الرشوة في معجم الثقافة المجتمعية
قراءة في الشخصية العراقية وثقافاتها الفرعية
د. غزوان هادي
تمتاز شعوب الارض كافة بثقافاتها الخاصة بكل منها،
والتي تستند في ثرائها او فقرها الثقافي والفكري على
موروثها الحضاري التراكمي، وكذلك على تنوعها النابع من
نتاجها وتطورها الداخلي، لطروحات ابنائها الخلاقة، او
المستورد منها تلاقحا بشتى الاساليب بدءا من التجارة
وانتهاءا بالاحتلال، ومع ايغالها في عمق التاريخ، وعظم
الحضارة، تزداد مصادرها وبالتالي اطرها الثقافية
والفكرية تعددا واتساعا، لتتنوع منابعها الثقافية
منتجة اصالة وريادة، في الفكر، والممارسة الثقافية،
لتصب بمجملها في بودقة معجم ثقافي لغوي يعبر عنه بسلوك
اجتماعي يحسب لصالح هذه الثقافة او تلك، ويسجل ماركة
منتجة او مستوردة لهذا الشعب او غيره.
في ماهية الثقافة
انبعثت الثقافة على سطح الارض يوم ظهر الانسان عليه،
لان الثقافة جزء من الانسان نفسه، تكمن في ذاته حتى
لتعد عنصر لا يمكن ان ينفصل عنه، وقد وجدت بينات ثقافة
الانسان المادية الاولى على شكل اثار وبقايا في مساحة
امتدت من جاوة الى الهند وبريطانيا، لتكون وسيلة
تعبيرية عن ثقافته المعنوية، وهي الادوات التي صنعها
الانسان من حجر الصوان والمواد الاولية الاخرى، والتي
بقيت على مر الزمان مقاومة لعوامل التعرية الطبيعية،
وكذلك يمكننا تتبع بقايا الثقافات المادية الاولى في
تلك الاكام والرسوم الفنية البدائية التي حفرت او رسمت
على جدران الكهوف او اية اماكن اخرى.
عرفت معاجم اللغة العربية الثقافة على انها الفطنة
والذكاء، اللذين ينتجان فهما وعلوما ومعارف وفنون، فما
بين: "ثقف الكلام أي فهمه بسرعة"، و: "فن ثقف أي فطنة
وذكاء، والمراد انه ثابت المعرفة بما يحتاج اليه"،
والنتيجة هي ان الثقافة : "العلوم والمعارف والفنون"(1)،
بحيث تتحدد وفقا لها مفاهيم الثقافة العربية لغة.
الثقافة اصطلاحا، عرفه في العصر الحديث الكتاب
والمختصون الغربيون وفقا للعناصر المكونة له على انه :
"ذلك الكل المركب الذي يحتوي على المعرفة والمعتقدات
والفن والاخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات
التي حصل عليها الانسان كعضو في المجتمع"(2)،
وبالتالي فالثقافة: "تتالف من انماط ظاهرة ومضمرة
للرموز التي تعبر عن الانجازات المتميزة للجماعات
الانسانية"(3)، في عرف الكتاب والمختصين
العرب الثقافة على انها: "مجموع ما يتعلم وينقل من
نشاط حركي وعادات وتقاليد وقيم واتجاهات ومعتقدات ونظم
العلاقات بين الافراد وافكار وتقنيات وما ينشا عنها من
سلوك يشترك فيه افراد المجتمع" (4)، واستمر
العرب في فهمهم المعنوي للثقافة حتى ثبت التوجه المادي
للثقافة ومزاوجته ببعدها الفكري والسلوكي، فعرفت
الثقافة بذلك على انها: " عبارة عن المستحدثات العميقة
والصلبة التي تتمثل في التفكير والسلوك الذي يمارسه
الافراد مع مناهج فروعها كالفن والتكنولوجيا والاخلاق
والعلوم"(5).
هكذا لم تبتعد الحضارات الغربية والشرقية ومن ضمنها
العربية عن بعضها البعض في تحديدها لمفهوم الثقافة،
ولكن الحضارة الغربية وضعت ثقلها الاكبر على الجانب
المادي للثقافة، فعدت ثقافتها مادية، لذلك ارتبط
السلوك الاجتماعي لأفرادها بشكل أو بآخر بالبعد أو
الجانب المادي، ومنها سلوك الرشوة الذي ارتبط بالحاجة
المادية، أو بالرغبة في الحصول على المال بأسهل وأيسر
طريقة، أو بالرغبة في الإثراء على حساب قيم اجتماعية
غير موجودة إلا في إطار التجريم القانوني في بعد مادي
بحت لأثر الرشوة، في حين اعطت الحضارة الشرقية ومن
ضمنها الحضارة العربية الجانب المعنوي المبني على اساس
روحي، وبالتالي مثالي الحيز الاكبر في فهمها للثقافة
ومصادرها ووسائلها وحتى حدودها المادية الحركية
والسلوكية، لذلك ارتبط سلوك الرشوة في الحضارة الشرقية
وتحديدا العربية بالتحريم الديني، والانـحراف
الاجتماعي المرتبط بثقافة العيب المبنية على أساس
العادات والتقاليد الاجتماعية في شكل قيم ترتبط
بالمنظومة السلوكية للمجتمع في بعد اجتماعي وروحي.
عناصر الثقافة
ارتأت الثقافة العربية بحكم تاريخها الموغل في القدم،
وحضارتها التي كانت فيما مضى لاتضاهيها اية حضارة اخرى،
قدما وعراقة، ان توجد للثقافة (29) عنصرا، هي: "القيم،
الدين، الادب، الفن، العلم، الفلسفة، اللغة، العادات،
التقاليد، النظم، الاتجاهات، المعايير، التكنولوجيا،
الاخلاق، المفاهيم، الايديولوجيا، التراث الاجتماعي،
الخبرات، المعارف، الانطباعات الوجدانية، الاراء،
المعتقدات، الافكار، نظم العلاقات، القيادة، الحرب،
السلوك، المثل العليا، والاعراف"(6).
في حين عرفت للثقافة الغربية (25) عنصرا، ميزت ثقافتها
عن غيرها، وهي: "المعارف، المعتقدات، الفن، الاخلاق،
القانون، الاعراف، العادات، لتكنولوجيا، التقاليد،
الاسرة، النظام الاجتماعي، الملكية، الحكومة، الحرب،
القيم، الادب، الدين، الافكار، المشاعر، السلوك،
الحرف، الاتجاهات، اللغة، الموظة، والبدع"(7).
في محاولة لدمج النتاج الثقافي والفكري للحضارات
الانسانية كافة، شرقيها وغربيها، من خلال المزاوجة بين
عناصرها الثقافية، بين المتفق عليه، والمتفرد لكل
ثقافة، يمكن ادراج (33) عنصرا مكونا للثقافات
الانسانية كافة، مشتركا ومتفردا بين المجتمعات
الانسانية، وصولا الى ثقافة مجتمعية انسانية عامة تمكن
من دراسة اتجاهات الثقافة وحركتها السلوكية وحراكها
الاجتماعي، بهدف التوصل الى فهم واضح ومحدد للثقافة
باقسامها الثلاث :-
1.
الثقافة الفكرية: وتشمل النتاجات
الادبية والفنية والقانونية، وجميع الخطط التي ترسم
مفاهيم المجتمع.
2.
الثقافة المادية: وهي كل ما
انتجته الصور الفكرية، وتم تجسيده كوقائع ملموسة او
مصنوعة، وتشمل كل النتاجات البشرية المادية من حراك
اجتماعي يتمثل في سلوك اجتماعي، وانتاج تقني.
3.
التقافة الروحية: وتشمل كل
المعتقدات الروحية من اديان ومعتقدات، واعراف وتقاليد،
والتي يعطيها الانسان دورها التحكمي في شؤون حياته
المختلفة، وان كانت بدرجات متفاوتة.
هذه الأقسام الثلاثة للثقافة التي تجرم وتحرم وتنبذ
الرشوة كونها سلوك محرم دينيا ومرفوض اجتماعيا ومجرم
قانونيا.
الثقافات الفرعية وغياب الضبط الاجتماعي
تبرز في معظم المجتمعات المنقسمة إلى طبقات وفئات
اجتماعية متدرجة، ظاهرة تعدد الثقافات وتنوعها،
والاشكال الرئيسة لهذه الثقافات هي: الثقافات الطبقية
(class
cultures)،
والثقافات الفرعية (sub
cultures)،
والتي تعد فروعا للتشكيل الثقافي العام للمجتمع، وتعبر
عن السلوك الثقافي لفئات وطبقات فرعية داخل المجتمع.
يرتبط نشوء الثقافات الفرعية بالتحضر، وذلك لان تركز
السكان في المناطق الحضرية مع نمو اللاتجانس بينهم
يؤدي الى اضعاف العلاقات الشخصية بينهم، وكذلك يترتب
على الكثافة السكاني الحضرية مزيدا من التباين
الاجتماعي، والذي يصاحبه بروز حالات اغتراب، وتفكك
اجتماعي، وانـحراف سلوكي، فضلا عن فقدان المعايير
الاجتماعية، وبذلك يمكن القول بان مفهوم الثقافة
الفرعية يعني قدرة هذه الجماعات على تطوير انساق
سلوكية اجتماعية تلقائية، تعمل كدفاعات لهذه الثقافة
وسلوكيات افرادها الاجتماعي في وجه التهديدات
الخارجية، وتحقق لها مزيدا من الاشباع النفسي
والاجتماعي، وتحقق هذا الاشباع من خلال قدرتها على
تقديم حلول (سحرية) اكثر منها واقعية للتعرضات الكامنة
في النظام الاجتماعي والاقتصادي، الذي يشارك فيه
المواطن، وما ينطوي عليه من صراعات اجتماعية عمرية
وفئوية وطبقية وقومية واثنية ودينية، كما وتسنـح
الثقافات الفرعية لمعتنقيها بالتعبير عن ذواتهم بشكل
متحرر من قيود العمر والفئة والطبقة والقومية والدين،
او الميراث الاجتماعي التقليدي، معبرا عنه بالعادات
والتقاليد الاجتماعية، وتقدم الثقافات الفرعية ايضا
اسهاما واضحا لحل المشكلات الاجتماعية من خلال طرحها
لقيم ومعايير اجتماعية توجدها بنفسها، بعيدا عن الاسرة
الاجتماعية، في صورة مقبولة بحلولها لمشكلات اعضاء هذه
الثقافات.
العراقي بين ثقافاته الفرعية وازدواجية شخصيته
برزت الثقافات الفرعية في تاريخ العراق الحديث مع توسع
سلطات الإقطاع في المناطق الريفية (الزراعية)
اقتصاديا، ودخوله مرحلة التحكم بحياة المواطنين من
القانطين والعاملين في إقطاعياته، وتجاوز ذلك بفرض
سطوته على أفكارهم وآرائهم السياسية، وتأثير وجوده
السلبي على حياتهم الاجتماعية، ومستقبل أسرهم
وأبنائهم، ما دفع باتجاه توسع نطاق الهجرة من الريف
إلى المدينة، فتولد عن ذلك كثافة سكانية في المناطق
الحضرية رافقه غياب التجانس بين هؤلاء السكان بسبب
تنوع مشاربهم الثقافية والفكرية، مع تناظر نسبي في
العادات والتقاليد الاجتماعية العامة، وفق معايير
الثقافة المجتمعية العامة.
تزامنت هذه الهجرة الريفية، وزيادة الكثافة السكانية
الحضرية مع غياب سلطة القانون، بانعدام وجود الدولة
ومؤسساتها، مما استدعى نشوء ثقافات فرعية، وأحيانا
طبقية تصف حلولا سحرية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية
المتأتية من الهجرة بالعقلية الثقافية والبيئية
الريفية إلى مجتمع المدنية المغاير فكرا وثقافة وبيئة
عن مجتمعاتهم السابقة، ومع ضعف المهاجرين الجدد فكرا
وثقافة ووجودا مقارنة بأبناء المدينة، لم يوجد للصراع
الفكري والثقافي مجالا للحراك، وإنما سنـحت الفرصة
لنشوء ثقافات فرعية وطبقية للمهاجرين، رسمت خطوط
دفاعاتهم تجاه الثقافات الأصلية لسكان المدينة، بعيدا
عن محاولات الخرق أو الدمج الثقافي، هذه الدفاعات التي
كان لها الريادة في وضع اللبنة الأولى لنظام
الكانتونات السكانية في بغداد وباقي مدن العراق في
العصر الحديث.
جردت المناطق التي قطنها المهاجرين الجدد في بغداد
وكذلك باقي المحافظات من أسمائها القديمة لتحمل أسماء
أو صفات أو نعوت خاصة بالمهاجرين محلها، فانـحصرت في
مناطق محددة من بغداد من غير المأهولة بالسكان سابقا
أو المسكونة جزئيا، فمناطق (الميزرة - العاصمة ـ
المنكة ـ أم العظام ـ الشاكرية... الخ) عدت في بغداد
كانتونات خاصة بالمهاجرين الريفيين، ولا زال السؤال
إلى يومنا هذا عن الأصل ألمناطقي مستمرا، وفي حال
العودة إلى إحدى هذه الكانتونات يبنى الانطباع على
ريفية الأصول، وكذلك جزئت هذه المناطق ثقافيا على أسس
دينية أو قومية أو عشائرية، فقد وجدت في ذات مناطق
المهاجرين أحياء للمسيحيين والصابئة والكرد، وكان
التقسيم العشائري حاضرا ـ آنذاك ـ فأبناء عشائر
الدلفية لهم حيهم، والسودان والبو دراج وغيرها من
العشائر وأحيائها الكثيرة بثقافاتها الفرعية والطبقية
المختلفة.
فسر الدكتور علي الوردي نشوء الثقافات الفرعية
والطبقية الناجمة عن الهجرة من الريف إلى المدينة، في
أفضل الدراسات النفسية ـ الاجتماعية التي تناولت
موضوعة المجتمع العراقي حتى يومنا عن ثقافة المجتمع
العراقي في نظريته (المد والجزر)، والتي تعزو نشوء هذه
الثقافات المستندة على ثقافة البادية باعتمادها على
التقاليد والعادات والأعراف العشائرية في تسيير شؤون
حياتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وحتى
القانونية، باعتمادها الحكم العشائري كأساس للفصل في
المشاكل، وتحديد العقوبات، والتي تسمى من وجهة نظر
الوردي بالمد البدوي، الناجم عن الجزر الحضري، الذي
يفسره بضعف دولة القانون أو غيابها، بما يفرض على
المجتمع إيجاد البدائل عنها، بالعودة إلى (حياة ما قبل
الدولة والقانون) في تسير شؤون أبنائها، فيحمل شيوخ
العشائر، صفة الوزراء أو أعضاء مجلس النواب في داخل
دولة العشيرة، ويتخذ الوجهاء وكبار السن (الفراضة) صفة
المحكمين في النزاعات التي تحتاج إلى استشارة أو رأي،
ويوضع (مجلس العشيرة) موضع مجلس الوزارة أو الوزراء،
ويبنى على (الفصل العشائري) أساس الحكم القانوني (
المحاكمات).
تمتاز كل عشيرة بأحكامها الخاصة بها، فمنها ما تأخذ
الغرامة أو الدية أموالا، والأخرى أملاكا، والبعض منها
نساء، وهناك من العشائر من لا تقبل بالدية وإنما تسعى
لأخذ حقها أو ثأرها بالعقوبة الجسدية وصولا إلى
القتل، ووفقا لذلك يتم العودة بالمجتمع إلى ثقافة ما
قبل نشوء الدولة، ممثلة بثقافات فرعية، وأحيانا طبقية،
والتي تتقبل أحيانا بعض الأفكار السلوكيات المبنية
على معايير السلوك العامة لهذه الثقافة أو تلك، التي
قد تتقاطع وتختلف عن التعاليم الدينية، أو التطور
الثقافي والفكري الإنساني، وأحيانا تتقاطع وأحكام
القانون، ونظم إدارة الدولة ومؤسساتها.
تبرر هذه الثقافات تقاطعاتها مع التعاليم الدينية ومع
أحكام القانون ومؤسسات الدولة على إنها ثقافة فكرية
تسمو ثقافيا بالإنسان فوق حدود التبلد الفكري الذي
يغلف التعاليم الدينية ـ من وجهة نظرهم -، ويتجاوز
القوانين التقليدية التي وضعها إنسان لا يرقى إلى
مستوى فهم هذه الثقافات، وتبرر تقاطعاتهم مع نظم إدارة
مؤسسات الدولة على أساس سوء العلاقة بين الحاكم
والمحكوم، ومن جهة أخرى تبرر هذه التقاطعات السلوكية
العقائدية والقانونية والإدارية كونها نابعة من تقاطع
المستحدث وغير المتفق علية مع ميراث الآباء والأجداد،
واصل الحضارة، وعراقة الأصل، والجذور الموغلة في عمق
التاريخ، والتي تعد الأساس أو الدستور الذي يسمو على
غيره من الطروحات أو القوانين، وبذلك تجد هذه الثقافات
الفرعية أو الطبقية مؤيدين ومتمسكين بها، بناء على
رغبة في التطور وتجاوز المحضور، أو الرغبة في التمسك
بالماضي والإرث الحضاري، وبما يتلائم وإيجاد الحلول
لمشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية.
تنقلب الصور رأسا على عقب في حال حصول المد الحضري
(والجزر البدوي)، وهو ما يفسره الدكتور الوردي بقوة
الدولة وسلطان القانون الذي يفرض التمسك بنظم إدارة
مؤسسات الدولة، ويخضع جميع المواطنين للقانون وبشكل
يضعف من دور الأنظمة البدائية في السلطة (العشيرة)،
وقد يلغي دورها طالما هناك مد حضري، ويصبح خضوع
المواطنين لنظام الحكم والقانون، وبذلك تتمتع الدولة
بصفة المدنية في دولة القانون والمؤسسات، والأنظمة
الضابطة لسلوك الاجتماعي العام.
تتوزع الثقافات الفرعية وفق احتياجات أعضائها، فنرى
الثقافات الفرعية (العشائرية) في عراق أوائل القرن
العشرين سعت جاهدة لإيجاد حلول سحرية لمشاكل أعضائها،
والتي كانت في الغالب مشاكل اقتصادية، أوجدها غياب
الدولة والقانون الحامي لحقوق المواطنين، والسبيل
لتوفير فرص العمل، ورفع مستوى دخل الفرد، وإيغال
الإقطاع في تحطيمه لطموحات ومستقبل أفرادها، فبررت
غالبية هذه الثقافات السلوك المنـحرف اجتماعيا،
والمحرم دينيا، والمجرم قانونا، بهدف أن تحل مشاكل
أعضائها الاقتصادية، وان توجد مساحة لقاء مشترك
لأعضائها، ومصادقة جماعية على حلولها (السحرية) من
وجهة نظرها.
بررت بعض الثقافات العشائرية العراقية جريمة السرقة،
بل ووصفت القائمين بها بالشجاعة والبطولة، فنرى وصفهم
في هذه الثقافة على إنهم (سباع الليل)، كما ونعتت
القائمين بالنصب والاحتيال والرشوة والاختلاس وغيرها
من السلوكيات التي تصب في إطار الحصول على المال بأي
طريقة كانت بعيدا عن حسابات القيم والدين والقانون،
لتصف هذه الحالة بـ(السبع اللي يعبي بالسكلة رقي)
وغيرها من الأمثلة الكثير، ولترفض في ذات الوقت أي رأي
مخالف لهذه الثقافة في اتجاه توفير الحلول السحرية
لأعضائها، ولتطعن في طروحات الثقافات الأخرى، وحتى
الثقافة المجتمعية العامة، بتأكيدها على سبيل المثال
على رفض الرأي أو المشورة فيما يتعارض وهذه الثقافة
قانونا أو دستورا يسمو على ما سواه في إدارة شؤون
الحياة، بإتباع الحكمة العربية القائلة: (خذوا الحكمة
من أفواه المجانين)، ولتضيف إليه عمقا ثقافيا خاصا
بحجم اكبر من خلال إطلاق أمثال شعبية ساندة لهذه
الحكمة، منها: (اخذ الشور من رأس الثور)، وغيرها
الكثير من وسائل الرفض والطعن في طروحاتها.
بحلول الثلث الثاني من القرن العشرين وتوسع نفوذ
الدولة ممثلة بمؤسساتها، واخذ القانون ومؤسساته
التنفيذية والتشريعية والقانونية لدورها في إدارة شؤون
الحياة، رافقه اندفاع ثقافي للانفتاح على ثقافات
الشعوب، ونشوء مدارس ثقافية متعددة في بغداد وباقي مدن
العراق، فضلا عن دور التحزب وظهور الأحزاب السياسية
بتياراتها المتباينة، وتأثيراتها الكبيرة على المواطن
العراقي، ومنها الأحزاب الدينية، التي أخرجت الدين من
بودقة دور العباد ليأخذ دوره التثقيفي في الشارع
العراقي، مرافقا لدور الأحزاب السياسية، والمدارس
الثقافية، وسلطة الدولة، وسلطان القانون، دافعا
بالمجتمع نـحو المد الحضري، وجزر ثقافة البداوة أو
الريف، بما دفع بالثقافات الريفية الفرعية للانـحسار
وإفساح المجال واسعا أمام ثقافات فرعية جديدة تحاكي
الواقع بطروحاتها، بعيدا عن الحلول السحرية للمشكلات
الاقتصادية التي طرحتها الثقافات الريفية، والتي حللت
الحرام، وبررت الانـحراف بل وامتدحته، ومسحت كل وجود
للقوانين الوضعية، ولكن ما كان لها أن تنـحسر أمام
المد الحضري، وتنتظر الفرصة المواتية لمدها المقبل
بحلول الجزر الحضري، كما كان يرسم لمصيرها الدكتور علي
الوردي، ولكن واقعا بدأت تأخذ مكانها كتوجه وسلوك وفكر
وعقيدة داخل عقل وضمير أعضاء هذه الثقافات، وبدأو
بإظهار اعتناقهم للثقافات القيمية والقانونية الجديدة،
وإضمار ما سواه، هذه المرحلة الثقافية الجديدة من حياة
الثقافات الريفية - البدوية العراقية التي أطلق عليها
الوردي عنوانا كبيرا أثار الجدل حينها، ولازال يثيره
حتى يومنا هذا، وهو (ازدواجية الشخصية العراقية)، التي
أظهرت غير التي كانت تضمر، منذ اضطرارها تحت قوة
القانون وقدرة الدولة على تطبيقيه، وان كان نسبيا في
مراحل عدة من تاريخها, فقد طبقت القوانين الوضعية
أحيانا، نتيجة قوة الدولة وأجهزتها المختلفة, وطبقت
هذه القوانين أحيانا أخرى، بسبب انتشار الثقافة
القانونية في المجتمع كونها الشكل أو الوجه الأمثل
لترويج أو اعتناق الثقافة المجتمعية العامة المرتبطة
بالرؤية الثقافية العامة ذات البعد الثقافي العام كشكل
من أشكال التمدن, أو ذات البعد السياسي المرتبط
بالخضوع للقانون كوجه من أوجه الانصياع الأمثل للسلطة
السياسية المنتخبة أو المعنية, وفي مراحل لاحقة من
تاريخ العراق والعراقيين طبقت هذه القوانين بطريقة
كيفية ارتبطت بدكتاتورية أنظمة الحكم في تلك المراحل
فكان تطبيقها نسبيا, ومستندا على سلاح الحديد والنار
الذي تعاملت به السلطة الحاكمة مع المواطنين, بعيدا عن
أسلوب أو سياسة إشاعة الثقافة الديمقراطية كوجه من
أوجه التمدن أولا, والتمسك بالتعاليم الدينية ثانيا,
والارتباط بالإرث الحضاري والثقافي الموغل في عراقة
حضارة هذا البلد وشعبه من أصول ثقافية وفكرية ترتبط
بالعادات والتقاليد والقيم الاجتماعية السليمة، وكان
الالتزام بهذا النمط من تطبيق القانون مرتبطا بالقسوة
التي تعاملت بها السلطة وأجهزتها مع المواطنين من
المخالفين المنتقين, على الرغم من المشاكل والأزمات
الاقتصادية الحادة التي كان يعاني منها المواطن, فما
كان من بعضهم من المرتبطين بثقافات فرعية سابقة , من
ذوات الحلول السحرية للمشكلات الاقتصادية، إلا أن يبطن
هذا الاعتناق لهذه الثقافات, ويتعامل معها لإيجاد حل
جزئي ومؤقت لمشاكله الاقتصادية, والتي تتسبب له بمشاكل
اجتماعية وعائلية, فكان أن مارس السرقة, وخيانة
الأمانة, والاختلاس والرشوة, وغيرها من السلوكيات
المنـحرفة مبررا ذلك ووفق ثقافته السابقة على أنها
الحلول الأنجع لمشاكله الاقتصادية, وما كان من السلطة
الحاكمة إلا أن تقر هذه السلوكيات نظرا لقبولها لها،
وان كان نسبيا وانتقائيا, بسبب من ممارسة السلطة
الحاكمة والتابعين لها والمرتبطين بها لهذه السلوكيات,
فضلا عن سعيها الحثيث لتدمير البنية الثقافية والفكرية
والعقائدية والسياسية للمواطن العراقي, والتي تصب
بمجملها في إطار خدمة النظام القائم وسياسته, واليات
بقائه على رأس السلطة, الأمر الذي استوجب من الحكومة
تبرير الرشوة موضوعنا المطروح سلوكا وإجراء من قبل
أطرافها الثلاث الراشي والمرتشي والرائش, وان غاب
طرفها الثالث (الرائش) بسبب تفشيها في جميع مفاصل
الدولة, مما أدى إلى انعدام الحاجة إلى وجود وسيط بين
الراشي والمرتشي, فقد بررتها السلطة تحت مسميات
(تسهيل أمور المواطنين), (وتسيير شؤون العمل), وليصل
الأمر بالمرتشي إلى طلب الرشوة علنا، وبالراشي إلى
عرضها بكل صراحة, وان كان يغلفها أحيانا بالأدب الجم
لغة فحسب, أو يغطيها بطابع ديني، فيدفع بتحديد مبلغ
الرشوة إلى ملعب الراشي, ويقول: (أرضى بما تعطيه من
حلال طيب), ولتبرر على مستوى رأس السلطة الحاكمة
بوصفها على إنها (إكرامية أو هدية), وبفكرة إن (النبي
قبل الهدية).
يعاني العراق اليوم من جزر حضري, يقابله مد بدوي جارف,
في ظل غياب ملحوظ للسلطة ومؤسساتها, مع غياب بحجم اكبر
للقانون والأجهزة المعنية بتطبيقه, مما برر طفو سريع
على سطح الحياة العامة في العراق لثقافة حل التراكمات
الثقيلة للمشكلات الاقتصادية التي عانى منها عموم
العراقيين في ظل الأنظمة السابقة, هذا الميراث الثقيل
العبء على حياة المواطن الاقتصادية, وبالتالي
الاجتماعية, كان الحل الأسهل هو شيوع ثقافة (الحواسم),
والتي تعود بتاريخ شيوعها وتطبيقها كسلوك اجتماعي عام
نسبيا, إلى أوائل القرن الماضي, عندما شاعت ثقافة
(الفرهود) إبان انسحاب الجيش العثماني من العراق اثر
هزيمته أمام الجيش البريطاني الذي احتل العراق, تبعته
مراحل عدة, من أهم وقفاتها (فرهود اليهود)، الذي طال
أموال وممتلكات يهود العراق أثناء تهجيرهم منه في
خمسينيات القرن الماضي، كما مورس (فرهود) جديد على
المدن الايرانية التي غزاها العراق في حربه معها في
ثمانينات القرن الماضي, وتبعها بعشرة سنوات (فرهود)
الكويت إبان غزو العراق لها , وليتطور اللفظ في المعجم
اللغوي والثقافي العراقي ويصبح (الحواسم)، وهي عمليات
النهب والسرقة التي طالت مؤسسات الدولة أثناء سقوط
النظام السابق في التاسع من نيسان 2003.
ضمنت هذه الثقافة لمعتنقيها كسبا سريعا على حساب المال
العام, لتشيع معه ثقافة كانت خامدة منذ أجيال طويلة
تحت تبريرات حصة المواطن من المال العام وبعبارة عامة
أدق (حصة المواطن من النفط)، أو بتبريرها تحت ذريعة
الحرمان الطبقي والفئوي التي مارستها أنظمة الحكم
السابقة، وقد أصبحت معه ثقافة الشارع العراقي تؤمن بأن
من يتكلم بالتعاليم الدينية هو الأبعد عن الله
وتعاليمه، ومن يخاطب الآخرين بشعارات وطنية لا يحلم
حتى في منامه بأن يكون مواطناً حقيقاً حاكماً أو
محكوماً، والمعبر عن أرائه وفق العادات والتقاليد
الاجتماعية السليمة، فأن النظرة إلى أرائه على إنها
محض تنظيرات تكمن ورائها أهداف غير معلنة، هذه الثقافة
التي عدت وفق مفهوم الشارع العراقي حالة عامة إلا من
استثناءات متباينة هنا وهناك.
اجتاحت الرشوة حياتنا اليومية بجميع أبعادها، لتغدو
حالة عامة، فلا كسب مادي إلا بكسب مقابل، ولا أرباح
إلا بحصص، ولتأخذ بعداً معنوياً إزاء بعدها الاقتصادي،
فلا خدمات إلا بخدمات مقابلة، ولا معروف إلا بمثله،
فالصديق لا يرمي بالسلام إلا إن كانت هناك خدمات مرجوة
منه، وكلما زادت حرارة السلام واللقاء، كمنت خلفه
منافع مادية أو معنوية أكبر، والتي لا يمكن الخروج عن
تسميتها والاتفاق على إنها (رشوة)، بقراءة بسيطة لواقع
المجتمع العراقي اليوم، بعيداً عن الصورة التقليدية
لظاهرة الرشوة، والتي بغزوها لثقافتنا المجتمعية
العامة تصبح بديهية لا تستحق التفسير أو التعليل.
ترتكز ظاهرة الرشوة وفقاً لأحدث الدراسات البحثية
لمعطياتها، والتطبيقات العملية لمحاربتها، على بعدها
الاجتماعي أكثر منه على أبعادها الاقتصادية والسياسية،
فهي ظاهرة اجتماعية بوجودها وآثارها، وبالتالي
بمعالجتها، فالطريقة الأمثل لمعالجة هذه الظاهرة، هو
أعادة النظر فيها كمنتوج اجتماعي ذا بعد ثقافي، ومن
هنا تأتي الطروحات الأنسب لمحاربتها بأتباع أساليب
التثقيف المستندة على دراسة الواقع الاجتماعي، ومدى
ارتباطها به، فكراً وتطبيقياً، فتكون الرؤية العلاجية
الأوضح هي إتباع أسلوب التثقيف بالضد من هذه الظاهرة
على المستوى الاجتماعي العام.
الهوامش
:-
(1) د. نوال محمد عمر، الفيديو والناس، كتاب الهلال،
العدد (471) ، دار الهلال، القاهرة، آذار 1990، ص
31.
نقلا عن : قاموس المنجد، ابن دريد، المعجم
الوسيط.
2) Robert , Biestedt " The Social Order " (Usa ,
1957) pp. 194.
(3) د. محمد علي محمد، الشباب العربي والتغير
الاجتماعي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1987، ص
71 .
(4) د. حامد عبد السلام زهران، علم النفس الاجتماعي،
عالم الكتب، القاهرة، 1977، ص 220.
(5) إبراهيم صقر أبو عمشة، الثقافة والتغير الاجتماعي،
دار النهضة العربية، بيروت، 1981، ص 14.
(6) حسن الفقي، الثقافة والتربية، الإسكندرية، 1967، ص
9.
(7) Kingsley.D. " Human Society " (Macmillan , 5th
Edition , 1953) p. 24.