ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

اينومو آليش

حينما في السماء أم حينما في الماضي؟

سعدون محسن ضمد

لتمهيد
من المفارقات الغريبة أن المجتمعات التي تمر بأزمات مخيفة تسير على طريق الإبداع الفكري؛ ذلك أن الكوارث والأزمات تقف بالإنسان دائماً عند علامات الاستفهام الكبيرة، فيسأل: كيف تحدث الأشياء وما السبب الذي يقف وراء حدوثها ولماذا تحدث؟
هذا يعني أن هناك علاقة تربط بين علامات الاستفهام وبين الأزمات، ويبدو دائماً أن العلاقة بين الطرفين طردية. كما يبدو أيضاً أن علامات الاستفهام التي تأتي بعد الأزمة تعد دائماً بالتغيير. خاصّة وأن استحكام المشكلة يدفع بالإنسان للبحث عن حلها.

 

تحدث كلكامش عن الصدمة الكبيرة التي أصيب بها لحظة موت أنكيدو. الأمر الذي دفعه ليتسائل: "إذا مت فهل سوف لا أصبح مثل (أنكيدو)؟ لقد داهمتني المصيبة ودخلت أحشائي، إن الخوف من الموت جعلني أهيم في السهول"(1). صدمة موت أنكيدو أذن جعلت كلكامش يتسائل عن معنى الموت، وكيف يحدث، والسبب الذي يقف وراءه. لذلك قرر أن يهيم على وجهه بحثاً عن معركة يقهر بها الموت. ولهذا أسّس لإبداع أول ملحمة تتحدث عن تحدي الإنسان للموت. كان العراق وما يزال في حالة أزمة مستمرة. لكن الأزمة التي حدثت بعد 2003 كانت الأشد في تأريخه كله. وكان الوجه الأكثر بشاعة من وجوه هذه الأزمة، هو الاستهانة بالإنسان. فالقليل من العراقيين لم يشاهدوا سيارات الـ(بيكب) المحملة بجثث المغدورين، وهي تجوب شوارع بغداد صباح كل يوم بحثاً عن مزيد من الجثث (مجهولة الهوية) وكأنها تسعى لقطاف ثمار الليل العراقي الدامي.

الاستهانة بحياة الإنسان، أوقفت المجتمع العراقي أمام علامات الاستفهام الكبيرة، فأخذ يتسائل عن جدوى الحياة بلا إنسان. وراح يستشكف الطريق الشائك الذي يفصل بين القيم التي يُنْحر على مذبحها الإنسان، وبين نفس هذا الإنسان. ما هي القيم، وما هو الإنسان، وما طبيعة العلاقة بين الطرفين. هل الإنسان مَرْكَب أم غاية؟ هل الدين فكرة إنسانية تبحث عن الله، أم أنه لعنة إلهية تسعى للقضاء على الإنسان؟

لقد ارتبط الموت (المجاني) في العراق بالدين، وكانت المجاميع المسلحة التي تعمل ذبحاً بالرقاب ترفع سلاحها بيد و(قرآنها) باليد الأخرى، ومهما كان انتماء الجماعات المسلحة لجهات خارجية واضحاً، وخضوعها بالتالي لآيديولوجيات مختلفة، فلا أحد يستطيع أن ينفي الشرعنة التي منحها الدين لعمليات القتل المجاني.

لقد استفزت هذ الازدواجية المضحكة وعي العراقيين. جعلته وجهاً لوجه أمام موروثه الديني. وكان عليه والحال هذه أن يحسم موضوعاً بغاية الخطورة. ذلك هو موضوع الدين والإنسان. ما هو الثابت وما هو المتحرك بين هذين الطرفين؟ وهل يمكن أن يتحول الإنسان لمجرد أضحية تساق وتذبح لإرواء عطش إله لا يمل من شرب الدماء؟ هل يمكن للإله أن يكون فوضوي إلى هذه الدرجة؟ هل يمكن للدين أن يتحول لشريعة قتل وقتل مضاد؟ هذه الأسئلة وغيرها الكثير وضع العقل العراقي (المأزوم) أمام تحديه الكبير، أمام ضرورة تحديد العلاقة بين الدين والإنسان وتسمية المسافة التي يجب أن تكون بينهما.

لقد كانت محاولات الحل الأولي (العراقية) التي جاءت في هذا السياق محاولات توفيقية (تقليدية). أي أنها سعت نـحو الفصل ما بين الدين باعتباره شريعة إلهية. وبين الفهم السيء لهذه الشريعة. لكن هذا التوفيق سرعان ما فشل بسبب استمرار حفلات الموت من جهة، وعجز التأويل عن أخفاء وضوح الكثير من النصوص التي تأمر بالقتل (دفاعاً عن العقيدة) من جهة أخرى. فما دام الدين يأمر أتباعه بالدفاع عنه ضد محاولات التشويه، وما دامت أوامر الدين بهذا السياق هي عبارة عن نصوص قرآنية واضحة الدلالة، فلا مجال للتأويل: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)(2) (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاتَكُونَ فِتْنَةٌ)(3) (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ)(4)، (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ)(5)، (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ)(6)، (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً)(7).

ما دامت مثل هذه النصوص عصية على التأويل، وهي صريحة بالدعوة لشرعية نوع من أنواع القتل، إذن فهي تمارس سلطة شديدة على الإنسان، ومن حقنا ـ والحال هذه ـ أن نبحث بمدى شرعية هذه السلطة وحدودها، والمدى الذي يجب أن تتوقف عنده.
لكن من أين يمكن لنا أن نبدأ؟ خاصَّة وأن المفاهيم التي نجد أننا بإزائها ونـحن نعالج هذه الإشكالية هي بذاتها مفاهيم تثير وتختزن وتقوم على الكثير من الإشكاليات المعرفية. وهذه المفاهيم هي: (الله، الدين، الإنسان). ومع مثل هذه المفاهيم لا يمكن أن تكون المعالجات بمتناول اليد.
على كل حال سنبدأ من المفهوم الأول (الله). فماذا (يجب) أن تعني هذه الكلمة؟ وإلى ماذا (يجب) أن يشير هذا المفهوم؟ ولماذا هو كمفهوم مطاط(8) لدرجة يمكن استخدامه فيها لتحقيق حتى الغايات المتناقضة مع بعضها؟ إذن سنحاول، ومن خلال المرور على الحدود التي انطلق منها المفهوم والبيئة التي تأسس داخلها، أن نجد فيه ما يدلنا على حل لمشكلة العقيدة والإنسان.

الله
أولاً: رحلة المفهوم عبر التاريخ
مفهوم (الرب أو الإله) قديم قدم الإنسان. وتؤكد الآثار التي وجدت مع أقدم البقايا الإنسانية أن البشر عرف الدين منذ تلك العصور المتقدمة. ومن المؤكد أن الدين قد تأسس على مفهوم الرب أو الإله، لكن ما مدى الشحنة الدلالية التي كان ينطوي عليها مفهوم الإله أول ظهوره، وهل يتشابه استخدام الإنسان الأول له مع استخدامنا الحالي؟

مثل هذه الإشكالية تواجهنا دائماً ونـحن نتعامل مع المفاهيم (القديمة)، بل كلما كان المفهوم أقدم كلما تأكدت هذه الإشكالية أكثر. ولا مناص من الاعتراف بأننا نُـحَمِّل المفاهيم (القديمة)، خلال تعاملنا معها الآن، دلالات لا يمكن أن يكون الإنسان الأول قد أدركها، أو أسَّس المفهوم من أجل أن يشير إليها. والسبب في ذلك، هو البون الشاسع ما بين المنظومة الإدراكية التي أسَّست المفهوم، أي منظومة الوعي الخاصة بإنسان ما قبل التاريخ، وبين المنظومة التي تستعمله الآن. أي منظومتنا نـحن البشر الذين نعيش الألفية الثالثة بعد الميلاد. فعندما نستعمل مفهوم الإلوهية الآن، فإننا نقصد به القوة المطلقة التي تتجاوز جميع الحدود الزمانية والمكانية بل وحتى الإدراكية. ومثل هذا التوصيف والتحديد لمفهوم الله لا يمكن أن يكون إنسان ما قبل التاريخ قد لاحظه وهو يستعمل المفهوم أو يؤسس له. فذلك الإنسان لا يملك قدرتنا على التجريد. وعندما بدأ الإنسان أولى خطواته على صعيد التأسيس الحضاري/ المعرفي كان يعاني من بساطة منظومته الإدراكية، هذه البساطة جعلته يعتمد على خياله في أكثر العمليات المتعلقة بالبناء المفاهيمي. وإذا أردنا ان نقف عند اللحظة (الإنسانية) التي انطلقت منها الأسئلة المتعلقة بالآلهة، فيجب علينا أن لا نعتقد أن هذا الأسئلة جاءت من فيض تأملات إنسان يعيش ترفاً فكرياً أو حضارياً... أبداً. لأنها انطلقت وانبثقت في أكثر عصور التاريخ ظلمة وجهلاً بالنسبة للبشر، إذ كان الكائن البشري بالكاد يمتلك وعياً يميزه عن بقية الكائنات الأخرى. بمعنى أن ذلك الإنسان لم يكن ليعي الأشياء كما نعيها نـحن، بل لم يكن يميز بين الكائن الحي وغير الحي. فمهوم الحياة لم يكن قد تبلور بعد. وهذا ما جعله يعامل الجمادات معاملة الموجودات الحية، فهو يعبد الجبال لا باعتبار أنها موجودات جامدة. بل باعتبارها كائنات تختزن روحاً قوية وهي حية بالنسبة إليه بالمقدار الكاف الذي يجعله ينتظر منها الدعم والحماية، وهي المسوغات التي دفعته لعبادتها.
إذا أردنا أن نتصور القيمة الدلالية التي كان ينطوي عليها مفهوم الآلهة عند الإنسان القديم فعلينا أولاً أن نـحاول الاقتراب من مستوى فهمه وإدراكه. ونـحاول بمرحلة لاحقة أن نأخذ فكرة جيدة عن طبيعة فهمه للحياة والوجود المحيط به. علينا أن نـحاول العودة بالزمن لـ(400000)(9) ألف سنة ونتسائل مثلاً: كيف يفسر إنسان عاش بذلك الزمن، سبب تعرضه لجرح وهو يدوس بقدمه عضم حيوان ملقى على الأرض؟ من المؤكد بأن ذلك الإنسان لن يعتقد بأن الموضوع محض مصادفة ولأسباب كثيرة منها:

أولاً؛ لأن المصادفة، كمفهوم، يمكن أن تكون معقدة بالنسبة لذلك الكائن البدائي، وثانياً لأن الكثير من المجتمعات المعاصرة تفسر مثل هذا الحادث تفسيرات لا علاقة لها بالمصادفة. فقد تعتبر أنه جاء بسبب سوء الحظ، أو تعتبر أنه جاء نتيجة الحسد، أو بسبب سحر ساحر، أو حتى تفكر أنه نذير شؤم، أو عقوبة بسبب ذنب ما، أو رسالة جاءت لتنذر المجروح بأنه قصَّر بواجباته الدينية، كأن يكون قد تأخر بالإيفاء بنذر في ذمته... وهكذا.

وثالثاً لأن التفسير بالمصادفة يجب أن يقوم على تصور واضح لمفهوم قطعة العضم، باعتبار أنها جزء من حيوان ميت. وأن الموت يسلب الكائن القدرة على التأثير وبالتالي فإن القطعة المتبقية من حيوان ميت لن تكون قادرة على أي ضرر. وهذه السلسلة من الأفكار المنتضمة والمترتبة على بعضها بصورة منطقية بعيدة عن كفاءة منظومة وعي الإنسان القديم.
إذن فمفهوم الآلهة تشكل لدى الإنسان بوقت لم يكن يستطيع فيه التمييز بوضوح بين الجمادات والحيوانات(10)، وهذا ما يفسر عبادة الجمادات والحيوانات بأوقات متقدمة من مراحل تطور ثقافة الجنس البشري.
إن تكُّون مفهوم الإلوهية أو الربوبية ارتبط بتطور التجربة البشرية، فكلما كان زمن تبلور المفهوم أقدم كان أضعف وأكثر بدائية، باعتبار أن تجربة الإنسان وخبرته تقل كلما عدنا بالزمن إلى الوراء. وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول بأن مفهوم الإلوهية تكوَّن لدى الإنسان بوقت كان يفتقر للتجربة الكافية التي تمكنه من تجريد المفهوم والإرتقاء به. وهذا ما يفسر لنا انطلاق الإنسان في عملية تكوين الصورة الذهنية المتعلقة بالإلهة من الرؤية التي كونها عن حياته الاجتماعية. إلى درجة جاءت معها صورة المطلق لتعبر عن نسخة مكبرة (قليلاً) عن صورة الإنسان. لقد اشتقت ثقافات الجماعات البشرية الأولى مفهوم الله من المفهوم المكون عن قائد تلك الجماعات أو رئيسها(11). فهذا الرئيس وسواء كان يتمتع بالحكمة أم بالشجاعة سيترك لدى أفراد مجموعته انطباعاً مؤثراً بعد موته. الأمر الذي سيدفع بهم للحنين إليه في اللحظات الصعبة إذ يفتقدون رعايته. مثل تلك التجارب الإدراكية يمكن لها أن تمثل أولى خبرات الإنسان على صعيد التجريد. فتجارب موت الرئيس أدت إلى أن تضطر الجماعة، التي هي بحاجة ماسَّة لرعايته، إلى أن تتخيل أن لرئيسها وجوداً ممتداً (باقياً) ومنفكّاً عن وجوده المرتبط بالجسد (الميت). وأن وجوده سيوفر لها الحماية اللازمة. والدليل على ذلك أن الإنسان المعاصر وعندما يواجه مأساة موت قريب له فإنه يواجه حالة من حالات عدم التوافق مع فكرة أن الميت قد ذهب إلى غير رجعة، ولهذا فهو يمر بعدة أحلام ورؤى تشبع لديه الحاجة لنفي فكرة العدم المؤلمة، هذه حال الإنسان المعاصر، مع أنه يتربع على قمة تجربة متكررة مع الموت مضى عليها آلاف السنين، فكيف هو الحال مع الإنسان القديم. وهذا التخيل كان هو الباب الذي قاد الذهن البشري لخبرة التجريد الواعي.

من تكرار التجارب التجريدية انطلقت خطوات تقديس الأجداد ومن ثم تأسست ثقافة عبادتهم. فلا بد أن يوجد خلال تاريخ المجموعة البشرية الواحدة، جد مميز بشكل لافت الأمر الذي يستدعي أن ترتبط المجموعة به عاطفياً لزمن طويل، ما يؤدي بها لمعاملته بشكل خاص، ومن ثم عبادته، ولا تُنْسَخ عبادته إلا بسبب مستجدات مهمة، كأن يقود المجموعة قائد يسطّر مآثر تنسخ مآثر الجد (المعبود).
بهذا الشكل يصبح تعدد الإلهة (بالأحرى الأجداد المُقَدَسين) مفهوماً بشكل كبير. ويصبح من المعقول أن نعدّل من النتيجة التي أقررناها قبل قليل، والتي تقول: بأن الإنسان القديم شكّل صورة الآلهة على صورة الإنسان، فيبدو أن الحقيقة أن الإنسان لم يكن بمعرض تشكيل صورة لكائن مفارق، أي لم يكن بمعرض تشكيل صورة للآلهة. أبداً بل كان فقط يريد الاحتفاظ بالرعاية التي كانت يمنحه إياها قادته الأبطال وحكمائه المميزين. وأن علينا أن نفرق بين مفهوم (الإله) كما نستخدمه ونفهمه نـحن، وبين هذا المفهوم كما تدل عليه آثار ما قبل التاريخ، فليس بالضرورة يجب أن تدل التماثيل التي يعثر عليها في أماكن تواجد الإنسان القديم على تبلور مفهوم الآله كما هو عندنا الآن، ولا حتى قريب مما هو عندنا(12).

من هنا نستطيع أن نفهم بأن القرابين التي كانت تقدم للإلهة هي بمثابة الرشوة التي كانت فعالة في إرضاء جشع رئيس القبيلة أو إسكات غضبه المخيف. وأنها استخدمت لإرضاء مثال ذلك الرئيس أو صورته المفارقة. إذ لا موجب لأن يتم تجريد هذه الصورة عن جميع لواحقها (الثقافية).
أيضاً نستطيع أن نفسر سبب تعدد الآلهة عند الحضارات القديمة وانعدام هذا التعدد في المتأخرة منها. ذلك أن التعدد جاء ليحكي تعدد رؤساء المجموعات البشرية التي كانت تنتقل على شكل قطعان صغيرة. وهي تحمل في وعيها الجمعي صورة البطل الحامي والمدافع أو الحكيم. ولم يكن من المعقول أن تنبثق فكرة التوحيد، فالارتباط لم يكن بين الإنسان وبين الرب بالمعنى الذي نعرفه الآن. بل بينه وبين القائد المفقود. ومن الطبيعي أن تحتفظ كل قبيلة بذكرى قادة عديدون، فقائد حكيم وقائد شجاع وآخر كريم وهكذا. اللافت بموضوع تطور الصورة الذهنية لمفهوم الآلهة عن مفهوم الأجداد أو القادة، أن النصوص الأثرية التي يمكن ان تدلل على ذلك تكشف أيضاً عن أن الإلهة التي تتخذ منها موضوعاً لحديثها لا تشبه البشر من ناحية الصفات فقط بل أيضاً تشبههم بنمطهم السلوكي الاجتماعي. فمجتمع الآلهة، وكما تكشف عن ذلك الأساطير، لا يختلف كثيراً عن مجتمع البشر، فكلاهما يقعان أسيرين لنفس الضوابط الأخلاقية والأنساق السلوكية. فهذه أساطير الخلق البابلية تتحدث لنا عن صراعات سماوية لا تختلف كثيرا عن الصراعات التي تجري على الأرض، وهذا الأنموذج الذي أورده تركي علي الربيعو في كتابه (العنف والمقدس والجنس)(12) يصلح للحدود التي نريد أن نقتصر عليها في تفكيك مفهوم الآلهة:

"حينما في العلى لم يكن هناك إلا آبسو الأب الكلي و"تيامة" الأم، جاء إلى الوجود الكثير من الأولاد لخمو ولخامو، ثم انشار وكيشار ثم آنو الذي أنجب إله الحكم أيا، وبمرور السنين يكثر الأبناء ويكثر معهم ضجيجهم الذي يزعج الأب "آبسو" فيقرر بالتعاون مع وزيره ومطيب كبده "ممو" التخلص منهم(14). لكن الأبناء يتمكنون بقيادة أيا وبفضل تدبيره وسحره من قتل الأب آبسو والحلول محله. تستشيط الأم تيامة غضباً على مقتل زوجها، وتنصب الشيطان كنكو خلفاً له وتسلمه قيادة الجيش المؤلف من أفاع وكلاب مسعورة ووحوش... الخ يرتعد الأبناء فرقاً، ويتشاورون فيما هم فاعلون، ثم يقع خيارهم على "مردوخ" والذي سوف يتصدى لتيامة وجيشها، يقبل بالمهمة لكن يشترط أن تكون له السيادة على الجميع، يُتَوّجه الجميع وعندها يبدأ بالاستعداد لقتال "تيامة"، يتسلح بالقوس والسهم والشباك، وينزل إلى المعركة حيث يتمكن من قتل تيامة وشقها نصفين وأسر كنكو ورفاقه وتكبيلهم ووضعهم في السجن"(15).

هذه الأسطورة البابلية تكشف إلى أي درجة كانت الحضارات الإنسانية في بدايتها تستعير خصائص حياة الإنسان لتستخدمها في تصوير الكيفية التي يجب أن تكون عليها الحياة في السماء وبين الآلهة. فمن الواضح أن حياة الإلهة كانت نسخة عن حياة البشر التي تمتلء بالمؤامرات والدسائس وأشكال الصراع على السلطة. فهذه الأسطورة تتكون من أركان أساسية هي:

1. ركن تقاطع المصالح بين السلطة الأصلية القديمة (سلطة الأب) وبين السلطة الجديدة الناشئة (سلطة الأبناء).

2. ركن الثورة أو الانقلاب الذي يسببه تقاطع المصالح بين القوى داخل الجماعة، ويساعد عليه قوة السلطة الناشئة وضعف القديمة.

3. الركن المتعلق بنتيجة الصراع، أي انتصار أحد المتنازعين والذي يترجم إلى ضريبة جديدة تُفْرض على الضعفاء المهزومين، وتُنْتِج بالنهاية سلطة لا تقل بشاعة عن سابقتها، وكما سيتضح في العناوين التالية.
هذه الأركان التي تتضمنها الأسطورة تختصر الضوابط الاجتماعية التي يتم خلالها انتقال السلطة داخل المجتمعات البشرية. فجميع أنواع انتقال السلطة وعلى مر التاريخ (القديم) تتم وفق سياق يقترب أو يبتعد قليلاً. وابتداء بانتقالها من الأب إلى الأبناء، في أشكال التجمع البشري الأولى. وانتهاء بانتقالها بين مراكز القوى داخل المجتمعات الكبيرة لا تخرج عن الصراع المحكوم بهذه الأركان. وهذا الأمر يكشف عن أن الأساطير التي نعتقد بأنها تتحدث عن الآلهة إنما كانت تتحدث فقط عن الإنسان.. لكن كيف؟

ثانياً: تقويل النصوص القديمة
قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من إعادة صياغة لسؤالنا الذي بدأنا به في فقرتنا هذه، ليصبح السؤال: إلى أي مدى يجب أن تشير رموز التقديس المستخدمة في الأساطير القديمة لمفهوم الإلوهية الذي نستخدمه الآن؟
بعبارة أخرى نقول: إذا كانت الأسطورة تتحدث عن أجداد مقدسين، فمن أين جاءت الحمولة الدلالية التي عَبَرت بها من كونها سفر يحكي تاريخ الجماعة إلى كونها ألواح مقدسة تتحدث عن الوجود والخلق والآلهة؟
أعتقد بأن الجواب بسيط جداً، وهو يتعلق بمترجمي النصوص القديمة الذين لم يتنبهوا للفارق الثقافي بالنسبة لدلالات المفاهيم بين اللغة المنقول عنها واللغة المنقول إليها، فاستخدموا المفاهيم الحديثة بعملية ترجمة النصوص القديمة. بمعنى أنهم قرأوا النصوص القديمة بلغة حديثة... لكن كيف؟
لنقرأ ترجمة (فحوى) النص البابلي من جديد، ونمعن النظر بالعبارات التالية: (العلى، الكلي، الشيطان) سنجد بأن هذه العبارت الثلاث هي المعابر بين أرضية أو سماوية النص، فكل العبارات الأخرى الواردة في الترجمة لا تستطيع أن تحول الأسطورة من كونها تاريخ إلى كونها ألواح مقدسة. إذن فهذه العبارات الثلاث هي المعبِّرة عن سماوية النص. لكن ومع شيء من التدقيق سنجد بأن الحمولة الدلالية المشحونة بهذه العبارات لا تكفي للتعبير عن البعد الغيبي. فمفردة (العلى) ـ والواردة في الأسطورة بسياق يفيد التعبير عن السماء ـ يمكن أن تشير إلى البعيد. أو القديم، أو الغابر. وعندها سيتجرد النص من دلالته الغيبية. بعبارة أخرى يمكن لنا أن نسأل: هل أن الرمز المحفور على اللوح البابلي لا يمكن أن يفسر إلا بكلمة (العلى) تلك التي تحيل إلى المقدس والغائب؟ طبعاً لا. لا يمكن لأحد أن يدعي ذلك. فحتى الترجمات الحديثة والتي تقوم بنقل المعاني بين لغات تعيش خطاً زمانياً واحداً ـ أي بين ثقافات متقاربة ـ تعاني من مشكلة إيجاد ألفاظ في اللغة المترجم إليها تعطي نفس الشحنة الدلالية التي يتضمنها اللفظ الموجود باللغة الأصلية.
إذن فعبارة (العلى) يمكن أن تعطي دلالات أخرى غير دلالتها على السماء أو المقدس.
نفس الأمر ينسحب على مفردة (الكلي) فربما كان المعنى الأصلي لا يشير إلى الكلية، ببعدها الشامل والمقدس، بل يشير فقط إلى الأصل. بمعنى أن الكاتب لا يريد أن يقول الأب الكلي، بل الأصلي، أي أنه يريد أن يعبر عن الجد وليس عن الرب. وهكذا يمكن للأسطورة أن تقول: (حينما في الماضي لم يكن هناك إلا آبسو الجد... الخ). أما مفهوم الشيطان فيبدو أنه هو الآخر دخيل، إذ قد يكون المقصود بالعبارة هو الشرير وليس الشيطان، فينقلب المعنى إلى: (وتنصب الشرير كنكو) وليس الشيطان كنكو.
الآن لو قمنا باستبدال المفردات الثلاث (العلى، الكلي، الشيطان) بمفردات أخرى من قبيل (الماضي، الجد، الشرير) فإن الأسطورة تنقلب من كونها نص مقدس يتحدث عن الآلهة إلى كونها نص تاريخي يتحدث عن الماضي، فقط(16).
المفيد من هذا التحليل المبسط هو أنه يعيدنا للمربع الأول في تساؤلاتنا، أي أننا نضطر لأن نسأل من جديد: متى تشكل مفهوم الرب وكيف تشكل وما السبب الكامن وراء تشكله؟
التغيير الذي اقترحته بالترجمة لا يشير إلى أن مفهوم الرب قديم أو حديث. بل يشير إلى تدرج هذا المفهوم. لدرجة تدفعني إلى القول بأنه لا يزال يتطور إلى يومنا هذا. والمشكلة أننا لا ننفك نقوم بخطوتين:
الأولى: تتمثل باستخدامنا الحمولة الدلالية التي وصل إليها هذا المفهوم الآن واكتسبها على امتداد تاريخه الطويل، لنفسر بها الكلمات التي وردت بنصوص قديمة جداً. وهذا يعني أننا نُقُوِّل نصوص الحضارات السالفة ما لم تقله.
الثانية: تتمثل بأننا نصر دائماً على أن قراءتنا الحالية للمفهوم أو صياغتنا الأخيرة له، هي الصياغة النهائية، هكذا فهم السومريون وهم يتعاملون مع مفهوم الرب الذي أسسوا له، وهكذا فعل البابليون، ومن بعدهم اليهود والمسيحيون والمسلمون، بل هكذا فعل المتكلمون ثم الفلاسفة.. الخ.
لكن بماذا تفيدنا هذه النتائج؟ وهل أن اكتشافنا (مثلاً) بأن ترجمة النصوص القديمة تحملها من الدلالات ما لا تتحمله، يخرجنا من الإشكاليات التي انطلقنا منها في هذه المادة؟
أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال يتضمنها تحليل المفهوم الثاني من بين المفاهيم الثلاثة (الله الدين الإنسان) أي تحليل مفهوم (الدين).

الدين
إذن فالأسطورة التي تحدثت عن حياة الآلهة ونشأة الكون كانت تعبيراً مباشراً عن التأريخ البشري ونشأة الحياة السياسية والاجتماعية فيه. وعندما نستمر مع الأسطورة البابلية ونصل إلى الألواح التي تتحدث عن الكيفية التي خُلق من خلالها البشر نجد بأن المفاجأة كبيرة ومدهشة. إذ تقول الأسطورة بأن "مردوخ" وبعد أن انتصر على جيش أمه "تيامة" طالب جيشها المهزوم بأن يسلمه مسبب النزاع ليعاقبه قائلاً: "
والآن ينبغي لكم أن تقولوا الحق وتقسموا باسمي،
من الذي خلق النزاع
وحرض تيامة وهيأها للحرب.
فليُسَلَّم من سبَّب النزاع
ولأحمّلنه جريرة ما ارتكب، فتعيشوا بسلام،
فأجابه الإيجيجي الآلهة العظام
" يا مالك السماء والأرض" يا مشير الآلهة ويا سيدهم
إنه كنكو الذي خلق النزاع
وحرض تيامة على الثورة، وهيأها للحرب
فكبلوه [أي كنكو] وأودعوه السجن أمام "أيا"
وعاقبوه، بقطع عروق دمه
ومن دمه خلقوا البشر
وفرض "أيا" عليهم عبادة الآلهة وصفح عن الآلهة الأخرى"(17).

إذن البشر خلقوا من دم الإله الذي سبب النزاع بين بقية الآلهة. ولكن أي إله وأي نزاع هذا، لقد تجاهلت الأسطورة مسبب النزاع الحقيقي، وهم الأبناء، أي أؤلئك الذين قتلوا أباهم "آبسو" لأنهم منتصرين، والسبب في ذلك أن الحكايات الشعبية تصاغ تحت سمع وبصر المنتصر. هكذا اكتفت الأسطورة بمعاقبة مسبب النزاع الثاني فقط لأنه مهزوم. في النهاية نجد الأسطورة تحكم على المهزومين بأن يكونو عبيداً للمنتصر.
المفاجأة بهذه الأسطورة أنها سعت لتفسير عبودية المجتمع المهزوم، فقد فسرت هذه العبودية على أنها تكفير عن خطيئة الرب (او الجد الشرير) (مسبب النزاع) والذي خُلق العبيد (أو المجتمع المهزوم) من دمه المسفوح بسبب العقوبة. وهذا النص يشير إلى البدايات الأولى للأديان. إذ الدين لا يعدوا أن يكون عبارة عن منظومة تتكون من:

أولاً: مسلمات معرفية تفسر المسائل الأكثر حاجة للتفسير في المجتمع.
وثانياً: ضوابط أخلاقية تضبط سلوك الأفراد داخل الجماعة، بما ينسجم وحاجة الرؤساء أو (الأرباب).
وبما أننا قلنا بأن مفهوم الرب لم يكن ليتجاوز في التعبير منطقة السيد أو الملك، فإن الدين يأتي ليضبط علاقة المجتمع بالسيد. فهناك استحقاقات لهذا السيد، وهذه الاستحقاقات بحاجة لتبرير أو شرعية. والحاجة إلى الشرعية لا تبعث إليها مصلحة الرئيس فقط، بل ومصلحة المرؤسين أيضاً. ذلك أن الطبقية مفروضة ـ بالقوة ـ على الطبقات الضعيفة بالمجتمع، وحتى تستطيع هذه الطبقات أن تتمتع بشيء بسيط من الإطمئنان فهي بحاجة لنوع من أنواع الرضى بهذا الفارق بالمستوى بينها وبين الطبقات الحاكمة، والرضى يمكن أن يوفره التبرير الذي يضفي القدسية على الطبقية، وينقلها من كونها أزمة تتسبب بالاضطهاد إلى كونها واجباً ينتج الثواب.

على هذا الأساس يمكن لنا أن نقول بأن الدين في أصله (الأول) عبارة عن مقننات سلوكية تحاول أن تضبط العلاقة بين الإنسان وسيده أو رئيسه. بمعنى أن هناك دائماً طرفين اثنين في معادلة السلطة داخل المجتمع، أو في معادلة توزيع القوى، والدين لا يعدوا أن يكون هو المعادلة التي تضبط العلاقة بين هذين الطرفين. وهكذا فكلما كان الفارق بين هذين الطرفين كبيراً جاء الدين ليعبر عن هذا الفارق ويكرسه. ولهذا السبب نجد بأن الأديان تكون أعمق قدسية وأكثر إلحاحاً بالعبودية ومليئة بالتكاليف العملية، كلما كان الفارق بين الرب والمربوب أو السيد والعبد أكبر. فالدين بدأ بسيطاً وغير مكلف لأنه كان مكرساً ـ وكما قلت ـ لضبط العلاقة بين الرئيس والمرؤس(18). لكن عندما أخذ مفهوم الرئيس يتطور أو يتحول لأعماق أكثر قدسية، أخذت الأديان من جهتها تتحول لمستويات أكثر من الغيبية والقدسية ومن ثم تضمنت عبادات أو استحقاقات أكثر (للرب).
وبهذا المنطق نستطيع أن نفسر اختلاف وجهات النظر بين المذاهب الإسلامية فيما يتعلق بمقدار حق الطاعة المترتب بذمة الإنسان لصالح الرب. فبين تبسيط هذا الحق وإقصاره على بعض العبادات البسيطة، وبين تعقيده وجعله شاملاً لجميع تفاصيل الحياة تتأرجح المذاهب. ويختلف الدين. ويمكن لنا أن نورد مثالاً أكثر وضوحاً، وهو المثال المتعلق بالفقه الجعفري الذي انقسم (أصولياً) بين مدرستين، مدرسة أصالة البراءة ومدرسة أصالة الاحتياط. الأولى تعتبر أن الأصل في الأشياء أنها مباحة، أي أنها حلال، ولا موجب لأن يسأل الإنسان عن حرمة التعامل أو التصرف قبل أن يأتيه دليل يشككه على الأقل بالجواز. أما الثانية فإنها تتأسس على مقولة أن الأصل في الإنسان أنه عبد لله، وعلى العبد أن يتحرى عن رضى سيده، وهذا ما يوجب عليه أن يسأل عن جواز وعدم جواز أي معاملة أو سلوك. حتى يضمن رضى سيده.
هذا المثال يحقق لنا قضيتين مهمتين:

القضية الأولى: تتعلق بكون الدين عبارة عن علاقة تضبط علاقة الإنسان بالرب، وكلما اختلف الفهم المتعلق بمفهومي (الإنسان/ الرب) اختلف بالتالي الدين. في المدرسة الأولى لم يأخذ الأصوليون، بنظر الاعتبار، كون الإنسان عبداً خلال تفسيرهم للدين، ما أنتج أنهم اعتبروه مجموعة قواعد مشرعة لمنع الإنسان من اقتراف الخطأ. عليه فهذه الشريعة ملزمة بأن تبين له مواطن الخطأ، فإذا لم تفعل فهذا يعني بأن المواطن الأخرى مباحة. في المدرسة الثانية انطلق الأصولوين من مفهوم العبودية، وأعادوا من خلاله تفسير مفهومي (الإنسان/ الرب). ومن خلال هذا التفسير الجديد أعادوا صياغة العلاقة بين الرب والإنسان، أي أنهم أعادوا رسم مساحة الطاعة المترتبة للرب بحق الإنسان (العبد).

القضية الثانية: تتعلق بالترجمة، ففي مدرسة حق الطاعة أعيدت صياغة المفاهيم المتعلقة برؤيتنا للدين، ثم أسقطت هذه الصياغة على نفس الدين، أي أن هذه المدرسة اعتبرت بأن فهمها للعلاقة بين الرب والإنسان هو الفهم الحقيقي، وهذا هو التطبيق المباشر لعملية تقويل النصوص الأصلية ما لم تقله بالضرورة.
بالنتيجة فطبيعة الدين مرتبطة بطبيعة العلاقة بين الرب والمربوب. بالأحرى بطبيعة فهمنا لمفهومي (الإنسان/ الإله). لذلك، عندما تطورت الحضارة البشرية إلى درجة استطاعت معها أن تفصل بين مفهوم الإله، وبين الركام غير الضروري من التقديس المسخر لخدمة سدنة دور العبادة، فإننا وجدنا بأن الدين أخذ بالتراجع، كما في حركة التنوير التي حدثت في أوربا.
لحد الآن لم نستطع أن نبرر تطور الدين وتحوله من معادلة بين القائد وجماعته البشرية، إلى كونه معادلة بين الآلهة والبشر. وحتى نستطيع أن نفعل ذلك لا بد لنا من العودة إلى الإشكالية المتعلقة بتحميل ترجماتنا للنصوص القديمة ما لا تتحمله. فعملية التحميل في حقيقة الأمر لا يقوم بها المترجمون فقط، بل نقوم بها جميعاً حينما نتعامل مع الموروث الديني أو الثقافي بصورة عامة، إذ أننا ننطلق دائما من التطور الذي وصل إليه المفهوم في وقتنا الراهن لتفسير الكلمات التي نعتقد أنها تشير إليه والوارد بسياق نصوص قديمة جداً.
لنعد إلى أسطورة (اينوما اليش) أو حينما في العلى، لكن لنسخة الترجمة التي يتضمنها كتاب (الأساطير في بلاد ما بين النهرين) لصموئيل هنري هوك. ففي هذه الترجمة سنجد أن المفردات المستخدمة يمكن حصرها بنوعين اثنين:
النوع الأول: ويتضمن المفردات التي تُعبِّر عن الآلهة والخلق وأنواع الموجودات.
النوع الثاني: ويتضمن المفردات المتعلقة بالحرب والسلاح والتنازع على السلطة وسرد الحكايات التي تفسر الدسائس أو توزع الاتهامات المتعلقة بأسباب النزاع.
هذان النوعان من المفردات يوقعان أي متعامل مع الأسطورة بحيرة، قد يخلص منها أخيراً إلى نتيجة تفيد بأن هذه الأسطورة تُعبِّر عن ارتباك في فهم الإنسان القديم لعملية الخلق وأصل الوجود. ونـحن هنا لا نريد أن ننفي هذا الارتباك. بل نريد التأكيد على أن تنوع المفردات في الأسطورة تُعبِّر عن شيء آخر هو استخدام المفاهيم الواردة في الأسطورة بغير محلها، أو تحميلها غير دلالاتها. فمن الواضح أن الأساطير لا تكتب من قبل شخص واحد. بل تكتبها أمة بشرية وخلال تاريخ طويل. ثم تنتقل هذه الأسطورة إلى الأمم الأخرى كما تنتقل المنتوجات والأدوات وباقي عناصر الحضارة بين المجتمعات. ما يعني أن الأسطورة تتحرك على خطين، خط زماني يساوي تاريخها الطويل. وخط مكاني يُعبِّر عن تنقلها بين الحضارات. وخلال هذين الخطين تجري على هذه الأسطورة تغييرات كثيرة وعميقة. حتى أن أسطورة (اينوما اليش) التي هي اسطورة بابلية يعتقد الباحثون بأنها ذات أصل سومري. ويقرون بأن البابليين أضافوا على النسخة السومرية الكثير من المفردات التي تتعلق أو تتضمن وجهة نظرهم عن المواضيع التي عالجتها هذه الأسطورة. وهنا نستطيع أن نؤكد شيئاً غاية بالأهمية، وهو أن الخلل الذي تعاني منه الترجمات الحديثة في تفسيرها للنصوص القديمة هو خلل قديم قدم هذه النصوص. ووحده الخلل هذا يستطيع أن يفسر لنا الارتباك الذي تسببه المفردات المتناقضة في الأسطورة. بمعنى أن البابليين اضافوا لمفاهيم الأسطورة السومرية، الشحنات الدلالية التي تخص مفاهيمهم هم، وهذه العملية كان قد أجراها السومريون على أصل الأسطورة الذي انتقل إليهم على شكل حكايات قديمة أكثر بساطة، وهكذا.

إعادة ترتيب المعطيات
أولاً: قلنا أن الإنسان القديم لم يكن يمتلك المؤهلات الكافية التي تمكنه من تأسيس مفهوم يشير إلى الآلهة كما نفهمها الآن. لافتقاده القدرة على التجريد التي نتمتع بها الآن والتي مكنتنا من صياغة المفهوم بشكله الذي وصل إليه الآن. وهذه النتيجة اعتبرناها ـ بعد تعضيدها ببعض الأفكار الأخرى ـ مبرراً كافياً للقول بأن الإنسان القديم لم يكن بمعرض صياغة مفهوم للآلهة، بل للأجداد فقط، ومن معرفته لهؤلاء الأجداد وحاجته لبقائهم معه اضطر لابتكار التجريد الذي أوقفنا ـ كبشر ـ على سكة التقديس.

ثانياً: الحكايات التي تناقلتها التجمعات البشرية فيما بينها ـ والتي تضمنت سردها لبطولات أجدادها القدماء ـ أخذت تكبر شيئاً فشيئاً من خلال الإضافات التي تجري عليها خلال انتقالها عبر الزمان والمكان.

ثالثاً: الإضافات التي جرت وتجري على تلك الحكايات تجري وفق آلية (تحريفية) غير مباشرة، بمعنى أنها لا تجري عليها عملية ترجمة مباشرة، بل مجرد فهم، وهذا الفهم هو الذي يؤدي إلى التحريف، فنحن الآن عندما نتعامل مع أي رمز، فإننا نتعامل معه وفق خبرتنا الحياتية، لا وفق الخبرة الحياتية لمستخدمي النص الأوائل. فمثلاً لنفترض بأن شعباً ما، نقل عن أحد الشعوب القديمة حكاية تتضمن سرداً لبطولات الأجداد العظماء. ولنفرض بأن الشعب الناقل يستخدم مفردة العظيم للإشارة إلى الآلهة تحديداً، على خلاف المجموعة التي نسجت الحكاية، وأنه أيضاً يستخدم مفردة الأجداد ليشير بها إلى مفهوم الأسباب الأولى للخلق. فعندها من الواضح أن الشعب الناقل سيفهم، بأن هذه الحكاية تتحدث عن الآلهة، ولا يجد بداً من اعتبارها عامة ولا تخص مجموعة بعينها فيعترف بها ويعتبرها ـ بعد زمن كاف طبعاً ـ من نتاجاته هو. وهكذا تنتقل هذه الحكاية من كونها تاريخ جماعة بشرية إلى كونها حكاية مقدسة تسرد قصة الخلق وصراع الآلهة.
ولو أننا أعدنا قراءة أسطورة (اينوما اليش) وفق هذه النتيجة فسندرك سريعاً سبب تخبطها بين الهموم الإلهية والبشرية. وبأنها خاضعة لهذا التطور. بمعنى أنها في أصلها حكاية عن الأجداد، ولذلك فهي مباشرة من جهة سردها للتفاصيل الحياتية المتعلقة بالنزاعات حول السلطة التي تتضمن الخيانة والغش والخداع والغيرة والحسد. أي أنها مجرد حكاية عن تاريخ قوم، لكن بعد أن توارثتها الأجيال والحضارات وجرت عليها التحريفات غير المباشرة تحولت بالتدريج لأساطير تتحدث عن الخلق، لكنها لم تستطع أن تتخلص من جذورها البشرية بصورة تامة.
لكن ومع كل هذا الذي حللناه والنتائج التي خرجنا بها... ما هو الدين؟
أعتقد بأننا تأهلنا لتحليل الدين بمفهومه الحديث، أي كما نفهمه نـحن الآن، وبما يتضمنه من تراث يتعلق بالوحي والنبوة والشريعة.. فما هو الدين من جديد؟

الوحي:
الوحي ـ وبحسب المعاجم ـ هو الناموس، أي أنه القانون الإلهي الذي يفترض بأنه مُنزَّل من السماء لضبط الحياة الاجتماعية. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال أوقع المجتمعات بتناقضات ومشاكل لا تزال تعاني منها إلى الآن، هذا السؤال يقول: متى بدأ القانون يتحول من كونه صياغة بشرية ناتجة عن حاجة ملحة، إلى كونه وحي نازل من السماء؟
بالرجوع إلى التحليل الذي توصلنا من خلاله لضرورة التفريق بين مفهوم الإله كما نستخدمه نـحن بأدبياتنا، وبين المفهوم كما استخدمته الحضارات المتقدمة تاريخياً. نستطيع أن نفهم مكمن العقدة بالنسبة لانتقال القانون ـ عبر رحلة تاريخية طويلة ـ من كونه عرفاً يجري عبر توافق جماعي ويعبر عن تلبية حاجات ملحَّة، إلى كونه وحياً منزّلاً من السماء.
فمع تفكيك بسيط نستطيع أن نقول بأن مفهوم الوحي لا يعدو أن يكون تعبيراً عن قدسية النصوص، بمعنى أنه يميزها عن النصوص البشرية بعد أن يكسبها صفة التزيل من السماء، أي أنه صفة نفرق من خلالها بين النصّ البشري والنصّ الإلهي. وعليه فإذا كانت هناك عملية خلط بين النص الإلهي والبشري فإن الاستخدام غير الدقيق لمفهوم الوحي، سيكون هو المسؤول عنها حتماً. فهو المفهوم الوحيد المسؤول عن القفز بالقانون الاجتماعي من درجته البشرية إلى درجته الإلهية. ما يجعله بالضرورة فوق الإنسان وسابقاً عليه ومتحكماً بمصيره. بينما الحقيقة تقول أن القانون أو الناموس وفي حال أنه لم يرتبط بالوحي فإنه سيبقى في سياقه البشري، وفي هذه الحالة لا يمكن له أن يكتسب صفة تؤهله ليكون فوق الإنسان أو متحكماً به. أي أننا ـ وأمام عقدة العلاقة بين الإنسان والناموس ـ مطالبين بتوضيح هل أن (الوحي/ القانون) يتجاوز الإنسان، أم أن الإنسان هو الذي يتجاوز الوحي؟
بالعودة لأول ظهور مفهوم الوحي أي في الديانات (اليهودية والمسيحية) فإننا لا نجد بالضرورة تطابقاً بين استخدام مفهوم الوحي من قبل هذين الدينين وبين استخدامه من قبل الدين الإسلامي. لكن مع ذلك فإن هذه الكلمة استخدمت دائماً وبشكل مؤكد حيث يوجد ما يسمى بالناموس، أو القانون الذي ارتبط دائماً برسالات الرسل، فمن الواضح أن النبي لا يكون رسولاً إلا بعد أن يأتي بشريعة تضبط السلوك الإنساني في سياق قوانين تكون ناسخة للقوانين السابقة عليها. بل إن كلمة الناموس استخدمت أيضاً للدلالة على (جبريل) أي الملاك المسؤول عن عملية الوحي، فسمي ناموس الله. عليه فإن شخصية النبي تتضمن، بالضرورة، شخصية المشرِّع، لكن يبقى مصدر التشريع عنده مختلف عنه عند غيره، فبالنسبة للنبي يكون مصدر التشريع مفارقاً، أي إلهي، بخلاف الأمر عند غيره. لكن من الجدير بنا أن نسأل سؤالاً جوهرياً هو: متى بدأ الفصل يتضح بين الشريعة البشرية والشريعة السماوية؟ أو بعبارة أخرى متى بدأ الوحي بالصفة التي نعرفه عليها الآن يظهر في التاريخ؟
في مسلة حمورابي، نجد بأن هنالك إشارة واضحة تفيد بأن هذا الملك تسلم شريعته من قبل الآلهة، أي أنه كان نبياً بالمعنى المتعارف عليه عندنا الآن. لكن الآثار التي أكدت ذلك لم تؤكد من جهة أخرى أنه كان نبياً، أو أنها لم تربط بين تسلمه للشريعة من الآلهة وبين كونه إنساناً ذا صفات خاصة (نبوية). بمعنى أن النبوة مفهوم جاء لاحقاً على عملية تسلم (الناموس) من الآلهة.

العبقرية
من أهم الظواهر التي وقف إزاءها الإنسان القديم، حائراً هي ظاهرة العبقرية. فقد صُنعت الحضارة وسُنَّت قوانينها من قبل أناس مميزين، وقد أغدق هؤلاء المميزون على الإنسانية الكثير من العطاءات المهمة، ما دفع بالبشرية لأن تدين لهم بالجميل، ومن أهم فصول هذا الجميل هو تعريفهم التعريف اللائق بهم، فمن هم هؤلاء العباقرة، ولماذا يكونون عباقرة، وكيف يتمكنون من العبقرية.
المختصون بالتاريخ والحضارة يقولون بأن الإجابات على هذه الأسئلة اختلفت بين حضارة وأخرى، لكنهم متفقون من جهة أخرى على أن هذا الاختلاف كان يدور على محور واحد هو الخيال. ولكي يفهم المجتمع علة تميز شخص ما، عليه أن يضع إزاء التميز سبباً، قد يكون السبب هو لعنة، فيعتبر هذا الشخص ملعوناً، أو يعتبره سحراً، ويفهم بأن تميزه ناشئ من السحر، أو يتعامل معه على أنه هبة إلهية.. وهكذا. بهذا السياق تخبرنا الموروثات بأن الحضارات القديمة احترمت البطولة، وفسرتها تفسيرات خيالية، وكان الأبطال محل احترام الشعوب، وتبجيلها. وقد بالغت تلك الشعوب بتفسير سبب البطولة، حتى أنها اعتبرتها ـ في الكثير من الأحيان ـ دليلاً على ألوهية الإنسان، أو كونه نصف إله أو لا أقل اعتبرته محط عناية الآله. فهذا سرجون الأكدي يحيل سبب تمكنه من زمام الأمور وتحوله لملك كبير إلى إعجاب الآلهة عشتار به: "أنا سرجون الملك القوي... كانت أمي من عذارى الهيكل. لم أعرف أبي، بينما لبث أخو أبي في الجبل. وفي مدينة آزو بيراني، على ضفاف الفرات، حبلت أمي بي. ولدتني سراً، ووضعتني في سلة من الأسل وسدت فتحاتها بالجلبان وتركتني للتيار حيث لم أغرق. وحملني التيار حتى أكي، غراف الماء.. وانتشي آكي، غراف الماء، الطيب القلب، ورباني آكي [...] وكأنني أبنه [....] وصرت بستاني آكي، وحين كنت بستانياً مال قلب عشتار إليّ فأصبحت ملكاً وحكمت طوال خمسة وأربعين عاماً"(19). والعلاقة بين سرجون (الإنسان المختلف) وبين الآلهة لا تأتي من الإشارة لميلان قلب عشتار إليه فقط، بل من الرعاية الإلهية التي تلقفته منذ لحظات ولادته الأولى. وفي كتاب موسى والتوحيد الذي اقتبست منه هذا النص، يؤكد فرويد باستمرار، بل يكشف النقاب عن أن تكرر قصة الانتشال من الماء ـ باعتبارها نوع من أنواع الرعاية الإلهية ـ في قصص معظم الأبطال الأسطوريين، تأتي في سياق نوع من أنواع الفعل الحضاري العام واللاواعي، والذي يبدو أن الهدف منه هو تفسير علّة البطولة. ثم يخلص إلى بناء (أسطورة أنموذجية) تبرز للعيان السمات الأساسية المشتركة بين تلك القصص، وبالشكل التالي:

"إن البطل سليل أسرة رفيعة المقام إلى أبعد الحدود، وهو بوجه عام ابن ملك.
ميلاده مسبوق بمصاعب كأداء، وعلى سبيل المثال بفترة تعفف أو عقم مديد، أو أن الوالدين قد اضطرا، بحكم نواه وعوائق خارجية، إلى معاشرة سرية فيما بينهما. وأثناء الحمل أو حتى قبله تعلن نبوءة ما (حلم أو عراف) إن ميلاد الطفل سيكون سبباً في كارثة، والأب بوجه عام هو المهدد بها. وبناء عليه يصدر الأب (أو من ينوب منابه، كائناً من كان) أمره بقتل الطفل أو بتعريض الوليد لخطر مميت، وبوجه عام يوضع الرضيع في سلة صغيرة ويسلم أمره لتيار الماء.
ويجري بعد ذلك انقاذه من قبل حيوانات أو على أيدي أناس بسطاء (رعاة على سبيل المثال)، وترضعه أنثى حيوان أو امرأة وضيعة"(20). على هذه الشاكلة كانت الحضارات القديمة تفسر البطولة (أو التميُّز بصورة عامَّة).. لكن لماذا؟
يمكن اكتشاف السبب في ذلك من خلال تحليل فرويد للأنموذج الأسطوري(21)، خاصَّة بما يتعلق بتفسير عملية الولادة البشرية. حيث يفتح فرويد الباب على مصراعيه أمام التعامل الأكثر دقة مع أفكار الإنسان القديم ومخلفاته(22).
ومن هنا نستطيع أن نلاحظ بأن الأسطورة، وبقدر تعلقها بالبطل، تحرص على تفسير سبب تميّزه. فالطفل ـ وبحسب فرويد ـ ترميز للسائل الذكري، والسلة حكاية عن البويضة أما النهر فهو عنق الرحم أو السائل السابيائي. لكن هذه الرموز تتكلم فقط عن قصة الولادة البشرية بصورة عامة، أو تفسرها. فماذا عن بقية الرموز والتي تتعلق خاصة بولادة البطل وتميزه؟
في الحقيقة وكما يبدو من قراءة الأساطير التي تتحدث عن الأبطال فإننا سرعان ما نلاحظ بأن هذه الأساطير تذهب باتجاه الكشف عن آلية تفسيرية حضارية قديمة. هذه الآلية تُعْتمَد دائماً لتفسير الفعل الخارق وغير المألوف الذي يجعل إنساناً ما، بطلاً أسطورياً. لكن ولأن عملية الربط بين السبب والنتيجة لم تكن ناضجة في تلك العصور القديمة. فقد جاءت التفسيرات مُرْبَكة، وغير واضحة. لكننا عموماً نستطيع أن نـحيل هذا الإرباك لعملية تعاطينا مع هذه الأساطير، وخاصّة بما يتعلق بالإسقاط الذي نمارسه ونـحن نستخدم مفاهيمنا الحديثة بدل القديمة الموجودة بمتن الأسطورة... لكن كيف؟
يُلاحظ ـ بصورة عامة ـ بأن أساطير الأبطال تكشف عن أن الإنسان القديم تعامل مع جميع الأشياء والأحداث المخيفة وغير المفهومة وكأنها نازلة من السماء. أي أن الثقافات كانت تعتبر الفاعل الخارق قادم من السماء، أو هو ابن للآلهة، والأمثلة على ذلك كثيرة. ففي مصر كان الفراعنة أبناء للسماء. وعند الأغريق كان هرقل والكثير من الأبطال غيره كذلك. في حضارات وادي الرافدين نجد نفس الموضوعة تتكرر وبشكل لافت.

هنا لم يلتفت فرويد إلى أن المجتمعات القديمة كانت تريد أن تكشف عن عدم فهمها لسبب تميز عظمائها، والذي كشفت عنه من خلال ازدواجية الأم المقدسة التي تلد الطفل والأم البسيطة والهامشية التي تتولى رعايته. فها هنا مجتمع بسيط وهامشي، يدخل فجأة لمعترك الأحداث بسبب عبقرية أحد أفراده. فتنشأ في لاوعي أفراد المجتمع ازدواجية الرفيع والوضيع، والتي تتجلى في انتقال المجتمع من مستواه الوضيع للمستوى الرفيع (الجديد) وانتقال أم البطل من كونها بسيطة وهامشية إلى مرتبتها الاجتماعية العليا. نفس الأمر يسري على البطل نفسه، فهناك تعارض ما بين طفولته البسيطة ولعبه البريئ بين أقرانه، وبين تميزه عن هؤلاء الأقران، بل ورفعته بالنسبة للمجتمع ككل.
الوعي (الاجتماعي) للإنسان البسيط وهو يواجه مثل هذه الإشكاليات، سيكون حتما إزاء تحد كبير، ما يدفعه باتجاه التفسير. وخلال عملية التفسير يذهب باتجاه إضفاء هالة من القدسية على البطل تتناسب عكسياً مع مقدار جهلة بأسباب البطولة، من جهة، وطبيعة تفسيرة للأهمية والتميز من جهة أخرى. بمعنى أن إنسان ما قبل التاريخ والذي كان يتوجه عاطفياً باتجاه الأجداد، سيجد بأنه يفسر البطولة باعتبارها أرثاً تَرَكَه الجد في سلالته، أو أحفاده. وهذا ما يفسر لنا سبب ميل بعض المجتمعات (البدائية) لأكل إجزاء معينة من أجساد موتاها. أما المجتمعات التي تمتعت بقدرة أكبر على التجريد، أي تلك التي تطور مفهوم المقدس لديها وانتقل من الجد إلى الرب أو السيد (المعنوي) المجرد، فإنها ستعتبر بأن البطولة عبارة عن قدرة موروثة من الأجداد العظماء. لهذا السبب كان معظم الملوك القدماء إما أبناء آلهة أو أنصاف آلهة، أو آلهة. وقد أخطأنا عندما اعتبرنا بأن هذا السلوك ينم عن الشرك بالله، فيبدو أن مفهوم الآلهة لدى تلك الحضارات القديمة كان أكثر بساطة من مفهومنا عنها الآن، فالآله عندها يشبه الخارق عندنا، أو ما فوق الطبيعي. لهذا السبب يطلق الإنسان القديم تعبير نصف إله، على من نطلق عليه الآن كلمة عبقري. فنـحن نصف بكلمة (عبقري) من يأتي بنتاج فيه قفزة على المألوف، أو تجاوز للسياق الطبيعي في النتاج. أي أننا نصنف النتاج الإنساني تصنيفين، الأول منهما هو ذلك الذي يأتي في سياقه الطبيعي، كأن يكون نتاجاً لتفكير متسلسل أو اكتشافات مرحلية مترابطة. والثاني هو ذلك الذي يأتي بصورة مباشرة ويتسبب بطفرة غير منطقية، وكما تروي حكايات العباقرة، التي تتحدث عن ورود الفكرة العبقرية على شكل حلم، أو أثناء حالة شرود في الحمام، أو بعد مرحلة سكون تكون تالية على تفكير عميق ومقلق وغير مثمر.. وهكذا. إذن نـحن نعتبر أن بعض النتاج غير محدد الأسباب، وقديما كانوا يعتبرون الشعر من وحي كائنات مفارقة (الجن).
إذن فالحضارات السابقة كانت تقف أمام العبقرية مدهوشة، ولم تكن قد تعرفت بعد على آليات عمل العقل، وأيضاً لم يتطور لديها مفهوم العلية أو السببية بشكل واضح، الأمر الذي دفع بها لأن تستخدم مفهوم (المقدس) لتجعل منه منبعاً لكل (خارق/ مفيد) والأرض السفلى لتجعل منها منبعاً لكل ما هو (خارق/ مضر).
من هنا كان ملوك مصر آلهة، أو أنصاف آلهة، وقد نقل فرويد نصوص عن مختصين تفيد بأن اسم موسى، هو اسم مصري، وأن كلمة (موس) تعني طفل وكانت تأتي متأخرة على اسم أحد الآلهة، مثل (أحـ.. موس، تحوت..موس، رعـ.. موس...الخ). ويشير فرويد إلى أن هذه التركيبة تأتي اختصار لتركيبة أخرى تعني (رع انجب طفلاً) أو ربما (ابن رع). وهذا ما يؤكد أن الحضارات القديمة كانت تستخدم مفهوم الله بغير الاستخدام الذي نستخدمه فيه نـحن الآن. وهي تريد أن تنسب الأمر غير المألف والخارق للقوى الخارقة التي تؤمن بها، فإذا كانت هذه القوى الخارقة تمثل الأجداد جاء التفسير ليعتبر البطولة أرثاً. أما في حالة الآلهة فيعتبر التفسير أن الخرق هبة إلهية.
بالنسبة للوحي نستطيع أن نستخدم نفس التفسير، بمعنى أن النواميس كانت غالباً تأتي على شكل أنثيال معرفي مفاجئ، وهو ما أطلق عليه العرب اسم (النفث في الروع) أو ما مزجو بينه وبين مفهوم (الوحي) بمرحلة لاحقة. إذن كان الناموس يأتي للنبي بشكل مفاجئ، ويبدو عليه أنه ناشئ بغير السياق الطبيعي لنشوء باقي الأفكار التي تأتي بعد جهد واضح ونتيجة لتسلسل منطقي في الأفكار، ولو عدنا لليهود لوجدنا بأنهم ومن خلال الاسم (موسى) قد اعتبروا أن النبي نفسه نتاج خارق، أو إلهي، ولكن ليس بالمعنى الذي نستخدمه الآن لمفهوم (إلهي) طبعاً. بل بالمعنى المستخدم عندهم والذي يساوي الخارق عندنا. خاصَّة مع تذكر قصة الانتشال من النهر. وأن هذه القصة تعبر عن أن موسى جاء من أصل خارق. ثم تأتي الديانة المسيحية لتكرس نفس الموضوع، لكن مع تحوير يليق بالتطور الذي وصلت إله الحضارة البشرية، بمعنى أن الأصل الأسطوري بقي فعّالاً، لكنه غُيِّب بتفسيرات أكثر حداثة، فكان الوليد نتاج إلقاء من قبل (الوحي) في رحم الأم. الذي هو مفهوم جاء ليمثل التطور النهائي لمفهوم الخارق. أي أن المجتمع اختصر قصة السلة التي تلقى بالنهر. لكن الأصل الإلهي بقي على حاله. بمعنى أن اعتبار المشرع أو صاحب الناموس ذو أصول سماوية أو خارقة للمألوف استمر حتى جاء الإسلام الذي ألغى موضوع إليهة الإنسان واقتصر على إلهية النتاج الخارق. بقي النتاج فقط منسوب للإلهة، أو منسوب إلى الله، لكن ليست بنفس النسبة التي نفهمها نـحن، أي بعد أكثر من (1400) سنة، بل كما كانوا يفهمونها في تلك الأزمان السالفة، باعتبارها تفسيراُ (موروثاً) للخارق أو غير المألوف، أو غير المفهوم. وهذا ما تشير إليه استخدامات القرآن لمفهوم الوحي. وكما ورد في الأدبيات المختصة:

"وقوله عز وجل [وأوحى ربك إلى النحل] أي؛ ألهمها وأوحى لها معناه؛ وأوحي إليها في معنى. الأمر قال الله عز وجل: [بأن ربك أوحى لها].. وزكريا أوحى إلى قومه أي أشار إليهم، والإيحاء الإشارة"(23)، وقد استخدم مفهوم (وحي) في القرآن للإشارة إلى ما هو أعم من الاتصال بخصوص النبي من قبل الله، فهناك وحي بين الله والنحل: [وأوحى ربك إلى النحل](24)، وبين زكريّا وقومه: [فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا](25)، وبين الله والملائكة: [إذ يوحي ربك إلى الملائكة](26).
وهو لدى المتكلمين: كشف الحقيقة كشفاً مباشراً مجاوزاً للحس ومقصوراً على المختارين لهذا اللون من الإعلام. أما لدى الفلاسفة فهو: اتصال النفس الإنسانية بالنفوس الفلكية اتصالاً روحياً فترتسم لديها صور الحوادث، وتطلع بهذا الاتصال، على عالم الغيب"(27).
ومن هذا العرض نستطيع أن نفهم بأن الوحي كمفهوم، لم يستخدم للدلالة على الملاك الذي كان يختص بنقل الناموس بين الله والرسل، بل كان يستخدم للدلالة على أي معلومات تأتي للكائن بطريق غير مألوف، كما هو الحال مع النحل. فلا أحد يعرف من أين جاءت مملكة النحل بالقوانين التي تحكمها، ولهذا السبب اعتبرت تلك القوانين بمثابة وحي. أي بمثابة توجيه سماوي، أو خارق للمألوف. لكن بعد أن استخدم مفهوم الوحي من قبل المسلمين بشكل مكثف، أخذ ينتقل وبصورة تدريجية، من دلالته العامة إلى دلالة خاصة اقتصرت على خصوص الناموس الذي جاء للرسول محمد(ص)، ثم لعموم القرآن باعتباره كتاب جاء به الرسول(ص). ثم انتقل المفهوم للدلالة على الملاك المسؤول عن عملية إيصال المعلومة الخارقة، أو الناموس.
وهنا تظهر آثار علم الكلام الإسلامي والفلسفة الإسلامية أيضاً. فبسبب هذين النشاطين الفكريين الإسلاميين، أخذت الحضارة الإسلامية تطور مفاهيم منظومة العقائد الإسلامية بما يتلائم وحاجات المعرفة التي كان يكرسها الاحتكاك المستمر مع أديان وعقائد الحضارات الأخرى.
ومن أشد الإسقاطات التي مورست على المفاهيم القديمة، هي تلك التي نشأت من جعل العقل حكماً للبت بشأن جميع الخلافات حول تلك المفاهيم. فمثلاً في موضوعة خلق القرآن، نجد بأن مفهوم (القرآن) انتقل من دلالته على الآيات التي نطق بها محمد باعتبارها وحياً. إلى دلالات أخرى، فقد أصبح قديماً، لأنه تحول من كونه وحياً إلى كونه كلاماً، بمعنى أنه أصبح أكثر التصاقاً بـ(الله) وابتعاداً عن الإنسان، ولأن كلام الله لا يمكن أن يتخلف عنه، أصبح القرآن قديماً.
نفس الأمر يقال عن النبوَّة، فهي الأخرى كمفهوم تعرضت لتغييرات كبيرة، أخرجتها من استخداماتها القديمة إلى استخدامات مختلفة جذرياً في بعض الأحيان. فقد اكتسب مفهوم النبوة استحقاقات جديدة بسبب نشاط منظومة الوعي الإسلامية الناتج عن احتكاكها بالموروث الديني للحضارات الأخرى. ومن أهم الاستحقاقات التي اكتسبها مفهوم النبوة، هو استحقاق العصمة، فالعصمة مفهوم حديث نسبياً. وقد أحدثه المسلمون (المتأخرون). فلا اليهود عرفوا العصمة، ولا المسيحيون. ولا حتى المسلمون الأوائل. بل العصمة ظهرت بعد أن تعرض النبي محمد(ص) لاتهامات أتباع الديانات الأخرى بالكذب. وعندما واجه المسلمون هذه المشكلة احتكموا إلى العقل ليخرجهم من احتمال كذب الرسول. فهذا الاحتمال خطير لدرجة أنه يمكن أن يزلزل الحضارة الإسلامية من خلال استهداف القطب الذي تدور عليه رحاها. لهذا السبب لم يكن أمام العقل سوى حل العصمة الذي يتمكن أن ينفي احتمال الكذب إلى الأبد. والمهم بهذا الموضوع هو أن دخول مفهوم العصمة أعاد صياغة مفهوم الوحي وأكسبه استحقاقاً كبيراً وخطيراً، وخاصة عندما اندفع المسلمون اتجاه استخدام مفهوم العصمة بأثر رجعي. وراحوا من خلاله يحاكمون عقائد الديانات الأخرى. فينسخون أي قصة أو حكاية عقائدية مسيحية أو يهودية تتعارض مع مفهوم العصمة. وكما حدث (مثلاً) مع قصة زواج لوط من بناته، أو زواج أبناء آدم من أخواتهم، بل راحو ينسخون حتى التاريخ القريب منهم، فتاريخ النبي هو الآخر تعرض لعملية غسيل نجمت عن هذا المفهوم، وأي قصة وجد المسلمون أنها تعارض العصمة قاموا إما بنفيها عن الصحة أو بتأويل محتواها، والقصص كثيرة في هذا السياق.
المهم في هذا الموضوع أنه يكشف مقدار الإسقاط الذي ينجم عن محاكمة المفاهيم القديمة بدلالاتنا الحديثة. فهذا الأمر لا يشوه فقط فهم الموروث القديم، بل يشوه أيضاً فهمنا نـحن لنفس المفهوم الحديث(28). فنحن الآن لا نفهم المغزى الحقيقي للنبوة ولا للوحي ولا للألوهية. فكل هذه المفاهيم جرى التلاعب بها بسبب الفعاليات الحضارية ما أدى بها لأن تنقلب أو تتزحزح عن دلالاتها الحقيقية إلى دلالات لا تمت إلى واقعها الأصلي بصلة.
هكذا نستطيع أن نقول بأن دلالة مفهوم الوحي بدأت لتميز بين النتاج الذي يأتي بصورة طبيعية والنتاج الذي يتجاوز الصورة الطبيعية (المألوف)، ثم أخذ هذا الاستخدام يتطور شيئاً فشيئاً، خاصة وأن المنطقة التي يحال إليها النتاج، والتي هي السماء أو الآلهة هي الأخرى تتطور. وهكذا يكون الفرق واضح بين جعل العبقرية أو البطولة هبة من الأجداد وبين جعلها هبة من الآلهة، وحتى عندما تكون العبقرية هبة الآلهة فإن المفهوم من الهبة عند المسلمين غير المفهوم منها عند الديانات التي سبقتهم، فالمتأخرين من المسلمين يفهمون من هذه الهبة أنها كلام الله نزل على النبي، بل كثيراً ما احتدم الجدل بين الفلاسفة المسلمين حول مقدار التأثير الذي يمكن أن يمارسه النبي على هذا الكلام المنزل، الأمر الذي دفع بعضهم لجعل الرسول كما الآلة، بمعنى أن دوره هو النقل وحسب. أما المفهوم من دلالة كلمة الوحي بالنسبة للديانات السابقة فهو أقل من ذلك بكثير، فقد كانوا يستخدمون الكلمة للدلالة على السمو والرفعة. فالشعر وحي من الجن. ومن هنا يجب علينا أن نميز ونـحن نتعامل مع مفهوم الوحي بين الدلالة التي كان يتضمنها لحظة استخدامه من قبل الرسول محمد(ص) وبين الدلالة التي يتضمنها الآن. ونسأل بالضرورة: أي الدلالتين هي الأصح؟
هل كان الرسول، وهو يستخدم جملة (أوحي إلي)، يريد من ورائها المعنى الذي نفهمه من عبارة (أُلْهِمْتُ أو نُفِثَ بروعي أو انقدح بذهني) أم أنه كان يقصد بها أن جبرئيل نقل إليه كلام الله (القديم)؟
من المؤكد أن الفلسفة المتعلقة بكون القرآن هو كلام الله، وأنه لا بد أن يكون قديماً وإلا استلزم حدوث المتكلم . هي فلسفة متأخرة عن عصر الدعوة. وأن لا علاقة لها بالاستخدام الأول لمفهوم الوحي. نفس الكلام يجري على مفهوم العصمة، المتأخر هو الآخر. الأمر الذي يفسر لنا الكثير من الروايات التي تنقلها كتب الحديث السنية وتنكرها بالمقابل كتب الحديث الشيعية. أقصد الروايات المتنافية مع العصمة. بمعنى أن الفهم الشيعي ـ المتأخر ـ للعصمة أثَّر بشكل رجعي على التراث ودفع باتجاه عملية استنكار ومن ثم إنكار تدريجي لجملة النصوص المتنافية مع العصمة. فمثل هذه النصوص لا يتناقلها رجال الحديث الشيعة لتنافيها مع معتقداتهم، وحكمهم المسبق عليها بالزيف والبطلان. بخلاف ما هو الحال عليه بالنسبة للرواة من السنة الذين لم يجدوا فيها ما يتنافى مع الدين فنقلوها.

الإنسان
في نهاية المطاف يبدو أن المسؤول الوحيد عن جدل (الدين/ الإنسان) هو الإنسان، فهو الذي يعطي الأبعاد القدسية، وهو الذي يحدد شكل العلاقة بين حدود هذا الجدل أي (الله، الدين، الإنسان). بالنتيجة يكون الدين شريعة الغرض منها تبرير سلطة طبقة اجتماعية معينة على حساب أخرى عندما يريد الإنسان ذلك. ويكون الدين عبارة عن شريعة خلاص لا تمت بأي صلة مع موضوع سفك دم البشر، أيضاً عندما يريد الإنسان ذلك.
في موضوع الإسلام السلفي الأصولي المتطرف مثال واضح على الأثر الذي يتركه الاستخدام المختلف للمفاهيم في عملية ترجمة الدين. إذ من الواضح أن هذا الإسلام (المتطرف) فهم بأن الدين نموذج حضاري واحد ومحدد، ولا يجب أن يجري عليه أي تغيير. ومن هذا المنطلق حاول أن يجعل من الواقع الحالي نسخة طبق الأصل عن واقع المجتمع زمن الدعوة. حتى وصل به الأمر إلى محاكمة الزي الذي يجب أن يرتديه المسلم، فهو الآخر يجب أن يكون نسخة طبق الأصل. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري يقول: هل ارتدى الرسول(ص) ملابسه تعبداً، بمعنى هل كانت ملابس الرسول هي الأخرى موحى بها إليه؟ ليس بنا حاجة إلى الإجابة على هذا السؤال، بقدر ما أننا بحاجة إلى التأكيد على أن السلفيين اعتبروا أن تعاملهم مع الزي هو التعامل الأصح، فأسقطوه على عصر الدعوة تعسفاً. وهذا ما يحصل معنا بالنسبة لمفهوم الوحي. فنـحن نـحمل هذا المفهوم دلالة ناشئة من التراكم التاريخي، ونفرض هذه الدلالة على الرسول، أي أننا نُقَوِّل النبي والدين ما لم يقولاه بالضرورة. السلفيون يعتبرون بأن العصمة بحسب الفهم الشيعي عملية افتراء على الدين، كما أنهم يسمون الشفاعة نفس التسمية. الشيعة من جهتهم يعتبرون الكثير من عقائد المتطرفين هي الأخرى بدع. نفس الأمر يحدث بين المسيحيين واليهود والمسلمين. بمعنى أن الجميع يقوم بعملية تحريف الموروث والجميع يستنكر هذه العملية وينكرها.
هناك دائماً عمليات فهم مستمرة للأشياء، هذه العمليات تتناسب وحجم التطور المعرفي الذي يمر به الإنسان، وهذا التطور في الإدراك والمعرفة ضروري لكنه يتحول لمعضلة عندما يُنْسَب إلى السماء. عندما يتطور مفهوم الدين ويتم تحليله من قبل مختلف المدارس الفلسفية فهذا أمر صحي وجيد. لكن المشكلة تكمن بأن يؤخذ هذا التطور بأثر رجعي، ونُقَوِل به الرسول. ونعتقد بالنتيجة بأن الرسول كان يعتقد بما نعتقد به الآن. طبعاً لا تظهر بشاعة هذا الأثر الرجعي إلا عندما نستعين بالأمثلة:
حملة التفجيرات التي حصدت عشرات آلالاف من العراقين الأبرياء يمكن أن تكون تطبيقاً مباشراً للحكم الوارد بالآية القرآنية التي تقول: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) تحت شعار أن الآية لم ترد بخصوص المشركين المعاصرين للدعوة الإسلامية، بل لمطلق المشركين. وهكذا يتحول جميع القائمين يتلك التفجيرات لمجاهدين لا غرض لهم سوى تطبيق أحكام ألزمهم الله والرسول بتطبيقها. لكن من قال أن الإطلاق الذي فهموه من الآية هو المقصود من قبل الرسول؟ من قال بأن النبي عندما قرأ تلك الآية أراد بها قتل جميع من يتهم بالشرك وعلى مر العصور؟

النتيجة:
ما يجب أن نؤكده بالضرورة هو أن التحريف وسوء الفهم لم يقتصر على متن الآيات القرآنية، ما جعلها، وعلى مستوى التطبيق، تخرج عن المراد الأصلي بها. بل هو يشمل جميع منظومة المفاهيم المتعلقة بالدين والمفسرة له. بعبارة أخرى نقول:
كما أن التفسير الخاطئ للآيات المتعلقة بوجوب قتل المشركين أوقع مفسريها بأخطاء كارثية، كذلك فإن تفسيرنا لكل المفاهيم المتعلقة بالدين أوقعنا بأخطاء لا تقل خطراً عن تلك الأخطاء. لقد خرجنا بالدين عن صيغته الأصلية. فمن قال بأن الدين جاء باعتباره شريعة عابرة للأزمان؟ ألا تتأسس هذه الفلسفة على طبيعة التطور الذي مر به مفهومي (الوحي/ الدين)؟ من قال بأن الرسول استخدم مفردة الوحي ليشير بها إلى الكلام المنقول حرفياً عن الله، لا إلى الإلهام الذي يأتي لجميع العباقرة. وبالنتيجة لا يكون قد أسس لدين يتجاوز الحدود الزمانية وتنحر على مذبحة جميع الأمم المتقاطعة معه بالرأي. بل أسس لشريعة تأتي بسياق التطور التاريخي الذي مرت به الشرائع الأخرى.
إذا كان الدين الإسلامي كما يفهمه غالبية المسلمين الآن ـ أي أنه الشريعة التي اختارها الله لجميع الأزمان والشعوب ـ هو الفهم الذي جاء به محمد، فأين هذه الشريعة؟ أين هو هذا الدين الذي اختاره الله وأمر المسلمين بتطبيقه بالسيف؟ وفي أي المذاهب تتجلى حقيقته؟ أي المذاهب يمثل حقيقة الدين الخاتم الذي جاء به محمد الرسول والذي يجب علينا أن نفجر الناس من أجل تطبيقه. هل هو الدين الذي تأسست عليه الدولة الأموية بكل ما حفلت به من مجازر أم الذي تأسست عليه الدولة العباسية بكل ما حفلت به من خلاعة وتهتك أم العثمانية وبكل ما حفلت به من تخلف وفساد وجهل؟
كيف يمكن للرب المطلق بعدالته وحكمته أن يضمن دينه الأخير الخاتم بنصوص قليلة تقبل تأويلات متناقضة مع بعضها وغير متناهية؟ وأي حكمة تتجلى بدين خاتم ومع ذلك لا تظهر حقيقته على مدار ألف ونصف الألف من السنين تقريباً؟
لا يجب أن يعني هذا الكلام هدم الدين بالضرورة. لكنه بالضرورة يجب أن يعني هدم كل الإسقاط الذي أسقطناه على هذا الدين، وأجلى مظاهر هذا الإسقاط هو مظهر الأنانية، الأنانية التي بدأت باليهودية التي افترضت لشدة أنانيتها بأن الرب يجب أن يكون خاصاً بهم وحدهم، فهو رب بني إسرائيل. ولم تنتهي بالمسلمين الذي يريدون من دينهم أن يكون هو الدين المفروض على المطلق.




1. هوك، صموئيل هنري، الأساطير في بلاد ما بين النهرين، ترجمة يوسف داود عبد القادر، دار الجمهورية، بغداد، 1968، ص45.

2. البقرة 191.

3. البقرة 193.

4. التوبة14.

5. النساء89.

6. النساء91.

7. التوبة36.

5المترجمة 5، دار الجمهورية للطباعة، بغداد 1968، ص31- 36.

13. هناك اختصارات كثيرة لهذه الأسطورة قد تعرض لها بشكل مختلف قليلاً، كما هو الحال مع العرض الذي وجدته بكتاب: مقدمة لدراسة أقدم أدب عرفه الإنسان، تأليف كاظم الجنابي، بغداد 1975، (لم تثبت على الكتاب معلومات مرجعية أخرى).

14. الربيعو، تركي علي، العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية، ط2، 1995، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان،ص13-14.

15. مع أن النص الأصلي يحتوي على عبارات أخرى تحيل إلى السماء والآلهة، غير العبارات الثلاث الواردة بهذه الترجمة، إلا أنني تعاملت مع الترجمة كما اتعامل مع الأنموذج، فمهما تكاثرت العبارات التي تجعلنا نعتقد بأن النص يتحدث عن الآلهة، فإنها يجري عليها نفس الإشكال الذي أوردته على العبارات الثلاث.

16. الربيعو، م. س، ص20-21.

17. طبعاً لا بد من الإشارة هنا إلى أمرين، الأول هو أن الرئيس، أو الجذر الأول لمفهوم الرب، وحتى يكرس الفارق الطبقي بينه وبين المجتمع فإنه يكون بحاجة لمبرر معنوي وهذا المبرر يأتي من تمثيله للأجداد الحكماء أو الأقوياء مثلاً. فهذا الربط يكسبه نـحوا ًمن أنـحاء الغرابة والتقديس. والأمر الثاني، يتعلق بالمجتمع، فهو الآخر وحتى يستطيع أن يتمتع بالاطمئنان فإنه سيبحث ولا بد عما يكرس الفارق الطبقي بينه وبين الحكّام، من أجل أن لا يعود هذا الفارق مهين أو باعث على القلق أو الحزن.

18. فرويد، سيغموند، موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيرت، ط1، 1973، ص18.
19. م. ن، ص17.

20. للتفصيل، م. ن، ص19.

21. نلاحظ هنا بأن فرويد جعل من عقدة أوديب المحور الرئيس في تأويله للأسطورة. ما أوقعه بمشاكل في التأويل ففي الأسطورة الكثير من الرموز التي تعجز هذه العقدة عن فكها وتحليل رموزها. أي تلك التي تشير لنوع من أنواع النفي أو التهديد الذي يقوم به الأب أو الملك للطفل، وأيضاً ماذا عن الفارق في المراكز الاجتماعية بين العائلة الأصلية للطفل والعائلة الحاضنة؟

22. الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ط2ـ 1409، مؤسسة دار الهجرة، ج3، ص32.

23. النحل68.

24. مريم11.

25. الانفال12

26. زيادة، د. معن، الموسوعة الفلسفية العربية، معهد الإنماء العربي، ط1ـ 1986، ج1، ص840.

27. نجد تأثير هذه العملية جلياً بالنسبة لمفهوم الكتاب السماوي، فقد سحب المسلمون مفهومهم عن الكتاب إلى الديانات الأخرى وكتبها المقدسة، فاعتبروا أن الأنجيل والتوراة كتب مقدسة بالمعنى الإسلامي، الأمر الذي أوقعهم بحيرة كبيرة. فتلك الكتب لا تحمل بين دفتيها لا كلام الله سبحانه ولا كلام نفس الرسول، فالأنجيل ليس أكثر من مرويات الحواريين عن عيسى، بمعنى أنه سيرة حياة عيسى، ونفس الأمر ينسحب على التوراة. ومن هنا فليس لهذه الكتب علاقة بكلام الله وبالتالي ليس لها علاقة بمفهوم التحريف الإسلامي، فهذا المفهوم يتعلق بأي تغيير يجري على نص الكلام الذي تفوه به الرسول محمد، والمسلمون يعتبرون أن التوراة محرفة، لأنهم يعتقدون بأنها عبارة عن عمليات نسخ اليهود لكلام موسى، لكن اليهود لا يعرفون لموسى كلام محدد.

28. للاطلاع ينظر: الدباغ، د. تقي، والجادر. د. وليد، عصور ما قبل التاريخ، جامعة بغداد، 1983، ص46-53.

22. الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ط2ـ 1409، مؤسسة دار الهجرة، ج3، ص32.

23. النحل68.

24. مريم11.

25. الانفال12

26. زيادة، د. معن، الموسوعة الفلسفية العربية، معهد الإنماء العربي، ط1ـ 1986، ج1، ص840.

27. نجد تأثير هذه العملية جلياً بالنسبة لمفهوم الكتاب السماوي، فقد سحب المسلمون مفهومهم عن الكتاب إلى الديانات الأخرى وكتبها المقدسة، فاعتبروا أن الأنجيل والتوراة كتب مقدسة بالمعنى الإسلامي، الأمر الذي أوقعهم بحيرة كبيرة. فتلك الكتب لا تحمل بين دفتيها لا كلام الله سبحانه ولا كلام نفس الرسول، فالأنجيل ليس أكثر من مرويات الحواريين عن عيسى، بمعنى أنه سيرة حياة عيسى، ونفس الأمر ينسحب على التوراة. ومن هنا فليس لهذه الكتب علاقة بكلام الله وبالتالي ليس لها علاقة بمفهوم التحريف الإسلامي، فهذا المفهوم يتعلق بأي تغيير يجري على نص الكلام الذي تفوه به الرسول محمد، والمسلمون يعتبرون أن التوراة محرفة، لأنهم يعتقدون بأنها عبارة عن عمليات نسخ اليهود لكلام موسى، لكن اليهود لا يعرفون لموسى كلام محدد.

28. للاطلاع ينظر: الدباغ، د. تقي، والجادر. د. وليد، عصور ما قبل التاريخ، جامعة بغداد، 1983، ص46-53.