على أعتاب عصر الخيال
سعدون محسن ضمد
قفزة في فضاء الوعي
تثير الكثير من الأفلام التي تتناول الذكاء الاصطناعي
أو (الروبوت) موضوع فرادة الوعي([1])
البشري. وهي تقف عند هذه الفرادة، أغلب الأحيان، بقصد
تأملها وبشكل يساعد كثيراً على فهم تفاصيلها واستيعاب
روعتها. ولذلك يمتنع أكثر كتاب هذه الأفلام عن طرح
نموذج من الروبوت الذي يُمَكِّنه التطور من امتلاك
شخصية كالتي يمتلكها البشر، وهم بذلك يشيرون إلى عدم
قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج ذكاء آلي يتمكن من
عملية بناء الشخصية. ويأتي هذا الامتناع بقصد الإشارة
لفرادة تجربة الوعي البشري، وأن هذه التجربة لا يمكن
تصنيعها. فعندما تعجز الآلة التي تتكدس فيها معلومات
تفوق ما تحتويه عقول مئات البشر عن أن تتحول من مرحلة
خزن ومعالجة المعلومات إلى مرحلة وعيها، يبدوا جلياً
آنذاك السحر الكامن في الوعي البشري.
هل تستطيع جميع حواسيب العالم أن تبلور مفهوم (الأنا)،
بالتالي هل تستطيع أن تستقل بوعيها.. تفكر باستقلاق
تام؟ بالتأكيد لا، والسؤال المهم هنا: لماذا لا
تستطيع؟ لماذا لا يمكن صناعة الوعي البشري؟ ما طبيعة
الخصائص التي تجعله عصيّاً إلى هذه الدرجة؟ باختصار،
ما السر الكامن فينا كبشر وما طبيعة الوعي الذي يميزنا
عن غيرنا؟
هل الوعي عبارة عن تجمع هائل من المعلومات القابلة
للاسترجاع والمعالجة فقط؟ بالتأكيد لا، لأن الحواسيب
تجاوزت قدرة الوعي البشري على خزن المعلومات وسرعة
استعادتها ومعالجتها.. من جهة أخرى، ماذا يكون الوعي
إذن، إذا لم يكن مخزناً كبيراً للمعلومات مزوداً بأداة
مؤهلة لمعالجة هذه المعلومات واستخراج النتائج منها؟
في الحقيقة لا يمكن أن نفهم على وجه الدقة الفرق الذي
يجعل العقل البشري يقفز لمرحلة الخصوصية التي تمكّنه
من الوصول لمرتبة الوعي، وتميزه بالتالي عن غيره من
العقول، سواء كانت حيوانية أو صناعية، لا نستطيع على
وجه الدقة أن نفهم كيف يتمكن الإنسان من بلورة مفهوم
الأنا الذي أشرنا إليه قبل قليل. كيف يستطيع الإنسان
أن يحصي مجموعة الصفات التي تميزه عن غيره من أفراد
المجتمع البشري ثم وبالاستناد إلى هذه الصفات يكوِّن
فكرة الخصوصية ـ فكرة الشخصية بالأحرى ـ المشتملة على
عاطفة الذات والتي ندعوها (الأنا) ثم وبمرحلة لاحقة
ينزع نـحو نسبة الأشياء لهذه الأنا بل وقياسها إليها.
ما يساعد في النهاية على بلورة مفهوم المُلْكيَّة
(لي).
تجربة الذكاء الصناعي تساعدنا كثيراً، على فهم عمق
الخصوصية الموجودة في الوعي البشري، فالذكاء الصناعي
ومهما تسارع معالجه وزادت سعة ذاكرته لا يستطيع أن
يبلور مفهوم الأنا، لا يستطيع أن يفهم الخصوصية، لا
يستطيع أن ينطلق من نقطة جوهرية وعميقة فيه ويأخذ
بتسمية الأشياء منها وبالاستناد إليها. فدائرة الملكية
الخاصَّة بأي شخص هي عبارة عن مجموعة الأشياء المسماة
باسماء ذاته. أي تلك التي يملكها مضافاً إليها طبعاً
مجموعة الصفات الخاصّة به وأجزاء الجسد العائدة له.
فبالنسبة لي أنا، هناك (حاسوبي ومكتبتي وبيتي وأطفالي
وزوجتي وأهلي) وهناك أيضاً (أخلاقي وطباعي ومسؤولياتي
ومشاعري) وهناك بالتأكيد (يدي ووجهي وشعري ولون
بشرتي)... وهكذا. وكل هذه الأشياء تابعة للذات التي هي
الأنا، وعندما نقول أنها تابعة فاننا نقصد بأنها لاحقة
عليها لا مكونة لها، نعم قد تكون متممة، لكن هناك
دائماً جذر سابق على كل هذه الأشياء والصفات والأجزاء
ومنفصل عنها هو ما نسميه بـ(الأنا). ولو أننا حاولنا
أن نجرد الذات ـ أي ذات ـ عن كل اللواحق والصفات
التابعة لها والخاصة بها، فسنقف حتماً عند جذر (الأنا)
الذي لا يمكن محوه. بعبارة أخرى لو أننا اخترنا ذات
معينة وأسقطنا من اعتباراتها هي، كل الصفات التي تتكون
منها شخصيتها، فماذا سيبقى منها، بالتأكيد سيبقى جذر
بعيد وعميق في الوعي، لا يعتمد بوجوده على الصفات
المنزوعة ولا يفنى بفنائها. هذا الجذر هو جذر (الأنا).
الجذر الذي يستطيع أن يصمد حتى عندما نمسح الذاكرة
بصورة تامة، فعندما يفقد الإنسان جميع ذكرياته، وينهار
ماضيه وحاضره، فإنه سيبقى محتفضاً بذاته، سيبقى يفهم
معنى أنه مستقل وأنه (هو). سيبقى يقول فقدت ذاكرتي،
مستخدما تاء الفاعل وياء المتكلم للإشارة (لأناه)
الخاصَّة.
هناك بالإضافة لموضوع وعي الذات وتسميتها بالـ(أنا)
مواضيع أخرى لا تقل عنه سحراً وتمييزاً للإنسان
(الخيال مثلاً، الإيمان، المشاعر والإحاسيس) وغير ذلك.
فكل هذه المواضيع تفرز البشر عن بقية النوع الحيواني
وتجعله مميزاً بما نسميه الوعي.
في موضوع الخيال (مثلاً) نجد بأن الإنسان يستثمر
الواقعي في بناء ما هو غير واقعي، الأمر الذي ينتج
لدينا الخيالي. وهذه قدرة إنسانية([2])
بامتياز. ففي الليل ـ أو في الضلام بصورة عامَّة ـ لا
يمكن لك أن تتوقع كمية الصور المتخيلة التي يمكن أن
توحي بها شجرة ما، لإنسان خائف. كما أنك لا تستطيع أن
تحصي عدد الصور التي يمكن أن توحي بها لوحة تشكيلة
لمتذوق هذا النوع من الفنون. أما بالنسبة للذكاء
الاصطناعي فلا اللوحة يمكن لها أن تثير لديه القدرة
على التخيل ولا الضلام. والخيال هذا، هو الذي مكَّن
الإنسان من ابتكار الفنون، فهو مادة الفنون وبئرها
الذي لا ينضب.
أما الإيمان فهو الآخر ميزة ينفرد بها الوعي البشري.
إذ أخذنا بنظر الاعتبار ذلك النوع من الإيمان الذي لا
ينضبط بالضرورة للبرهان. نعم يمكن للعقل الالكتروني أن
يحكم على واقعة ما بأنها صحيحة أو غير صحيحة. أو
يستطيع أن يصل للحكم بالصحة على احتمال واحد من مجموع
احتمالات، ويكون بذلك قد اقترب من أحد حدود التصديق
الذي هو التصديق المنضبط للدليل. لكنه بأي حال لا
يستطيع أن يجاري تجربة الإيمان لدى الوعي البشري التي
هي تجربة تكاد أن تكون عشوائية بانتقائاتها لمواضيعها،
فالبشر قد يؤمنون إيماناً خاضعاً للبرهان، وقد يؤمنون
إيماناً خاضعاً للخيال أو للخرافة، بل قد يكون الإيمان
البشري في الكثير من أحيانه أقرب للمجازفة أو المغامرة
منه للتصديق المبني على قواعد المنطق العقلي السليم.
هذا بالإضافة طبعاً للإيمان الذي يحدث بسبب التلقين،
وهو يشمل الأعم الأغلب من حالات الأديان، فكما لا يخفى
تحدث أكثر حالات الإيمان بسبب التلقين الذي تتحكم به
مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تأتي بمقدمتها
العائلة.
أما بالنسبة لموضوع المشاعر والإحاسيس فلا أعرف لماذا
يبدو لي أنه أكثر هذه المفاهيم الثلاثة تمييزاً للبشر،
أو لنقل أنه أكثرها تأكيداً على فرادتهم. والمقصود
بالاحاسيس هنا، هو قابلية الإنسان (مثلاً) على أن يجري
عملية يمكن أن نسميها بـ(التكثيف العاطفي) على بعض
مواضيع إدراكه. الأمر الذي يؤدي لتضخيم مكانتها لديه،
ما يجعلها قادرة ـ كمثيرات ـ على تحفيز معان ومشاعر
أكبر بكثير مما كانت ستثيره في الحالات الطبيعية.
فالساعة التي كان يمتلكها جدي (مثلا) لا تعود مجرد
ساعة، بدليل أنني أفضل أن أفرط بساعات أغلى ثمناً منها
وأحدث صناعة على أن افرط بها هي. والسبب في ذلك أنني
اربط بين هذه الساعة وبين شخصية جدي، وبكل ما تثيره
هذه الشخصية فيَّ من ذكريات وعواطف ومشاعر وأحاسيس.
نـحن نقول بأن البشر يتعاملون مع الأشياء بإحساس مرهف،
أو بحساسية مفرطة، ونـحن نقصد بأنهم لا يتعاملون مع
الكثير من الأشياء بصورة موضوعية، بل بصورة ذاتية،
فتكتسب الأشياء معانيها لا من شكلها أو صفاتها فقط بل
ومن طبيعة ما تثيره لدى الذات المدركة من ذكريات
وعواطف. ولهذا السبب نجد بأننا نتعامل مع مقتنيات
الأشخاص المشهورين بعد رحيلهم بصورة لا تنسجم وكونها
مجرد أدوات أو أشياء. فالحذاء التي كان يرتديها الممثل
العالمي (شارلي شابلن) لم تعد مجرد حذاء كباقي
الأحذية. ولا طاولة الخشب التي جلس عليها، مرة، الرئيس
الفرنسي الراحل شارل ديكول أثناء زيارته إلى لبنان([3]).
حسناً إذن، فوعي الإنسان مميز لدرجة كبيرة ومحيرة..
هذه نتيجة جميلة لكن ما الذي يجعل هذا الوعي مميزاً؟
فمن خلال كل ما قررناه آنفاً لم نزد على أننا أشرنا
لبعض المواطن التي تبرز فرادة الوعي البشري، غير أننا
لم نؤسس لما يمكن أن يكون إجابة عن سؤال: ما الذي
يجعلنا مميزون؟
حدود العلم
هناك حد تتوقف عنده العلوم، كل العلوم بدون استثناء.
هذا الحد لا يمثل عجز هذه العلوم على الاستمرار
بالاكتشاف بقدر ما أنه يمثل قدرة الإدراك البشري على
النفاذ. فهنالك حدود يتوقف عندها إدراك البشر، وأسباب
ذلك كثيرة تأتي بالمقدمة منها قدرة حواسه على تحسس حيز
محدد من طبيعة الواقع المحيط بالإنسان. والأمثلة على
حدود الإدراك كثيرة، فمثلاً، لا يستطيع علماء الحياة
أن يُعرِّفو لنا بالضبط المعنى الذي يشير إليه مفهوم
(الحياة). يستطيع هؤلاء العلماء أن يفسروا لنا كل ما
يتعلق بفسلجة الأعضاء بوضائفها، بالأجزاء المكونة لها،
كل شيء، إلا طبيعة ذلك السحر الذي يجعلها حية...
بتعبير آخر: يستطيع علماء الحياة أن يفسرو لنا كيف
يتكون الجنين، بدأ من ارتباط البويضة بالحويمن وأنتهاء
بصرخات الولادة الأولى. لكنهم لا يستطيعون أن يفسروا
لنا طبيعة التغير الذي يحدث داخل جسد الجنين وينقله من
مرحلة اللاحياة إلى الحياة. موضوع معرفة الحياة تحدٍ
صعب يواجه الوعي البشري. وحقاً... ألا يمثل تحدياً
حقيقياً أننا نسأل: ما هي الحياة وكيف تنشأ؟ هل يمكن
لنا أن نعرف في يوم ما طبيعة الحياة؟ بالنسبة لي تكمن
صعوبة هذا السؤال في أنه يقف بنا عند حدود جهازنا
الإدراكي. بمعنى أن طبيعة الحياة تقع في المدى الذي لا
يستطيع جهازنا الإدراكي تحسسه.
كيف يتحول الجسد الذي هو مادة جامدة، إلى كائن حي؟ ما
طبيعة التغير الذي ينتقل بهذه المادة ـ التي نعرفها
بشكل يكاد أن يكون بمنتهى الدقة ـ من كونها مادة جامدة
إلى كونها مادة حية؟ هذا التساؤل يشبه بطبيعته التساؤل
عن حقيقة الوعي البشري، أو بالأحرى ميزته. وهو يقف بصف
طويل مع أسئلة كثيرة أخرى من ذات الطبيعة: كالتساؤل
المتعلق بحدود الكون الذي نعيش فيه، الزمن الذي
استغرقه منذ تشكله وحتى الآن. طبيعة العلَّة الواقفة
وراء إيجاده. كل هذه الأسئلة تشترك بِمُشْتَرَكٍ واحد
هو أنها تقف بالإدراك عند الحدود التي لا يستطيع أن
يبارحها.
لكن يمكن للإدراك أن يبارح حدوده، بحالة واحده، هي تلك
التي يقبل من خلالها بشروط الأيمان (الديني منه على
وجه الخصوص)، ويتخلى عن شروط البرهان... فللدين([4])
ـ في أحد أهم مظاهره ـ شرط أساسي هو اللامعرفة. فعندما
يتأكد الوعي، بشكل ما، من وجود شيئ ولا يعرف طبيعته
يضطر للإيمان بتفسير يقترحه عليه خياله. وهذا ما
يجعلنا بالضبط نؤمن بوجود وعينا، ولكننا لا نستطيع أن
نعرف كنه هذا الوعي، ولا حتى أن نُعرِّفه.
قفزة التخطي
من هنا تنفتح بوابة الحاجة إلى الدين، (بالأحرى
التدين) أقصد عند المدى الذي يعجز عنده إدراكنا عن
الإجابة. تنفتح تجربة الإتكاء على الخيالي. ويأتي
الديني ليلبي الحاجة للاستقرار العاطفي والذهني، عندما
يوفر إجابة تتخطى عجز الإدراك لكنها ستكون إجابة خارج
إطارات المعرفة المنضبطة للمنطق السليم. فعند المدى
الذي يتوقف عنده الإدراك لا يستطيع الإنسان إلا أن
يتخيل، أما لماذا؟ فلأن الإنسان لا يحتمل علامة
الاستفهام، لا يستطيع أن يبقى الأسئلة بدون أجوبة،
لأنها ترهقه، تؤرقه، تعرضه للضياع؛ لذلك يفزع للأجابة
بأي شكل من الأشكال.
الآن لنرجع لموضوع الوعي وفرادته، أو لنرجع لسؤالنا
السالف: ما الذي يجعلنا مميزون؟
أعتقد أن الذي يجعل وعينا مميزاً، هو أنه استطاع وبشكل
ما، أن لا يتوقف عند قدراته الإدراكية. بل امتلك قدرة
على تخطي هذه الأدوات المحدودة فاتحاً لنفسه بوابة لا
تخضع لاشتراطات (المعرفة الواقعية). لدينا، كبشر،
القدرة على أن نتجاوز الإدراك ونتخطاه، وبهذه الطريقة
نتمكن من بلورة مفهوم (الأنا) مثلاً. فأنا لا أدرك
ذاتي، ومع ذلك اؤمن بوجودها. أنا لا أدرك ما أنا على
وجه التحديد، اؤمن بوجود ذاتي أكثر مما أبرهن على
وجودها، بل أنا لا أشعر بأي حاجة للبرهنة على هذا
الوجود. وسؤال ديكارت دليل على ذلك: (أنا أفكر.. إذن
أنا موجود). فديكارت لوحده سأل هذا السؤال، أي حاول
البرهنة على وجود ذاته، لكننا لم نفعل كما فعل لنـحقق
إيماننا بوجود ذواتنا، نـحن نؤمن بوجودها سلفاً. هذا
من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الذي يبرهن على ذاته
بأفعالها لا يعرفها. الأمر الذي يعزز الاعتقاد بأننا
نؤمن بوجود ذواتنا دون أن نستطيع التأكد من وجودها
بشكل علمي رصين ولا حتى بشكل فلسفي. وإيماننا هذا من
سنخ الإيمان الديني، أي القافز على ضرورات المنطق
السليم. فالذي أعرفه حقاً عن ذاتي هي مجموعة من الصفات
الخاصَّة بها، وهذه الصفات لا يمكن أن تكون هي عين
جوهرها. وإلا لارتبط وجود الذات بوجود الصفات. لكن هذا
غير صحيح لأنني أدرك بأن الكرم والبخل والجمال والصحة
والنفاق كلها صفات طارئة على ذاتي، على (أناي).
ليس مفهوم الذات (أو الأنا) هو وحده المتوقف على تخطي
الوعي، بل مفهوم (الاحاسيس) هو الآخر يشترك بهذه
الصفة. لكن هاهنا ثمة أمر مختلف، فأنا أعرف حقيقة أن
الساعة التي كان يملكها جدي هي بالنتيجة مجرد ساعة
عادية لكنني أتخطى هذه المعرفة واستبدلها بمعرفة أخرى
مكللة بهالة من المشاعر والعواطف والأحاسيس. مكوناً
حساسيتي الخاصَّة بها وبكل الأشياء التي أكن لها
مشاعراً خاصَّة داخل نفسي، فقط لأنها أشيائي (أنا).
وفي إطار الإجابة على سؤال: ما هو الوعي، وبالرجوع
لتعريف المفردة، الذي هو: "حالة عقلية يكون فيها العقل
بحالة إدراك وعلى تواصل مباشر مع محيطه الخارجي عن
طريق منافذ الوعي التي تتمثل عادة بحواس الإنسان
الخمس"([5])،
فإننا نجد بأن الوعي هو الحالة الأعم من حالتي الإدراك
والمعرفة، وخاصَّة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن المُغمى
عليه يُسَمّى بـ(فاقد الوعي) أي فاقد الاتصال بالمحيط،
على هذا الأساس يكون الوعي كلمة تستوعب كل النشاط الذي
يقوم به المخ ويؤدي إلى حالات (المعرفة، الإدراك،
الإيمان، الخيال، الحس... الخ) فكل هذه الفعاليات تدخل
بنطاق الوعي. بعبارة أخرى يمكن أن نقول بأن الوعي هو:
مجمل عمليات التفاعل مع المحيط الخارجي التي يقوم بها
عقل الإنسان وتؤدي إلى عمليات تواصله المختلفة مع
المحيط.
أهم ما يميز الوعي البشري وكما أشرت سابقاً هو قدرته
على تخطي المنطقي، بعبارة أكثر وضوحاً، فإن العلم
وباعتباره إحدى أدوات المعرفة ـ وبالتالي أداة من
أدوات الوعي ـ لا يستطيع ولا يقبل بأي عملية تتأسس على
تجاوز المنطق خلال عمليات تحصيله للمعرفة. الإدراك
الحسي أيضاً وباعتباره أداة من أدواة المعرفة والعلم
ومن ثم الوعي لا يستطيع أن يتخطى الحواس خلال
فعالياته. أما الوعي فهو المستوعب الرحب لكل عمليات
التعرف على الطبيعي وما وراء الطبيعي، وسواء جرت
بالاستناد للمنطق والحواس أو من خلال تجاوز أحدهما أو
كلاهما. ومن هنا تأتي خصوصيته وقابليته على أن يكون لا
محدوداً.
لولا قابلية الوعي على التخطي لما استطاع أن يصنع
للإنسان حضارته. لنتخيل أن الإنسان لم يكن يمتلك
القدرة على التخيل، فهل كان بإمكانه أن يحلم([6])
بامتلاك القدرة على الطيران يوماً، وبالنتيجة هل كان
بإمكانه أن يسعى جاهداً لتحقيق هذا الحلم؟
العودة للخرافي
على هذا الأساس تأتي أهمية السعي لإعادة (صف) ملكات
الوعي البشري، إعادة ترتيبها، وإعادة النظر بتراتبيتها..
على أن تكون عملية إعادة التراتبية خاضعة للرؤية
الانثروبولوجية، على مستوى المنهج والنظرية. من أجل أن
لا تستهدف زعزعة اليقين العلمي أو تهشيم الضابط
المنطقي. فنـحن لا نريد أن نستبدل الحواس بالخيال،
لكننا نريد أن نضع لكل منهما ميداناً مناسباً، خاصَّة
إذا اعتبرنا أن القابلية على التخيل مثلاً أو الحلم
بمثابة مجسات استشعار، يمكن لها أن تنبئ أو تخبر
بمعرفة ما أو نوع خاص من الإدراك. بعبارة أخرى يمكن أن
نقول بأن الأحلام تمارس نوعاً من أنواع التوجيه لمسيرة
التطور المعرفي أو التكنولولجي، ذلك أن الإنسان يتبع
أحلامه. هذا ما يخبرنا به تاريخنا على أقل تقدير.
وتأتي أهمية علم الانثروبولوجيا بهذا الخصوص من أنه
مهيأ ـ بما يمتلك من أدوات ومناهج وأدبيات ـ لأن يدرس
منظومة الوعي البشرية بشمولية كافية لاستيعاب قدرتها
على التخطي واستثمار هذه القدرة دون المساس بالضوابط
العلمية كالمنطق التجريبي (مثلاً). فعملية إعادة صف
ملكات أو أدوات أو قابليات الوعي، وإدراج الخيال
والأحلام من ضمنها لا تأتي بإطار الدعوة لنوع من أنواع
المعرفة الخرافية أو الأسطورية بقدر ما أنها تدعو لفك
الحصار الذي فرضه المنطق التجريبي على ملكة التخطي في
وعينا. وأنا هنا لا أقول بأن الخيال تم تعطيله، فهذا
غير ممكن لكن تم إنكاره واستنكاره، مع أنه يساهم بشكل
فعّال وكبير بالجهد النظري وبجيمع الاختصاصات العلمية،
ولولا الخيال لما أمكن للتأمل النظري أن يكون فعّالاً
لدرجة كبيرة.
مرة ثانية يجب التأكيد هنا على أن الغاية من إعادة
النظر بتراتبية أدواة الوعي أو آلياته لا تستهدف
التراتبية التي تستند إليها البنى الارتكازية للمنطق
العلمي. لكن هذا المنطق وخلال عصره الذهبي قام
باستبعاد مجمل أدوات الوعي التي لا تنضبط لمنطقه
الاكاديمي. وبالتالي يجب علينا التوقف عند هذه الأدوات
المُسْتَبعَدة. والتي لا أعتقد أن خيار استبعادها
متاحاً لهذه الدرجة، لأن مساحة الوعي التي تخصنا تنضبط
لفعاليات هذه الأدوات بنفس الطريقة التي تنضبط بها
لفعاليات الأدوات التي نعتبرها تفيد اليقين.
الآن وبعد أن وصلنا لمرحلة متقدمة على صعيد توضيح آلية
التخطي في وعينا، نستطيع أن نطرح القضايا التالية:
أولاً: الوعي البشري يتخيل، ونتاجاته الخياليه غير
منطقية، مع ذلك لا يكف عن التخيل، كذلك الوعي البشري
يحلم، وفي كثير من الأحيان تكون أحلامه غير منطقية،
ومع ذلك لا نستطيع أن نطالب الإنسان بأن يكف عن
الأحلام. الإنسان أيضاً يحب بعض الأشياء لدرجة غير
مفهومة، وسواء كانت هذه الأشياء عبارة عن مقتنيات خاصة
أو مقتنيات الغير، فأنها تمتلك قدرة على التأثير على
البشر تخرج معها عن كونها مجرد أشياء أو مقتنيات. ومع
ذلك لا نستطيع أن نطالب البشر بأن يكونو منطقيين في
التعامل مع مقتنياتهم.
ثانياً: بما أن وعينا يمثل مستوعباً كبيراً يختلط
بداخله الواقعي مع الخيالي خلال الفعاليات المتتالية
التي تهدف إلى التواصل مع الواقع الخارجي. فهل يمكن
لنا أن نـحكم بسهولة بالغة على حقيقة الطبيعة التي
ينتمي إليها هذا الوعي، الخاص بنا والمميز لتجربتنا.
بعبارة أخرى ـ ومن خلال استثمار ثنائية (الجسد، العقل)
التي طرحت وعولجت فلسفياً ـ هل نـحن (جسديون) ننتمي
لامتدادات الجسدي بما تحفل به من منطق يضبط المعرفة
ومن محيط قابل للتقييس والضبط والسيطرة. أم أننا
عقليون ننتمي للعقلي الذي هو جنس مستقل عن الجسد ولم
نتوصل بعد لمعرفة كنهه ولا التواصل مع أبعاده
الحقيقية، أي هل أننا ننتمي لعالم من الوعي الذي لا
ينضبط لأي من مقاييس الضبط والسيطرة؟ فربما تكمن
المشكلة بأننا ننتمي لحقيقة تتخطى المنطق ولا تنضبط
لاشتراطاته دائماً، كما هو الحال مع سلوك الجزيئات في
مستوى الفيزياء الميكروية.
ثالثاً: هل نستطيع أن نقول بأن الجن كائنات حقيقية،
مع أننا لا نستطيع إثبات وجودها؟ أعتقد أن الجواب
المناسب هو: لا. لكن ومن جهة أخرى هل يكفي أننا لا
نستطيع أن نتحسس وجود مثل هذه الكائنات أن ننفي احتمال
وجودها نهائيا؟ أعتقد بأن الجواب المناسب هو لا أيضاً.
والجمع بين كلا الجوابين المتعارضين خطأ، فنـحن نقول
بأن الكائنات الخرافية لا يمكن أن تكون موجودة، ومن
جهة أخرى نقول بأنها يمكن أن تكون موجودة. لكنه خطأ
على مستوى المنطق، وقد قلنا بأن الوعي لا ينضبط
بالضرورة لمعايير المنطق. من هن يمكن للوعي أن يؤمن
بعدم إمكان وجود الكائنات الخرافية وباحتمال وجودها،
أي أنه يمكن أن يقبل الإيمان بالقضايا المتنافية.
والسبب أن الوعي وباعتباره مستوعب لكل مفردات الإدراك
ومخرجاته هو عبارة عن أجزاء متنافية مع بعضها، فالخيال
ناف للعقل([7])،
مع أن كلاهما مفردات أو أجزاء من الوعي الكلي للفرد
البشري.
رابعاً: عوداً على موضوع إعادة التعيير نستطيع أن
نقول: بأن الخيال ـ وكما أشرت ـ لا يكون مساهماً
حقيقياً في عملية الوعي إلا عندما يقف الإدراك عند
حدود عجزه. الخيال يتم تحفيزه ليرقع المعرفة، ليساعد
الإدراك على تخطي عتبة الوقوف بلا حراك، نـحن لا
نُفَعِّل الخيال إلا لإدراك ما لا يدرك أو تذوق ما لا
سبيل لتذوقه في بأودوات التذوق المباشرة. وهذا ما يؤدي
لأن يكون فعل الخيال فعلاً سلبياً أغلب الأحيان، أو
هكذا يبدوا على النتاجات التي يشترك بانتاجها. ولهذا
يمكن لنا أن نـحاول تنشيطه في حلات أخرى من الإدراك.
غير تلك التي يتحفز بها وينشط بصورة تلقائية. كما يحصل
مثلاً في عمليات الإبداع الأدبي أو الفني.
خامساً: السينما واحدة من أهم المنافذ التي يستخدمها
الوعي للتعبير عن رؤاه ومعالجة مشاكله الأكثر حميمية
أو مصيرية، والسينما الآن تشهد توجها واضحاً نـحو نمط
من إنتاج الإفلام التي يمكن أن يقال عنها أنها خيالية
أو أسطورية أو خرافية، والمثير للاستغراب أن هذا
الانتاج يحضى باهتمام جمهور المتلقين ويحقق أرباحاً
هائلة في شباك التذاكر. الأمر الذي يثير تساؤلاً مهماً
هو: هل يعني هذا التوجه بأن الوعي البشري يريد أن يوقظ
الخرافة بعد أن نامت طويلاً.
الهوامش
([1])
الوعي
بحسب لسان العرب لابن المنظور، هو: "الوَعْيُ:
حِفْظ القلبِ الشيءَ. وعَى الشيء والحديث يَعِيه
وَعْياً وأَوْعاه: حَفِظَه وفَهِمَه وقَبِلَه، فهو
واعٍ، وفلان أَوْعَى من فلان أَي أَحْفَظُ
وأَفْهَمُ. وفي الحديث: نَضَّر الله امرأً سمع
مَقالَتي فوَعاها، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعى من
سامِعٍ. الأَزهري: الوَعِيُّ الحافِظُ الكَيِّسُ
الفَقِيه. وفي حديث أَبي أُمامة: لا يُعَذِّبُ
اللهُ قَلْباً وَعَى القُرآنَ؛ قال ابن الأَثير:
أَي عقَلَه إِيماناً به وعَمَلاً، فأَما من حَفِظ
أَلفاظَه وضَيَّعَ حُدوده فإِنه غير واعٍ له. أما
بحسب موسوعة ويكيبيديا الالكترونية فهو: "حالة
عقلية يكون فيها العقل بحالة إدراك وعلى تواصل
مباشر مع محيطه الخارجي عن طريق منافذ الوعي التي
تتمثل عادة بحواس الإنسان الخمس".
([2])
لا نستطيع بالتأكيد أن نعرف هل أن بقية الكائنات
الحية لديها القدرة على التخيل أم لا، لكن الإنسان
دجن الحيوان منذ آماد بعيدة، بالتالي لديه تجربة
طويله معه، ومع ذلك لم يرصد لنا أي سلوك حيواني
ينم عن قدرة على التخيل.
([3])
في مزاد علني شهده فندق الكارلتون في لبنان اشترى
احد هواة الاثاث القديم طاولة مصنوعة من خشب الورد
من طراز «نابوليون الثالث» بـ14 الف دولار اميركي،
قيل ان الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول قد جلس
عليها اثناء زيارة قام بها الى لبنان. [جريدة
الشرق الأوسط العدد 8693 في 16 سبتمبر 2002، أو
على الرابط الإلكتروني التالي:
http://www.aawsat.com/details.asp?section=31&article=124812&issueno=8693]
([4])
المقصود هنا أولاً: المعنى الانثروبولوجي للدين
والذي هو معنى يتخطى تجربة الأديان الثلاث
(السماوية) ويحفر نزولاً عند جميع المشاعر والطقوس
والفعاليات التي ترتبط مع ما يمكن تسميته بمؤسسة
الدين، باعتبارها مكوناً (بنوياً/ وضيفياً) ملازما
لجسد أي مجتمع بشري. وثانياً البعد التسليمي للدين
باعتباره إيمان لا ينضبط بالضرورة للبرهان.
([5])
ويكيبديا، الموسوعة الحرة، على الرابط:
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%88%D8%B9%D9%8A.
كما يمثل الوعي عند العديد من علماء علم النفس
الحالة العقلية التي يتميز بها الإنسان بملكات
المحاكمة المنطقية، الذاتية (الإحساس بالذات)
(subjectivity)،
والإدراك الذاتي
(self-awareness)،
والحالة الشعورية
(sentience)
والحكمة أو العقلانية
(sentience)
والقدرة على الإدراك الحسي
(perception)
للعلاقة بين الكيان الشخصي والمحيط الطبيعي له. [ويكيبديا،
الموسوعة الحرة، على الرابط:
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%88%D8%B9%D9%8A].
([6])
الأحلام أيضاً قدرة من قدرات الوعي البشري على
التخطي.
([7])
إذا سمينا العقل بأسماء المنطق العلمي، أو إذا
اعتبرناه مساحة للدليل والبرهان فقط.