(الأنثى) بين التنكير والتذكير والتأنيث
مقاربة إنسانية
د مشتاق عباس معن
ديباجة:
خاض الدارسون في موضوع الميز بين الذكر و الأنثى في
دراسات كثيرة، وعلى مساحات زمنية شاسعة، وانطلقوا في
توجهاتهم تلك من قواعد مرجعية/ معرفية متنوعة، فمنهم
من انطلق من مرجعية دينية، ومنهم من انطلق من وجهة
فلسفية - فكرية، ومنهم من حاول الجمع بين المنطلقين،
مع الأخذ بالحسبان التيارات الداخلية داخل كل توجه.
وبمراجعة سريعة لمجمل ما قيل في هذا الجانب الشائك،
نلحظ تصادمات قولية و فكرية بين مجمل طروحات تلك
تيارات، فمن الدارسين من أراد أن يفضّل الذكر على
الأنثى، ومنهم من أراد أن يفضّل الأنثى على الذكر،
ومنهم من أراد أن يساوي بينهما على نـحو إقحامي غير
منطقي، يستبين من ذلك كلّه أن النظر إلى العلاقة بين
الذكر والأنثى قائمة على أساس تفاضلي، أي يؤدي بالأنثى
إلى واحد من أمرين:
ـ تنكير الأنثى.
ـ الثاني: تذكير الأنثى.
في حين ينبغي أن تكون المسألة:
ـ تذكير الذكر.
ـ تأنيث الأنثى.
وعليه سنقرأ هذه الخلافات وفقاً لثلاث قواعد:
القاعدة الأولى: تنكير الأنثى في المجتمع الذكوري:
النظام الأبوي الشامل هو النظام الطاغي على أغلب ملامح
الإدارة والتسلط في فضاءات العالم الثالث وكذلك
التجمعات البشرية المنخرطة في فضاء القروية.
يذهب هذا النظام إلى تسليم السلطة بيد الذكر بجعله
مركز الإدارة والتخطيط وبالتالي يكون عالي القيمة
قبالة الاستعلاء على كل ما هو أنثوي دوني.
وقد تحدّث الأتنولوجي الفرنسي كلود ليفي شتراوس في
كتابه (مدارات حزينة)([1])
عن إشكالية هذا النظام وتأثيره في تصديع النزعة
الإنسانية (Humanism)
في ذواتنا([2]).
ويؤدي هذا التعامل إلى سحب حمولات الأنثى الحقوقية من
خانتها لتضاف إلى حمولات الذكر؛ ليكون هو صاحب القيمة
الأوحد([3])،
ويأتي هذا التعامل من
إنّ التشكّل المعرفي في المجتمعات القروية
وأشباهها، ذو مرجع أسطوري ـ ميثولوجي، قائم على أساس
الشفاهية المغرقة في عمق الخيال،فخوفهم... متخيل، ينبع
من كائنات منسوجة من وحي ذهنهم المجازي، وعاداتهم...
متخيلة ـ في غالبها ـ تنبع من تصوراتهم اليوتوبية
وغيرها من الأنساق الحاكمة لنظامهم وتعاملاته. ولم يكن
هيكل التنظيم الداخلي لتوزيع الوظائف وتأسيس زوايا
نظرهم لمكوّنات مجتمعهم: الذكر و الأنثى بمنأى عن هذا
الأسّ البنائي، بل كان داخلاً ضمنه ونابعاَ منه.
فالأساطير في الذهنيات البدائية ـ غالباً ـ تعمل
على السمو بمكانة الذكر و الحطّ من مكانة الأنثى،
وتصدير هيكل الإنسانية على أنه خاص بالأول دون الأنثى،
هبوط الأنثى لغرض سادية الذكر([4]).
وعملت هذه المنابع الأسطورية ـ الميثولوجية على
تأسيس أيديولوجيا فكرية في عمق ذهنية المجتمعات
التراتبية يمكن وسمها بـ"الأيديولوجيات الذكورية"،
وغاية تلك الأيديولوجيات: مصادرة إنسانية الأنثى و
اكتنازها في حمولة الذكر المعنوية: الإنسانية.
فالأنثى في نظر تلك الأيديولوجيا عبارة عن "جسد"
يُقضَى منه الوطر ويُرمَى، ولا يُلتفَت إليه إلاّ حين
الحاجة، ويعيد هذا المسار الانتهاكي إلى الذهن ثنائية
"السادية/ المازوشية".
وهذا الطرح يحفر في عمق الإنسانية ليحوّل حمولتها
المعنوية إلى الضدّ، فيبقى الجسد: الحمولة المادية،
كائناً مرصوصاً بالحيوانية: الحمولة المعنوية
المجتلبة؛ لأن (تلك الحركات الجنسية اللاإرادية التي
تدفع الذكر إلى الأنثى من أجل الإخصاب والمحافظة على
النوع في جميع الكائنات الحية)([5]).
لذا فأيديولوجيا الذكورة تعمل على آليتي: التفريغ و
التحوّل في مساق الحمولات المادية والمعنوية لكائنية
البشر.
وتنعكس تلك الآليتان على مرآة الداخل الأنثوي، فهي
ذات شاعرة، حاسّة حالها في ذلك حال الذكر، فمتى ما
أجبرت على أن تتفرّغ من حمولتها المعنوية: الإنسانية،
فإنها تسعى لسدّ ذلك الفراغ من خلال الشحن بحمولة
معنوية ـ وإن كانت مضادة-: كالحيوانية، فتتحوّل بذا
مدركاتها من حالة سويّة إلى ممارسة مازوشية، تتحوّل
تدريجياً إلى حمولة مادية ذات صبغة جسدية... تتحوّل
إلى جسد بحمولة حيوانية... يبحث عن منابع الإشباع
الغريزي... عن النشوة... عن التماهي في الشبق... مهما
كانت الوسيلة فالغاية ـ عندئذ لديها ـ تبرر الوسيلة.
فيشيع الانـحراف والتفسخ، وتكثر حالات الشذوذ
والعلاقات غير الشرعية في جيولوجيا الإنسان: بطبقاته
العِلوية والدونية وما بينهما.
ولعل مردّ ذلك إلى أمرين، مفادهما:
ـ
القهر.
ـ
الكبت.
وتؤدي سيادة الصوت الذكوري قبالة الصمت الأنوثي،
إلى فقدان التوازن ويجعل الحياة تمشي بسبيل أعرج غير
متكافئ. لذا علينا عدم مصادرة رأي الآخر وإن كان
أنثوياً؛ لأنه لم يأتِ من "قمامة"، بل أتى من كائن
عاقل له ما للرجل من بنى فكرية و أنساق معرفية.
والعلاج الناجع لمثل هذه الشيزوفرينيات التعاملية
في بنية المجتمع الصغرى "الأسرة" وما هو أكبر منها
"القبيلة/ المدينة/..."، هو بإعادة الاتزان في التعامل
من خلال تبادل الاحترام وإشاعة جو الحوار في أنساق
التعايش واتخاذ القرارات؛ لأن (استلاب المرأة… هو شكل
من أشكال الاعتداء على إنسانيتها من خلال رفض الاعتراف
بها ككيان آخر كامل وقائم بذاته، مغاير لنا ومستقل عنا
ومحدد لكياننا)([6]).
القاعدة الثانية: تذكير الأنثى في المجتمع المادي:
إن مساحة "المسكوت عنه" في المجتمعات شبه الساكنة
واسعة ومتشعبة، ومحاولة الخوض فيها يعني: المجازفة،
ولعلّ اقتران ذلك الممنوع بالحقل السياسي هو الغالب
على ذهنية العالم الثالث وعقلاء المجتمع القروي، لكن
الحال مختلف لو دققنا في أنساق فكر تلك المجتمعات.
فـ “الأنثى” إشكالية كبرى في دستور تعاطيهم العرفي
وتداولهم التقاليدي، فهي محاطة بشَرَكٍ مسنّن مدعم
بهالة تشريعية نافذة الإجراء حالما تحاول: الذات أو
الآخر انتهاكه.
ولعلني لا أحيد عن سبيل الصواب إن قلت:إن “الأنثى”
أخطر مسكوت عنه في المجتمعات الشرقية؛ لأنها لم تُحَط
بالنظرة التقليدية فحسب، بل طوِّقت برؤى دينية اختلف
الفقهاء وعلماء الشرع في تحديد مشروعية استنباطها.
لذا يصيب الكتّاب الحذر حيال تناول “الأنثى” و
إنسانيتها و حدود حمولتها المعنوية المجردة، وعليه
لاقت إنسانية الأنثى تهميشاً (Marginality)
كبيراً ؛ بسبب طغيان التفكير الأبوي (Patriarchal
Binary Thought) على أنساق الذهنية الشرقية ـ ولاسيما لفيف
البدائيين أو أشباههم ـ.
ولو نظرنا إلى الهوية الإنسانية الأساسية (Essential
Human Identity)،
للمجتمع الإنساني، لوجدناها تتمثل بجلاء بنوعي الجنس
البشري (الأنثى والذكر) اللذين يتميز كل واحد منهما
بميّزات خاصة تجعل من اجتماعهما: ممارسة تكاملية؛
لضمان تفاهم أكبر مما لو جعلناه: ممارسة انشقاقية (Dissidence).
فالذكر و الأنثى ([ نوعان] مشتركان في هذه الحياة
لا ثالث [لهما]، ولا يمكن [لأحدهما] الاستقلال دون
الآخر، ولكل [منهما] ملهى في [مسرح] الحياة يلهيه عن
مزاحمة الآخر، وهكذا [فهما] شركاء في السرّاء و
الضرّاء... والإنسان مكلّف بعملين لبقاء الشخص والنوع،
وكلا القسمين عاجز عنهما بانفراده: فكل منهما [محتاج
إلى الآخر] من جهة، وزائد من جهة أخرى، لكنهما متى
انضمّا كان منهما ماهية إنسان كامل)([7]).
لكن هذا الطرح لم يسد في أدبيات المجتمعات ذات
النُّظم الأبوية؛ لسيادة النظرة الذكورية التي تعمل
على مصادرة “إنسانية الأنثى” وتشييء كيانها كأي سلعة
قابلة للممارسة التجارية أو غيرها.
وقد حرّك هذا السكون التقويمي لحال الأنثى منافذ
نقدية في باحة الغرب مناهضة وعاملة على تأسيس حركية
تقويمية عادلة في آن.
فانبرت “هيلين سيكسوس” ولفيفها النقدي على هيكلة
لبنة أساسية لقوام نقدي يعيد الندّية للواقع المُنتَهك
من خلال ما عرف بـ “النقد النسوي (Feminist
Criticism)“ الذي عمل على احترام الأنثى من خلال استبعاد
النظرة الذكورية عن بنية المجتمع الأبوي بالتعارضات
التناظرية (Patriarchal
Binary Opposition)([8]).
وقد (بدأت [هذه الحركة الاستعادية] في نهاية
الستينات وفي أعقاب ثورة الشباب في فرنسا عام 1968م
تحديداً تظهر إلى الوجود مصطلحات سرعان ما انتشرت
بسرعة في الحياة الثقافية مثل مصطلحات الأدب النسائي،
والنقد النسائي.
تعنى هذه الظواهر الأدبية بالإجابة عن عدد من
الأسئلة و الاستفسارات التي تتصل بواقع الأنثى الأدبي،
من مثل التساؤل عن صورة الأنثى التي تتجلى في أدب
الرجال وعن العلاقة بين القهر الاجتماعي للمرأة وجنسها
وغير ذلك.
يسعى النقد النسائي و النظرية النسوية عامة إلى
تطوير أشكال تعبيرية جديدة في الأدب تتطابق مع تجربة
الأنثى وقيمها وشعورها وعالمها المفهومي الخاص،
المتميز من عالم الذكر وتجربته.
يعتقد الكثير من المؤمنات بالنظرية النسائية أن
عليهن أن يصارعن الرجال على سلطة العقل لإنتاج لغة
خاصة متمردة على الموروث المتمركز حول الذكر و الذي
حال دون إعطاء الأنثى فرصتها في الكلام.
ويمكن القول أن النقد النسوي كان متأثراً إلى حد
بعيد بالتحليل النفسي ولاسيما في إعادة صياغة نظريات
فرويد و لاكان.
ولعل الطابع الثوري لهذا الخطاب النقدي هو الذي
جعله يتطابق مع خطاب الطليعة ويتخذ من الفوضوية التي
تبنتها الحركة وسيلة من وسائل تحطيم هيمنة التمركز حول
الذكر)([9]).
وأسهمت جوليا كرستيفا في تكميل الطرح المناهض
للهيمنة الذكورية على طابع المعرفة، مما يدفع
المجتمعات إلى نكران ذات الأنثى ونسف إنسانيتها. إذ
طرحت كرستيفا جملة طروحات فكرية ناقشت الأنساق النقدية
ـ النصيّة للمطروح من فكر و إبداع في ساحة الإنسان ذي
المجتمع التراتبي أو شبهه، وحاولت معالجة النظرة
السادية القاتلة لشخص الأنثى من خلال ثلاثة مفاهيم:
-
التهميش
Marginality
.
-
التخريب
Subversion
.
-
الانشقاق
Dissidence
([10]).
ولم يكن هذا الفعل الطامح لموازنة المعادلة
التعاملية تجاه قطبي المجتمع: الذكر والأنثى، بإعادة
التوازن في النظرة إليهما، مقصوراً على الباحة
الغربية، بل تحرّكت أقلام كثيرة من أجل ذلك في الباحة
الشرقية، على مختلف المرجعيات الفكرية والتوجّهات
الغائية من الطرح.
فمنهم من انطلق من قاعدة دينية بدعوى الحركات
التصحيحية، ومنهم من انطلق من قاعدة علمانية بدعوى
انتقادية، ومنهم من انطلق من نظرة جامعة بدعوى توفيقية،
فكانت دعاوى رفاعة الطهطاوي والشيخ محمد عبده و أحمد
فارس الشدياق و الشيخ جمال الأفغاني وقاسم أمين وزينب
فواز وباحثة البادية و نوال السعداوي ومصطفى حجازي
وغيرهم.
وغالبية تلك الأقلام عالجت مشكلتين مهمتين اسهمتا
في إقصاء الوظيفة المشروعة للمرأة تجاه بناء المجتمع
والأسرة، وهما: التعلّم و الكرامة.
فالجهل ـ كما يصفه أغلبهم ـ سبب تخلّف
الأسرة،وهي:المجتمع الصغير الذي يشكّل بمجموعه المجتمع
الكبير، بل هو في نظر بعضهم سبب رئيس للفساد واستمرار
العلاقات غير الشرعية (فجهل البنات بالدنيا غير مانع
لهن من معرفة الرجال واستطلاع أحوالهم. بل ربما أفضى
بهن هذا الجهل إلى التهافت عليهم والانقياد إليهم من
دون نظر في العواقب)([11]).
لذا يجب علينا أن ننظر إلى الأنثى بوصفها كائناً
حياً عاقلاً قادراً على الاستيعاب و الإسهام في البناء
كنظيرها الذكر فـ (إذا نظرنا إلى ما أسبغة الله عليها
من القوى العقلية والأدبية... نستدل على أن هذه القوى
لم تعطَ لها عبثاً من دون غاية، وبالتالي أنه يجب أن
يكون لها حق التصرف بها وتهذيبها وتوسيعها بحسب
الاقتضاء. و لا يصدق أن الباري عزّ وجلّ قد زيّن
الأنثى بهذه الصفات، ولكن حرّم عليها استعمالها.
وبالنظر إلى العلاقة الرابطة بين الطرفين وتأثر أحدهما
بالآخر، فإنه “لا يمكن وجود العلم في عامة الرجال من
دون وجوده في عامة النساء، كما أنه لا يوجد نساء
عالمات في عالم من الرجال جاهل”)([12]).
يضاف إلى ذلك أننا يجب أن نعدل في معاملة الأنثى
حتى في فرحة المولودة، لا أن نـحزن ونخزى فـ (إن
الانقباض الذي نظهره عند مستهل الأنثى يؤثر في الطفلة
رضوخاً إلى الذلة ورؤوماً إلى الضعة. فتشبّ الفتاة
واجدة الفرق العظيم بينها وبين أخيها، فتعتقد في نفسها
أنها أحطّ شأناً وأدنى مرتبة، فلا تطلب من المعالي ما
يطلبه أخوها ولا تنبسط نفسها إلى ما يرفع شأنها أو
جنسها. وتضع نفسها حيث نضعها)([13]).
وهذا ما أكّده المولى جلّت قدرته قبل كلّ تلك
الأقلام بقوله تعالى: (وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظل
وجهه مسودّاً وهو كظيم * يتوارى من الناس من سوء ما
بُشّر به أيمسكه على هُون أم يدسّه في التراب ألا ساء
ما يحكمون) [النـحل/ 58 – 59].
وإذا نظرنا إلى مسار (معادلة الكفة) في التعامل بين
نوعي الجنس البشري سنجده مساراً عادلاً ومقنعاً في
الآن نفسه، لكن المبالغة في إلغاء الفوارق سيولّد
مشكلة جديدة قوامها (فقدان الخصوصية) لكل نوع، فالأنثى
ليست ذكراً، كما الذكر ليس أنثى، ومن غير الممكن أن
يمارس أحدهما وظيفة الآخر في (مساحة الخصوصية) تلك،
فهناك مناطق اشتراك في السمات العامة؛ لأنهما ينتميان
إلى جنس خلقي واحد، وفي تلك (المساحة المشتركة) يمكن
أن يتبادلا إدارة الوظائف، فحين نناهض (النظام الأبوي)
؛ لأنه ينكّر الأنثى لحساب تذكير الذكر، فيجب علينا
مناهضة (نظام المساواة المطلق)؛ لأنه يمحي مساحة
الخصوصية في سمات الأنثى والذكر؛ فتكون الأنثى مذكّرة
والذكر مؤنثاً؛ لاشتغال مساحة الاشتراك في السمات
فحسب، والاشتراك يقتضي المثلية.
فمطلب (المساواة) الذي بالغ كثير من المنادين به بلغ
مستوى المطالبة بخلق نظام أمومي يوازي النظام الأبوي.
ولا تأتي محاربة التطرّف بتطرّف مضاد، فتفضيل الأنثى
على الذكر، وسحب البساط كلياً من تحت الذكر، لا يعالج
المشكلة، بل يعمّقها من جانب آخر؛ لأن هذه الممارسة
ستقلب موازين التعامل، بأن نوجد نظاماً يقدّس الأنثى
على حساب تهميش الذكر، فيشيع بين ظهراني " عوالمنا
السكونية "، نظام إداري تسلطي جديد يمكن وسمه بـ
“النظام الأمومي”، وينكّر فيه الذكر بمقابل تذكير
الأنثى، بتفريغ حمولات الذكر الحقوقية لتُشحن في
حمولات الأنثى الحقوقية فتستحوذ على مركزية القيمة.
وفي ظل النظام المفترض سترتبك الذاكرة، وتنقلب
الموازين، وتبقى الحقوق سليبة من طرف واحد لحساب الطرف
الآخر، فالذكر سيكون مهمشاً، وزمام الأمور مرتهنة
بقيادة الأنثى، وهي صورة موازية لما كان عليه الأمر مع
النظام الأبوي، فزمام الأمور كانت بيد الذكر، والأنثى
مهمشة، وكلا الممارستين انتهاكيتان، تعملان على أسس
عنصرية غير موضوعية، تهدم أواصر التعاون بين نوعي
الجنس الواحد، لتولد سياسة الحاكم الفرد.
المظلوم الأكبر في هاتين الممارستين، هي الإنسانية (Humanism)؛
لأنها ستكون مسلوبة في جانب، ومكتنزة في جانب آخر،
فالذكر في النظام الأول سيكون الأوفر حظاً، والأنثى هي
المنتهكة، السليبة، في حين تكون الأنثى هي المنتفعة من
شيوع النظام الثاني " المفترض”، و الذكر هو المنتهك،
السليب.
وهاتان الحالتان غير إنسانيتين البتة، لذا يجب أن نضع
نظاماً يقسم الإدارة بين الاثنين، وكذا الحال بسياسة
التسلط التي يجب أن لا تترك مطلقة بيد أحدهما، بل لا
بد من إعطاء الآخر فسحة لإبداء الرأي، التسلط الفردي
أمر قبيح، خصوصاً إذا كان على حساب استلاب حقوق
الآخرين ممن لا يملكون القوة و لا النفوذ لمقاومة تسلط
ذلك الفرد.
وفي الوقت نفسه الحرية المطلقة غير محبذة أيضاً؛ لأنها
تسبب الكثير من موجات الفوضى خصوصاً عند من لا يقدّر
قيمتها.
وبغضّ النظر عن أيهما المتسلط الفرد، أو المتحرر على
نـحو مطلق، سواء أكان ذكراً أم أنثى، فالأمر واحد؛
لأنهما سيسببان الإشكال نفسه، فليس الذكر نبياً، وكذا
الحال بالأنثى.
لذا علينا أن ننظر إلى قضية التحكم بزمام السلطة ـ
العامة أو الخاصة - وكذا الحال بمسألة نسبة الحرية
المعطاة لكل واحد منهما.
فالتسلط الفردي للذكر، مع كسب الحرية المطلقة، على
حساب خنوع الأنثى، وسلب حريتها على نـحو عام، يعطينا
نظاماً أبوياً قبيحاً، يتحكم بنصف المجتمع، بيد واحدة.
وكذلك لو فسحنا المجال أما العنصر الإناثي، وتمتلك هي
زمام قيادة السلطة بمفردها، لأعطانا نظاماً، افترضنا
وسمه بـ “النظام الأمومي”، وسيعمل عكس عمل النظام
الأول، وعلى وتيرته الاستفرادية.
وبذا سيكون الحال الجديد، مغيّراً لأصول التكوين
الداخلي للذات الأنثوية، فضلاً على ارتباك سير قيمها
التعاملية مع الذات والآخر، فهي عملية لقلب الموازين
التكوينية/ الإنسانية، كتذكير الأنثى.
القاعدة الثالثة: تأنيث الأنثى في المجتمع الإنساني:
النظرة الإنسانية العامة التي أكّدتها العقول
المستنيرة، فضلاً على الذهنية الدينية – قبل التأويل
-: أن الذكر و الأنثى يمثلان الهوية الإنسانية
الأساسية (Essential
Human Identity)،
للمجتمع الإنساني، ولكل منهما ميّزات خاصة تجعل من
اجتماعهما: ممارسة تكاملية ؛ لضمان تفاهم أكبر مما لو
جعلناه: ممارسة انشقاقية(Dissidence).
لكن هذا الطرح لم يسد في أدبيات المجتمعات ذات
النُّظم الأبوية؛ لسيادة النظرة الذكورية التي تعمل
على مصادرة “إنسانية الأنثى” و تشييء كيانها كأي سلعة
قابلة للممارسة التجارية أو غيرها.
فالوجهة التي نتبنّاها في هذا الصدد، هي الوجهة
الإنسانية التي تعطي لكل ذي حق حقّه ؛ إذ نذهب إلى أن
الذكر و الأنثى عنصران تكامليان لا متكاملان، أي أن
انفرادهما لا يتمم الكينونة المادية والمعنوية للبشر،
بل من الضروري أن يجتمع النوعان بما يمتلكان من سمات
وميزات ليكونا كلاً نسقياً كاملاً أو قريباً من
الكمال؛ لأن الذكر و الأنثى ([نوعان] مشتركان في هذه
الحياة لا ثالث [لهما]، ولا يمكن [لأحدهما] الاستقلال
دون الآخر، ولكل [منهما] ملهى في [مسرح] الحياة يلهيه
عن مزاحمة الآخر، وهكذا [فهما] شركاء في السراء
والضراء... والإنسان مكلّف بعملين لبقاء الشخص والنوع،
وكلا القسمين عاجز بانفراده: فكل منهما [محتاج إلى
الآخر] من جهة، وزائد من جهة أخرى، لكنهما متى انضما
كان منهما ماهية إنسان كامل)
([14]).
وهو ما تؤيده الآية الكريمة (يا أيها الناس إنا
خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل
لتعارفوا) [الحجرات/ 13].
هذا هو المنطق المعرفي المعقول لتحديد حيز كل نوع من
نوعي الجنس البشري، فللذكر ميزات، وللأنثى ميزات
أيضاً، ومن غير الصواب، أو الحق، أن نفضّل أحدهما على
الآخر، من دون النظر إلى ميزات المفضول.
فلو قرأنا الهيكل التكويني للذكر، وكذلك قرأنا الهيكل
التكويني للأنثى، على أساس قراءة انفصالية تحفر في
منظومة كل واحد منهما على حدة، وبعد تجميع عناصر
القراءة النهائية لكل إجراء، نعمد لعقد قراءة تواؤمية
بين حصيلة القراءتين الانفصاليتين السابقتين، فسنجد من
دون أدنى شكّ أن لكل واحد منهما قائمة من السمات التي
ستقسم في نهاية التقابل على قسمين، قسم تمييزي خاص،
وقسم مشترك عام.
ومن غير العدل أن نهمل السمات العامة المشتركة، ونكشف
السمات التمييزية الخاصة بواحد منهما على حساب الآخر.
ومن غير العدل أيضاً أن نهمل السمات التمييزية العامة،
ونعتمد على حصيلة السمات العامة المشتركة.
فالقراءة العادلة، هي تلك القراءة التي تشتغل على آلية
التكميل الجمعي لا الكمال الفردي؛ لأن الاستناد إلى
القراءة الثانية سنظلم أحدهما على حساب العدل مع
الآخر.
ولو اعتمدنا على القراءة التكميلية الجمعية، سنـحصل
على الآتي:
-
تعريف الذكر و الأنثى بأدواتهما الخاصة.
-
تذكير الذكر و تأنيث الأنثى.
لكن الاعتماد على القراءة الكمالية الفردية ستعطينا
الآتي:
-
تنكير أحدهما على حساب تعريف الآخر.
-
تذكير الذكر و الأنثى، أو تأنيث الذكر و الأنثى.
فلو وضعنا نظاماً يضمن للطرفين حياة كريمة، فيها فسح
الحوار، و التعاون على إدارة دفّة الحياة، من دون
الركون إلى سياسة التنظيم الشامل المرهون بزمام
أحدهما، مع الإشارة إلى ضرورة إعطاء كل واحد منهما
المهام التي تنسجم وقدراته، وإمكاناته التحملية
والاستيعابية، ستضمن التعايش السلمي، و التعامل
الإنساني السّويّ المحافظ على سيرة الإنسانية سليمة من
أي انتهاك، ولا نـحصل على هذا النظام إلا عبر قراءة
تكاملية جمعية، مسبوقة بقراءة تحليلية منفصلة لكل
منهما.
الهوامش:
([1])ينظر:
Levi Strauss:
Tristes Tropiques,
pp: 455 - 464.
([2])
انتقد بعض المفكرين العرب آلية (الأتنولوجية
العلمية) التي طرحها شتراوس ولاسيما في كتابه
(مدارات حزينة)؛ لأنه تجاوز معاييرها في مواطن
كثيرة ـ بحسب توصيفهم ـ ومن أبرز من أعترض عليه
الباحث إدريس هاني وهشام جعيط، وقد صرّح إدريس في
واحد من ردوده (وهذا حقاً ما يعود بنا إلى ما
قرّره ستراوس آنفاً، بأنّ مشكلة ضعف الثقافات يكمن
في عزلتها وعدم تواصلها، لكن كيف تمّ هذا التواصل
؟
ستراوس يتحدث هنا عن أسلوب وحشي. لم يكلف نفسه
مشقة فهم فلسفة الجهاد الإسلامي وأبعاده مثل ما
قضي شطراً من حياته في أمازونيا، يفكك أسطورة
الأرنب البري والشفاه الشرماء... أن الازدواجية في
المعايير واضحة هنا... فقد تعامل ستراوس بصورة
تجديفية مع الثقافة الإسلامية. والمُشكل هنا أن
ستراوس تجاهل حقيقة تاريخية هي أن الإسلام استطاع
بكافة الشعوب ومختلف الأنساق الثقافية بروح
الاكتشاف والتعارف والمقابسة. الفتوحات الإسلامية
ـ مع كلّ الملاحظات التي تُثار حولها ـ لم تكن
تشبه حركة الإبادة التي قام بها المُستعمر الغربي
في سبيل نهب الشعوب. فهي حركة كانت تهدف إلى توسيع
رسالة التوحيد، لتشمل العالم، ستراوس يُدرك ذلك
دون أن يعي ما يقول. لقد سبق وأكد، بأن الأخوة في
الإسلام، ليست اقتصادية أو اجتماعية، بل هي ثقافية
دينية. ويكفي هذا دليلاً على أنّ حركة الفتوح
الإسلامية في مضمونها الرسالي المقنّن في نصوصها
المرجعية، هي حركة حضارية بالمعنى الذي تفيده
عملية نقل الأفكار، وليست حركة مادية لاستعمار
ونهب الآخر، كما هو الحال بالنسبة لحركة الإبادة
الغربية،... إنها أكثر أنواع المصاهرة نجاحاً في
تاريخ الثقافات. أو اتهام الإسلام بإبادة كل سابق
من أجل ثقافته، فإن تاريخاً كاملاً من الفتوح
والنشاط الإسلامي، أظهر مدى قدرتهم على احتواء كل
الثقافات، بل والسعي إلى إحيائها. فالمهمة
الأساسية، أو إن شئت، البنية القارّة في هذه
الثقافة، هي “التوحيد ".
... لقد كانت هذه الفتوحات مزدوجة الأبعاد، فهي من
ناحية، حركة للتعارف والاكتشاف، ما يؤكد على
منـحاها التثقافي [السطحي]، وحركة للتنوير
والتثقيف، وهو ما يعبر عن المنـحى الثقافي
الإيجابي.
لقد قدم الفاتح العربي المسلم إلى فارس فكرة
التوحيد حيث ظلّ يتخبط فيها الفكر الفارسي القديم.
كان التوحيد الخطوة الحاسمة للقضاء على الثـنوية.
لكن مع ذلك، أفاد هذا الفاتح من كل الإنجازات
الحضارية لفارس من دون شعور بالتعالي. كما استطاع
الفاتح أن يقترب من شعوب بدائية من دون أن يلجأ
إلى التاريخية. فكان نجاح الإسلام في أفريقيا غير
مسبوق بالعنف. لذا كان بإمكانه النجاح في العالم
كله لو أتيحت له فرصة المضي في حركته التثاقفية.
ووجود ملايين المسلمين في بلاد الغرب، أكبر دليل
على أن الثقافة العربية/ الإسلامية تملك أن ترقى
مستوى البديل الحـضاري عـن الغـرب)[حوار الحضارات:
إدريس هاني: 33 – 34] وينظر: أوروبا والإسلام
"صدام الثقافة والحضارة": هشام جعيط: 33 و47-52.
([3])
انتقد الأستاذ إدريس هاني أنموذج شتراوس على هذا
النظام ليعممّه على الفكر الإسلامي بقوله: (يذكر
ستراوس في المدارات الحزينة، بأنه صادف أثناء
رحلته في القطار بين كاشمير وراواندي، حدثاً
غريباً ـ مع أن الغرابة أمر شاذ في عرف
الأثنولوجيا البنيانية ـ يتعلق الأمر بامرأة
باكستانية مسلمة، برفقة زوجها و أبنائها. كانت
المرأة حسب وصف الكاتب منطوية على نفسها، مديرة
ظهرها للغريب ـ أي ستراوس ـ مصرّة على عزلتها.
كان لا بد على العائلة أن تنقسم إلى قسمين: الأم و
الأبناء في الجناح المخصص للنساء، في حين ظل الأب
يحتل الأماكن المحجوزة، ناظراً إلى الزائر الغريب
شزراً.
كان ذلك الموقف المحرج للأتنولوجي الفرنسي، المبرر
اليتيم، لكي يمضي في عنفه – بلا هوادة – ضد
الإسلام، ناسجاً صورة قاتمة، لا تكاد تمتّ بصلة
لذلك المنهج الذي أرساه قبلاً. الصورة التي حاكها
عن الإسلام، نتيجة شعور عارم بالقلق تجاه تاريخية
الإسلام المحيرة، هذا الأخير الذي ما كان له أن
يظهر في هذه البقعة من العالم، فيما لو نجحت
محاولة الاتحاد بين العالم المتوسطي و الهند. إن
ستراوس لا يخفي حيرته من موقف الإسلام من التاريخ.
هذا الموقف الذي يتناقض مع الموقف الغربي بل ومع
ذاته أيضاً، إن اتصال المسلم بالآخر، أمر مقلق
للأول، وذلك أن نمط حياتهم قائم على نفي الآخر،
لقد وضعهم نبيهم في مأزق تناقضي بين عالمية
الرسالة، بتعددية الإيمان،
إن الأخوة الإسلامية كما رآها ستراوس من خلال
الرحلة الأخيرة، تقوم على أساس ثقافي وديني، وليست
ذات اعتبارات اقتصادية أو اجتماعية ) [ حوار
الحضارات: 31 – 32 ].
([4])
ينظر: الربيعو، تركي على: العنف و المقدس و الجنس
في الميثولوجيا الإسلامية: 146 وما بعدها.
([5])
السعداوي، نوال: المرأة والجنس: أول نظرة علمية
صريحة إلى مشاكل المرأة والجنس في المجتمع العربي:
141.
([6])
حجازي، مصطفى: التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجيا المقهور:
229.
([7])
فواز، زينب: الرسائل الزينبية المطبعة المتوسطة /
القاهرة / 1910م: 1/ 191و195.
([8])
Helen Cixous & Cathrrine Clement: The newly born
woman, translated by Besty Wing; introduction by
Sandra M. Gilbert, Theory and History of
Literature; v 24, p: 63.
([9])
النقد الأدبي الحديث " قضاياه ومناهجه ":د.صالح
هويدي: 136.
([10])
Julia Kristeva, Semiotic: Recherché pour une
semanalye, p: 24.
([11])
الشدياق
، أحمد فارس: الساق على الساق فيما هو الفارياق:
2/ 73.
([12])
البستاني
، المعلم بطرس: خطاب في تعليم النساء: 96 –70.
([13])
ناصف،
ملك حفني النسائيات:: 1 / 125.
([14])
الرسائل الزينبية: م. س. 1 / 191 و 195:.