المداخيل) المتوسطة.

أما الجوانب البرجوازية الثقافية والذوقية المجردة فكانت بطيئة الانتشار خصوصا بين الأسر المعدمة. ولا ندعى بان الأسر ذات المستوى التعليمي المتوسط قد سحرتها الرؤى والتصورات البرجوازية المتداولة في الغرب، لان حركة التثاقف الغربي (Western Acculturation) كانت ما تزال ضئيلة في المجتمع العراقي وذلك لضعف وقلة وسائل الاتصال الحضاري بينه وبين دول الغرب حتى  نهاية الأربعينيات.

فضلا عن استمرار الإهمال الرسمي الثقافي والاقتصادي والتعليمي والصحي في الأرياف ما زاد الفقر والمرض والأمية اتساعا. وهكذا لم يعد للبرجوازية بكل صورها وأشكالها مكان في الريف خصوصا وان الطبقة البرجوازية لا يمكن ظهروها أو ازدهارها في ظل شمولية الفقر والفاقة خصوصا في الريف العراقي.

واكتسبت البرجوازية الثقافية والسياسية زخما محدودا خصوصا مع ظهور الأحزاب السياسية وبعض الحركات الثقافية الليبرالية غير أن تباين المواقف من البرجوازية كان واضحا نسبيا حيث تراوح بين موقف القبول (Accept) كما في الأحزاب والكتل الملكية مرورا بالكتل والأحزاب القومية التي مارست الحياد (Neutrality) إزاءها، وانتهاء بالتنظيمات اليسارية التي ناصبت البرجوازية العداء (Hostility).

واتسع التداول قليلا مع مصطلح برجوازي خصوصا في بغداد في الخمسينيات، حيث عده البعض مرادفا لصفة متعال أو متكبر، وفي سياقات أخرى كان يعني محافظ أو رجعي، في رأي المناوئين للبرجوازية.لكن الإشكالات التي صاحبت وتصاحب البرجوازية قد تبيح الحديث عن تفرع ارتباطاتها بشبكة الحياة الحديثة وما تمنـحه من فرص الرفاه والمتعة ومجالات الاستهلاك والبذخ والضمانات المستقبلية. هذه المزايا والسمات لا تبدو لصيقة بالبرجوازية في رأي معظم العراقيين بصورة واعية، بل يميل كثير منهم إلى عزوها إلى مفاهيم (Concepts) أو تيارات أو مناهج (Programs) هادفة إلى تحسين حياة المواطنين.

وقد كان العراقيون مؤيدين للاشتراكية التي تبنتها أكثر الحكومات "الثورية" لكن هذا التأييد والدعم قد تبخر لعجز البرامج الاشتراكية عن تحسين ظروف معيشة المواطنين, بل أن الفقراء قد ازدادوا فقرا والأغنياء غنى. ويبدو أن كثيرا من الناس يترحمون على أرواح السياسيين العراقيين الأقدم الذين شغلوا مواقع قيادية في الحكم وأبدوا اعتدالا في مواقفهم الإصلاحية دون الانجراف مع شعارات الاشتراكية إضافة إلى دعمهم المبادئ الليبرالية والواقعية والاعتدال بوصفها أكثر التصاقا بالفكر البرجوازي (Bourgeois Thought) (Moor, P115).

 

تداعيات الشأن البرجوازي:

من الواضح أن بزوغ الشأن البرجوازي ولد تداعيات زعزعت تراكمات الواقع الريفي العراقي المسحوق الذي كان يخلو تقريبا من التمايز الطبقي. بعكس الحياة الحضرية التي تشكلت حول الفروقات الاجتماعية والاقتصادية التي ميزت الطبقات المتفاقمة في الهرم الاجتماعي. واللافت أن الطبقة البرجوازية حققت تقدما كبيرا نسبيا من حيث النمو الاقتصادي والتعليمي ما أدى إلى اتساع تميزها (Distinction) عن الطبقة الفقيرة.

وكان الاستهلاك المظهري  (Conspicuous Consumption) أهم الأدوات التي وظفتها البرجوازية لتعزيز تميزها ولتدعيم المسافة الاجتماعية بينها وبين الطبقة الفقيرة المبتلاة بالفاقة والعوز. ورغم التقلبات السياسية المتعددة فان البرجوازية لم تفقد امتيازاتها الاجتماعية والاقتصادية بفضل ما حققته من تكييف في استراتيجيتها إزاء تلك التقلبات. ومما سهل ذلك التكييف البرجوازي اقتصار الانقلابات العسكرية على الشعارات المدوية خصوصا شعارات الاشتراكية والديمقراطية والمساواة التي ظلت حبرا على ورق. غير أن التكيف البرجوازي واجه تحديا بخصوص الأغنياء الجدد (Nouveaux riches) الذين جاءوا من خلفيات ثقافية ريفية وضرورة استيعابهم ودمجهم مع فئة البرجوازيين القدامى. ويبدو أن ذلك تم بهدوء انطلاقا من الطبيعة المحايدة للعملة النقدية التي لا تشترط مؤهلات مسبقة لمن يمتلكها لكي يتحول من طبقة الفقراء إلى طبقة البرجوازيين أو الأرستقراطيين. وهكذا اتسعت الطبقة البرجوازية بصورة مستمرة نتيجة الأعداد المتزايدة للأغنياء الجدد الذين ارتفعت مكانتهم الاجتماعية بحكم الازدياد الكمي لثرواتهم النقدية (sandford.p126).

لكن ذلك لا يعني إغفال البرجوازية للفروق النوعية (Qualitative distinctions) لمكوناتها الديموغرافية (السكانية) من المؤكد أن تباين الأذواق (Taste Variations) يعد من المعضلات الأكاديمية الرئيسة في هذا السياق. ولا يراد بذلك التركيز على التباين الشخصي بين الأفراد بل المقصود المؤشرات الذوقية المشتركة والمتكررة التي ترتبط بالفئة البرجوازية العراقية. ومن الواضح أن الباحثين العراقيين قد اغفلوا دراسة الأذواق البرجوازية ربما لاعتقاد كثير منهم بان هذا الموضوع عصي على البحث خصوصا وأنه أمر شخصي يتعذر تعميمه كما يصعب سبر معمياته وتعقيداته (Vorn Bruck P255)، لكن المفكر الفرنسي بورديو (Bourdieu p121) اظهر للعالم أن موضوع الذوق البرجوازي غني بمضامينه القابلة للتحليل العلمي وبتحدياته التي لا يجوز للباحثين والمفكرين إغفالها

وبفضل الأضواء الثقافية والانثروبولوجية التي سلطتها بحوث (بورديو) يمكن القول أن البرجوازي العراقي ينطوي على قدر كبير من التعقيدات الرمزية التي يلتف جزء شائك وعميق منها حول الذوق ودلالاته الاجتماعية والثقافية والسلوكية. ومن الطبيعي أن الاستغراق في الرمزية يمكن أن يؤدي إلى طرق موضوعات متفرقة اختار بورديو منها الوضع الرمزي، والأنشطة الرمزية، ورأس المال الرمزي (Symbolic capital), والأشكال الرمزية symbolic forms، والحافز الرمزي symbolic stimulation ، والعنف الرمزي (symbolic Violence), ورمزية الشرف (Symbolism of honor). Bourdieu،  p176-177)).

ولا يخفى أن هذه المحاور ليس المقصود منها وصف وتحليل الواقع البرجوازي الفرنسي أو الأوروبي حسب، بل وتخطي حدود تلك المجتمعات إلى العالم بأسره. فهي إذن أدوات نظرية لا يمكن ولا يجوز معاملتها حصريا على أنها ميكانزمات للوصف أو السرد التاريخي أو حتى (التاريخاتي) بل هي مفاهيم مركزية جاهزة لبحث الواقع الاجتماعي والثقافي لكل المجتمعات والثقافات لغرض استخلاص المشتركات القائمة بينها دون تجاهل خصوصياتها بينما المطلوب (بعد توكيد أهمية هذه المحاور) إن نرى بعضا من الخصائص الرمزية والثقافية للبرجوازية العراقية في المجالات الذوقية والجمالية وحتى الأخلاقية.

لو ناقشنا (رأس المال الرمزي)  مثلا في سياقات التقليد العراقي لاحظنا أن جذوره تمتد إلى أعماق التاريخ العشائري. وكانت الهدايا المتبادلة مادية عموما. لكن نشوء وازدهار الطبقة البرجوازية العراقية في المدن وسع من تنوع الهدايا بناء على اتساع مدى الأشياء الكمالية وازدياد المناسبات. وقد تعاظم الهامش الرمزي تحت تأثير التحضر والحداثة والعولمة والتعليم حيث صارت الهدايا تشمل الأوراد والرسوم والقطع الفنية ورقائق الحاسوب والكتب وتبادل رسائل التهنئة والزيارات وغيرها الكثير. إن الهدايا الريفية كانت تشبع الحاجات البايولوجية بينما صارت الهدايا البرجوازية ترضي المشاعر الذوقية والعاطفية والجمالية والثقافية.

ولا يقتصر دور رأس المال الرمزي على تبادل الهدايا (Symbolic gift) بل يشمل أيضا المواقف السلوكية المرتبطة بتلك الهدايا والمنـح. قد يحدث تأخير في تقديم الهدية، وهو فعل تتم معالجته عبر الاتيكيت الثقافي. ويلاحظ أن تبادل الزيارات بين الأسر خصوصا في المناسبات المهمة غالبا ما يكون مشحونا عاطفيا وفكريا وقد يؤدي تجاهله أو التقاعس عنه إلى توتر العلاقة أو انقطاعها بين الأصدقاء والجيران والأقارب. ونظرا لتزاحم المناسبات الفردية المحتفى بها بين البرجوازيين الحضر تناقصت درجات متابعتها وتضاءل استخدام العتاب لكثرة مشاغل الحياة والطموحات المتنامية. لكن البرجوازية وسعت من مرتكزاتها الليبرالية الداعمة للحقوق الفردية واستقلالية الأشخاص التي أضعفت الروابط القرابية حيث تفككت الأسر الممتدة وصلات الجوار والصداقة وانعكس ذلك سلبا على عمليات التبادل خارج وداخل المجال البرجوازي.

خلاصة القول أن التأملات والملاحظات الواردة عن رأس المال الرمزي لا يمكن أن تكفي لإنارة دور هذا المفهوم في الحياة البرجوازية العراقية بحكم انتقائية الأمثلة التي استخدمت للتوضيح بهذا نكرر ترحيبنا بكل الأدوات الرمزية التي طرحها بورديو لتحليل موضوعات أخرى يمكن إسهامها في إنارة التداعيات البرجوازية العراقية في سياقات غير التي استخدمت في المجالات التبادلية (Sandford p152).

وتنبثق أفكار وتصورات مهمة أخرى عن مهادنة البرجوازية العراقية للمحيط حينما ننظر إلى دورها الوسيط بين تيار الجذب المعبر عن التوجه الذكري (Male orientation) وبين تيار الطرد (Centripetal) المعبر عن التوجه الأنثوي. وينعكس التضاد أعلاه على تنظيم واقع الأسرة حيث هيمن الذكور على السياسة والتاريخ والحرب بينما أسندت مهام الطبخ وتدبير شؤون البيت والأطفال إلى الإناث، إضافة إلى تحميلهن أعباء التجديد في أعمالهن وما يهمنا من هذه الثنائية بين الذكور والإناث في العراق التقليدي (حيث تسود أو سادت القيم الذكورية) ان المجتمع العراقي منذ تأسيس الدولة استمر على التحول الثقافي والاجتماعي ما أدى إلى نمو الحياة الحضرية على حساب النموذج الريفي ومن المؤكد والواضح أن البرجوازية قد وظفت أدوارها الثقافية والاجتماعية في تدعيم وتسريع حركة التصير الهادفة لتوسيع امتيازاتها. وما زالت التحولات أعلاه تشق طريقها العسير نـحو تقوية الليبرالية والحداثة المتعاطفتين مع البرجوازية.

لعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن ما حققته المرآة العراقية من تكيف للأوضاع الصعبة وغير المستقرة قد أغنى وسرع حركة نمو وتقدم البرجوازية. انه تقدم تدريجي وبطئ تمثل في المرونة العالية للمرآة في سبيل مواجهة الشوفينية الذكورية بصبر مكتسب عبر القرون. وهكذا أعيدت صيغ ومعايير التفاعل بين الجنسين ما قرب المسافة بينهما وأحال رابطتهما إلى تكافل إنساني بدلا من معادلة الهيمنة والخضوع ولا نريد هنا الادعاء بالتكافؤ والتساوي بين الجنسين، لكننا نستغرب ممن يتشدق بالقول (أن تغير الحال من المحال) موحيا بأن الماضي والحاضر يتطابقان في مسيرة الأنثى البشرية دونما تغيير يذكر. فإذا كان البعض غافلا عن هذا التغيير عليه قراءة يافطات عيادات الطبيبات والصيدلانيات والمحاميات في أثناء تجواله في بعض شوارع بغداد. ناهيك عن آلاف المعلمات والمدرسات اللواتي يعملن في المدارس والجامعات وعشرات الآلاف الموضفات العاملات في مؤسسات الدولة.

ولا ننسى أن الجانب القرابي العشائري قد شهد تفككا عارما أحال الأسر الممتدة إلى اسر نواة. لاشك أن هذا التحول يدل (بين أمور أخرى) على هشاشة البنية القرابية المتهاوية أمام التيار البرجوازي الحضري المتناغم مع إجمالي التحديث والعولمة وحرية الأفراد وتسارع انتشار مفهوم الحراك الاجتماعي. كما يتضح تداعي هذه البنية من تغلغل المهن والحرف في حياة كثير من الفئات الاثنية والعرفية التي هاجرت إلى المدن وجذبتها الأعمال المهنية ذات المردودات المالية الأكثر ربحا من مردودات الزراعة والرعي.

وإذا كانت هذه التطورات تضغط باتجاه تعزيز مكانة البرجوازية وإنمائها عدديا وبنيويا، فان التنظيم القبلي قد تراجع تحكمه في حياة السكان في المدن وبدرجة اقل في القرى. واستمر هذا التراجع مع تعاظم التصنيع والخدمات التقنية المتنوعة ومجالات الاستثمار بالرغم من التباطؤ المؤقت الذي حصل منذ 2003.

ولا نغفل دور البرجوازية في تدعيم التضامن والتكامل العملي والمبدئي بين الفئات الثقافية والاقتصادية المنضوية تحت مظلتها انطلاقا من مفهوم وحدة المصالح التي لا يستغني عنها تكافل الأنشطة المهنية التي تنظمها القوانين وتحول دون انجرافها أو انزلاقها إلى المضاربات والصراعات غير المشروعة.

نلاحظ أن البرجوازية بالرغم من تعرضها إلى مضايقات وضغوط الكتل والحركات اليسارية والمواقف القبلية غير الواعية المعرقلة لازدهارها، لكنها تلقى تأييد نسبة كبيرة من المثقفين والخبراء والرأسماليين والصناعيين والسياسيين الوطنيين. وهي بالنظر لما يغلب عليها من براغماتية وواقعية وانفتاح على فرص التنمية والتقدم وامتلاك للأموال والمهارات فإنها اقدر على تلبية حاجات مختلف الفئات الاجتماعية وإتاحة فرص التدريب والتأهيل لهم.

 

نتائج مرحلية :

من الصعوبة بمكان إتمام تغطية التحولات البرجوازية وما إثارته من تحديات أو واجهته من عقبات وخلقته من أفاق ديناميكية تتراوح بين الإغراء والتحفظ والممانعة. مع ذلك يمكن القول ان البرجوازية قطعت شوطا طويلا وواعدا على صعيد ازدياد المنظمين إلى ركبها ممن استهوتهم تأثيراتها الايجابية لعل من المناسب في هذه المرحلة أن نوسع رؤيتنا لهذه الحركة بطرح بعض الملاحظات الإضافية آلاتية :

1-  هناك ارتباط حيوي نشيط بين البرجوازية ومؤسسات المجتمع المدني وذلك بحكم شمولية التحدي البرجوازي وتأثيراته على تلك المؤسسات ويصعب رؤية هذا التفاعل النشيط في الأرياف مع تصاعده في المدن العراقية الرئيسة. فالبرجوازية هي نقيض القبلية.

2-  تبقى البرجوازية العراقية بالغة القلق خصوصا من جهة الأغنياء الجدد الذين يحاولون المواءمة بين تحقيق ألذات والحصول السريع على الثروة وبين تأثير ذلك على حراكهم الاجتماعي وكسب ثقة واحترام الناس.

3-  تحاول أكثرية الأغنياء الجدد مضاعفة جهود اكتناز الثروة دون أن يوازي ذلك اهتمامهم بالإعمال الخيرية.

4-  هناك غموض يحول دون التمييز بين الأغنياء الشرعيين عن غير الشرعيين، مع اعتماد مدى سرعة الثراء معيار للحكم. فالإثراء السريع جدا غالبا ما يكون مدعاة للشك والارتياب.

5-  أسهمت البرجوازية في استشراء الثقافات الاستهلاكية المظهرية ولكن في حدود ضيقة نسبيا مقارنة بالغرب.

6-  يوجد من البرجوازيين من يشدد على ممارساته الاستهلاكية والى جانب هذا الصنف هناك من يخشى المبالغة في قدراته الاستهلاكية ربما بدافع الخوف مما يثيره ذلك من الحقد والعنف والحسد.

7-  لا يقاس الشرف بالمال دائما، والدليل أن بعض الأسر الشريفة تستمد شرفها أما من النسب الرفيع أو التاريخ الحافل بالأمجاد، مع ذلك تبقى الثروة معيار الأهم في قياس الاعتبار.

8-  ما تزال الطبقة البرجوازية صغيرة وضعيفة التأثير نسبيا وذلك بسبب التقلبات السياسية والعسكرية التي عرقلت نموها.

9-  تظل الطبقة الفقيرة هي الأكبر والأكثر أهمية وهي بحكم فقرها تمارس الزهد والتقشف مما يؤثر سلبا على انتعاش الطبقة البرجوازية.

10-        ما حدث في العراق ان الانقلابات العسكرية استنزفت المجتمع والثروات والموارد البشرية دون ان تسهم في تطوير المجتمع المني والطبقة البرجوازية بل أعاقتهما.

11-        ما يلاحظ ان إحياء الفقراء العشوائية والمتخلفة تعد بيئة موبوءة تغذي الجريمة والتطرف والخرافة مما يضعف سرعة تقدم الأحياء البرجوازية.

12-        ان القيمة الاجتماعية لشيوخ العشائر قد تحسنت لقيامهم بدور الوسيط بين الحكومة والمجتمع المدني وبين سلطة الحكومة لتعزيز الأمن.

13-        يتزايد دور الممارسات الاستهلاكية المظهرية في تحديد أفاق وحظوظ الارتقاء الاجتماعي للأفراد وتسهم في تعزيز رؤية الآخرين لهم حتى مع وجودهم في القرى.

14-        هناك شد وجذب بين رأس المال الاقتصادي ورأس المال الثقافي (الرمزي) حيث يحدد الأخير مدى انسجام جمع الثروة وأساليب التصرف بها من منظور ديني وأخلاقي. ويبدد ان الصراع بين الطرفين لا ينتهي.

15-        يلاحظ ان فئة الأغنياء القدامى تحاول النأي بنفسها عن الأغنياء الجدد تجنبا للمجهول المحيط بالفئة الأخيرة.

16-        يعاني كثير من الأغنياء الجدد من الأمية الأبجدية والحضارية ما يؤدي إلى تقليص اعتبارهم.

17-        هناك رغبة ملحوظة بين الأغنياء الجدد للزواج من بنات الأسر النبيلة للتعويض عن أصولهم الريفية.

18-        يبدو ان جهل معظم الأغنياء الجدد يشكل عائقا في مجال الآفاق الاستثمارية المتمثلة في نسقية وتكرار المشاريع التي يمولونها والتي لا تتعدى المطاعم وحافلات النقل ومشاريع السكن وهم نادرا ما يغامرون في المجالات الصناعية والصحية والتعليمية والسياحية.

19-        يظهر كثير من التجار الجدد طمعا استثنائيا بالأرباح ما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالقوة الشرائية للمستهلكين ذوي الدخل المحدود.

20-        يلاحظ ضعف الاكتراث بالالتزامات الروحية التي تحث الميسورين على الصدقة والزكاة.

21-        يعاني كثير من التجار الجدد من تدني الذوق وهذا يبدو واضحا في مشروعاتهم الخدمية كالفنادق والكازينوهات ونوعية السلع والبضائع وغير ذلك من اللمسات الجمالية.

22-        يمثل الأغنياء الجدد نموذجا يتقاطع أحيانا مع نموذج شيوخ القبائل من حيث التخلي عن المضائف التي تستضيف الغرباء وعابري السبيل أو التبرع لأغراض إنسانية.

23-        نادرا ما يمتلك الأغنياء هوايات فنية أو ترويجية مما يؤثر سلبا على خيالهم الاستثماري والتنموي.

24-        يفضل الأغنياء الجدد ترك أحيائهم والسكن في أحياء برجوازية عصرية.

25-        يندر إسهام الأغنياء الجدد وحتى بعض القدامى بتطوير وتحسين المعالم والخدمات العامة عن طريق التمويل أو التبرع.

26-        عموما، يبدو ان فئة البرجوازيين الجدد نادرا ما تطرح نموذجا مستنيرا حضريا مثقفا واسع الأفق يعي بعض إنجازات التكنولوجيا والصناعة ومبادئ التنمية المتصلة بالرفاه الاجتماعي والذوقي. بعكس البرجوازيين الأقدم.

27-        تتصدر الأمية جميع العوائق الحائلة دون ازدهار الطبقة البرجوازية والتقدم الوطني عمـــــــــوما (Unesco p.90)

 

 

 

مراجع البحث

 

1-                 Von Bruck، The imagined consumer’s democracy and elite (Re) production in Yemen.

2-                 Bourdieu, Pierre, Outline of a theory of practice, translated by Richard Nice, Cambridge University Press, Cambridge, U.K. 1977

 

3-                 Sandford، Cedric. 1977, Social Economic, Heineman, 48 Charles Street, London.

 

4-                 Moor. Henrieta, The Future of Anthropological Knowledge, Routledge, London and New York، 1996.

 

5-                 Education Policies and Strategies, Unesco, Paris, 2001.