|
نحن نملك العالم!
القوة
الناعمة في تحولات الخطاب السياسي الاميركي
نعوم تشومسكي
ترجمة: عمار ياسر محمود
1 كانون الثاني، 2008
مجلة ZNet الالكترونية
كُلكم تعرفون بالطبع أنه كان هناك انتخاب - او ما يُسمى "انتخاب" ـ في
الولايات المتحدة في تشرين الثاني. وكانت هناك حقاً قضيةٌ
واحدة في هذا الانتخاب تتعلق بما يجب فعله بخصوص القوات
الاميركية في العراق، وكان هناك تصويت ساحق، وفقاً
للمعايير الاميركية، على سحب هذه القوات وفق جدول زمني
ثابت.
وكما يعرف قِلةٌ من الناس، فقد جرت استطلاعات واسعةٌ للرأي
في العراق قبل ذلك الانتخاب بشهرين او ثلاث، ولم تكن
الاستطلاعات هذه سراً هنا. فلو بحثت فعلاً لوجدت إشارات
لها، وبالتالي فالقضية ليست كونها قد أُخفيت. وجاءت هذه
الاستطلاعات بنتيجة أن ثلثي سكان بغداد كانوا يريدون خروج
القوات الاميركية فوراً؛ أما الباقون، وهم أغلبيةٌ كبيرة،
فقد أرادوا وضع جدول زمني ثابت للانسحاب، مع رغبة معظمهم
أن يتم هذا في غضون سنةٍ او اقل.
جاءت الارقام أعلى بين العرب من العراقيين الموجودين في
المناطق التي تنتشر فيها هذه القوات فعلياً. فغالبيةٌ
كبيرةٌ منهم شعروا بأن وجود القوات الاميركية رفع من مستوى
العنف، كما شعر ما نسبته 60 % في عموم العراق، أي بنسبةٍ
أعلى في المناطق التي تنتشر فيها القوات الاميركية، بأن
هذه القوات تُمثِّل اهدافاً شرعيةً للهجمات. إذن، كان هناك
إجماعٌ كبيرٌ بين العراقيين والاميركان حول ما يجب فعلهُ
في العراق: يجب أن تُسحَب القوات إما فوراً أو على أساس
جدولٍ زمني ثابت.
حسنٌ، كان رد الفعل من جانب الحكومة الاميركية على ذلك
الإجماع بانتهاك الرأي العام وزيادة عديد القوات باضافة ما
يصل ربما الى ما بين الـ 30,000 والـ 50,000. وكما هو
مُتوقع، جاء الاعلان عن حُجة من وراء ذلك. كان من الواضح
أن الحجة ستكون: "هناك تدخُّل خارجي في العراق، وعلينا أن
نقف بوجهه دفاعاً عن العراقيين. إنهم الايرانيون الذين
يتدخلون في العراق". ثم جاء الدليل المزعوم المتعلق
بالعثور على القذائف الخارقة للدروع، وعبواتٍ ناسفة عليها
علامات ايرانية، بالاضافة الى قوات ايرانية في العراق.
"ماذا يمكننا أن نفعل؟ علينا أن نرفع عديد قواتنا لحماية
العراق من التدخل الخارجي!".
ثم جاءت الـ "مناظرة". فنحن في النهاية مجتمعٌ حرٌ مفتوح،
وبالتالي فإن لدينا مناظرات وسجالاتٍ "نشطة". في جانبٍ يقف
الصقور الذين قالوا: "إن الايرانيين يتدخلون وعلينا
ضربهم!". وفي الجانب الآخر قالت الحمائم: "لا يُمكننا
التأكد من صحة الدليل، فربما كانت قراءتكم للارقام
التسلسلية الموجودة على العبوات خاطئة، أو ربما كان الامر
يتعلق بالحرس الثوري فقط وليس الحكومة!".
وهكذا، كانت عندنا مناظرةٌ على شاكلة ما اعتدنا عليه، وهو
ما يُظهر فرقاً مهماً جداً وشائعاً يُميّز عدة أنواع من
نُظُم الدعاية السياسية عن بعضها البعض. فإذا ما أخذنا
أبرز الأمثلة على هذه الانواع، مع المبالغة قليلاً، سنجد
أن الدعاية السياسية للدول ذات الانظمة الشمولية تقضي بأن
عليك أن تقبل بها وإلا. وهذه الـ 'إلا' قد ترتبط بها عواقب
متنوّعة تعتمد على طبيعة الدولة. فالناس باستطاعتهم أن
يؤمنوا بما يريدون طالما أنهم يُطيعون. أما المجتمعات
الديمقراطية فنجدها تنتهج نهجاً مختلفاً: فهي لا تُفصح عن
الخط الذي يسير عليه الحزب. فهذا خطأ. بل إن ما تفعله هو
أن تفترضه ضمنياً، ثم تُشجّع السجال الحاد ضمن الإطار
العام لخط الحزب, وهم ما يحقق غرضين: إضفاء الانطباع بوجود
مجتمعٍ حرٍ ومفتوح لأننا, في النهاية، لدينا سجال نشط؛ كما
أنه يُرسّخ خط دعايةٍ سياسيةٍ يُصبح أمراً تفترضه أنت على
أنه من المُسلّمات، حاله حال الهواء الذي تتنفَّسُه.
وهذا ما حصل هنا. إنه مثال توضيحي كلاسيكي. فكُل السجال
الدائر حول الـ "تدخّل" الايراني في العراق لن يكون له
معنى إلا بأخذه على فرضيةٍ واحدة، وهي أننا "نملك العالم".
فاذا ما كان العالم مِلكاً لنا، فالمسألة الوحيدة التي
يمكن أن تظهر على السطح هي أن أحداً ما غيرنا يتدخل في
بلدٍ قمنا نحن باجتياحه و احتلاله!
إذن، إن نظرت الى السجال الذي حصل ولا زال حول التدخل
الايراني، لن تجد من يُشير الى أنه ضربٌ من الجنون. إذ كيف
يمكن لإيران أن تتدخل في بلدٍ قمنا نحن باجتياحه واحتلاله؟
لن يكون النقاش مناسباً إلا إذا استند على الفرضية
المُسبقة بأننا نملك العالم. ومتى ما استقرت الفرضية هذه
في رأسك، فالنقاش سيكون بمنتهى العقلانية.
لقد قرأتم الآن عن الكثير من المقارنات بين فيتنام
والعراق، والتي هي في الجزء الاكبر منها بعيدةً عن التوافق
كلياً؛ فطبيعة الحرب والغرض منها وكل شيء تقريباً مختلف
تماماً إلا في جانب واحد: كيف تنظر الولايات المتحدة الى
الحالتين؟ ففي كلتا الحالتين هناك الآن ما يسمى احياناً
بالكلمة التي تبدأ بالحرف 'Q', "quagmire" (مستنقع). وهل
هو مستنقع؟ بالنسبة لفيتنام، ندرك الآن بأنها كانت
مستنقعاً. وهناك سجالٌ الآن فيما اذا كان العراق، ايضاً،
مستنقعاً. بمعنى آخر، هل يُكلفنا وضعنا فيه كثيراً؟ ذلك هو
السؤال الذي يدور السجال حوله. إذن، في حالة فيتنام، كان
هناك سجال. لم يحدث ذلك في البداية. في الحقيقة، كان هناك
نقاشٌ على نطاق صغير جداً في البداية بحيث أنه لا يتذكر
أحدٌ حتى متى بدأت الحرب - عام 1962، إن كُنت مُهتماً. إنه
العام الذي هاجمت فيه الولايات المتحدة فيتنام. ولكن، لم
يكن هناك نقاش، ولا سجال، ولا أي شيء.
ومع منتصف الستينيات، بدأ السجال الرئيسي بالظهور. وكان
هناك الاختلاف المُعتاد في الآراء بين الصقور والحمائم.
حيث قال الصقور بأننا إن ارسلنا المزيد من القوات، فإن
النصر سيكون حليفنا. أما الحمائم، على كُلٍ حسب ما يقول
آرثر شليزنجر، وهو مؤرخ شهير ومستشار لكينيدي، في كتابه
عام 1966، فإنهم قالوا بأنهم جميعاً يدعون من الله أن يكون
الصقور على حق وأن تأتي الزيادة في القوات في وقتها، والتي
كان تعدادها في ذلك الحين يقترب من النصف مليون، بالفائدة
وأن تأتي لنا بالنصر. وإذا ما حصل ذلك، فإننا سنُثني
جميعاً على حكمة وأداء الحكومة الاميركية المؤديين الى
النصر - في أرضٍ كُنّا نؤول فيها الى حُطامٍ وهشيم.
يمكنكم أن تُترجموا ذلك كلمةً بكلمة للحمائم هذه الايام.
فكلنا ندعو من الله أن تأتي الزيادة بنتيجة. واذا ما نجحت،
وعلى عكس توقعاتنا، فإننا سنُثني على حكمة و أداء إدارة
بوش في بلدٍ هو ليس إلا حُطامٌ كامل، إن اردنا قول الصدق،
كأحد أسوأ الكوارث في التاريخ العسكري لهذه الأمة.
واذا ما وصَلْتَ الى النهاية اليسرى للنقاش الرئيسي ستجد
شخصاً مثل انثوني لويس الذي كتب عند نهاية حرب فيتنام عام
1975 أن الحرب بدأت بنوايا حسنة لفعل الخير؛ وهذا يصُحّ
بالتعريف، لأنها نوايانا نحن في النهاية. إذن، فقد بدأت
بنوايا حسنة، ولكن بحلول عام 1969، وحسب ما يقول، أصبح من
الواضح أن الحرب كانت أمراً خاطئاً. فبالنسبة لنا، سيكون
مُكلفاً جداً أن نُحقق انتصاراً - نعم، بالنسبة لنا -
وبالتالي فإن الحرب كانت خطأً ويجب علينا الانسحاب. وكان
هذا هو الانتقاد الأكثر تطرُّفاً.
وما أشبه اليوم بالبارحة! كان بإمكاننا الانسحاب من فيتنام
لأن الولايات المتحدة كانت قد حققت مُسبقاً أهدافها
الرئيسية. في العراق، لا يُمكننا الانسحاب لأننا لم نُحقق
اهدافنا.
وبالنسبة لكبار السنّ منكم من الذين يتذكرون - أو من الذين
كانوا قد قرأوا عن الموضوع - فإنكم ستلاحظون أن الحركة
الداعية للسلام سارت على نفس الخط تقريباً. فكما هو الحال
في عملية النقاش الرئيسي، فإن جهود معارضة الحرب، بما في
ذلك الحركة الداعية للسلام، كانت تتركّز معظمها على عملية
قصف الشمال. وعندما بدأت الولايات المتحدة بقصف الشمال
بصورة متكرّرة في شباط 1965، فإنها زادت ايضاً من قصفها
للجنوب بثلاثة أضعاف - وكان الجنوب في حينها قد استُهدِف
بالهجمات طوال ثلاث سنوات. وقُتل مئتا ألفٍ أو ثلاثمئة من
الفيتناميين الجنوبيين، واقتيد الآلاف، إن لم نقل عشرات
الآلاف، الى معسكرات الاعتقال. وكانت الولايات المتحدة تشن
حرباً كيمياوية لتدمير المحاصيل الغذائية والغطاء النباتي.
وبحلول عام 1965 كانت فيتنام الجنوبية قد أصبحت سلفاً
حُطاماً بالكامل.
لم يكن قصف الجنوب يُكلف شيئاً للولايات المتحدة لأن
الجنوب لم تكن له دفاعاته. أما قصف الشمال فكان مُكلفاً -
تقصف الشمال، تقصف الميناء، وقد تُصيب سفناً روسية، وهو
الأمر الذي بدأ يُصبح خطيراً. إنك تقصف خطاً صينياً
داخلياً للسكة الحديد - فهذه الخطوط الصينية المُمتدّة من
جنوب شرق الصين الى جنوب غربها صادف أنها تمُرّ عبر فيتنام
الشمالية - من يدري ما الذي يمكن أن يفعلوه!
في الحقيقة، اتُّهم الصينيون، وهو اتهامٌ صحيح، بارسال
قوات صينية الى فيتنام لإعادة بناء خط السكة الحديد الذي
كنا نقصفه. إذن، كان ذلك "تدخُّلاً" في حقنا المقدس بقصف
فيتنام الشمالية. وبالتالي، كان معظم التركيز ينصب على
قصفنا للشمال، وكان الشعار الذي رفعته حركة السلام:
"أوقفوا القصف"، أي قصف الشمال.
في عام 1967، كتب المُختص البارز بشؤون فيتنام، بيرنارد
فوول، وهو مؤرخ عسكري والمختص الوحيد بشؤون فيتنام الذي
تحترم الحكومة الاميركية رأيه - والذي كان من الصقور،
بالصدفة، ولكنه يهتم بأمر الفيتناميين - كتب أن المسألة
تتعلق بمقدرة فيتنام على الصمود ككيانٍ ثقافي وتاريخي وهي
تتعرّض لأعنف قصفٍ تعرّض له بلدٌ بحجمها على الإطلاق. لقد
كان يتكلم عن الجنوب. وظل يؤكد على أن الجنوب هو الذي كان
يُهاجَم. لكن ذلك لم يكن مهماً لأنه لا يُكلّف شيئاً،
وبالتالي فلا بأس في الاستمرار. ذلك هو المدى الذي كان
يدور حوله السجال، والذي لن يكون عقلانياً إلا إذا استند
على فرضية أننا نملك العالم.
ولو قرأت تقارير البنتاغون، على سبيل المثال، ستجد أن كان
هناك تخطيطٌ مُكثّف حول عملية قصف الشمال - تخطيطٌ مُفصّلٌ
ومتأنٍ جداً يتعلق فقط بالمدى الذي يمكننا أن نصل اليه في
قصفنا، وما الذي يحصل اذا ما ذهبنا فيه بعيداً قليلاً،
وهكذا. ليس هناك أي نقاشٍ على الإطلاق يتعلق بقصف الجنوب،
لا نقاش فعلاً! كل ما كان هناك هو إعلان منقطع فردي بأننا
سنضاعف من قصفنا ثلاث مرات، أو شيءٌ من هذا القبيل.
ولو قرأت مذكرات روبيرت ماكنمارا حول الحرب - وهو الذي كان
يُعتبر في ذلك الوقت من الحمائم البارزين - فإنه يستعرض
التخطيط المتأني لعملية قصف الشمال، دون أن يذكر حتى قراره
هو في تصعيد قصف الجنوب بحدّةٍ وفي نفس الوقت الذي بدأ فيه
قصف الشمال!
يجب أن اقول، في هذا المثال المُتعلق بفيتنام، أن ما
ناقشته هنا هو الرأي الخاص المسؤول، بما فيه رأي القيادة
البارزة لحركة السلام. فهناك ايضاً الرأي العام، والذي ظهر
مختلفاً بصورةٍ جذرية، وهو أمرٌ ذو أهمية. فبحلول عام
1969، كان ما نسبته 70% من العامة يشعرون أن الحرب لم تكن
مجرد خطأ، بل إنها كانت عملاً لا أخلاقياً وخاطئاً
بالكامل. وكانت تلك هي الكلمات التي خرجت بها استطلاعات
الرأي، وبقي ذلك الرقم ثابتاً الى حدٍ كبير وصولاً الى
أحدث استطلاعات الرأي التي أُجريت قبل بضعة سنواتٍ فقط. إن
الأرقام مثيرةٌ للاهتمام كثيراً لأن الناس الذين يقولون
تلك الكلمات في استطلاع للرأي أكاد أجزم بأنهم يقولون في
أنفسهم: ربما أكون الشخص الوحيد في العالم الذي يعتقد بهذا
الرأي. فهُم بالتأكيد لم يقرأوه في أي مكان، ولم يسمعوه من
أي مكان. بل كان ذلك رأياً عاماً.
والأمر نفسه ينطبق على كثير من القضايا الاخرى. ولكن،
عندما يتعلق الأمر بالرأي الخاص المسؤول فكيفية التعبير
عنه هي نفسها كثيراً التي كنت اتحدث عنها - سجالٌ حادٌ الى
حدٍ بعيد بين الصقور والحمائم، يدور كله حول الفرضية غير
المُعلنه التي تقول بأننا نملك العالم. وبالتالي، فإن
الأمر الوحيد الذي يهمّنا هو كم يُكلّفنا ذلك، أو ربما،
بالنسبة لمَن هُم أكثر إنسانيةً، هل نتسبب بالأذى للكثيرين
منهم؟
وبالعودة الى الانتخاب، كانت هناك خيبة أملٍ كبيرة لدى
المناهضين للحرب - وهم غالبية الناس - ناتجة عن عدم موافقة
الكونغرس على أي تشريعٍ يتعلق بالانسحاب. كان هناك قرارٌ
تقدّم به الديمقراطيون قوبل بالفيتو، ولكنكم لو نظرتم اليه
عن قُربٍ لرأيتم أنه لم يكن قراراً بالانسحاب. وقد حلّلهُ
بشكلٍ جيد الجنرال كيفن رايان، الذي كان زميلاً في مدرسة
كينيدي في هارفارد، حيث استعرضه بتفاصيله وقال بأنه يجب أن
يُسمى بحق "اقتراح إعادة النظر في المهمة". فهو يُبقي على
نفس تعداد القوات الاميركية تقريباً، ولكن مُهمة هذه
القوات ستكون مختلفةً قليلاً.
واضاف رايان بأن القرار يسمح قبل كل شيء بالاستثناء عند
تعلُّق الامر بالأمن القومي. فلو قال الرئيس بأن هناك
قضيةً تتعلق بالأمن القومي، فبإمكانه فعلُ ما يشاء - انتهى
القرار. والثغرة الثانية في القرار هي أنه يسمح بالقيام
بالنشاطات المرتبطة بمكافحة الارهاب. حسنٌ، وذلك يشمل كل
ما يحلو لك! وثالثاً، يفسح القرار مجالاً لتدريب القوات
العراقية. مرةً ثانية، كل ما يحلو لك!
ثم يقول القرار بأن العدد يجب أن يبقى كما هو من أجل حماية
القوات والمنشآت الاميركية. وما هي القوات الاميركية؟
حسنٌ، القوات الاميركية هي تلك المُرافقة للوحدات العراقية
المسلحة والذين يعتقد 60 % من هؤلاء الرفاق الجنود أن
رفاقهم - أي، القوات الاميركية - يُمثّلون أهدافاً شرعيةً
للهجمات. وفي الوقت نفسه، نجد أن هذه الارقام في تصاعد
مستمر، وبالتالي فهي ربما تكون الآن أعلى من ذلك. حسنٌ،
ذلك يعني الكثير من الجُهد لحماية القوات. أما المنشآت
التي تحتاج للحماية فلم يُبيّنها القرار الذي تقدّم به
الديمقراطيون، ولكن المنشآت هذه تتضمن ما تُسمى بالـ
"سفارة". والسفارة الاميركية في العراق ليست كمثل أية
سفارةٍ وُجِدت في التاريخ على الاطلاق، فهي مدينةٌ داخل
المنطقة الخضراء، تلك المنطقة المحميّة من العراق، والتي
تُديرها الولايات المتحدة. فيها كل شيء من الصواريخ حتى
ماكدونالدز! أي شيء تريد. إنهم لم يبنوا تلك المنشأة
الضخمة لأنهم ينوون الرحيل! تلك واحدةٌ من المنشآت، وهناك
أخريات. فهناك "القواعد العسكرية شبه الدائمية" التي يجري
بناؤها حول البلاد. وصفةُ "شبه الدائمية" تعني دائمية،
طالما أردنا نحن ذلك!
لقد حذف الجنرال رايان الكثير من الاشياء. فقد حذف حقيقة
أن الولايات المتحدة تُبقي على سيطرتها على الجانب
اللوجستي والذي هو الجوهر الأساس للجيش الحديث. ففي هذا
الوقت، يصل ما نسبته 80 % من الدعم عبر الجنوب، قادماً من
الكويت، وهو يمُرّ عبر أراضي العصابات فيكون هدفاً سهلاً
للهجمات، وهو ما يعني ضرورة تخصيصك للعديد من القوات
للإبقاء على خط الإمداد هذا. أضف الى هذا، بالطبع، أن
الولايات المتحدة تسيطر على الجيش العراقي.
إن القرار الذي تقدَّم به الديمقراطيون يستثني القوة
الجوية. فالقوة الجوية تفعل ما تريده. حيث أنها تقصف بصورة
متواصلة تقريباً ويُمكنها أن تقصف بكثافةٍ أكبر. كما
يستثني القرار أيضاً المرتزقة، وعددهم ليس بالقليل - حيث
تٌقدّر مصادر مثل صحيفة الوول ستريت عدد المرتزقة بما
يقارب الـ 130,000، أي ما يقارب نفس عدد القوات الموجودة،
وهو ما يبدو منطقياً. فالطريقة التقليدية للقتال في حربٍ
استعمارية هي بالاعتماد على المرتزقة، وليس على جنودك -
على غرار الفيلق الاجنبي الفرنسي أو الجوركاس البريطانيين
أو الهيسيانس في الحرب الثورية. وذلك جزءٌ من السبب
الرئيسي الذي رُفضت بسببه مُسوّدة القرار - وبالتالي،
فإننا نحصل على جنود محترفين، وليس اشخاصاً نلتقطهم من
الشارع.
نعم، إذن، إنها إعادة للنظر في المهمة، ولكن القرار هذا
قوبل بالفيتو لأنه كان قوياً جداً، وبالتالي فإننا لا نملك
تلك القوة حتى. نعم، سبب ذلك خيبة أمل لكثير من الناس.
ولكن، ما له تأثير قوي جداً هو القول بأنه لم يدعُ مسؤول
كبير واحد في واشنطون الى سحبٍ فوريٍ للقوات! كان هناك
البعضُ ممن رأى ذلك. واقوى تلك الآراء التي اعرفها -
وإجابةً على السؤال حول ما هية الحل لمشكلة العراق - جاءت
بأن الحل واضح: "سحبُ كل القوات الاجنبية وسحب كل الاسلحة
الاجنبية". جاء ذلك على لسان كوندوليزا رايس، لكنها لم تكن
تعني بذلك قوات الولايات المتحدة، بل إنها كانت تعني
القوات الايرانية والاسلحة الايرانية! وهو ما يبدو تعليقاً
منطقياً ايضاً، على افتراض أننا نملك العالم، فلأننا نملك
العالم لا يمكن أن تُعتبر القوات الاميركية قوات اجنبية في
أي مكان في العالم. وبالتالي، فاذا ما قُمنا باجتياح
العراق او كندا، مثلا، فسنكون نحن القوات الوطنية صاحبة
الارض. إنهم الايرانيون الذين لديهم القوات الاجنبية!
لقد انتظرتُ لفترةٍ لأرى إن كان أحداً، على الاقل في
الصحافة أو المجلات، سيُشير الى أن هناك ما يُضحك في هذا
الرأي! ولم أجد كلمة واحدة! اعتقد ان الجميع اخذوا ذلك على
أنه تعليقٌ منطقي تماماً. ولكنني لم أجد كلمة واحدة من أحد
ليقول: انتظروا لحظه! توجد قوات اجنبية هناك، تعدادها
150,000 من القوات الاميركية، ومعها الكثير من الاسلحة
الاميركية.
إذن، يبدو منطقياً أنه عند احتجاز القوات الايرانية
لبحّارةٍ بريطانيين في الخليج، كان هناك سجال: "هل كانوا
ضمن حدودٍ ايرانية أم حدودٍ عراقية؟". في الواقع، ليست
هناك إجابة لهذا السؤال لعدم وجود حدودٍ إقليمية، وقد ذُكر
ذلك. لقد كان من المُسلّم به أنه في حالة وجود البحّارة
البريطانيين ضمن المياه الاقليميه العراقية، فإن ايران
ستكون مذنبةً بجُرم أنها تدخّلت في اراضٍ اجنبية. ولكن
بريطانيا ليست مذنبة بجُرم أنها موجودة في اراضٍ عراقية،
وذلك لأن بريطانيا دولةٌ حليفة صديقة للولايات المتحدة،
ونحن نملك العالم، فهم موجودون هناك بحقٍ مشروع!
وماذا عن الحرب المحتملة القادمة ضد ايران؟ لقد كانت هناك
تهديداتٌ حقيقية فعلاً من قِبل الولايات المتحدة واسرائيل
- وهي حليفٌ أساسي لاميركا - بمهاجمة ايران. وقد صادف هنا
وجود شيءٍ يُسمى ميثاق الامم المتحدة والذي يقول - في
المادة الثانية منه - أن التهديد أو استخدام القوة في
القضايا الدولية يُعَدّ جريمة. "التهديد أو استخدام
القوة"!
وهل يأبه أحد؟ كلا، لأننا دولةٌ خارجةٌ على القانون
بطبعنا! أو ،بدقةٍ اكبر، ليست تهديداتنا او استخدامنا
للقوة أمراً غريباً اجنبياً، بل إنها مُستوطَنه، لأننا
نملك العالم! ولهذا، فلا بأس في ذلك. إذن، هناك تهديداتٌ
بقصف ايران - ربما سنقصف وربما لن نقصف، ذلك هو موضوع
السجال الدائر. هل سيكون شرعياً اذا ما قررنا القيام بذلك؟
قد يُحاجج الناسُ بأنه خطأ نرتكبه. ولكن هل يقول أحد بأن
إقدامنا على فعل ذلك غير شرعي؟ على سبيل المثال، يرفض
الديمقراطيون في الكونغرس أن يُدخلوا تعديلاً يجعل من
اللازم على السلطة التنفيذية إخبار الكونغرس اذا ما كان في
نيّتها قصف ايران - استشارةٌ وإخبار، حتى هذان كانا غير
مقبولين!
العالم كٌله يحبس أنفاسه امام هذه الاحتمالية. سيكون للفعل
نتائج لا تُحمد عُقباها. حيث كتب مؤرخٌ عسكري بريطاني بارز
هو كويرلي بارنيت مؤخراً أن الولايات المتحدة اذا ما
هاجمت، او أن اسرائيل هي التي تُهاجم، فإن الامر سينتهي
بحرب عالمية ثالثة. فالهجوم على العراق كان مُروّعاً بما
يكفي. فبالإضافة الى تدمير هذا البلد، تذكُر المفوضية
العليا للاجئين التابعة للامم المتحدة في دراسة ٍ لها
أعداد المهجرين من العراقيين، فالعدد يصل الى 4,2 مليون،
غادر منهم مليونان البلد فيما يهرب مليونان آخران منهم من
مكان الى آخر داخل البلد. هذا بالإضافة الى اعداد الذين
قُتلوا والتي ربما تصل الى المليون اذا ما اعتمدنا على آخر
الدراسات.
لقد توقعت الاستخبارات الاميركية ووكالات استخباراتٍ اخرى
وخبراء مستقلين أن الهجوم على العراق ربما سيزيد من خطر
الارهاب وانتشار الاسلحة النووية. ولكن ما حصل تعدّى
كثيراً ما توقَّعه أي شخص. حيث خمّن بيتر بيرغن و بول
كروكشانك، وهما متخصصان معروفان في شؤون الارهاب،
وبالاعتماد على إحصاءات حكومية ، أن ما يُسمِّيانه "تأثير
العراق" قد زاد من الارهاب بما يصل الى سبعة اضعاف، وهي
نتيجة خطيرة جداً. وهذا ما يُعطيك إشارةً الى مكانة أولوية
حماية الشعب الاميركي في قائمة اولويات قادتنا. إن مكانتها
واطئةٌ جدا!
إذن، كيف سيكون عليه تأثير ايران؟ حسنٌ، ذلك ما لايمكن
حسابه. إنه قد يؤدي الى حربٍ عالميةٍ ثالثه، مع احتمالية
كبيرة بحصول زيادة هائلة في الإرهاب، ومن يدري ماذا ايضاً!
فحتى الدول المتاخمة للعراق، والتي لا تُحب ايران -
باكستان والسعودية وتركيا - حتى هي تُفضّل في اغلبيتها أن
ترى ايران مُسلحةً نووياً على أن تشهد أي عمل عسكري تقوم
به الولايات المتحدة. وهي مُحقّةٌ في ذلك، فالعمل العسكري
يمكن أن يكون كارثياً. وهذا لا يعني بأننا لن نُقدِم عليه.
فلا نرى هنا إلا نقاشاً محدوداً جداً حول شرعية القيام
بهذا العمل العسكري، فهو نقاشٌ سيستند مرةً ثانية على
فرضية أن كل ما نفعله هو شرعي. كل ما هنالك هو أن ذلك قد
يُكلفنا كثيراً.
فهل هناك من حلٍ في الأفق للأزمة بين الولايات المتحدة
وايران؟ حسنٌ, هناك بعض الحلول المُمكنة. أحدها يكون
بالتوصُّل الى اتفاقية تسمح لايران أن تمتلك طاقةً نووية،
حالها حال أي دولةٍ مُوَقِّعة على معاهدة حظر انتشار
الاسلحة النووية دون امتلاك اسلحةٍ نووية. وثانيها، الدعوة
الى إقامة منطقةٍ منزوعة السلاح النووي في الشرق الاوسط،
تشمل ايران واسرائيل ايضاً، والتي لديها مئات الاسلحة
النووية، وأي قواتٍ اميركية او بريطانية موجودة في
المنطقة. وثالثها، يكون في إيفاء الولايات المتحدة والدول
النووية الاخرى بالتزامها القانوني، وباتفاقٍ يتم بالإجماع
امام المحكمة الدولية، بالسعي بنيةٍ حسنةٍ من أجل إزالة
الأسلحة النووية كلياً.
هل هذا ممكن؟ حسنٌ، إنه ممكن في حالةٍ واحدة: أن تصبح
الولايات المتحدة وايران مجتمعين ديمقراطيين بصورةٍ عملية.
لأن ما اقتبسته هنا من آراء تُمثّل رأي الغالبية العظمى من
شعبي ايران والولايات المتحدة. أجل، كل ما ذكرته مُسبقاً
يُمثل رأي الغالبية العظمى. إذن، نعم سيكون هناك حلٌ ممكن
اذا ما اصبح هذان البلدان مُجتمَعين ديمقراطيين بصورة
عملية، أي مجتمعين يكون للرأي العام فيهما بعض التأثير على
السياسة. فالمشكلة في الولايات المتحدة هي عدم مقدرة
المُنظِّمين أن يفعلوا شيئاً وسط شعبٍ يتفق معهم بغالبيته
وأن يُحوّلوا ذلك الى سياسةٍ فاعلة. بالطبع يمكن فعل ذلك،
فالفلاحون في بوليفيا يمكنهم فعل ذلك، ومن الواضح أننا
نستطيع فعل ذلك هنا ايضاً.
هل يُمكننا أن نفعل شيئاً لنجعل ايران أكثر ديمقراطية؟ ليس
بصورة مباشرة، بل بصورة غير مباشرة - حيث يمكننا أن نعير
انتباهاً للمنشقين والاصلاحيين في ايران الذين يكافحون
بشجاعة لتحويل ايران الى مجتمع اكثر ديمقراطية. ونحن نعلم
بالضبط ما يقوله هؤلاء الناس. إنهم يجاهرون تماماً بسعيهم
هذا: إنهم يلتمسون من الولايات المتحدة أن تسحب تهديداتها
لايران. فكلما زاد تهديدنا لايران، كلما كانت هديتنا أكبر
للمُتشددين الدينيين الموجودين في الحكومة. فبتهديدنا لهم،
نجعلهم أقوى. ذلك ما يحدث بالضبط. فالتهديدات أدت الى حدوث
انعكاساتٍ، وكما هو متوقع.
والآن، يدّعي الاميركان بأنهم منزعجون من ردود الافعال'
والتي يجب أن نعترض عليها! ولكننا يجب أن نُدرك أن ردود
الافعال هي النتائج المباشرة والمُتوقّعة للأفعال التي
تُقدِم عليها حكومة الولايات المتحدة. وبالتالي، فإنك اذا
ما أقدمت على فعلٍ ثم كان لهذا الفعل عواقبُ مُتوقّعة فإن
إدانتك لهذه العواقب ليست إلا نفاقاً حقيقياً.
في حالة كوبا، يعتقد ثلثا الاميركيين تقريباً أن علينا أن
نُنهي الحصار ونوقِف جميع التهديدات ونقيم علاقات
دبلوماسية. وهذا كان ظاهراً دائماً منذ أن أُجريت
الاستطلاعات حول هذا الموضوع طيلة ما يقارب الثلاثين
عاماً. والرقم يتنوّع ولكنه هو نفسُه تقريباً. أما تأثيره
على السياسة فهو صفر في ايران وفي كوبا وفي أي مكان.
إذن، هناك مشكلةٌ هي أن الولايات المتحدة ليست مجتمعاً
ديمقراطياً بصورة فعلية. فالرأي العام ليس له أهمية، وهذا
ما أصبح من مبادئ الرأي لدى النخبة والمسؤولين. فالرأي
العام يجب أن يكون بلا أهمية بالنسبة لهم. والمبدأ الوحيد
الذي يهمهم هو أننا نملك العالم، أما الآخرون منكم فعليهم
أن يخرسوا! هذا ما يجب أن تعرفوه سواءٌ كنتم في الخارج او
في الداخل.
إذن، يوجد حلٌ ممكن لهذه المشكلة الخطيرة جداً وهو بالدرجة
الاساس الحلُّ نفسه: إفعلوا شيئاً لتحويل بلدنا نحن الى
ديمقراطية حقيقية. ولكن ذلك يتعارض جذرياً مع الفرضية
الأساسية المُسلَّم بها في كل نقاشات النخبة، وهي أننا
نملك العالم وأن هذه الاسئلة يجب أن لا تُثار وأن العامة
يجب أن لا يكون لهم رأيٌ في مجال السياسة الخارجيه، أو أي
سياسة! في إحدى المرات، وأثناء قيادتي للسيارة الى العمل،
كنت استمع للإذاعة الوطنية. يُفترض بأن هذه الاذاعة تُمثل
النهاية الراديكالية المتطرّفة في طيف الآراء السياسية.
وكنت قد قرأت عبارةً في مكانٍ ما، لست ادري إن كانت
حقيقية، ولكنها مقتبسةٌ من اوباما، وهو يُمثل أمل الحمائم
الليبرالية، والتي يُزعم أنه قال فيها أن طيف النقاش في
الولايات المتحدة يمتد بين طرفين مجنونين، راش ليمباو و
الاذاعة الوطنية. واضاف اوباما أن الحقيقة، حسب قوله، توجد
في الوسط وأن موقعه في هذه المنطقة الوسط، بين النقيضين
المجنونين. ثك نظّمت الاذاعة الوطنية نقاشاً - كان يُشبه
ما يحدث في نادي التدريسيين في هارفارد - بمشاركة أُناسٍ
جادّين مُتعلمين ليس في كلامهم أخطاء قواعدية، يعرفون ما
هم يتحدثون عنه، وبأدبٍ عادة. وكان النقاش يدور حول ما
يُسمى بنظام الدرع الصاروخي الذي تحاول الولايات المتحدة
أن تضعه في تشيكوسلوفاكيا وبولونيا، ويتناول ايضاً رد
الفعل الروسي. كانت القضية الرئيسية: "ما الذي حلّ بالروس؟
لماذا يتصرفون بعدائيةٍ كبيرة وبصورة لا عقلانية؟ هل
يحاولون بدء حربٍ باردة جديدة؟ لقد حلّ بهؤلاء خطبٌ ما! هل
يُمكننا تهدئتهم وجعلهم أقل ذُعراً؟".
لقد أشار المختص الرئيسي الذي دعوه في النقاش، واعتقد بأنه
من البنتاغون أو من مكان آخر، وكان دقيقاً في ذلك، أن نظام
الدرع الصاروخي هذا يُمثل بالدرجة الاساس سلاحاً لتوجيه
ضربةٍ اولى. وهذا أمرٌ معروف جداً لدى المحللين
الاستراتيجيين على جميع الأصعدة. فلو فكرت بالأمر لدقيقة،
لأصبح السبب لك واضحاً. فنظام درعٍ صاروخي لن يحول أبداً
دون توجيه ضربةٍ أولى، ولكنه يستطيع من حيث المبدأ، اذا ما
بدأ عمله، أن يوقف ضربةً انتقامية تأتي رداً على ضربةٍ
استباقية. فاذا ما هاجمتَ بلداً ما بتوجيه ضربةٍ اولى،
وأزلته من الوجود فعلياً، فبامتلاكك لنظام درع صاروخي
يمكنك منعهم من الانتقام، وستكون بالتالي محمياً، ولو
بصورة جزئية. فلو كان لبلدٍ نظام دفاع صاروخي عامل فأنه
سيملك خيارات أكثر لتنفيذ ضربة اولى. حسنٌ، ذلك واضحٌ لا
يمكن إخفاؤه. فهو امرٌ معروف لدى كل محللٍ استراتيجي.
ويمكنني أن أُفسر الامر لأحفادي في دقيقتين وسيفهمون.
وهكذا، فقد خلُص النقاش في الاذاعة الوطنية الى الاتفاق
على أن نظام الدرع الصاروخي هو بمثابة سلاحٍ لشن ضربةٍ
استباقية. ثم يأتي الجزء الثاني من النقاش. حسنٌ, يقول
العارفون هنا أن الروس يجب أن لا يقلقوا من هذا الموضوع،
لأمر واحد هو أن هذا النظام الدفاعي غير كافٍ ليوقف ضربتهم
الانتقامية، وبالتالي فهو لم يرقَ بعد الى أن يكون سلاحاً
لضربةٍ استباقية ضدهم. ثم يضيفون بعدها أن الامر لا يتعلق
بالروس بأي حالٍ من الاحوال لأنه مُوجّهٌ ضد ايران، وليس
ضد روسيا.
وكانت تلك هي نهاية النقاش. إذن، نقطةٌ اولى: الدفاع
الصاروخي هو سلاحٌ للضربة الاستباقية؛ نقطة ثانية: إنه
موجّهٌ ضد ايران. والآن، يمكنكم أن تقوموا بتمرينٍ بسيط في
المنطق. هل توصّلتم الى أي استنتاج من هاتين الفرضيتين؟
نعم، الاستنتاج هو أنه سلاحٌ لتوجيه ضربةٍ استباقية ضد
ايران. وبما أن الولايات المتحدة تملك العالم فما الخطأ في
امتلاك سلاحٍ لتوجيه ضربةٍ استباقية ضد ايران. وهكذا
فالاستنتاج هذا لا يُذكر، فهو غير ضروري ويرتبط بحقيقة
أننا نملك العالم.
ربما باعت المانيا قبل سنةٍ او ما يقاربها غواصات متطورة
لاسرائيل مُجهزةً لتحمل صواريخ ذات رؤوس نووية. لماذا
تحتاج اسرائيل الى غواصات بصواريخ نووية؟ حسنٌ، هناك سببٌ
واحدٌ فقط يمكن تصوّره وكل امرءٍ ذي عقل في المانيا يجب أن
يكون قد فهِم ذلك - وهو أمرٌ مفهومٌ بالتاكيد عند رجالاتهم
من العسكر - وهو أنه سلاحٌ لضربةٍ استباقية ضد ايران.
فاسرائيل يمكنها أن تستخدم غواصاتٍ المانية لتُظهر
للايرانيين أنهم اذا ما ردّوا على هجومٍ اسرائيلي فإنهم
سيتبخّرون!
إن عناصر الفكر الأساسية للإمبريالية الغربية عميقةٌ جداً.
فالغرب يملك العالم والولايات المتحدة تديره الغرب الآن،
وبالتالي فإنهما يتوافقان طبعاً. وحقيقة أنهم يُجهّزون
سلاحاً لضربة استباقية لمهاجمة ايران ربما، فأنا أُخمّن
الآن، لم يصدُر أي تعليق عليها، فما مِن سببٍ يستوجب ذلك!
يمكنكم أن تنسوا التاريخ، فهو ليس ذي أهمية بل هو موضوعٌ
مُمِلٌ عافَ عليه الزمن ولا نحتاج الى معرفته. ولكن معظم
البلدان تُولي اهتماماً بالتاريخ. إذن، على سبيل المثال،
بالنسبة للولايات المتحدة ليس هناك نقاشٌ لتاريخ العلاقات
الاميركية الايرانية. حسنٌ، بالنسبة للولايات المتحدة،
هناك حدثٌ واحدٌ فقط في التاريخ الايراني: في عام 1979
أطاح الايرانيون بالطاغية الذي كانت الولايات المتحدة
تسانده وأخذوا رهائن في حوزتهم لأكثر من عامٍ كامل. حصل
ذلك وكان عليهم أن يُعاقبوا لفعلتهم!
أما بالنسبة للايرانيين فإن تاريخهم يُذكّرهم بأنه طوال 50
عاماً، ودون انقطاع تماماً، كانت الولايات المتحدة تُعذّب
الايرانيين. ففي عام 1953 أطاحت الولايات المتحدة بالحكومة
البرلمانية ونصّبت طاغيةً عاتياً هو الشاه، وظلت تسانده
بينما كان يُعدّ لأسوأ ملف حقوق إنسان في العالم - تعذيب،
اغتيالات، أي شيء تريد. وفي الحقيقة، عندما زار الرئيس
كارتر ايران في كانون الاول عام 1978 أثنى على الشاه بسبب
الحب الذي يُكنّه شعبه له، وهلُمّ جرا، وهو ربما ما عجّل
في الإطاحة به. وبالطبع، للايرانيين طريقتهم الغريبة في
تذكُّر ما حدث لهم ومَن كان خلفه. وعندما أُطيح بالشاه،
حاولت إدارة كارتر على الفور إحداث إنقلاب عسكري بارسال
اسلحة الى ايران عن طريق اسرائيل في محاولةٍ منها لدعم
قوةٍ عسكرية تُطيح بالحكومة - وتحوّلنا فوراً الى مساندة
العراق، أي صدام حسين، وغزوِهِ لايران. وقد أُعدِم صدام
لجرائم ارتكبها عام 1982، والتي لم تكن بمستوى ما فعله من
جرائم خطيرةٍ جداً، وهي السكوت على قتل 150 شخصاً. حسنٌ،
كان هناك أمرٌ مفقود في هذا الحدث - فسنة 1982 مهمةٌ جداً
في تاريخ العلاقات الاميركية العراقية. إنها السنة التي
رفع رونالد ريغان فيها اسم العراق من لائحة الدول الراعية
للارهاب لكي تستطيع الولايات المتحدة البدء بدعم العراق
بالاسلحة ليغزو ايران، بما في ذلك الوسائل اللازمة لتطوير
اسلحة الدمار الشامل والاسلحة الكيمياوية والنووية. تلك
كانت سنة 1982. وبعدها بسنةٍ أُرسل دونالد رامسفيلد ليُتم
الصفقة. حسنٌ، ربما يتذكر الايرانيون جيداً أن هذه الصفقة
أدت الى حربٍ ذُبِحَ فيها مئات الآلاف منهم بالسلاح الذي
أمدّته اميركا للعراق. وقد يتذكرون جيداً أنه بعد سنةً من
انتهاء الحرب، دعت حكومة الولايات المتحدة عام 1989
مهندسين نوويين عراقيين الى الولايات المتحدة من أجل
التدريب المُقدّم في مجال تطوير الاسلحة النووية.
وماذا عن الروس؟ هم لديهم تاريخهم ايضاً! فجزءٌ من هذا
التاريخ يذكر أن روسيا في القرن الماضي تعرّضت للغزو
والتدمير الكامل لثلاث مرات عبر اوربا الشرقية. يُمكنكم أن
تستذكروا و تسألوا: متى كانت آخر مرة تعرَّضَت فيها
الولايات المتحدة للغزو والتدمير الكامل عبر كندا او
المكسيك!؟ ذلك لم يحدث ابداً. نحن نسحق الآخرين ونبقى
بأمان! لكن الروس لا يملكون هذه الميزة!
والآن، وقع حدثٌ مميّزٌ عام 1990 أصابني بصراحة بنوعٍ من
الذهول. حيث وافق غورباتشوف على ترك المانيا تتوحّد، أي
الانضمام الى الغرب والدخول في معسكر تحالفٍ عسكري مُعادي.
هذه المانيا، التي دمّرت روسيا كُلياً مرتين ذلك القرن.
لقد كانت تلك الموافقة أمراً مميزاً حقاً!
كان هناك تعويض. ثم وافق الرئيس جورج بوش الاول على أن لا
يتوسّع الناتو الى الشرق. وطالب الروسُ ايضاً، دون أن
يحصلوا على مطلبهم، باتفاقية منطقةٍ منزوعةٍ من السلاح
النووي تمتد من القطب الشمالي وحتى البلطيق، والتي كانت
ستمنحهم حمايةً بسيطة من الهجوم النووي. تلك كانت
الاتفاقية في عام 1990. ثم جاء بيل كلنتون، الذي يُنظَر
اليه على أنه ليبرالي، فكان أحد أول الاشياء التي فعلها هو
إلغاء الاتفاقية من جانب واحد وتوسيع الناتو شرقاً.
كان ذلك بالنسبة للروس خطيراً جداً، إذا كنت تذكر التاريخ.
لقد فقدوا 25 مليون شخص في الحرب العالمية الاخيرة وما
يزيد على 3 ملايين في الحرب العالمية الاولى. ولكن، بما أن
الولايات المتحدة تملك العالم فإذا ما أردنا أن نهدد روسيا
فلا بأس في ذلك! فكل ما نفعله في النهاية هو من أجل الحرية
والعدالة، فإذا ما أزعجونا بضوضائهم حول المسألة سنتساءل
عن السبب الذي يجعلهم مذعورين جداً. لماذا يصرخ بوتين كما
لو كُنّا نهدِّدُهم بشكلٍ او بآخر، فنحن لا يُمكننا أن
نُهدد أي أحد ونحن نملك العالم!
أحد القضايا الرئيسية الاخرى التي نراها على الصفحات
الرئيسية الآن هي "الموقف العدائي" الصيني. فهناك قلقٌ
كبير بسبب حقيقة أن الصينيين يبنون قوتهم الصاروخية. هل
تُخطط الصين لغزو العالم؟ سجالات كبيرة تدور حول هذا
السؤال. حسنٌ، ما الذي يحدث حقاً؟ فطوال سنواتٍ كانت الصين
تسبق الآخرين في محاولتها للحيلولة دون عسكرة الفضاء. ولو
نظرت الى المناظرات ومعاهدة نزع السلاح للجمعية العامة
للأمم المتحدة، ستجد أن الأصوات هي 160 ضد 1 أو 2.
فالولايات المتحدة تُصرّ على عسكرة الفضاء، فهي لن تسمح
بأن تَحضر هذه الاتفاقية عسكرة الفضاء الخارجي بصورة واضحة
وإقامة علاقات عسكرية. في الفضاء.
وكان موقف كلنتون أن الولايات المتحدة يجب أن تسيطر على
الفضاء من أجل الاغراض العسكرية. وجاءت ادارة بوش بتشدُّدٍ
أكبر حول الموضوع. فموقفهم يقضي بأن الولايات المتحدة يجب
أن تملك الفضاء، هذه هي كلماتهم. علينا أن نملك الفضاء
للأغراض العسكرية. إذن هذا هو طيف الآراء في النقاش حول
هذا الموضوع - فقد حاول الصينيون أن يوقفوا ذلك وهو أمر
مفهوم جداً. فأنتم تقرأون الصحيفة الأكثر تقديراً في
العالم، أفترض ذلك، وهي صحيفة الأكاديمية الاميركية للفنون
والعلوم، ستجدون أن مُحلَّلَين استراتيجيين هما جون
ستاينبرونر و نانسي غالاغير يُحذّّران قبل بضعة سنوات من
أن نهجَ التسليح الهجومي الذي تتبعه ادارة بوش سيؤدي الى
ما يُسمِّيانه "الهلاك التام". بالطبع سيكون هناك ردّ فعلٍ
على هذا التسلّح. تُهدِّد الناس بالدمار، سيردون على ذلك!
يُطالب هذان المُحللان البلدان المُحبَّة للسلام بالوقوف
بوجه التسليح الهجومي لبوش، على أمل أن تقود الصين هذه
البلدان لتقف بوجه النهج الهجومي للولايات المتحدة. إنه
تعليقٌ مثيرٌ جداً للاهتمام حول استحالة تحقيق الديمقراطية
في الولايات المتحدة - ومرةً اخرى، نرى أن التحليل المنطقي
بسيطٌ جداً. فالمُحلِّلان هذان يفترضان أن الولايات
المتحدة لا يُمكن أن تكون مجتمعاً ديمقراطياً، وهذا ليس
مطروحاً بين الخيارات، وبالتالي فإننا نأمُل أن الصين ربما
ستفعل شيئاً.
حسنٌ، اخيراً فعلت الصين شيئاً! فقد أصدرت إشارةً للولايات
المتحدة بأنها لاحظت محاولتنا لاستخدام الفضاء للأغراض
العسكرية، فقامت الصين باسقاط أحد أقمارها الاصطناعية.
والكل يفهم لماذا فعلَت ذلك، فعسكرة الفضاء وتسليحه
يعتمدان على الأقمار الاصطناعية. وبينما يكون من الصعب أو
من المستحيل أن توقف الصواريخ فإن الاقمار الاصطناعية يسهل
جداً إسقاطها. فأنت تعرف مكانها. وهكذا فالصين تقول: "حسنٌ
نحن نفهم بأنكم تعسكرون الفضاء. سنواجه هذا ليس بعسكرة
الفضاء ايضاً، فنحن ليس باستطاعتنا أن نُباريكُم في هذا،
بل باسقاط أقماركم الاصطناعية". كان ذلك هو المغزى من وراء
إسقاط القمر الاصطناعي، وهو ما فهمهُ بالتأكيد كل محللٍ
عسكري وما يستطيع كل إنسان عادي أن يفهمه. ولكن أنظر الى
السجال. فقد كان النقاش يتمحور حول هذا السؤال: "هل تحاول
الصين أن تغزوا العالم بإسقاط أحد أقمارها الاصطناعية!؟".
قبل عامٍ تقريباً، ظهر هناك تزاحمٌ في المقالات والعناوين
الظاهرة على الصفحات الاولى حول "الترسانة العسكرية
الصينية". فقد كان البنتاغون يدّعي بأن الصين قد رفعت من
قدرتها العسكرية الهجومية بإضافة 400 صاروخ يمكن أن تحمل
رؤوساً نووية. ثم جرى السجال حول احتمالية أن يُبرهن ذلك
على أن الصين تحاول أن تغزو العالم أو أن الارقام خاطئة أو
شيءٌ من هذا القبيل.
أضع هذا السؤال في هامش صغير: كم عدد الصواريخ الهجومية
ذات الرؤوس النووية التي تملكها الولايات المتحدة
الاميركية؟ حسنٌ، إن الرقم هو 10,000! والصين قد يكون
لديها الآن 400 ربما، اذا ما صدّقنا الصقور. وهذا يُثبت
بأنهم يحاولون غزو العالم!! ولو قرأتم في الصحافة العالمية
عن كثب لوجدتم أن السبب الذي يقف وراء قيام الصين بتطوير
قدرتها العسكرية هو ليس فقط لعدوانية الولايات المتحدة
المنتشرة في كل كان، بل بسبب حقيقة أن الولايات المتحدة قد
طوّرت من قدراتها على الاستهداف بحيث أنها تستطيع الآن
تدمير مواقع الصواريخ بطريقة أكثر دقّة أيما كانت، حتى وإن
كانت متنقلة! إذن، من الذي يحاول أن يغزو العالم؟ حسنٌ، من
الواضح أنهم الصينيون الذين يحاولون ذلك، فلأننا نملك
العالم فإنهم يحاولون غزوه.
من السهل جداُ الاستمرار في هذا الى ما لانهاية. قم فقط
باختيار موضوعك. إنه تمرين جيد. فهذا المبدأ البسيط، "نحن
نملك العالم"، يكفي لتفسير الكثير من النقاش الدائر حول
السياسة الخارجية.
سأنهي مقالتي بكلماتٍ من جورج اوريل. فهو يكتب في مقدمته
لكتاب "مزرعة الحيوانات" أن انكلترا مجتمعٌ حُر، ولكنه لا
يختلف كثيراً عن الوحش الشمولي الذي كنت اتحدث عنه. فهو
يقول بأن الافكار غير الشائعة في انكلترا يمكن قمعها دون
اللجوء الى القوة. ثم يستمر ليُعطينا بعض الامثلة
المُريبة. وفي النهاية يتحوّل الى توضيحٍ مختصر جداً،
يتلخص في الحقيقة في جملتين، ولكنهما في الصميم. فهو يقول،
إن أحد الاسباب وراء ذلك هو أن الصحافة يملكها الاثرياء
والذين لديهم كل الاسباب التي تجعلهم لا يريدون لأفكارٍ
معيّنة أن تظهر. والسبب الثاني - والذي اعتقده اكثر اهمية
- هو التعليم الجيّد. فلو أنك تلقيت تعليمك في أفضل
المدارس وتخرّجت من الاوكسفورد و الكامبردج، وغيرهما، فقد
ترسّخ فيك الفهم بأن هناك أشياء معيّنة لا يجوز قولها؛ في
الحقيقة، لايجوز حتى التفكير بها. هذه هي الطريقة الاساسية
لمنع ظهور الافكار غير الشائعة.
فأفكار الاغلبية العظمى من الشعب، من الذين لا يدخلون
الهارفارد والبرينستون والاكسفورد والكامبردج، تُمكِّنهم
من ان يتصرفوا كبني البشر العاديين، وكما هم فاعلون
غالباً. وفي ذلك درسٌ للنُشطاء!
|