التراجم غير الدقيقة تدمير واستبداد
(في التعثر الناشئ عن ترجمة مفهومي "الاشتراكية،
الثورة")
د. عادل عبد المهدي
أولاً: الاشتراكية()
أصبحت الترجمة من اللغات الأوربية منذ مطلع القرن
مورداً مهماً للثقافة الجديدة. وصارت هي الأساس
الرئيسي لانماط فكر النخبة. ولفهم الفكر الاوربي بكل
سلبياته وايجابياته في اوساط المثقفين. ولا يقف خطر ما
في اعمال الترجمة في حدود الكتب الراقية او السوقية
التي تصدر من مراكز النشر والطبع العربية سواء في
بيروت او في القاهرة او غيرهما من العواصم العربية. بل
الاخطر من ذلك ملازم التدريس التي حملها الخريجون من
الجامعات الاجنبية فصارت هي وليس غيرها مادة التعليم
الرئيسة في جامعاتنا التي تخرج ويتخرج منها ملايين
الطلبة وما يعنيه ذلك عبر العقود من تشكل عملية الوعي
الفكري الجماعي لمنظومات الفكر المعاصر.
فالفكر المترجم لا يؤسس لفكر جديد فقط بل في الحقيقة
يدمر فكراً قائما ايضا. هذا بعض ما يفسر الوحشة
الفكرية او ما يسميه البعض بالاستلاب او الفراغ
الفكري والتي انطلق منها بعض الباحثين للكلام عن ازمة
العقل العربي كلامنا. هنا يتعلق بتلك التراجم التي
ارادت ان تؤسس المفاهيم او ممارسات اجتماعية مهدت
الطريق لقيام قوى اجتماعية لها طموحاتها واهدافها
ووسائلها سنأخذ مثلاً مفهومي (الاشتراكية والثورة)
لنرى بسرعة اثار الترجمة الخاطئة عليهما.
ترجم مصطلح سوشيليزم (Socialism)
مثلا بالاشتراكية فصارت لدينا احزاب اشتراكية
وجمهوريات اشتراكية وقرارات اشتراكية بل ذهب البعض
ليصنف الخلفاء الاوائل الى اشتراكيين وغير اشتراكيين
وتكلم اخرون عن الحركات الاشتراكية في التاريخ العربي
او الاسلامي وقس على ذلك. ولم يكن الامر ليبدو خطيرا
لو موضعت الممارسات والاعمال الفكرية اللاحقة المصطلح
في بنيته المتكاملة لتجعل منه مجرد خطأ شائع لايثير
البلبلة والاضطراب في المفهوم ذاته، على العكس نلاحظ
بانه انطلاقا من ترجمة خاطئة تم تأسيس مفاهيم او اشباه
مفاهيم لا تنتمي من حيث الصلة الفكرية بالمفهوم الام
لا من حيث الخلفيات والمقدمات ولا من حيث الواقع
والقوى القادرة على تمثيل المفهوم وتقديمه كمشروع
اجتماعي/ اقتصادي/ سياسي يعني حقيقة ما يعنيه. وفي كل
ذلك خسارة مزدوجة لاصحاب المشروع او لمخاليفهم واقول
جازما، بأن حملة المشروع لم يقدموا في النهاية سوى
شعارات لا ترتبط باية سياقات تاريخية او اية بنية
اجتماعية بينما ينشغل الكثير من مفاهيمهم للرد على
تصورات واسقاطات هي ابعد ما تكون عن جوهر الفكرة.
"اشتراكيو" اوربا ـ وعلى رأسهم ماركس ـ حاولوا ان
يكونوا اصحاب علم ورؤية في تشخيص واقعهم، وذلك بغض
النظر عن نجاحهم او فشلهم في ذلك. لم يكونوا حملة
شعارات بقدر ما كانوا حملة نظريات يسعون لأن تكون
منسجمة ومتكاملة. اذ نعلم جميعاً مدى الجهد الذي بذل
لتصفية المفهوم من كل معانيه المبتذلة والميكانيكية
والخيالية. بل ان المفهوم لم يبن نفسه الا من خلال
الردود على كل تلك المفاهيم، التي وان كانت تحمل جزءاً
من حقيقة المفهوم ذاته الا انها بقيت في نظر الرمز
الاول والاكبر لهذه المدرسة وزميله انجلز مفاهيم
مغامرة ومنـحرفة.
اما في حالتنا فقد اعتمدنا الترجمة وليس بناء
المفاهيم. فترجمنا المفردة بعد عزلها عن مركباتها،
وغلبنا الهدف الرامي الى اشراك او مشاركة القاعدة
الشعبية في ملكية وسائل الانتاج، وبالتالي دورها
الواسع في القرار السياسي، لذلك تحولت المفردة لدينا
الى احلام وشعارات جميلة، بعد ان نسفت الترجمة منطلق
المفهوم القائم على الاجتماعية والاجتماع.
الفكرة الرئيسية في مفهوم "الاشتراكية" كما يعلم
الجميع ـ هي انها حركية اجتماعية، لا يملك الانسان
بمفرده قرارها بل هي خليط من تطور معين في قوى الانتاج،
والانسان من ضمنها ـ سمح بتحول وسائل الانتاج
والعلاقات التي تنظمها بالتدرج الى الاجتماعية او
المشاركة العامة. لذلك كانت الرأسمالية ضرورة
للاشتراكية، وان الاشتراكية تلد من رحم الرأسمالية، او
ان الاخيرة تحفر ـ بسبب شموليتها وتحطيمها كل الحواجز
اثناء اعمال استغلالها الموسع سواء للبشر او للوسائل
والقوى والبلدان- قبرها بيدها، او ان "الاشتراكية"
ستظهر من نوافذ الرأسمالية، وذلك حسب التعبير المشهور
والمعروفة لماركس ورفاقه انفسهم والتي توضح الشروط
والظروف والسيرورة اللازمة لبناء المفهوم ليس محليا
فقط، بل عالميا ايضا. فكما ان نمو وظهور الرأسمالية
اكتسب منذ البداية بعدا عالميا لم يكن بالامكان انجاز
مهمتها دون تحقيق، فان "الاشتراكية" لن تصبح ممكنة الا
عندما تنجز الرأسمالية مهمتها العالمية تماما كما تكون
قد انجزت مهمتها في تحويل كل شيء الى حالة عالية في
الاجتماعية (Socialisation).
فالرأسمالية هي التي ستنجز المهام القاعدية والاساسية
لارساء اسس "الاشتراكية" وما على الاشتراكيين سوى
ازاحة تلك القوى المتهرئة البالية التي تعرقل اندفاع
العملية والعلاقات الى الامام، ليدخل التاريخ في مرحلة
متطورة جديدة تحملها قوى انسيابية تحقق التقدم والرفاه
وتنهي شروط الاستغلال. فالتقدم تحمله حتمية وموضوعية
بدأت تفرخ او تولد نفسها طبيعيا، اما العودة الى
الوراء فتحملها اعمال التآمر والتعنت والحنين لاستعادة
امجاد الماضي، ليس الا.
وعند غياب كل ذلك عندنا، بما في ذلك الرأسمالية ذاتها،
فان الترجمة ومن ثم التراجم قد بشرت بأهداف قبل ان
تشخص واقعا، ناهيك عن توافره وقيام ابسط اسسه، مما
ارسى للمفهوم قواعد عمل تقترب في تحقيق مراميها من
اساليب الانقلاب العسكري او التآمر المدني، خصوصاً مع
غياب الجهد التنظيري المحلي الذي يسعى لبناء المفاهيم
انطلاقاً من الواقع لا من خارجه، بكلمات اخرى اصبح
العنصر الذاتي هو العنصر الاقوى لنشاط القوى التي حملت
المشروع. ففقدت النظرية جانبها الرئيسي الذي ارادته
لنفسها وهو الموضوعية والعلمية.
وبما ان الترجمة عندنا قد حصلت في العقود الاولى من
مطلع القرن، فأن الاعمال التي نقلت الينا قد بدأت من
النتائج التى وصلتها حينذاك في مناطق ولادتها، لا من
الاسس التي قام عليها المشروع.
بكلمات اخرى حملت الترجمة والمشروع الذي استند عليها
انتصار لينين ولاحقاً ماوتسي تونغ او غيرهما من ثوريين
كبار لايجاد ثغرات لتحقيق الحلم بعد تعطل تحقيقه في
البلدان الام، أي بعد ان اخذت الطبقة العاملة
البريطانية خصوصاً والاوربية عموماً تشارك الرأسماليين
عرس انتصارهم على الامم، والحضارات والبلدان الاخرى.
حسب كلمات ماركس نفسه. فقام الاول "لينين" بالتنظير
لامكانية قيام الاشتراكية في بلد واحد بالانطلاق
بالثورة الاشتراكية العالمية من اضعف الحلقات وهي
روسيا، معتمداً على قوة التنظيم واستغلال الظروف
لانجاح الثورة البلشفية التي ان قامت قبل يوم واحد
فأنها ستكون مبكرة وان قامت بعد يوم واحد فأنها ستكون
متأخرة (حسب تعبيره هو نفسه) مما يبين تفوقاً لا
متناهياً للعنصر الذاتي على الموضوعي... اما الثاني
فشدد على ان الفلاحين وليس العمال ناهيك عن
البروليتاريا هم عماد الثورة، وان النصر النهائي
سيتحقق عبر محاصرة الريف للمدينة. وبالفعل نجحت
المحاولتان. ودخل اكثر من نصف الكرة الارضية في
المشروع، مع ضغط غير قليل على النصف الاخر. وبدا ان
الاشتراكية، او الاصح الدول الاشتراكية، اصبحت ممكنة
حتى في اكثر البلدان تخلفاً... ففي اليمن لم يجدوا ما
يؤممون فأمموا قوارب الصيد البسيطة، والامر نفسه في
الصومال واثيوبيا وافغانستان وغيرها من بلدان فقيرة لم
تمتلك بعد المقدمات الاولى لاقتصاديات السوق، ناهيك عن
مقدمات الاشتراكية، ذلك ان اعتقدنا بالتوصيفات التي
تكلم بها الاشتراكيون وماركس. لكن التاريخ سرعان ما
حكم بان تغليب الرغبات الذاتية واهمال الشروط الاولى
والاساسية للمشروع لابد ان يفكك من مجمل العملية، وهو
ما برهنته التجربة السوفيتية والمصير الذي سقطت فيه،
او ما حصل ويحصل في الصين من امور لا تخفى على أي
متابع. بل ان تعاقب سقوط ما سمي بالانظمة الاشتراكية
في بقية دول العالم حال انهيار النظام في الاتحاد
السوفيتي هو ابسط واوضح دليل. كيف ان مجمل التجربة قد
اقيمت بعامل القسر الذاتي. فانهارت تجارب كبيرة، بذلت
عليها امكانيات عظيمة وقدمت من اجلها تضحيات هائلة
فشلت كلها في اقامة منظومة تسيرها القوى الانسيابية او
ما يسمى بالموضوعية، بل بقي قانونها قرارات الحزب
والدولة واجهزة التحكم والضبط، والتي وقفت عاجزة امام
حقائق الحياة لا تجد من طريق امامها سوى ما يشبه عملية
الانتحار.
نعتقد ان لينين قد تجاوز ماركس في استيعاب درس التاريخ
في ان الرأسمالية لم تعد تقدم نفسها في صورتها النقية
التي حللها ماركس... فالرأسمالية لم تمثل مجرد طبقة
تستغل طبقات، بل برهنت انها امبريالية عالمية عمادها
هي ايضاً الدولة. أي ان الرأسمالية بدأت بتحقيق
اجتماعيتها من فوق لتحقق لنفسها اجتماعية مع دولتها
وجمهورها، على حساب القضاء على الاجتماع والمجتمعات
الاخرى (الديمقراطية في بلد واحد والديكتاتورية في
العالم كله). لكن ماركس بقي متقدماً على لينين وماوتسي
تونغ وبقية اشتراكيي القرن العشرين في التشدد على
الحاجز الذي يقف امام "الاشتراكية" عندما لا تخترق
الاجتماعية كل مجالات الحياة. وهنا الخطأ التاريخي
عندما قلب الاشتراكيون الروس والصينيون وغيرهم
المعادلة، فصار تأسيس الدولة الاشتراكية او الحزب
مقدمة لبناء "الاشتراكية"، ولم يعد التعرف على قوانين
نمو "الاجتماعية" في القوى والقدرات، مقدمة لقيام
الدولة "الاشتراكية".
اذا كان لينين، يستطيع، وهو يقف خارج الشروط التاريخية
كما يقولون، ان يبني مجتمعاً اشتراكياً عبر دولة
اشتراكية، فلماذا لا يستطيع أي مخلص طموح او مغامر
لئيم ان يقيم بدوره مجتمعاً اشتراكياً عبر انقلاب
عسكري او تآمر اجتماعي؟ لقد تحول مجمل تفكيرنا الى
تفكير دولة. لم تعد الدولة تمثيلاً للمجتمع، ولم يعد
الاقتصاد اقتصاد المجتمع، ولم تعد السياسة سياسة
المجتمع بل تحولت كلها الى اقتصاد وسياسة واجتماع
دولة، تتكلم بأسم المجتمع والشعب، بينما هي في الحقيقة
اقتصاد وسياسة واجتماع النخبة، وهذا بعض، ان لم نقل
اهم ما تعاني منه.
الترجمة هي ليست معرفة جيدة بلغتين، بل هي قبل ذلك
معرفة جيدة بواقعين، وهنا لابد من التمييز بين تراجم
وتراجم اخرى. ما نريد الاشارة اليه بأن حذراً، وحذراً
عظيما يجب ان يبذل فيما يخص التراجم التي تسعى لنقل
المفاهيم التي يمكن ان تقوم عليها قوى وحركية
اجتماعية. لان ما يتم غرسه في بنيتنا الفكرية يمس
بالصميم الواقع الاجتماعي والسياسي وعوامل الفهم
والنضج فيه من جهة، وعوامل الخصومة والتصالح من جهة
اخرى.
لقد نقلت الينا اعمال تتعلق بالحزب والدولة والثورة
قبل ان تنقل الينا اعمال "رأس المال" و"الرسائل"
ومخطوطات "رأس المال" (الكروندس) و"انتي دو هرنك"
و"جدليات الطبيعة" وغيرها، ناهيك عن اهمال كل الثورة
العظيمة للاشتراكيين الاخرين والتي كانت ستبين لنا على
الاقل مستوى النقاشات التي بلغها انصار التجربة على
ارضهم لنقارن ونفهم ونقارب ونضع امام الجمهور ليس
مشروعاً جاهزاً لا ينتظر سوى القوة القادرة على حمله
وتطبيقه، بل نضع امام الجمهور والعقل العربي مخاضات
المشروع لدى الغير لنفهم ونتعلم وان اقتضى الامر ان
نقتبس ونقلد وهلم جرا.
فالواقع العربي والاسلامي والمشرقي والعالم ثالثي ان
صح التعبير، هو ليس واقعاً حيادياً او واقعاً فارغاً
لا يحتاج الا الى شعارات او مشاريع جاهزة لتفعيله. انه
واقع حي ينبض بالحياة، لا ينفى ذلك الخمول والعطل الذي
يعاني منه. والواقع هو كالجسم، والترجمة هي عرض ونقل.
فالعين تمتلك القدرة لان ترى ما تستسيغ او ما تستهجن.
والاذن تستقبل كل ما يسرها او يزعجها، اما الجسم
فهويجب ان يهضم ويقبل ما يزرع فيه، فأما ان يلفظه او
ان يقبله ولا خيار ثان في ذلك. والامر هنا لا يتعلق
بأمور عظيمة او غير عظيمة، او بمشاريع حالمة او غير
حالمة، بل هو يتعلق بمعرفة وقوانين وسنن ان لم نقر بها
عقلا فان الحياة ستعلمنا قواعد عملها قسراً.
فالتراجم حرة ان تنقل الينا كل ما نستطيع تقويمه
والتعلم منه نظراً وتعلما لكنها يجب ان تكون عند
مسؤوليتها عندما تريد ان تنقل الينا مفاهيم يراد منها
زرع قوى ومشاريع في بنيتنا الفكرية والاجتماعية. هذه
مسؤولية تقع اولاً واخيراً على اصحاب المشروع انفسهم
وامانتهم العلمية في فهم مشروعهم من جهة، وفي فهم
واقعهم من جهة اخرى.
التاريخ العربي الاسلامي لم يستخدم في مفرداته كلمة
مجتمع بل كثر لديه استخدام كلمة اجتماع. والاجتماع في
نظرنا غير المجتمع واكثر انسجاماً مع التركيبة
التاريخية التي دخلنا بها القرن العشرين. واستخدام
الاخيرة حسبما نعتقد جاء منسجماً مع نمو الفكرة
الاجتماعية داخل هذا الواقع وقيامها كاحد الاجتهادات
على عنصر العصبية القبلية او السياسية او العقيدية
(الدينية) او مركب من كل ذلك وموقع الملك (بضم الميم)
ودور الدولة، كله حسب الفهم الخلدوني. أي ساعياً
للارتكاز الى الفهم القرآني الذي يرى فيها رابطة
اجتماعية كما في سورة يوسف في "نـحن عصبة" او "عصبة
منكم" او في غيرها، والتي ترد كلها كجماعة لها قاعدة
محددة لانتشارها في الجسم الواحد لقيام اصرتها وانشداد
عقدها. فهي كاعصاب الجسم تربط وتنفصل، عبرها يتلقى
العقل كل ما يصدر عن عالمه الخارجي وبها ينفعل ويتفاعل
فيأمر وينفذ في انسيابية وانسجام وتوزع وظائف بين
الافعال الارادية الواعية او ردود الفعل العفوية.
فالعصب لدى الانسان، كما يرد في لسان العرب هو: "الاعصاب،
اطناب المفاصل التي تلائم بينها وتشدها " لذلك حرص بعض
الغربيين الواعين بترجمتها بروح القبيل او الجماعة (Esprit
du corp Esprit du clan)،
وهو ما سار عليه الاستاذ الكبير المستشرق المسلم
الشافعي الفرنسي "فانسان مونتي" في ترجمته الرائعة
لمقدمة ابن خلدون الصادرة في بيروت عام 1967 والتي
اعادت دار "سندباد" في باريس نشرها في طبعات متعددة
لاحقاً. وكل ذلك فهم يسير في منـحى فهم الفقهاء في
تسميتهم اياها "بالعقلانية" والتي منها "العقال" الذي
يشد او يعصب به العرب رؤوسهم. فهم يعرفون العاقلة
"بالعصبة وهم يعطون مثلاً ـ دية قتل الخطأ وهي صفة
جماعة عاقلة". فالرجل العاقل لدى ابن الانباري كما يرد
في اللسان "هو الجامع لامره ورايه ماخوذ من عقلت
البعير اذا جمعت قوائمه، وقيل العاقل الذي يحبس نفسه
ويردها عن هواها، اخذ من قولهم قد اعتقل لسانه حبس
ومنع الكلام".
ماذا لو وضع مترجمونا نصب اعينهم هذه المعرفة بمدارسها
المختلفة ـ التي تبحث في الاجتماع الخاص او العام عن
اعصابه وانتشارها بين مفاصله والتي تربط او تشد كيانه
في مواجهة عالمه الخارجي وارتباطها بعقله وما تنقله
اليه وما ينقلها اليها. ماذا لو حاولوا التواصل مع
ادوات التحليل لدى سلفهم، او تطويرها، على الاقل بما
يعينهم على فهم القوى الاجتماعية التي يتشكل منها
واقعهم. لا نطالبهم بقبول تلك الاراء. بل نطالبهم
باحترامها لانها لا تمثل اعمالاً متخلفة كما قد يقول
البعض، بل هي محاولات مفكرين وعلماء عصرهم والتي هي
اعظم شاهد لدينا عن طبيعة القوى التي قام عليها
اجتماعنا، والذي ان لم نرثه كله فاننا قد ورثنا بعضه
على الاقل، او ان تأثيراته ما زالت تفعل فعلها، السلبي
او الايجابي، في البنية الفعلية لاجتماعاتنا وحركيتها
او فكرها الواعي وغير الواعي.
لكلك ذلك نقول بأن الترجمة بالشكل الذي جرت عليه،
وكمقدمة لمشروع طرح على امتنا، نقل الينا، بنوايا حسنة
ومطامح مخلصة ولا شك، شعارات ودعوات يغلب عليها الطابع
الفردي والتآمري القسري ليس ازاء الاخر فقط بل ازاء
الذات ايضاً. وهذا كله ساهم في ايقاف عملية التواصل
التاريخية الضرورية لتجديد وعينا واوجد الغربة في
ذواتنا ومع غيرنا ففقدنا الثقة بقدراتنا وبامكانية
الاستفادة من تجارب غيرنا. وادخل في وعينا تشوهات،
واقام الحواجز في وجه تطور الاجتماع الى نظام له
سياقات تمتلك حداً معقولاً من الانسيابية ومن احترام
حركية القوى الاجتماعية الحقيقية القائمة على ارض
الواقع.
عندما تدمر كل تلك المقومات ولا يبنى مكانها مقومات
اجتماعية تشكل اركان واعمدة الحياة الاجتماعية فأن
الفعل الفوقي والانقلاب العسكري او التآمر المدني
والثروات الفردية تصبح هي القابضة على الحركية
الاجتماعية التي تظهر على السطح لتهمش او تدفع الى
الوراء كل مركبات الحياة الاجتماعية الاخرى. عندما
يحصل ذلك، وهو ما حصل بالفعل، فاننا نكون قد اسسنا
بالفعل عوامل الاستبداد السياسي والاجتماعي ودخلنا في
متاهات الاستلاب والوحشة.
ثانياً: الثورة()
نظمت احدى الفضائيات العربية برنامجاً، بمناسبة الرابع
عشر من تموز، دعت اليه عدداً من الشخصيات العراقية
العسكرية والمدنية واستجوبت عبر الهاتف عدداً اخر،
وتضمن معلومات غنية ومهمة عن هذا الحدث التاريخي
والهام في حياة الشعب العراقي.
كان محور الندوة الاحابة عن سؤال هل ان ما حدث في تموز
1958 هو ثورة ام انقلاب؟ وخلال الندوة بدا واضحاً ان
هناك معنى محدداً لكل من الانقلاب والثورة، فالانقلاب
هو "مؤامرة القصر" او "الاستيلاء على الحكم" والثورة
هي تحرك الشعب لتغيير النظام واستبداله بنظام اخر.
رغم ان هذا الفهم لكل من الانقلاب والثورة يلبي بعض
حاجات الفهم، او يعكس بعض الحقيقة، لكنه عندما يتطور
النقاش فانه سيقف عاجزاً لا يستطيع ان يساير النقاش
الذي يسعى الى تقديم اجابات علمية او موضوعية عن حدث
تاريخي بهذا البعد.
ان استخدام كلمتي "انقلاب" و"ثورة" بالشكل الذي تستخدم
فيه حالياً هو استخدام معاصر وحديث قد لا يعود لا كثر
من عقود قليلة، وهو ايضاً من نـحت المترجمين الذين
ترجموا كلمة(Coup
d e tat)
بانقلاب وكلمة (revolution)
بثورة.
اذا ما عدنا الى اللغات الاجنبية التي ترجمت عنها كلمة
"رفليوشن" (Revolution)
فسنجد ان معنى الكلمة التي بدأت تستخدم اكثر قاكثر،
خصوصا بعد الثورة الفرنسية، اريد لها ان تنقل القوانين
العلمية والموضوعية الى الحركية الاجتماعية والسياسية.
فاستعير المصطلح بفهمه هذا من علوم الفلك والفيزياء
والميكانيك والهندسة. ففلكياً يعني المصطلح الحركة
الدائرية والمتكررة التي يستغرقها دوران كوكب حول
مركزه كدوران الارض حول الشمس.
وميكانيكياً يعني استكمال دولاب او اسطوانة او قطعة،
دورتها على محورها وكذلك له معان هندسية وغيرها. ولقد
استعار الادب الاجتماعي والسياسي خصوصاً الماركسي هذا
التعبير ليعطي لعملية التحول الاجتماعي تعابيرها
الموضوعية. فالمجتمعات حسب النظرية الماركسية تتطور ـ
في نهاية التحليل ـ وفق قوانين تجري خارج ارادة
الانسان وان حركتها تاخذ شكلاً دائرياً او بالاحرى
لولبياً مما يسمح ـ حسب مؤسسي المدرسة ـ الى استنتاج
قوانين علمية لتفسير الاحداث والتأثير في تطوراتها.
لذلك عندما تستكمل قوى الانتاج مراحلها وفصولها فان
علاقات الانتاج لابد ان تشهد تغييراً. بكلمات اخرى فـ
"الريفولوشن" هي استكمال الدورة وحلول الدورة الجديدة
التي تجري كلها وفق قوانين محددة يمكن التبؤ بها
وبمساراتها ومراحلها.
هذا هو المعنى "العلمي" الذي اعطي لمعنى كلمة "ريفولوشن"
التي ترجمناها ـ نـحن العرب ـ بكلمة "الثورة". وبالطبع
هناك معنى اخر استخدم ايضاً في الادب السياسي
والاجتماعي الغربي وهو الاطاحة بالحكم او الخروج عليه
والذي غالباً ما يلجأ لوسائل عنفية.
اذا ما عدنا الى الادب السياسي العربي او الاسلامي
المستخدم قبل دخول التراجم المعاصرة وتأثيرها في صياغة
مفاهيم النخبة فسنجد ان الثورة او الثائر مصدرها فعل
"ثور" و"ثائر" وثور الغضب حدته.... والثائر الغضبان
ويقال للغضبان اهيج ما يكون: قد ثار ثائره وفار فائره،
كما في لسان العرب، والثور حمرة الشفق الثائرة فيه،
وفي صلاة العشاء الاخيرة اذا سقط ثور الشفق. والثور،
ثوران الحصبة، والطحلب وما اشبه على رأس الماء. وأثرت
فلان او هيجته لامر. ومن اراد العلم فليثور القرآن، أي
قرائته ومناقشة العلماء. وثورة من رجال وثورة من مال
كثير. وقال ابن الاعرابي ثورة من رجال وثروة يعني: عدد
كثير.
والثور: الاحمق يقال للرجل البليد الفهم: وما هو الا
ثور. وقال الله تعالى في صفة بقرة بني اسرائيل: تثير
الارض. واثار الارض قلبها على الحب. وقال الله عز وجل:
"وأثاروا الارض" أي حرثوها وزرعوها واستخرجوا بركاتها.
اما الثأر، فهو الطلب بالدم. والثائر: الذي لا يبقي
على شيء حتى يدرك ثأره. وثأرت القوم ثأراً اذا طلبت
بثأرها.
اما الانقلاب فمصدرها فعل قلب، وهي كما ترد في اللسان:
تحويل الشيء عن وجهه.... وقد انقلب وقلب الشيء وقلبه،
حوله ظهراً لبطن.
وقلب الامور بحثها ونظر في عواقبها. وفي التنزيل
وقلبوا لكم الامور... وفي التنزيل العزيز: "فلا يغررك
تقلبهم في البلاد" معناه فلا يغررك سلامتهم في تصرفهم
فيها فان عاقبة امرهم الهلاك. ورجل قلب أي محتال بصير
بتقلب الامور. وقوله تعالى: "تتقلب فيه القلوب
والابصار". والقلب صفة في الفؤاد معلقة بالنياط... وقد
يعبر بالقلب عن العقل قال الفراء في قوله تعالى: "ان
في ذلك لذكرى لمن كان له قلب" أي عقل. وجائز في
العربية ان تقول: "ما لك قلب وما قلبك معك"... تقول
ما عقلك معك واين ذهب قلبك؟
وفي التنزيل الحكيم: "يعذب من يشاء ويرحم من يشاء
واليه تقلبون" (21/ 29) "ولقد ابتغوا الفتنة من قبل
وقلبوا لك الامور حتى جاء الحق وظهر امر الله وهم
كارهون " (48/ 9). وقال بعضهم سمي القلب قلباً
لتقلبه.... سبحان مقلب القلوب. وقلب القرآن سورة يس...
وقلب العقرب منزل من منازل القمر وهو كوكب نير. والقلب
السوار.... والقلب آلة نظام الدورة الدموية وهو ما
يضمن عملية الاحتراق وتجدد اوكسجين الدم وبالتالي
استمرار الحياة.
اذن لن نجد في معنى "الرفولوشن" كما ترجمت لدينا الا
معنى الاطاحة بالحكم بالوسائل العنفية. اما الرؤية
الاخرى التي ترى في "الرفولوشن" معنى الدورة التي لها
قوانينها فتستغيب تماماً عن مضامين الترجمة ومدلولاتها
العربية فلا تعلمنا قوانين تغيير الانظمة والتشكيلات
الاجتماعية وقواها الحقيقية، بل هي اقرب لمعنى فورة او
ثأر او انتقام.
بالمقابل فان معنى الانقلاب سيكون اقرب لمعنى انقلاب
الليل والنهار ففيه معنى التداول والدوران وتغير
للامور وتقلبها وهي اقرب لمعنى "ريفولوشن" (Revolution)
، كما وردت في اللغات الام التي صاغتها.
الايرانيون لم يسموا عملية الاطاحة بالنظام الشاهنشاهي
بالثورة الاسلامية كما سميناها نـحن بالعربية بل سموها
"انقلاب اسلامي" ونـحن نعتقد ان هذا استخدام لائق لانه
يتضمن الرغبة في احداث تغيير عميق في بنية المجتمع.
وغني عن البيان ان هذا الاستخدام لم يكن من صياغة
القادة المسلمين فقط، بل نجد ان عموم المثقفين
الايرانيين وبشتى تياراتهم (كذلك فعل الاتراك) كانوا
اكثر دقة في نـحت المفردات التي بدأت تصلهم، خصوصاً
منذ نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين لتعكس ولو
جزئياً بعض مداليل اللغة التي يترجم اليها، لمعرفتهم
بان الترجمة ستأخذ، لامحالة استقلالية معينة لنفسها
وستؤسس المفردة مفهومها لابد ان يقحم نفسه على المضمون
شئنا ام ابينا. وفي حالة عدم توفر المقابل المناسب لم
يترددوا في استخدام المصطلح كما يرد في لغته الاصلية
لبيان مرجعية المصطلح، كما فعلوا في تعابير امبريالزم
وكابتيليزم ورجيم وهلم جرا.... وهذا ما فعله الادب
العربي والاسلامي قديماً بابقاء كلمة "فلسفة" كما هي،
واستطاع ان يهضمها في بنيتها الفكرية دون ان تثير
التشوش والارتباك عند استخدامه لها.
بالطبع قد يصعب الان العودة لاستخدام كلمة انقلاب مكان
الثورة، فالاولى اخذت معاني سلبية فردية وتأمرية،
بينما اخذت الثانية معاني ايجابية، رغم ان التعبيرين
سيواجهان التباساً، بل تناقضاً فيما بين المضامين التي
ارادت اللغة الاصلية التي ولدتهما ان تعطيه لكل منهما
ومداليل كل منهما عربياً.