ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

 

اينومو آليش

حينما لا في السماء ولا في الماضي([1])

 

جمعة العطواني

 

ليس من المفارقات الغريبة أن المجتمعات التي تمر بأزمات مخيفة تسير على طريق الإبداع الفكري وليس الكوارث والأزمات هي وحدها التي تقف بالإنسان دائما عند علامات الاستفهام فيسال كيف تحدث الأشياء وما السبب الذي يقف وراء حدوثها ولماذا؟

بل يبدأ السؤال الأول عما ذكر وعن كثير من الادراكات والتصورات في مرحلة الطفولة والصبا من حياة الإنسان.

لكن من المفارقات الغريبة أن ينكفئ الإنسان عن قناعاته وادراكاته وحقائقه إلى الحد الذي ينسف كل البناء  الرصين الذي اختزنه عقله وتجربته وحسه و.....

فالاستدلال بالأسطورة لإنكار الحقيقة هي المفارقة الكبرى التي ينتهجها بعض الباحثين.

فإسقاط أسطورة (كلكامش) وهو يشاهد موت (انكيدو) إذ انه من المفترض لم يواجه حالة موت قبل ذلك تهز وجدانه وتجعله يفكر بما فكر فيه لحظة موت (انكيدو)  فيها اشتباه كبير. على أية حال يستدل البعض بهذه الأسطورة على ظاهرة القتل التي حصلت في العراق ويحاول أن يلصقها بكامل افرازاتها على انه (دين وتشريع الهي مبرر لهذا القتل) وليس هنالك دخل لأي جهة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية غير (دينية) وكأن رواسب الماضي  هي ابعد ما تكون عن هذه الجريمة وكأن الماضي القريب لسلوك النظام السياسي  لا يدل على  أن له دوراً أساسياً في ارتكاب الجرائم التي حصدت أرواح العراقيين طيلة السنوات الخمس الماضية من التغيير.

كما وتناسى البعض دور المخططات المعادية لـ(الدين الإسلامي)على وجه الخصوص في تشويه صورته، وكان الغرب وسياساته ومخابراته تتمنى أن ترى إسلاما حقيقيا يملا الأرض قسطا وعدلا بعدما ملأت ظلما وجورا وكأن سياسات الغرب لا تؤمن بالقتل والتشريد واغتصاب حقوق الآخرين ولسنا بحاجة إلى أن نضرب الأمثلة لما حصل في فلسطين ويوغسلافيا والحربين العالميتين الأولى والثانية وهيروشيما وانتهاك حقوق السود لان هذه الحقائق لا تقرها أسطورة (كلكامش) و(اينوموآليش) لذلك تعد كذبة أوجدها الشرق المسلم.

أنا ازعم جازما أن الباحث يعي حقيقة ذلك الصبي المراهق أو الرجل الذي يحمل القران بيد والسلاح بيد أخرى([1]) ما هي خلفيته السياسية والاجتماعية والثقافية، ومدى فهمه للشريعة والحياة، وإنكار هذه الحقيقة هي جزء من تمرير ثقافة (تشويه) الحقائق لان الغزو الثقافي بعد عام 2003 م لا يقل وحشية عن الغزو العسكري على العراق والمنطقة، ولكن بأسلوب آخر بالتأكيد فهو (الغرب) يريد إيصال ثقافته إلى المجتمع العراقي من خلال إقناعه (إن الإنسان يتحول إلى أضحية تساق وتذبح لارواء عطش أله (الله) لا يمل من شرب الدماء)([2])، وحتى ترسخ هذه المقولة في ذهن وقناعات المواطن لابد لها من مصداق خارجي فأصبح القتل والذبح والحرق أمام أنظار الغزو العسكري دون أن يحركوا ساكنا، بل ورفعت ا المصاحف بأيدي القتلة من (القاعدة) وغيرها من  الجيوش، وارتدى أعداء الدين العمة كما ارتدوها إبان الانتفاضة الشعبانية وقصروا الثياب وأطالوا اللحى لإنجاز مقدمات مشروع الغزو الثقافي. وهذا ما أكده الرئيس الأمريكي بوش من انه سيحول العراق إلى ساحة لتصفية حساباته مع (الخصوم) وقد تحقق ذلك بالفعل فلم يتم القضاء على الإرهاب إلا بعد أن حاول القضاء على قيم الإنسان وتشويه الذات المطلقة وها هي اليوم تناقش كمفاهيم تحمل من الدموية والوحشية الشيء الكثير.

وبعد هذا الإشباع من القتل طرحت اسئلة ظاهرها استفهام استنكاري وباطنها استفهام تقر يري منها

هل يمكن لإله أن يكون فوضوي إلى هذه الدرجة؟

هل يمكن لدين أن يتحول لشريعة قتل وقتل مضاد؟

والنتيجة أن هذه الأسئلة تضع العقل العراقي (المأزوم) أمام تحديه الكبير و ضرورة تحديد العلاقة بين الدين والإنسان وتسمية المسافة التي يجب أن تكون بينهما.

والنتيجة واضحة أيضا، فبعد الجرائم التي أمر بها (الإله) كونه متشبع بالدماء ونفذها (الدين) من خلال المتدين الذي يرفع المصاحف فماذا عسى أن تكون النتيجة؟

بالتأكيد سيخرج المتلقي بنتيجة مفادها إن المسوغ الحقيقي لحصول هذه المجازر هو دعوة الدين إلى مزيد من القتل وسفك الدماء.

إن تفسير الآيات القرآنية وفق تصورات بعيدة عن الواقع واجتزائها عما قبلها وما بعدها بالتأكيد ستؤدي إلى تشويه الغرض الذي نزلت به تلك الآيات من حيث لا يشعر الباحث  بذلك.

فالخروج بنتيجة أن الدين هو الذي يدعو إلى سفك الدماء من خلال بعض النصوص القرآنية مثل قوله تعالى (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) و(قاتلوهم حتى لا تكون فتنة) و(قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم)([3]) من دون الرجوع إلى أسباب نزول هذه الآيات وأمثالها ومن دون تقديم تفسير عن أسباب القتال، وكذلك عدم الرجوع إلى معاني اللغة التي نزل بها القران الكريم، ودلالات العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والتي هي من اختصاص أصحاب اللغة والأصول والمنطق كل ذلك سيشوه الحقائق ويبتر المعاني.

إن عدم الرجوع إلى أصحاب الاختصاص في مجال عملهم ربما يعطي الحق للمثقف أن يتدخل في جراحات القلب في المستقبل المنظور وبخاصة إذا كان لديه إطلاع عن كيفية استخدام المشرط والخيط واستئصال الأورام وإلا فما الفرق بين الحالتين؟

إن استنباط الأحكام الشرعية وتفسير أحكام القران الكريم حسب ظواهر الكلمات وعرضها على مرتكزات عقلية ومطالعات ثقافية، وقوانين  مستنبطة من بديهات (كلكامش) وافتراضات (اينوموآليش) تجعل الباحث يخرج بحصيلة بالضرورة إن الدماء التي سفكت وتسفك في العراق بل وفي الدنيا كلها سببها الدين وأداته المتدين وضحيتها الإنسان وان (سادية الله) هي التي أوصلت الإنسان إلى ما وصل إليه من انتهاك لحقوق الآخرين  وكأن الله قد خلق الإنسان لينتقم منه، بل إن الإنسان خلق بدون إرادة من الله تعالى، لذلك لابد أن يصفي حساباته معه!

بعد أن يصل الباحث  إلى قناعة تامة من أن الآيات آنفة الذكر تدعو إلى أنواع القتل كونها (عصية على التأويل)([4]) على حد نص تعبيره وهي تمارس سلطة شديدة على الإنسان، يبدأ باستعراض المفاهيم التي تثير وتختزن وتقدم الكثير من الإشكاليات المعرفية وهذه المفاهيم  هي (الله/ الدين/ الإنسان).

 

الله

مفهوم (الرب أو الإله) أزلي في القدم وليس مقترن بقدم الإنسان بل انه كمفهوم وكوجود أقدم من الإنسان حيث إن الوجود غير الإنساني متقدم على الوجود الإنساني وتلك الوجودات حاضر لديها مفهوم الرب بشكل من الإشكال وفق دلالاتها الخاصة بها.

إننا لم نستوح تلك المفاهيم وغيرها من ادراكات الإنسان القديم وفهمه لها، بل إن إدراكنا لها يتسق بطبيعة الحال مع المفردات التي جاءت بها اللغة والتي تعبر بالضرورة عن معنى مقترن بها، ويعلم الأغلب إن المعاني لم تكن مندكة ذاتيا في اللفظ أو الحروف، بمعنى آخر إن العلاقة بين اللفظ والمعنى ليس علاقة ذاتية حتى يكون استنتاج مفهوم واحد مثلا لكلمة (الله) بين الإنسان القديم والمعاصر، بل إن للوضع أسبابا، ومنها القرن والمناسبة بين اللفظ والمعنى الموضوع له، وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك فهما واحدا للإنسان وحتى على مستوى الفكر الذي يسبح في معرفة هذه المفاهيم فانه يختلف من إنسان معاصر لآخر، كما يختلف بالتأكيد بين إنسان قديم وآخر مثله في القدم، حيث يتبع مدى استيعاب ذلك الإنسان وإدراكه لحقيقة هذه المفاهيم، وهنا يأتي دور الثقافة وبقية أدوات المعرفة في إيجاد صورة لهذا المفهوم أو ذاك في الذهن.

من هنا يأتي الجواب على التساؤل الذي طرحه الباحث  والذي يقول هل الإنسان القديم يؤمن بالصدفة عندما يتعرض إلى جرح وهو يدوس عظم حيوان بقدمه([5])؟

والجواب هو نفس الجواب السابق، أي إن إيمانه بالصدفة من عدمها ليس مرتبطا به بوصفه إنسان قديم أو معاصر وإنما يختلف الأمر باختلاف فهم الإنسان للحياة وتأثير العلويات على السفليات في الجملة، فقد لا يفهمها إنسان معاصر على  أنها صدفة وقد يفهمها إنسان قديم أنها كذلك (أي صدفة)، أي قد يفهمها إنسان معاصر أنها سوء طالع أو انه قصر بعبادته وقد يكون هذا الإنسان عالما أو بسيطا، وألا ماذا نفسر تصرف غاندي إزاء بول البقر وهو يرتشف منه رشفة للتبرك أو يمررها على وجهه وهو عالم كبير ورجل يذكره التاريخ بفخر!

وقد ينظر الإنسان القديم إلى دخول العظم الملقى على الأرض انه محض صدفة ليس إلا ونتيجة الإهمال في النظر أثناء السير.

من هنا أيضا يمكن الحكم على القول من (إن مفهوم الإله تشكل لدى الإنسان بوقت لم يكن يستطيع فيه التمييز بوضوح بين الجمادات والحيوانات) قول في غير محله لان الحكم على الإنسان القديم بأنه يعبد الحيوانات والجمادات (بالجملة) قول تنقصه الدقة كما لا يخفى وألا لو كانت التجربة كفيلة لوحدها بتغيير المفاهيم نقول هل استطاع غاندي بتجربته الثرة أن يفرق بين (البقرة) و(الإله) وهو ما لم يفعله حتى بعض بني البشر القدما.

من خلال هذه الدلالات لايمكن الإذعان إلى القول الذي يقول انه اشتقت الجماعات البشرية مفهوم الله من المفهوم المكون عن قائد الجماعات ورئيسها و ,,,,,,, وتقديس الأجداد وتحويلهم إلى (اله)([6])!

إن الحكمة من إرسال الأنبياء والرسل على فترات من الزمن هو للتماشي مع التطور المعرفي الذي يمر به بنو البشر على مر الأزمنة والذي تزداد لديه التساؤلات والإشكالات لتكون الإجابة بمستوى ذلك الإدراك ولهذا لم يكن مفهوم الرب أو الإله هو استنساخ لما فهمه الإنسان الأول بالضرورة، وذلك لوجود الأنبياء المتأخرين عن ذلك الفهم وتوضيحهم لذلك المفهوم الذي يتماشى أو يقترب من الذات بشكل من الإشكال بل ولو كان ذلك المفهوم الخاطيء موجود كما يتصور البعض (وقد يكون كذلك) لطرح على شكل تساؤلات على الأنبياء والمصلحين، وعندها سيقوم هؤلاء بتصحيح المفهوم في خلجات الإنسان السائل وقطعا ستتغير المفاهيم نـحو ما يقربها من الواقع.

فالاعتماد على الأساطير للخروج بأحكام تنصب على الجنس البشري أتصور فيها مجانبة للواقع.

نعم قد يكون الفهم الخاطيء لمترجمي النصوص (الأسطورية) القديمة جعلهم لم ينتبهوا للفارق الثقافي بالنسبة لدلالات المفاهيم بين اللغة المنقول عنها واللغة المنقول إليها. وقد يكون الخطأ مقصودا لإيصال القاريء إلى نتيجة مفادها أن الإنسان القديم تحدث عن أجداد مقدسين ثم صيرهم اله يعبد وجاء الإنسان المعاصر ومن خلال بعض (العباقرة) والذين وصفوا باسم (أنبياء) طوروا هذا المفهوم من معناه الأرضي إلى معناه السماوي وكلا المعنيين من مخترعات الإنسان نفسه أليس هذا ممكن؟.

وألا ما الذي يجعل الأساطير والخرافات القديمة دالا على أرضية مفهوم (الربوبية) أو (الألوهية)؟

إن مقولة (لا تقطع اليقين بالشك) أصبحت مقلوبة لدى البعضن، إذ لم يكتفوا بقطع اليقين بالشك بل قطعوا اليقين بالأسطورة.

إن هذا الفهم من خلال الأدلة (الأسطورية) لمفهوم (الإله) و (الرب) أنتج فهما خاطئا للمفهوم الثاني وهو:

 

الدين

حيث لا يعدو أن يكون علاقة بين عبد وسيد الجأ ته ضروف العبودية والقهر التي أوجدت (عبدا) مقابل (سيد) وهذه الحاجة هي الجامع بين مصلحة السيد والعبد على حد سواء، والدليل على هذا يقول بعض  الباحثين،  إن (المفاجأة المدهشة) التي جاءت بها الأسطورة البابلية تقول بان (مرد وخ) وبعد أن انتصر على جيش أمه (تيامه)  طالب جيشها المهزوم بان يسلمه مسبب النزاع ليعاقبه، وبعد أن يسرد نص الحوار يصل الباحث إلى نتيجة مفادها: "أن النص يشير إلى البدايات الأولى للأديان وهي: إن الدين لا يعدو أن يكون عبارة عن منظومة تتكون من:

أولا : مسلمات معرفية تفسر المسائل الأكثر حاجة للتفسير في المجتمع.

ثانيا : ضوابط أخلاقية تضبط سلوك الأفراد بما ينسجم وحاجة الرؤساء أو (الأرباب) وهكذا يستدل البعض  على أرضية الدين الناتجة عن أرضية الربوبية من خلال القول:

(بان مفهوم الرب لم يكن ليتجاوز في التعبير منطقة السيد أو الملك فان الدين يأتي ليضبط علاقة المجتمع بالسيد فهناك استحقاقات لهذا السيد، وهذه الاستحقاقات بحاجة لتبرير أو شرعية، والحاجة إلى الشرعية لا تبعث على مصلحة الرئيس فقط بل ومصلحة المرؤوسين أيضا،.ذلك إن الطبقية مفروضة ـ بالقوة ـ على الطبقات الضعيفة بالمجتمع، وحتى تستطيع هذه الطبقات أن تتمتع بشيء بسيط من الاطمانان فهي بحاجة لنوع من أنواع الرضا بهذا الفارق بالمستوى بينها وبين الطبقات الحاكمة، والرضا يمكن أن يوفره التبرير الذي يضفي القدسية على الطبقية وينقلها من كونها أزمة تتسبب بالاضطهاد إلى كونها واجبا ينتج الثواب)([7]).

وهكذا يتم استعراض أرضية الدين الإسلامي في مسالة المساحة في حق الطاعة بين العبد وسيده فبناءا على (وحي الأسطورة) نجد الاختلاف واضحا في وجهات النظر بين المدرسة الأصولية للمذهب الجعفري في معرفة حق الإطاعة بين أصالة الاحتياط واصالة البراءة، هذا الحق مأخوذ من الشحنات الدلالية للأسطورة البابلية (وليس من الشحنات الدلالية عن أئمة مدرسة أهل البيت عليهم السلام من خلال العديد من الروايات من جملتها مثلا (أخوك دينك فاحتط لدينك) ومنها قوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا).

هذه الآية القرآنية والحديث الشريف للإمام الصادق ليسا بأساطير طبعا لكنها لأترقى إلى مستوى الأسطورة من حيث شحناتها الدلالية عند البعض.

وهكذا تصور لمفهوم الرب أو الدين بهذه السطحية التي تنتزع من أسطورة (اينومو آليش) ماذا عساه أن يكون تصوره لمفهوم:

 

الوحي

بالتأكيد انه لا يعدو أيضا أن يكون نوع من العبقرية على أحسن التقادير، ولا مبرر لسموه أكثر من ذلك.

إن التساؤل عن زمن تحول القانون من كونه صياغة بشرية ناتجة عن حاجة ملحة إلى كونه وحيا نازلا من السماء تساؤل في غير محله لماذا؟

لان القانون حاجة ملحة لتنظيم حياة الناس منذ الوجود الأول للإنسان، لكن من هي الجهة المسئولة عن صياغة هذا القانون؟ فإذا كان الإنسان هو المسئول فكيف يمكن لهذا الإنسان صياغة قانون ملؤه العدل والمساواة المثالية وهو مركب من مجموعة عقد ومشاكل ملؤها الأنانية وحب ألذات والتسلط، بالتأكيد سنرى آثار هذه المشاكل واضحة على القانون ناهيك عن الافرازات الاجتماعية الأخرى مثل (اللون) و(الجهة) و(القبيلة).

إذا فلابد من وجود جهة تشرع القانون وليس لها أي مصلحة فيه غير العدل والمساواة.

بتعبير آخر لا يعود عليها هذا القانون بنفع أو ضرر بقدر ما تهدف إلى نشر روح التسامح وإحقاق الحق والحياة السعيدة، وهنا لابد أن يكون المشرع من غير سنخ ولا جنس الإنسان فكان التشريع الإلهي لهذا القانون الذي يضمن الحياة السعيدة لبني البشر لو أحسن التعامل معه (طبعا ليس الإلهي بالمفهوم الذي تعنيه (الأسطورة البابلية).

 وهذا التشريع ترجم عن طريق الأنبياء والرسل وانكره الإنسان الذي لا يريد العدل أن يتعاطى به بل يريد غريزة التسلط هي الحاكم فأصبح العالم اليوم تحكمه مجموعة من الغرائز ونتيجتها الانـحراف عن قيم الإنسانية وأصبحت الحياة اليوم برمتها (صراع من اجل البقاء).

وجوابا على التساؤل عن زمان الفصل بين الشريعة البشرية والشريعة السماوية نقول:

إن الفصل بدا بعدما بدا الإنسان يتمرد على الفطرة التي جبل عليها وبدأت ميوله نـحو الذات (الانا) وبدأت نفسه اللوامة ـ حسب التعبير القرآني ـ تجنـح به نـحو التسلط، وحتى وصل به الحال إلى ارتكابه أول خطيئة على الأرض من اجل امرأة، وعندها بدا يطلق العنان لعقله الأسير لدى هواه الأمير، فاخذ يحوك تصورات ويسميها أبداع، رقي، تطور، حداثة، ثقافة، ثم وصل إلى مرحلة إنكار الواجب والوجود المطلق في طريقة يمكن من خلالها إطلاق العنان لنفسه وغرائزه أن تفعل ما تريد حيث لا قيود ولا ضوابط.

وبعد أن وصل إلى شعوره بالحاجة الماسة إلى إيجاد نظام (قانون) ينظم سلوكه وطبيعة علاقته مع الآخر (الفرد والمجتمع) شرع القوانين المختلفة والمتناقضة بتناقض المشرعين وميولهم ونزعاتهم الاجتماعية والسياسية، فتشعبت هذه القوانين وتصادمت وتساقطت ونسخت وقننت بدلها قوانيين أخرى وأنظمة مختلفة ونسخت هي الأخرى ولازالت توضع قوانيين وتنسخ أخرى، وهكذا نـحن اليوم نعود إلى (كلكامش) و (اينومو اليش) لنستلهم منهما مفهوم (الإله) و (الوحي) و(الدين) ونضع القوانين على ذلك الأساس.

ونتيجة لإطلاق العنان لتصورات الإنسان وغرائزه أن تفعل فعلتها في سلوكه، عد الإنسان القديم وحتى الحديث السحر نوع من العبقرية، والعبقرية هي النبوة، والنبوة نوع من الألوهية، والألوهية هي حاجة الإنسان  المتسلط على رقاب الناس.

علينا  محاكمة المنطق الحديث في معرفة كثير من المفاهيم وهذا المنطق يغنينا بالضرورة عن اللجوء إلى الأساطير وسلوك المجتمعات البدائية.

فالمنطق يحدد خطوات يمر بها العقل البشري للوصول إلى النتيجة من أي مشكلة تواجهه ومن أهم هذه الخطوات هي :

1-                 تحديد المشكل

2-                 معرفة نوع المشكل

3-                 الذهاب إلى البد يهات المناسبة للمشكل

4-                 محاكمة البد يهات مع المشكل

5-                 الرجوع مرة أخرى إلى المشكل لحله

هذه الخطوات المنطقية هي التي يمر بها عقل الإنسان للوصول من المعلوم إلى المجهول

أما بالنسبة لصاحب الحدس الذي يمتلك ذكاءا غير طبيعي فبامكانه الذهاب من المعلوم إلى المجهول مباشرة دون المرور بالخطوات السابقة.

وإذا كان المجتمع البدائي أو (الأسطورة) تسمي ذلك (وحيا) أو (نصف اله) او ما شابه ذلك فان استنتاجاتنا وادراكاتنا حجة عليهم بناءا على التطور المعرفي الهائل بيننا وبينهم.

 هذا بالنسبة للإنسان المجرد (اللامنتمي)، أما بالنسبة لأصحاب الأديان وبخاصة المسلمين فان القران الكريم تكفل بحل هذه المشكلة وسواء اعتبرناه ـ القران ـ كلام رسول الله ترجم الإيحاء إلى كلمات قالها أو انه وحي بمعنى نزول الكلام عليه فان القران صرح بوجود ملك ينقل النصوص القرآنية وغيرها اسمه (جبريل) فلا مبرر لتأويل أو فلسفة قد تصل إلى مستوى السفسطة.

نعم الوحي له أكثر من دلالة وكل بحسبها فالوحي للنـحل يختلف عنه للإنسان.

 

النتيجة

للجواب على التساؤل الذي يقول: من قال بان الدين جاء باعتباره شريعة عابرة للازمان ؟

نقول هناك جوابان على هذا التساؤل :

الأول :إذا كان السائل مؤمن بهذا الدين ـ الإسلام ـ فعليه أن يحاكم القران الكريم والأحاديث الصحيحة ليصل إلى الجواب.

الثاني : إذا كان غير مؤمن بهذا الدين فتساؤله في غير محله، لان التساؤل هذا متفرع على اصل الأيمان وألا ما الفائدة بتساؤلي  حقيقة انتصار (مردوخ) على جيش أمه (تيامه) إذا كنت منكرا لأصل الأسطورة.

إذا علينا أن نؤمن أولا بالدين ونعده حقيقة دينا سماويا لا نتاج عبقري أو شخص (نصف الهي)، ثم بعد ذلك يطرح التساؤل أعلاه.

والجواب على التساؤل الثاني القائل: "إذا كان الدين الإسلامي كما يفهمه غالبية المسلمين ـ أي انه الشريعة التي اختارها الله لجميع ألازمان والشعوب ـ فأين هذه الشريعة"([8])؟

نقول: أولا هذا الفهم لدى جميع المسلمين وليس لأغلبهم، وثانيا إن الإسلام لم يكن حتمي التطبيق في تلك الأزمنة، بل للإنسان الاختيار بين الحق والباطل، إذ انه تعالى أعطانا النظام الامثل وقال (لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) ثم إن عدم تطبيقه يعود إلى ما ذكرناه سابقا من الفصل بين الشريعة الإنسانية والسماوية.

نعم ما ذكره الباحث من إن كلامه السالف (لا يجب أن يعني هدم الدين بالضرورة) والمفهوم منه انه قد يجب هدم الدين! وكيف لا يجب هدم الدين بالضرورة إذا كان الإله دموي لا يمل من دماء الناس، والوحي عبقرية، والإسلام ليس عابرا للازمان.

وبما إننا في زمن ما بعد الإسلام، إذا نـحن لا تحكمنا قيمه وثوابته، ونعود إلى ثوابت الفطرة التي أكل الدهر عليه وشرب وناموس الحياة البهيمية التي تتصارع من اجل إثبات وجودها.

إذا فلنبرر مجازر القتل وسفك الدماء التي تقوم بها العصابات المجرمة بعد أن تحررت من قيود الدين الذي يقرض عليها احترام الإنسان ويفرض عليها الالتزام بالقيم التي يفترق فيها بنو البشر عن سائر الممكنات، ولنوغل بالرذيلة بعد أن تحررنا من مقولة (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

 


[1] كتبت هذه المادة رداً على مقالة سعدون محسن ضمد المعنونة (إينومو آليش.. حينما في السماء أم حينما في الماضي؟) والمنشورة في العدد الثامن من مجلة مدارك.


 

([1]) محسن، سعدون، (اينومو آليش.. حينما في السماء أم حينما في الماضي؟)، مدارك العدد8، السنة3، ص22.

([2]) م. ن، ص22.

([3]) م. ن، ص23.

([4]) م. ن، ص23.

([5]) م. ن، ص24.

([6]) م. ن، ص24.

([7]) م. ن، ص29.

([8]) م.ن، ص 40.