ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الإسلام السياسي

ومفهوم الدولة الإسلامية

د. صلاح عبد الرزاق

بمرور الوقت تطور الفكر السياسي الإسلامي من قبل الكثير من العلماء والمفكرين والحركات الإسلامية. وكل واحد منهم تفاعل مع بيئته الثقافية والاجتماعية والدينية والمذهبية والتاريخية والسياسية. وقد نتج عن ذلك أن كل نظرية إسلامية تتعلق بالدولة الإسلامية أو الحكومة الإسلامية إنما تمثل بيئة ثقافية - دينية وسياسية - اقتصادية نمت وتطورت فيها. وهذا ما يفسر الاختلاف الرئيس بين أنواع النظريات والأفكار الإسلامية وتطبيقاتها في الجانب العملي. إن الفكر السياسي الإسلامي هو نتاج خبرات فكرية ودينية متراكمة وأفكار متطورة تكيفت تدريجياً مع الواقع.

هأبدى المفكرون المسلمون اهتماماً ملحوظاً بالسياسة ، وغالباً ما يكونون متأثرين بنظرية معينة للدولة الإسلامية المنشودة.
وربما تجسدت هذه النظرية في الواقع وأصبحت قاعدة لدولة إسلامية، أو ما تزال مجرد نظرية ترد في أدبيات الجماعات الإسلامية. وفي كلتا الحالتين تجد كل نظرية من يؤيدها ويتعاطف معها ويدعم تطبيقها. ولهذا نجد من اللازم مناقشة أبرز النظريات السياسية الإسلامية بهدف معرفة مصادر وأسس النظريات السياسية المعاصرة في الإسلام. كما توجد هناك حاجة لمتابعة تأصيل وتطور هذه النظريات. بلا شك هناك بضع دول إسلامية تدعي أنها تمثل الإسلام "الحقيقي". وكل منها لها منظروها وأنصارها في العالم الإسلامي.
وكل دولة إسلامية تستخدم مختلف الأساليب للتأثير على المسلمين وجذبهم إلى سياستها وأيديولوجيتها. وكل منها تمارس الدعاية لسياستها وعقائدها من أجل ترسيخ شرعيتها والتأكيد على أن نظريتها تمثل الطريق الصحيح في الإسلام. لا ننسَ أن الفرق والمذاهب الإسلامية تؤمن بأنها هي الفرقة الناجية في الإسلام، انطلاقاً من حديث منسوب للنبي محمد (ص) بأن أمتي تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار ، وواحدة هي الناجية.
وكلها تهدف إلى تعبئة أكبر عدد من الجماهير المسلمة للدفاع عن مصالحها ومواقفها،وخاصة في الأزمات السياسية سواء من الدول المجاورة أو مع المجتمع الدولي أو المنظمات الدولية كالأمم المتحدة أو منظمة الطاقة الدولية أو مجلس الأمن الدولي. وكل دولة تبحث عن مؤيدين وجماعات ضغط لممارسة الضغوط على خصومها ومناوئيها من أجل تفادي أي عمل عدائي أو إجراءات ضد هذه الدولة. وفي كل يوم هناك الكثير من المظاهرات والأعمال السياسية والدعايات لصالح دولة معينة.

الإسلام السياسي
إن مصطلح الإسلام السياسي حديث يستخدم لوصف جميع الأفكار والنشاطات والحركات التي تعتمد الإسلام أرضية لها سواء في المنطلقات أو المواقف أو تفسير الأحداث. كما يوصف به العلماء المسلمون والإصلاحيون والمفكرون الإسلاميون المهتمون بالسياسة. في المشهد السياسي الإسلامي، ليس الإسلام السياسي ظاهرة جديدة ولكن اتسع بشكل كبير خلال العقود الثلاثة المنصرمة.
فقد أصبح يحتل وضعاً هاماً ،ويلعب اليوم دوراً أساسياً في الحياة السياسية للمسلمين. وهنا يمكن الإشارة إلى دور العلماء المسلمين والزعماء الدينيين. إذ ما زالت بلدان العالم الإسلامي تعاني من انخفاض الوعي السياسي وتفاقم الأمية. وهذا ما جعل العلماء يمثلون النخبة المتعلمة في المجتمعات المسلمة. إضافة إلى ذلك فإن وضعهم كقادة دينيين منحهم تأثيراً كبيراً في مجتمعاتهم. وهناك بعض العلماء ممن لديهم نشاطات سياسية وأحياناً يكونون هم صناع السياسة. كما أن فتاواهم لعبت دوراً هاماً في بعض الأحداث السياسية التاريخية. ففي نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تزعم الحركة الإصلاحية مجموعة من العلماء المسلمين. فقد قاد العالم الإصلاحي الشهير السيد جمال الدين الأفغاني (1839-1897) حركة وعي سياسي شملت بضعة بلدان إسلامية هي إيران ومصر وتركيا.
لقد حاول الأفغاني تحسين أوضاع المسلمين من خلال إصلاح النظام السياسي وتحقيق العدالة بين الناس. فقد دعا إلى دستور إسلامي وبرلمان منتخب يمثل الشعب ويراقب الحكومة. وقد أحدث هو وتلميذه الشيخ محمد عبده (1849-1905) ثم تلميذ عبده الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935) تياراً سياسياً إسلامياً واعياً. كما انطلق علماء آخرون في بلدان إسلامية أخرى بنفس الاتجاه. ففي سوريا بشّر عبد الرحمن الكواكبي (1854-1902) بأفكاره ضد الاستبداد. وفي إيران أبدى السيد الميرزا حسن الشيرازي (توفي 1896) قدرة سياسية عندما أصدر عام 1891 فتوى أجبرت ناصر الدين شاه (حكم 1848-1896) على إلغاء امتياز التبغ الذي سبق أن منحه لشركة إنكليزية.
في عام 1905 قاد العلماء الشيعة ثورة الدستور في إيران التي أنتجت أول برلمان في المنطقة. في العراق عام 1914 قام مراجع التقليد والمجتهدون بتزعم حركة الجهاد السياسي والعسكري ضد القوات البريطانية التي غزت العراق في بداية الحرب العالمية الأولى. كما لعبوا دوراً هاماً في ثورة العشرين 1920 التي أنتجت تأسيس كيان سياسي سمي (الدولة العراقية). وقد دعوا إلى تأسيس نظام ديمقراطي جديد يتضمن مجلساً وطنياً منتخباً يمثل جميع العراقيين، وإلى دستور يحدد بوضوح صلاحيات الملك والحكومة والبرلمان. وشهدت جميع البلدان الإسلامية مقاومة ضد الاحتلال الغربي قادها علماء الدين.
بالإضافة إلى الوطنيين كانت الحركات الإسلامية تأخذ على عاتقها المسؤوليات الكبرى في الكفاح ضد الاستعمار. من أندونيسيا والهند في الشرق، إلى ليبيا والجزائر والمغرب ومصر غرب العالم الإسلامي، لعبت دوراً هاماً في تعبئة الشعوب ومقاتلة القوى الغربية المحتلة. فقد تزعم المهدي السوداني (1844-1885) حركة مسلحة طردت القوات البريطانية، وقام بتأسيس حكومة إسلامية. وقاد عمر المختار (1858-1931) الثورة في ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي والحكومة التابعة لموسوليني. وكلاهما كان زعيماً دينياً وشيخ طريقة صوفية، ومنغمساً بالنشاطات السياسية والعسكرية. دخل الفكر السياسي الإسلامي مرحلة جديدة في تطوره من خلال تأسيس الحركات الإسلامية. ففي عام 1928 قام حسن البنا (1906-1949) بتأسيس جماعة الأخوان المسلمين.
لقد قدمت هذه الحركة وخاصة زعمائها أمثال عبد القادر عودة (توفي 1954) وسيد قطب (1906-1966) مساهمة كبيرة في الفكر السياسي الإسلامي من خلال أفكارهما الجديدة ومناقشاتهما، وكذلك تعبئة الشباب المسلم المتعلم للإنضمام إلى حركة سياسية. ولم يقتصر تأثير (الأخوان المسلمين) على مصر بل امتدت إلى خارج مصر حيث انتشرت في بلدان الخليج وبلاد الشام.
في العراق، قام العالم الشيعي السيد محمد باقر الصدر (1933-1980) بتأسيس حزب إسلامي هو (حزب الدعوة الإسلامية)، وذلك عام 1957. وكان هو المنظِّر الأيديولوجي للحزب، وكتب أسسه الشرعية ومبادئه السياسية. وصار الصدر ملهماً للدستور الإسلامي الإيراني. إذ أعطى تبريرات شرعية لأسس الدستور الإيراني للدولة الإسلامية الجديدة.
بلا شك أحدث انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 بزعامة السيد روح الله الخميني (1902-1989) موجة واسعة من الصحوة الإسلامية، كما شجعت التيارات الإسلامية الكامنة للظهور والانطلاق والحضور في الحياة السياسية في البلدان الإسلامية الأخرى.
في السنين الأخيرة أصبح الإسلام السياسي جزءاً من أكثر التيارات حركة ونشاطاً جزءاً في الحياة السياسية في البلدان الإسلامية.
وقد تورطت بعض الحركات الإسلامية بالأعمال العسكرية والعنف ضد أنظمة الحكم في بلدانها، في حين نجحت حركات أخرى في الحصول على فرصة المشاركة في نظام سياسي تعددي ، أتاح لها المساهمة في الحياة السياسية والدخول في الحكومة وصناعة القرار.
إن فشل الأيديولوجيات العلمانية كالقومية والاشتراكية والشيوعية في البلدان الإسلامية أعطى الإسلام السياسي فرصة كبرى للظهور كخيار سياسي وأيديولوجي وحيد أمام المسلمين لمواجهة المشاكل التي يعانون منها
وعلى الرغم من وجود اختلافات ظاهرية بين الإحيائيين الإسلاميين ، لكنهم يشتركون في الميراث الإسلامي والمواجهة ضد الإمبريالية السياسية والثقافية الغربية. إن المشتركات في الإسلام السياسي والأفكار السياسية-الاجتماعية تتمثل في
1 - فشل النموذج الغربي الذي تم نقله إلى البلدان الإسلامية وخاصة الأنماط السياسية والثقافية والتنمية الاقتصادية ، والحاجة إلى نبذ الهيمنة السياسية والثقافية والغربية والتي تمظهرت بالعلمانية وطغيان المادية والخواء الروحي.
2 - العودة إلى الإسلام" تأتي لتعويض الهوية المفقودة والأخلاق والسلوك.
3 - التأكيد على وحدة وشمولية الإسلام المتجذرة في عقيدة التوحيد ، والتي تؤمن بأن الدين متكامل مع السياسة والمجتمع لأن الإسلام يمثل ديناً ودولة.
4 - الدعوة إلى إعادة تقديم الشريعة الإسلامية بشكل يجعلها قادرة على تشكيل دولة إسلامية ومجتمع إسلامي.
العام 1973 كان حاسماً حين جاءت إشارات تؤكد أن مصير المسلمين سيتغير حقاً. فالحرب العربية-الإسرائيلية عام 1973 وإعلان الدول العربية الحظر النفطي على الغرب صارت مصادر رئيسة لافتخار المسلمين. إذ تم تعويض الهزيمة العربية عام 1967 بـ(نصر إسلامي) في تشرين الأول/ أكتوبر 1973 . إذ تم وضع الحرب ثم (النصر) في سياق إسلامي. فكانت الشعارات والرموز الإسلامية تؤكد ذلك: الاسم الذي تم إطلاقه على الحرب هو (حرب رمضان)، الهتاف المستخدم كان (الله أكبر)

الدولة الإسلامية
لا يتحدث القرآن الكريم والسنة النبوية إلا القليل فيما يتعلق بشؤون الحكم والحكومة والدولة. إذ لا توجد سوى خطوط عامة أو من الأفضل القول بضعة مبادئ تتعلق بطاعة الحاكم وممارسة الشورى وتحقيق العدالة. ولا يوجد هناك ما يتعلق بانتخاب أو تعيين الحاكم ومواصفاته والشؤون الإدارية وتشكيل الحكومة. ويمكن بسهولة أن يُعزى ذلك إلى بساطة الحياة التي كان يعيشها المسلمون في صدر الإسلام. ولكن بعد وفاة النبي محمد (ص) والذي كان حاكماً للدولة أيضاً، "كان على المسلمين الاستعارة وتحسين وتطوير نظامهم السياسي. إذ كان نظامهم السياسي مستمداً من الشريعة المتمثلة بالقرآن والسنة النبوية. فأخذوا من تقاليد القبائل العربية ومن الميراث السياسي للدول التي فتحها المسلمون ، وخاصة من التقاليد الفارسية والبيزنطية. وكان تأثير المصادر الأولى أكثر وضوحاً في عهد الخلفاء الراشدين الذي امتد للفترة من 11هج/ 632م إلى 40هج/661م، بينما برز التأثير البيزنطي في العهد الأموي (661-750م) ، والتأثير الفارسي في العهد العباسي (750-1258م) ثم البيزنطي في العهد العثماني (1281-1922م)". بمرور الزمن تطورت فكرة الدولة وتركيبتها ومكوناتها بين الفقهاء المسلمين. فقد أكد أبو الحسن الماوردي (ت 1058م) على سلطة الخليفة باعتباره رمزاً سياسياً لوحدة الأمة .
ويرى تقي الدين ابن تيمية (1262-1328م) أن الشريعة هي أساس الوحدة العقائدية طالما يصعب الحصول على وحدة سياسية للبشرية. أما ابن خلدون (ت 1406م) فيناقش في مؤلفه السياسي-الاجتماعي الشهير (المقدمة) فكرة الدولة التي يسميها (المُلْك).
إذ يتناول تركيب الدولة الإسلامية والمؤسسات الحكومية والموظفين الحكوميين. كما قدم نظريته في صعود وسقوط الدول في التاريخ. ومنذ القرن الثاني عشر الميلادي، أصبح المصدر العملي الرئيس لشرعية السلالات الحاكمة المحلية مستمداً من الدفاع العسكري عن الأراضي الإسلامية ضد الغزاة الأجانب، سواء كانوا صليبيين أو مغولاً أو مستعمرين.
إن مصطلح (دولة) مستخدم في القرآن الكريم (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) (الحشر:7)، كما استخدم فعلاً في مؤلفات المسلمين في العصور الوسطى.
إن لفظة (دولة) مشتق من الفعل (دالَ) أي انقلب من حال إلى حال، و(دالت له الدولة) أي صارت إليه، والدولة (بفتح الدال أو بضمها) تعني ما يتداول مرة لهذا ومرة لذاك، فتطلق على المال والغلبة. كما ورد في القرآن معنى التداول والمداولة حيث جاء (وتلك الأيام نداولها بين الناس) (آل عمران: 140). لقد استخدم المؤرخون والفقهاء المسلمون هذا المصطلح للإشارة إلى السلطة أو الحكومة أو السلالة الحاكمة في فترة معينة في منطقة معينة مثل الدولة الأموية (دولة بني أمية) أو الدولة العباسية (دولة بني العباس).كما استخدموا مصطلحات أخرى مثل الخلافة، المُلْك، السلطان والإمارة.
ويرى برنارد لويس أن مصطلح الدولة ظهر لأول مرة بالمعنى العصري الحديث المتميز عن السلالة والأسرة الحاكمة أو الحكومة ، ظهر في المذكرات العثمانية حوالي عام 1837.

نظريات الدولة الإسلامية
تشكلت النظرية السياسية الإسلامية كنتيجة للتطورات التاريخية عندما وجد الفقهاء المسلمون أنفسهم في مواجهة مشكلات معينة تتعلق بشرعية الحاكم وسلطاته. فقاموا بتبرير السوابق التاريخية في تعيين الخلفاء وأكسبوها صبغة شرعية، وأخذوا يستندون عليها كمصدر إسلامي في قضايا الحكم والدولة. وبالرغم من عدم وجود قواعد دينية أو قانونية تتناول مسألة انتخاب الحاكم أو الخليفة، لكن الفقهاء السنة حاولوا تبرير طريقة اختيار الخلفاء الراشدين على اعتبار أنها جاءت نتيجة لمبدأ الشورى. هذا في الوقت الذي لا يوجد أي ذكر لهذا المبدأ في مناقشات المسلمين الأوائل من المهاجرين والأنصار الذين اجتمعوا في سقيفة (بني ساعدة) لاختيار الخليفة الأول.
كما لم يذكر مبدأ الشورى في اختيار الخليفة عمر بن الخطاب الذي وصل للخلافة بعد أن أوصى له الخليفة الأول بالخلافة. وبعد انقضاء العهد الراشدي انحسر هذا النظام وجاء نظام سياسي آخر بظهور الدولة الأموية الملكية عام 661 م. وقد قبل الفقهاء المسلمون هذا النظام الملكي الوراثي رغم أنه لا سابقة له في الإسلام ، واعتبروه نظاماً إسلامياً. بعد وفاة الرسول (ص) دخل أصحابه في صراع سياسي مرير لأن كل طرف يدعي أنه أولى من غيره بالسلطة والخلافة. وقد انقسم المسلمون إلى عدة جماعات ، ولكن الجماعات الأكبر كانتا اثنتين هما أهل السنة الذين أيدوا الواقع السياسي واختيار الخلفاء الراشدين الأربعة ، ثم حكم السلالات من بعدهم؛ والجماعة الأخرى هم الشيعة الذين دعموا البيت العلوي المتمثل بالإمام علي بن أبي طالب (ع). وقام الفقهاء المسلمون، الذين جاءوا على الأقل بعد قرن من وفاة الرسول (ص)، بجهود كبيرة من أجل دعم آرائهم وأفكارهم ، وبحثوا عن قواعد شرعية قادرة على تبرير وجهة نظرهم ، وعلى مواجهة خصومهم السياسيين

نظرية الخلافة
إن الفقهاء السنة وخاصة أولئك الذين عملوا في خدمة الخلفاء والسلاطين سعوا في البحث عن أساس شرعي لإسباغ الشرعية على الحكام. وبدلاً من البحث في المبادئ والقواعد المتعلقة بالحكم والحكومة في القرآن الكريم والسنة الشريفة ثم تطبيقها على الواقع، قاموا بالعكس.
إذ عكسوا الواقع السياسي الذي كانوا يعيشونه على نظرياتهم وتفسيراتهم واجتهاداتهم عندما لا يرون قواعد إسلامية واضحة وصريحة تدعم نظرياتهم، فقاموا بتبرير الحوادث السياسية التاريخية غير الشرعية، بل والمخالفة للقرآن والسنة. اعتمدت نظرية السنة على قاعدة الشورى المذكورة في آيتين في القرآن الكريم هما: (وأمرهم شورى بينهم) (الشورى: 38) و (وشاورهم في الأمر) (آل عمران: 159). ولكن المفسرين والفقهاء السنة يقولون بأن مجيء الخلفاء الراشدين الأربعة إلى السلطة كان من خلال الشورى. ولكنهم لم يعطوا أية تفصيلات حول نظام الشورى مثلاً: من يختار أعضاء الشورى؟ كم هو عددهم؟ ما هي مواصفاتهم؟ ما هي الإجراءات المتبعة في اختيار الخليفة؟ هل توجد قاعدة شرعية تدعم هذا المبدأ أم مجرد دعوة أخلاقية في التعامل والتشاور؟
هناك العديد من المشكلات المستعصية في هذا النظام النظري، فعلى سبيل المثال، عندما يجد الفقهاء السنة، كالماوردي، أن الخليفة الأول أبا بكر الصديق قد تم اختياره فعلاً من قبل خمسة رجال فقط، وأُجبر المسلمون الآخرون على البيعة له، فإنهم يقولون بأن الخلافة يمكن أن تتحقق باجتماع "خمسة أشخاص" ليختاروا الخليفة. وهذا ينفي وجود انتخابات شعبية أو مشاركة الأمة في هذا الأمر الهام. وذكر فقهاء آخرون بأن تعيين الخليفة يمكن أن يتم بواسطة "ثلاثة أشخاص":
الخليفة نفسه وشاهدان. وحتى هذا العدد المحدود لم يبق قاعدة في الشورى لأن الفقهاء السنة وجدوا أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لم يصل الخلافة عبر نظام الشورى، بل من خلال وصية أوصى به سلفه، فعدّوا هذا الأسلوب شرعياً ، وصار قاعدة ضمن نظام الشورى. إن المرة الوحيدة التي يدعي الفقهاء أن الخليفة تم اختياره من خلال نظام الشورى كان تعيين الخليفة الثالث عثمان بن عفان. لقد وصل هذا الخليفة إلى السلطة بطريقة غريبة جداً و مرعبة. إذ قام الخليفة عمر بن الخطاب بتعيين ستة أشخاص من بين أصحاب النبي (ص) واعتبارهم هيئة انتخاب، وعين أحدهم ناظراً عليهم. وأعطى تعليمات غير مسبوقة ولم تتكرر بعده، مثلاً أن يتم اختيار الخليفة خلال ثلاثة أيام، فلم يعط وقتاً أطول للتشاور والاتفاق. كما أوصى الناظر عبد الرحمن بن عوف باستخدام معاملة وحشية مع أعضاء الهيئة: (فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف. وإن اتفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب رأسيهما. فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم فحكموا عبدالله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم.
فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين). ولا نعلم لماذا منح ابنه هذه السلطة في تحديد مصير الأمة . من الغريب أن يتقبل الفقهاء المسلمون هذا النظام الفظيع والطريقة القبلية في معاملة أهل الشورى الذين وظيفتهم اختيار الأصلح للأمة، فإذا هم يتعرضون للقتل دون ذنب إلا بسبب رأي رأوه أو رفضوا ترشيح أحد لم يقبل به الناظر.
إن التطبيق الفريد لقاعدة الشورى من خلال الانتخابات والتماس رأي الأمة حدث في اختيار الإمام علي بن أبي طالب (ع) خليفة. إذ أجمع المسلمون في العاصمة (المدينة المنورة) وبقية الأقاليم الإسلامية ، عدا سوريا، على بيعته. ولم تتكرر هذه الحادثة في التاريخ الإسلامي كله.
يلاحظ وجود تناقضات في هذا النظام ونقص في قاعدته الشرعية الإسلامية لأن الرأي الذي طرحه المسلمون الأوائل وعلى رأسهم أبو بكر كان يؤكد على أن الخلافة من حق المهاجرين من أهل مكة، ومن قبيلة قريش بالذات. إن الواقع يبين أن الخلفاء على الأقل في القرون الستة الأولى من تاريخ الخلافة الإسلامية كانوا من إثنية عرقية واحدة: العرب من قبيلة قريش.
ولم يكن هناك معارضة لهذا التوجه سوى لدى فرقة الخوارج الذين قبلوا أن يكون الخليفة من غير العرب بل وحتى عبداً أسود. فيما بعد تقبل الفقهاء السنة شرعية الوصول للخلافة من خلال الانقلاب العسكري أو ما سموه بالغلبة أو الشوكة.
وقام الفقهاء السنة المتأخرون بتطوير نظرية الخلافة ونظام الشورى لينسجم مع الأفكار الحديثة وخاصة الديمقراطية الغربية. إذ يرى معظم الفقهاء أمثال رشيد رضا (1865-1935) وأبو الأعلى المودودي (1903-1979) وحسن البنا وحسن الترابي بأن عهد الخلفاء الراشدين يمثل النظرية السياسية الإسلامية الحقيقية. وتستند هذه النظرية على سلطات دينية وسياسية واسعة للخليفة. وقد يدعى رئيس الدولة بالأمير أو أمير المؤمنين .
ويرون أن من صلاحية الخليفة تشريع وتنفيذ القوانين. ويعطون دوراً محدوداً للأمة و تمثيلها من خلال جماعة أهل الحل والعقد. نظرياً، يقتصر دور أهل الحل والعقد بعرض أفضل مرشح لتولي منصب الخلافة، ثم إدارة عملية أخذ البيعة له من الناس. بقيت هذه الجماعة مجرد افتراض نظري ولم توجد في يوم من الأيام ، ولم تتطور لتصبح مجلساً قانونياً يمارس وظيفته وصلاحياته. وحاول بعض الفقهاء صياغة هذه الجماعة في شكل جديد ، فاقترحوا أن تتشكل على غرار البرلمان الغربي. إذ يرى رشيد رضا أن الخلافة كانت ويجب أن تبقى تمثل السلطتين الروحية والدنيوية معاً. وأعطى المودودي فهاماً جديداً للشرعية الدينية للخليفة، حين رفض أن يكون الخليفة نائباً عن الله حيث يقول: إن باستطاعة جميع الناس الإدعاء بهذا المنصب (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) (البقرة: 30). ثم يضيف: إن رئيس الحكومة يتمثل بالعمل بالسلطة المخولة له فوراً من قبل الخلفاء اللاحقين). إن المفكرين الإسلاميين والحركات الإسلامية السنية المعاصرة كالإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في الباكستان يدافعون عن تأسيس نظام الخلافة كدولة إسلامية.
ومنذ إلغاء الخلافة عام 1924 في تركيا لم تقم أية خلافة في أي بلد إسلامي، عدا تجربة أفغانستان حين قامت حركة طالبان بتأسيس (إمارة أفغانستان الإسلامية) للفترة 1996-2001 والتي تزعمها الملا عمر. نظرية الإمامة
الإمامة تعني القيادة الدينية-السياسية للمجتمع المسلم ، وهي من المسائل العملية الهامة التي هيمنت على أذهان المسلمين بعد وفاة الرسول (ص) عام 632م.
وكما ذكرنا من قبل، فالفقهاء السنة اختاروا ودعموا نظريتهم ، وقاموا بتطويرها وفق الواقع السياسي التاريخي، وأيدوا تعيين واستمرار نظام الخلافة طوال الوقت باعتباره النظام الشرعي الوحيد. وقد رفضت هذه النظرية وتبريراتها رفضاً قاطعاً من قبل المذهب الشيعي الذي يؤكد على أن القيادة تحتاج إلى مواصفات خاصة.
وقد تبنى هذه النظرية عائلة النبي (ص) والتي تسمى بأهل البيت (ع) ، وبالخصوص الفرع العلوي من البيت الهاشمي الذي يؤمن بإمامة علي بن أبي طالب (ع) ، وهو ابن عم الرسول (ص) وزوج ابنته فاطمة الزهراء (ع). ويؤمن الفقهاء الشيعة بأن النبي (ص) قبل وفاته كان قد عين علياً (ع) خليفة من بعده وذلك في الثامن عشر من شهر ذي الحجة عام 10 هج الموافق 17 آذار 632م. وقد حدث ذلك بعد عودة الرسول من حجة الوداع حيث أعلن تنصيب علي (ع) خليفة من بعده في واقعة مشهودة في غدير خم ( الجحفة حالياً). وشهد حفل التنصيب ثمانون ألفاً من المسلمين. وقد قام الصحابة بتهنئة علي (ع) بذلك المنصب الجديد.
وفي تبرير هذه النظرية يستند الشيعة على مجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وروايات تاريخية مأخوذة من المصادر السنية نفسها. ويؤمن الشيعة بأنه بعد علي (ع) كان هناك أحد عشر إماماً سمّاهم الرسول (ص) خلفاء من بعده.
وبحسب عقيدة الشيعة فإن هؤلاء الأئمة معصومون من الخطأ والذنب (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) (الأحزاب: 33). كما أن لديهم سلطات وصلاحيات كالتي للرسول (ص) من حيث القيادة والتشريع. وعلى ذلك جرى اعتبار أحاديثهم بنفس درجة وسلطة وأهمية أحاديث الرسول (ص). لم يتول الخلافة من أولئك الأئمة سوى اثنين:
الأول وهو الإمام علي (ع) للفترة من ( 36-40هج/ 656-660م) ، والثاني هو الإمام الحسن الذي تولى الخلافة لمدة ستة أشهر (40-41هج/ 660-661). وقد رفض الشيعة شرعية جميع الخلفاء السنة في التاريخ معتبرين إياهم غاصبين لحقهم. وقد بقي هذا الموقف طوال التاريخ حيث استمر الشيعة على العموم بالمعارضة السياسية للحكومات والدول السنية. وقد استشهد الإمام الثالث (الإمام الحسين (ع)) في واقعة كربلاء بالعراق عام 680م. واستمر الأئمة الآخرون برفض شرعية الخلفاء السنة ، وبقوا بعيدين غالباً عن أي اتصال مع الخلافة.
وكانوا في الظاهر مشغولين بشؤون الفقه وتفسير القرآن ورواية الأحاديث عن الرسول (ص) والأئمة الذين قبلهم، وتدريس الطلاب العلوم الإسلامية ، لكنهم في السر لم يتوانوا عن تأييد الثورات والانتفاضات الشيعية ضد الأمويين والعباسيين. وقد اغتيلوا جميعاً من قبل الخلفاء المعاصرين لهم، وبطرق مختلفة. وقد أدى ذلك بالإمام الثاني عشر ، الإمام المهدي (عج) للإختفاء والغيبة عن الأنظار منذ القرن التاسع الميلادي (260 هج)، بانتظار الحصول على أنصار كافين ووجود ظروف مناسبة لعودته وظهوره مرة أخرى وتأسيس دولة إسلامية عالمية. إن احتجاب الإمام الثاني عشر لمدة أحد عشر قرناً وضع الفقهاء الشيعة في مشاكل لا يمكن تفاديها تتعلق بقضايا الحكم والحكومة والدولة. إذ كان هناك العديد من الأسئلة المطروحة مثل:
ما هو الموقف الشرعي للشيعة تجاه الحكومة الإسلامية؟ كيف يمكن تطبيق القضاء الإسلامي في الوقت الحاضر؟

من الذي يحكم الدولة وما هي صفاته؟
من الذي يضع التشريعات والقوانين الوضعية لإدارة المجتمع المسلم؟ بدأ بعض الفقهاء الشيعة بتطوير فكرة مفادها أن الفقيه الشيعي يمكن أن يتحرك نيابة عن الإمام أو يحتل موقع نائب الإمام الغائب.
ولكن غالبية الفقهاء الشيعة سواء المتأخرين أو المعاصرين رفضوا توسيع صلاحيات الفقيه لتصل إلى مستوى الحاكم. ورفضوا ممارسة أية سلطات دنيوية، كما رفضوا فكرة أن يتمتع الفقيه بصلاحيات الإمام المعصوم. إن أول فقيه شيعي بادر إلى عرض فكرة النيابة العامة للإمام هو العالم الإيراني الشيخ أحمد النراقي (ت 1828م) في كتابه (عوائد الأيام). وغالباً ما يرجع الإمام الخميني (1902-1989) إلى هذا الكتاب، وكان مدركاً للمضامين الكامنة في الدور المتسع الجديد لمرجع التقليد.
وأثناء إقامته في منفاه في النجف الأشرف بالعراق، في منتصف الستينيات، بدأ الخميني ، باعتباره مرجعاً للتقليد وأستاذاً في الحوزة العلمية، بإلقاء محاضراته حول (ولاية الفقيه). وقد طبعت تلك المحاضرات في كتاب بعنوان (الحكومة الإسلامية).
ويناقش فيه أنه من واجب المسلمين تأسيس هكذا حكومة، وأنه من واجب الفقهاء تولي جميع المهام التي كان الرسول محمد (ص) يقوم بها، وبضمنها الحكم المباشر للدولة.
ويرى الخميني أنه ليس من الضروري أن ينتظر المسلمون إلى ما لا نهاية ظهور الإمام الغائب من أجل تشكيل الحكومة المرتقبة.
إذ يمكن تأسيس حكومة إسلامية هنا والآن ، بشرط أن يتزعمها أحد الفقهاء المتصدين. ويؤكد الخميني بأن الولي الفقيه لديه سلطات دينية ودنيوية، وبوجوده فقط يمكن أن تكتسب القيادة الشرعية المطلوبة. في عام 1979 وصل الخميني إلى السلطة في إيران وأصبح السلطة العليا لجميع شؤون الحكومة. إن الخميني يختلف كثيراً عن المودودي والإخوان المسلمين الذين يرون أنه يجب إصلاح المجتمع أولاً قبل تطبيق القانون الإسلامي. بينما الخميني على العكس من ذلك، حيث يرى وجوب تطبيق القانون الإسلامي مباشرة من أجل إصلاح وتجديد المجتمع المسلم

الدول الإسلامية المعاصرة
نشأت خلال القرن العشرين بضعة دول "إسلامية" في العالم الإسلامي. وهناك اختلافات بينها في التشكيل والنظرية والممارسات والشرعية. وكل واحدة منها تدعي أنها تمثل الدولة الإسلامية في العصر الحديث رغم أنها ذات خلفيات تاريخية وسياسية متنوعة وتوجهات معينة.
وكل منها تدعو لأيديولوجيتها وفكرها السياسي والديني، وكل منها لديه أنصار ومؤيدون بين المسلمين في أنحاء العالم. وتختلف هذه الدول من الملكية المحافظة كالسعودية والمغرب إلى الإمارات الراديكالية مثل طالبان، إلى الجمهورية الإسلامية كالسودان والجمهورية الثيوقراطية كإيران. ويبدو أن كل دولة إسلامية معاصرة تأسست واستمرت بفعل تحالفات داخلية: فالتحالف الملكي-الوهابي في السعودية ، وتحالف الإسلاميين والعسكر في السودان والباكستان، وتحالف المثقفين الإسلاميين والفقهاء في إيران، وتحالف رجال الدين والميليشيات في أفغانستان (قبل سقوط طالبان عام 2001)