ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

مغزى ودلالات المد الثقافي

العراقي الراهن

أ.د. قيس النوري

توطئة
لاحظ من استعراض المشهد الفكري والأكاديمي والاعلامي في العراق تصاعد التيار الثقافي يين النخب الفكرية والأكاديمية والأدبية المتنوعة، اضافة الى وسائل الاتصال الجماهيري ومؤسسات الجتمع المدني. بمعنى أن الثقافة قد أضحت بعد أحداث عام 2003بوابة أو أداة فاعلة لكثير من الأنشطة الفكرية والأدبية والفنية على الصعيد التعبيري والفكري من حيث تكرارها في سياقات قد تنطبق عليها أو تكون مقاربة لها، ويتسع استخدام المقاربات الثقافية عندما يتم تناول التقاليد والعادات والقيم المجتمعية لمعالجة بعض المشكلات المرتبطة بعملية الحداثة والتحضر والتكيف الثقافي والتثاقف والعولمة. اذا وافقنا على القول أن الثقافة وبعض توجهاتها العملية والتطبيقية قد ازدادت جذبا لكثير من الأكاديميين والكتاب والنقاد والاعلاميين وحتى السياسيين العراقيين في العقدين الماضيين فان فضولنا يدفعنا بعد ذلك لاستجلاء أسباب وملابسات هذا الاستقطاب المفاجيئ بعد اهمال نسبي لهذا المفهوم شمل معظم الكتاب والأجهزة الاعلامية ومؤسات النشر والنخب الأكاديمية.

 

ولايبدو البعد الثقافي ومشتقاته على صعيد المؤسسات الاعلامية والاتصالية في القرن الماضي بأحسن حالا، حيث كان جل الاهتمام ينصب على التاريخ القومي والشعر والأدب وسيرة العظماء والخالدين مما لم يضف الكثير الى التراكم العلمي والنقدي والثقافي . خلاصة القول أن الشحوب الذي اتسمت به أعمال وزارة الثقافة والاعلام والجامعات ودور النشر عبر القرن الماضي لم تترك آثارا فكرية أو علمية تذكر في المكتبة الثقافية العراقية.
سياقات الزخم الثقافي الراهن يتجلى تيار المد الثقافي في سياقات ونماذج متعددة نستطيع توضيح بعضها في الآتي:
أولا: سياق توكيد التعددية الثقافية لعل توكيد التنوع الثقافي للمجتمع العراقي في الخطاب اليومي أصبح لافتا وذلك كسمة تؤهله لخوض التجربة الديمقراطية الجديدة. بمعنى أن تعددية الثقافات الفرعية في العراق أظهرت عبر التاريخ أن الشعب العراقي شديد الانفتاح الثقافي على الآخر وبالغ التسامح والانسجام ازاء عناصر اختلاف تلك الثقافات. على أن هذا الموقف الايجابي من التعددية قد يتزامن مع اشارات توفيقية تشدد على أهمية تآخي وتعاون كل الأطياف الثقافية والمذهبية والدينية والقومية باعتبار ذلك شرطا لتعزيز وحدة البلاد. واضح أن الوجه التفكيكي للتعددية يتم تحاشيه معظم الأحيان من باب اشاعة جو من التفاؤل حول ثبات الروح الوطنية وانتصارها على ميول التشرذم.
من الطريف أن الخطاب الثقافي التعددي يستعين بشتى مؤشرات التماسك والتضامن باحثا عنها في مختلف المجالات التي تشمل الرياضة والفنون والأدب والصناعات الشعبية (الفولكلورية). ولا تفوتنا الاشارة في هذا السياق الى استخدام الفضائيات والصحف فوز العراق في بطولة آسيا لكرة القدم دليلا على الصلة الايجابية بين تنوع انتماءات أعضاء الفريق ونيلهم تلك البطولة. ولا تتردد وسائل الاتصال العراقية المتعددة في طرح الشواهد العالمية على علاقة التنوع الثقافي بالتقدم كما يتضح ذلك في الاتحاد الأوربي المتعدد الثقافات والقوميات والمذاهب.
واللافت في التعددية الثقافية في العراق أن حركة التقدم تزيد من تعقيد البنية الاجتماعية خصوصا في مجال المهن التكنولوجية والاقتصادية والعلمية والخدمية. فضلا عن ازدياد الطبقات الاجتماعية و تنوع أساليب وأطرزة الحياة وغيرها مما يوسع عدد الفئات الحضرية. من المؤكد أن هذا التعقيد البنيوي يزدهر في ظل الديمقراطية والليبرالية الثقافية التي تهدف الى توفير الرفاه لكل أفراد وطبقات المجتمع. ومع أن هذا التعقيد قد يفكك بعض الوحدات الاجتماعية والثقافية وفي مقدمتها العشائر الا أنه من ناحية أخرى يعزز الحراك الاجتماعي أمام الأفراد والأسر ويقوي القانون والسيادة الوطنية للحكومة والدولة. بعبارة أبسط أن ازدياد التعقيد الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في العراق يعد علامة أكيدة على اطراد التقدم وتحسن فرص الاستقرار خصوصا عندما يتم اختيار النظام الديمقراطي الوطني. ومع توفر الاستقرار الاجتماعي والسياسي والحياة الاقتصادية الكريمة لمجمل الشعب تبدأ الثقافة الوطنية بالنمو والازدهار فكريا وعلميا ومهنيا ما ينعكس ايجابا على المواطنة وعلى مؤسسات الدولة التي تتوطد أركانها. كل هذا يؤدي الى تبلور الثقافة الوطنية من خلال انتقال السلطة والقانون والضبط الاجتماعي من القبائل والعشائر والطوائف الى هذه المؤسسات التي تعمل على تدعيم سلطة الدولة والقانون وخدمة الشعب بكل طبقاته وفئاته.
من المهم أن تتطور الثقافة السياسية والاجتماعية للمواطنين وذلك بعد تقليص حجم الأمية الأبجدية والحضارية في أطار تقوية شعور واندماج المواطنين وولائهم للوطن بكل رموزه ومؤسساته وقوانينه بدلا من الوحدات القبلية والقرابية والمذهبية. ومن المؤمل أن تكون الثقافة الوطنية العراقية المستقبلية قائمة على تعميق وتنقية خارطة المواطنة وتحفيز المواطنين نـحو الانجاز والابتكار وطلب العلم والمعرفة ونبذ روح التواكل، والتحرر من الطائفية والعنصرية والقبلية. في الوقت نفسه لابد أن يصحح الحس الزماني من خلال توسيع الاهتمام الشعبي بالحاضر والمستقبل بدلا من الانشغال بالماضي ومآسيه. فالشعوب والأمم تتسابق في ميادين التنمية والتقدم أمام تحديات العولمة وتحرص على حفظ وزيادة معدلات الانتاج دون اضاعة اليوم والساعة. قد نفاجأ اذا عرفنا أن سنغافورة الدولة الصغرى تضاهي الدانمارك في انتاجيتها ودرجة رفاه شعبها. لاشك أنها حققت هذه المعجزة من خلال ثقافتها التي تنطلق من ضبط النفس ومحاسبتها وحب العمل والتركيز على الابتكار. وقد تحولت فيها هذه المباديء الى ممارسات بعد أن كانت شعارات يرددها الناس في الماضي غير البعيد.
ثانيا: التشديد على احترام رأي الآخر لعل هذا التوكيد يندرج في مجمل السياقات الثقافية والسياسية والعلمية والانسانية التي تتشكل منها التجربة الديمقراطية. واضح أن تعدد الثقافات الفرعية في العراق واحترام تقاليدها وعاداتها هو المستهدف من هذه القاعدة التوفيقية. وهذا يعني البحث عن الصيغ والسبل التي تحول نقاط التقاطع بين الأنساق الثقافية غير المتجانسة من حالة الاستقطاب والتناحر الى حالة التوازن والتكامل. كما هي حال التعددية الفنية والموسيقية والغنائية والأدبية وحتى الغذائية للقوميات العراقية المختلفة. لا شك أن تفاعل هذه الثقافات من شأنه أن يتيح فرصا كبيرة لتثاقفها واقتباسها المتبادل لما تحمله من عناصر ثقافية متنوعة وهذا يثري مجمل الثقافة الوطنية. ناهيك عما يتوقع أن يسببه هذا المبدأ من ازدياد اشراك الأجيال الشابة في مختلف الحوارات وصنع القرارات في الأسرة وخارجها بدلا من اقتصارها على كبار السن. لعل هذا التغيير يفضي الى تقصير المسافة الفكرية والاجتماعية والنفسية بين هذه الأجيال ويحقق اثراء تجارب كل الفئات العمرية وتجاوز العوائق الثقافية العتيقة التي اضعفت التواصل الفكري بين الكبار والصغار وبين المرأة والرجل. في كل الأحوال لابد من التعود على احترام رأي الآخر مادام يسهم في تحررنا ولو ببطء من الميل السلوكي الى الاستبداد في الرأي وفرضه على الآخرين. حينما نتعمق قليلا في هذا التوجه نستطيع استكشاف صلته بنمو الشخصية واكتسابها سمة الاعتماد الذاتي والشعور بالمسؤولية. بعكس الانفراد في صياغة الرأي والاستخفاف برأي الآخرين مما يحرم هؤلاء من هذا الحق. من هنا تبرز صلة الحوار الديمقراطي المتكافيء القائم على احترام رأي الآخر وبين انتعاش روح الفريق المستمدة من أجواء التفاهم والتوافق بدلا من روح التغالب والتناحر. من البديهي أن احترام رأي الآخر لا يمكن أن يحقق نقلة ثقافية واجتماعية وسياسية نوعية ما لم يتم تحويله الى ثقافة عملية ذات آليات واضحة قابلة للتنفيذ على جميع المستويات الرسمية والشعبية. بمعنى أن هذا الشعار يفقد قيمته الحقيقية اذا خلا من القواعد الاجرائية التي تدعمه لكي يستحيل الى عادة يلتزم بها الناس طوعا . ولا نخفى صعوبة تجذير هذا الشعار في الثقافة الوطنية العراقية وضرورة الحد من عقدة البطرياركية من خلال توكيد وترويج مفهوم المساواة بين الذكور والأناث خصوصا خلال مراحل التربية الأسرية المبكرة.
ولايراد باحترام رأي الآخر القبول المطلق بالآراء مهما كانت لأن ذلك لو حصل فانه سيقوض التوجه النقدي والتقييمي لدى الأفراد، بل المقصود التعامل مع وجهات نظر الآخر بروح ديمقراطية وموضوعيه والسعي للافادة منها وايجاد الصيغ الوسطية والبراغمتية التي تحقق التوافق المنشود بعيدا عن الهيمنة واقصاء الآخر.
ثالثا: ثقافة المرأة
بالرغم من تعالي الأصوات الأكاديمية والسياسية والثقافية والانسانية لنجدة المرأة العراقية واحترام حقوقها الا أن هذا التعاطف لم يحقق سوى القليل من الحراك الاجتماعي الذي ظفرت به هذه الانسانة المكافحة في كل العهود. وقد تدرج انجازاتها في المجالات التعليمية والثقافية والمهنية كأبرز ما فرضته على طريق تحررها بعد أن ظلت مهمشة عقودا طويلة. ويعد دخول المرأة العراقية الى البرلمان طفرة تاريخية مهمة بالرغم من عدم تساوي عدد المقاعد بين الأناث والذكور. ومع ذلك فهناك مؤشرات على انساع حضور المرأة الثقافي والاجتماعي والسياسي خصوصا في مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات النسائية المتخصصة وغيرها من تنظيمات حقوق الانسان ورعاية الأمومة والطفولة. وتجدر الاشارة الى تأسيس وزارة المرأة التي تهدف قبل كل شيء الى تحديد وتدعيم حقوق النساء ورفع العقبات التقليدية التي تعرقل حراكهن الاجتماعي والثقافي والمهني. الى جانب مؤشرات نمو الحضور الثقافي والتعليمي للمرأة المتمثل في ازدياد عدد الطالبات والأكاديميات الجامعيات وحاملات الشهادات العليا المنتشرات في مختلف مؤسسات ودوائر الحكومة. أما مساهمات النساء في المؤسسات الاعلامية والثقافية والسياحية والتراثية الرسمية والأهلية فقد حقق تقدما ملحوظا على صعيد التوظيف والمشاركات في الأنشطة الثقافية المتنوعة. بمقدور أي منا أن يلاحظ -مثلا - كثرة الموظفات والناشطات اللواتي يعملن في الفضائيات والاذاعات ومجالات النشر الصحفي ومؤسسات المجتمع المدني. مع ذلك ما زالت هذه المشاركات أقل من اسهامات الرجال. ويلاحظ التحسن الملموس في الحضور النامي للنساء العراقبات في المجالات المسرحية وحقول الفنون الجميلة كالموسيقى والغناء بعد أن كان ذلك محضورا اجتماعيا. غير أننا نصطدم بحقيقة أن عدد المغنيات العراقبات في عقود العشرينيات وحتى الخمسينيات كان يفوق عدد المطربين الذكور. يبدو أن ذلك جاء نتيجة اعتناق معظمهن لليهودية والمسيحية مما أزاح من طريقهن عائق التزمت القبلي الذي حرم على المرأة المسلمة ممارسة هذه الفنون وغيرها مدعيا بتقاطعها مع الاسلام وشرف المرأة وأسرتها. الواقع أننا ما زلنا نلاحظ قدرا غير قليل من معارضة الأهالي لهذه المساهمات النسوية استنادا الى تلك الذريعة. وقد حظر على المرأة العراقية دراسة وممارسة الفنون الجميلة الأخرى كالرسم والنحت والموسيقي والمسرح انطلاقا من نفس التفسير. والغريب في الأمر أن كثيرا من الأهالي ظلوا يرفضون السماح لبناتهم بالتخصص في حقول الفندقة والسياحة والسكرتارية والتمريض بالرغم من بعدها عن الشوائب المرتبطة بالدين أو الشرف أو كرامة الأسرة. لكن الوضع الأخير قد تحسن قليلا خلال العقود القليلة الماضية. نستطيع القول أن الثقافات العشائرية تمثل أقوى عائق يعرقل تقدم المرأة العراقية ثقافيا واجتماعيا. ومع دعم وسائل الاعلام والمؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني لحقوق المرأة الانسانية والثقافية لكن تلك الأصوات لا تلقى تأييدا كافيا في الأوساط العشائرية المتزمتة. كل هذا أبقى معدلات الأمية بين النساء الريفيات عالية نسبيا (50%).
ومن المثير والمستغرب أن بعض المثقفين العراقيين يشاركون غير المثقفين في بعض العقد القبلية التي تؤلبهم فعلا ضد المراة بالرغم من تعاطفهم اللفظي مع حقوقها في المساواة والحرية. ومع تحسن النظرة التقليدية الى المرأة الا أن النسق البطرياركي ظل يجنح لصالح الرجل على صعيد الحقوق التي تجعله يمارس الوصاية على المرأة حتى حينما يكون أصغر منها سنا. ان الاجحاف الذي تتعرض له المرأة العراقية في ظل الواقع الجديد يذكر بالماضي البدائي الذي يهفوا اليهه البعض بالرغم من مساوئه التي تصدرتها الأمية والفقر والمرض والاقطاع والحرمان الواسع من الخدمات العامة. لعل الحنين للماضي لا ينطلق من تلك الأوضاع الريفية المأساوية التي كانت المرأة ضحيتها الأولى، بل ينبع من التضامن القرابي وقوة التمسك بالتقاليد وبساطة الحياة وتناغم العمل الزراعي مع طبيعة التنشئة الأسرية، ما يقوي العاطفة العشائرية ويحميها من التبخر والانقراض في ظل التفاعل القائم بين الحداثة والتراث القبلي. لا شك أن المرأة ستظل تكتوي بنار هذا التناقض والتناشز الذي ربما يطول انتظار نهايته قبل أن يستتب الأمن والاستقرار لصالح التقدم الاجتماعي والثقافي الذي سينصف المرأة ويساويها أو يقربها من مكانة الرجل. وهناك تذبذب يجري بين النموذج الحضري المثقف والنموذج الريفي غير المتعلم للمرأة العراقية والذي يشكل حالة من عدم الاستقرار بينهما. فالفتاة المثقفة والمهنية مطالبة بالتركيز على وظيفتها ومهنتها والارتقاء الى الحرص الوظيفي والمهني لكي تكفل الدخل الذي تعيش من ورائه. لكنها من جهة أخرى مضطرة الى القيام ببعض الأعباء المنزلية وفي مقدمتها رعاية الأطفال وتهيئة وجبات الغذاء للأسرة الى جانب الأعمال الأخرى المتفرقة. نتيجة للظروف الصعبة التي مر بها العراق اضطر كثير من نساء العراق خصوصا الأرامل الى التوظف بأجور لاعالة أسرهن بعد أن فقدن أزواجهن. ومع كثرة المشكلات التي تواجههن فاننا لا نرى اهتماما موازيا بدراسة تلك المشكلات بالرغم من خروجها من حدود الأسرة وتسرب تأثيرها الخطير الى المجتمع ككل.
نـحن بحاجة لتحديد خصائص حياة المرأة العصرية وتباينها عن المرأة الريفية وذلك بهدف تحديد القواسم المشتركة بينهما. لايجوز لنا أن نتحدث عن تقدم البلاد دون وجود معايير وأسس محددة نعقد من خلالها المقارنة بين النموذجين. لكن مؤسساتنا الرسمية كوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والصحة، والثقافة، والمرأة، وحقوق المرأة والتعليم العالي نادرا ما تمتلك الاجابات المطلوبة لاختراق الالغاز المحيطة بهذه الانسانة التي لازمها النضال المضني منذ أقدم وجود للمجتمع والثقافة العراقيين.
التثاقف العشائري-الحضري عندما نهم بالدخول الى هذه المحطة نشعر بصعوبات بالغة بحكم عمق تغلغل التراث والعرف العشائري في الشخصية العراقية وفي أطرزة الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية. ولعل من التحديات التي تواجهنا في هذا المضمار اختلاط معاني العشائرية ومضامينها بين القدح والمدح أو الايجاب والسلب. من الواضح أن التضاد الوارد ذكره يظهر في ازدواجية اللغة التي لابد من استخدامها في مخاطبة الأفراد. اذ يعد نعت الفرد بالقبلي اهانة اذا ورد في سياق كونه أميا أو متخلفا. بينما يكون الخطاب ضربا من المدح اذا اريد بهذا النعت كونه كريما أو شجاعا أو شهما أو صادقا
وهكذا تتأرجح معاني القبلية والعشائرية بين هذين القطبين ويؤدي ذلك بالضرورة الى طرحها اما كقوة متعصبة مناهضة للتحديث والتقدم، أو كأداة محفزة لحركة الاحياء الثقافي الذي لا يستغنى عنه في توطيد عرى الثقافة الشعبية الأصيلة باعتبارها منبعا للهوية الوطنية و مصدرا لتوجيه حركة التغيير الثقافي.
يلاحظ أن الدولة العراقية تحاول استثمار وتحشيد كل الوسائل المتاحة لتدعيم الأمن والاستقرار في ربوع الوطن فوجدت في العشائر العراقية ضالتها لتحقيق هذا الغرض المهم. وتمخضت عن هذا التوجه فكرة مفادها أن العشائر تشكل جزء كبيرا من الشعب وهي بالتالي يمكن توظيفها كقوة شعبية مساندة لقوات الجيش والأمن الداخلي. وقد تبلورت هذه الفكرة ونضجت لتشكل مايسمى بصحوة العشائر التي استجابت لدعوة الحكومة لها في سبيل الذود عن الشعب والوطن الى جانب القوات المسلحة الرسمية. من المتوقع أن تتطور حركة الصحوة الى برامج متعددة تسهم في تطعيمها بما تحتاجه من توجيه وتأهيل ثقافي مركز يقوي فيها عناصر الولاء والانتماء للوطن واحترام القانون ونبذ الطائفية والعتصرية ومحاربة الارهاب. لاشك أن هذه الخطط والبرامج ستؤدي الى تطوير النموذج الثقافي القبلي وتقريب المسافة الذهنية والمعرفية وبين التوجه الثقافي الوطني الواسع. ولعل أهم ما ينتظر من هذه البرامج التعبوية للعشائر العراقية توسيع مدى الحس الوطني والنخفيف من حدة الروح الانعزالية التي عانت منها العشائر العراقية عقودا بل قرونا طويلة. بعبارة أخرى أن من أبرز تأثيرات هذه البرامج الدفاعية التي تشترك فيها الصحوة هي فرصة المشاركة في اعادة الأمن والاستقرار للبلاد، ويعد ذلك تحولا ثقافيا واجتماعيا وسياسيا كبيرا يتمثل في حماية العشائر للقانون والمؤسسات المدنية بعد أن كانت في بداية تشكيل الدولة في بداية القرن العشرين مصدر ارباك للحكومة بالنظر الى استمرار تمردها على السلطة والقانون الرسمي المجحف بحقوقها آنذاك.
ولو ناقشنا بعضا من جوانب الثقافة العشائرية العراقية بهدف الكشف عما يمكن أن تتعرض له من تغيير مستقبلي نلاحظ سرعة تبدل مواقفها الى المهن والحرف التقليدية. فهي اليوم قد قطعت شوطا بعيدا نسبيا من حيث ازدياد اندماجها في المجتمع المدني عن طريق الهجرة الى المدن والاشتغال في أعمال ووظائف متنوعة كانت في الماضي القريب تحتقرها وتعارضها. يبدو لي أن الحكومات التي تعاقبت بعد أحداث 2003 لم تبد اهتماما بتأهيل سكان القبائل في قراهم بدلا من اضطرارهم الى النزوح الى المدن. واضح أن اتساع معدلات الهجرة السكانية من الريف الى المدن قد الحق اضرارا فادحة بالانتاج الزراعي والحيواني الذي انخفض مع تفاقم هذا النزوح. كما أفضى ذلك الى نشوء جيوب ريفية كبيرة في المدن الرئيسة وهي تعيش على هامش الحياة الحضرية بصورة يغلب عليها الكسل والطابع الاستهلاكي. هذا وقد انضمت تلك المجموعات الواسعة من النازحين الريفيين الى صفوف العاطلين عن العمل بحكم افتقارهم الى أي تأهيل مهني.
ولم تكن حركة التغيير لواقع الريفيين في العهود الغابرة تخضع لتخطيط ستراتيجي هادف ومتكامل بل كان عشوائيا تحكمت به الظروف الآنية مما جعله أقرب الى الفوضى منه الى البرمجة العلمية المتأنية. وكادت الحكومات المتعاقبة أن تتعامى عن مشكلات الريف وأن تغض الطرف عن مآسيه الثقافية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية مما أبقى الفجوة في حالة من الاتساع المستمر بينه وبين المدن. وهكذا تعاظم تدهور الوضع العام للقرى العراقية مع تمادي السلطة الرسمية في تجاهل قضاياها الصحية والتعليمية والمعيشية حتى غدت وكأنها تعبر عن حياة الانسان البدائي القاطن في غابات الأمزون أو مجاهل أفريقيا.
في ظل هذا الامعان في الاهمال الحكومي للريف وثقافته الفطرية تفاقمت عزلته وبؤسه وصار يقترب تدريجيا من النمط البدائي. ويبدو أن ذلك الواقع المرير اسهم في تعميق ونشر روح الحزن والكآبة بين سكانه وفجرها في فنونه الغنائية و تراثه الشعري والقصصي الواسع. إنها لمفارقة لافتة أن يتحول الغناء والشعر الريفي الى منبع ثر صار السكان الحضر ينهلون منه ويطرحونه في صيغ محورة. ويلاحظ أن وزارة الثقافة بعد عام 2003 صارت تظهر انبهارها بهذه الفنون الريفية وتروجها وتخصص برامج متعددة لترويج هذا التراث الريفي الغنائي البالغ الغنى وتسويقه وعقد الندوات حول ما يميزه من خصوصيات وملامح جمالية وابداعية. في هذا السياق اقترب واقع التواصل بين الريف والمدن الآن من القول المأثور " مصائب قوم عند قوم فوائد" . ومع هذا التأثير الريفي الغنائي والشعري المحدود ما زالت الثقافة الريفية تظهر ميلا أكبر لاقتباس الأنماط الحضرية التي اسهمت في اعادة تشكيل الشخصية الريفية خصوصا في المدن الرئيسة. لكن التأثير الحضري لم يأخذ مداه لتعرضه الى عوائق مختلفة تصدرتها الحروب المتلاحقة والانقلابات العسكرية والازمات السياسية التي اشتركت سوية في ابطاء حركة التغيير والتحضر. وقد نتج من هذه العوامل المعرقلة أن تقلصت الطبقة الوسطى بسبب هجرة الكثيرين من نخبها وكوادرها ما أضعف تأثيرها الثقافي. والاجتماعي على الحياة الحضرية والريفية أيضا.
لقد واجهت عملية الحداثة خلال النصف الأخير من القرن الماضي حالة من الارتباك والغموض نتيجة لتركيبات الحكومات المختلطة طبقيا وثقافيا مما انعكس سلبا على كل من الريف والمجتمع المدني. وقد تفاقم هذا الارتباك الحضري -الريفي في ظل تعدد الانقلابات التي وسعت من هامش الفئات غير المثقفة والفقيرة التي انعشت بدورها النموذج الريفي وشبه الحضري على حساب تقليص حجم وتأثير الطبقة الوسطى. ناهيك عن اتساع سيطرة القيادات العسكرية المتلاحقة على زمام الحكم وما صاحب ذلك من طغيان الهم الأمني.
والرقابي الذي أشغل الحكومة عن تحديات التنمية الشاملة ومواصلة التحديث. كل ذلك أضعف تأثير المدن والمجتمع المدني في الثقافات الريفية وشل حالة التحديث والتمدن الخجولة أصلا منذ تشكيل الحكم الوطني.
ربما نستطيع القول أن محصلة عدم استقرار العراق تبدو بوضوح في الواقع الثقافي الراهن خصوصا في ضعف تأثير المدن في الثقافة الريفية التي صرنا نشاهد ازدهار ورواج فنونها التقليدية مقابل فقر اسهامات المدن الثقافية. قد يصح القول أن حركة التقدم الحضرية الخجولة في العراق لم تعد تثير دهشة القادمين من الريف الى المدينة لا لأن الريف حقق تقدما باهرا جعله يقترب أو يساوي مستوى ما تحقق في المدينة، بل لأن المدن العراقية قد عجزت عن تقديم النموذج الحضري المتجدد وكأنها غارقة في سبات من الأهمال لاندري متى ستصحو منه. ولا نريد بهذه المقاربات الانـحياز للريف أو للمدينة أو العكس لأن طرحنا لموضوع الزخم أو المد الثقافي ظل الى النهاية مفتوحا على الطرفين وعلاقاتهما التفاعلية بصورة متكافئة وموضوعية. لكننا نبدي تعاطفا مع النشاط الاعلامي الحاصل في نبض التراث الثقافي الريفي بعد أن ظل مهملا عقودا طويلة. لعل ازدياد الاهتمام بالواقع الثقافي العراقي يسهم في تسليط الضوء على نهضة علمية وفكرية جديدة تجلو الغبار عن صورة الثقافة الوطنية والقومية التي رسمتها أقلام الكتاب من مختلف الخلفيات لتأشير ما تحتويه من حقائق أو تشويه أو مبالغة. أن الزخم الثقافي ينبغي عدم استغراقه في الأمجاد التاريخية وسيرة العظماء وكثافة المنجزات العلمية متجاهلا الاخفاقات والنكسات التي تخللت مسيرة ثقافة الأمة. ولا نغفل التأكيد على
المناهج وأساليب البحث المعاصرة بضمنها التوجه الميداني والتجريبي الذي ازدهر بفضل تنامي المشاريع الأكاديمية الميدانية التي لم تحظ بما تستحقه من اهتمام العلماء والباحثين العراقيين.
انتهاء البحث له من اهمال في العهود الغابرة. ويبدو أن حياتنا المعاصرة في المدن والمجتمع الحضري ومؤسساته والجامعات والمدارس ماهي الا مجالات لاتبيح انفراد الشيوخ في طرح الرأي الفصل بل تتيح فرصا للشباب والمراهقين أن يدلوا بدلوهم في حلبات الحياة المتعددة. قد لا يفوتنا أن توسيع فرص الحوار أمام المحرومين من النساء والشباب سيضيف طاقات عقلية وذهنية ظلت مجمدة زمنا طويلا مما يتيح لها مجالا أن تغني عملية التبادل الاجتماعي والفكري والنفسي بدلا من تجميد طاقاتها العقلية وضياعها دون طائل. ماذا كان يحدث للشباب الموهوبين الذين رفدوا العلوم والفنون والآداب وميادين الاختراع والاكتشاف لو أن مجتمعاتهم سدت في وجوههم غرض الحوار والنقاش.