|
تفكيك إعلان مبادئ
المالكي
بوش
رؤية في مستقبل العلاقات الامريكية العراقية
سعد سلوم
ما أن أعلن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بأن عام 2008 سيكون العام
الأخير بالنسبة للتفويض الممنوح من الأمم المتحدة للقوات
الدولية الموجودة في العراق، وقعً مع الرئيس الاميركي بوش،
اعلان مبادىء حول العلاقات الاميركية العراقية، أثارالكثير
من الجدل، بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي تزامن معها، وهي
مرحلة يرى مراقبون انها حسّاسة عراقياً وإقليمياً
وأمريكياً.
ل
وبالرغم من الاعلان الرسمي بأن "الاتفاقية أو الاعلان"
ستخرج العراق من احكام الفصل السابع من ميثاق الامم
المتحدة، الا ان الاراء تضاربت بشأنها بين القبول والرفض.
واعتبرها البعض عقدا بين طرفين غير متكافئين، وذهب البعض
منهم، الى اعتبارها تكريساً للاحتلال الاميركي للعراق،
وجعل مصير العراق مرتهناً بواشنطن.
وقبل ان نتناول اعلان المبادىء المذكور بالتحليل قد يكون
من المفيد ان نقدم صورة مجملة عن التطور التاريخي للعلاقات
الاميركية العراقية*، اذ يمكن تقسيم العلاقات الاميركية
العراقية الى ثلاث مراحل متميزة:
المرحلة الاولى تشهد بداية الصراع والتنافس الاميركي
البريطاني حول نفط العراق والذي تزامن مع بروز الولايات
المتحدة كدولة عظمى وآفول الامبراطورية البريطانية سيما
بعد الحرب العالمية الثانية واتجاه الولايات المتحدة الى
وراثة المستعمرات البريطانية واشغال الفراغ الذي تركه
الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج، وقد استطاعت الولايات
المتحدة حسم الموقف لصالحها من خلال اجتذاب النظام السياسي
العراقي للدوران في فلكها عن طريق مجموعة ترتيـبات كان لها
الأثر في توجيه السياسة الخارجية العراقية بما يخدم
الولايات المتحدة ، في مقدمة هذه الإجراءات الأمريكية جاءت
اتفاقية الأمن المتبادل لعام (1954) ، ومعاهدة حلف بغداد
لعام (1955) كما جاء مبدأ ايزنهاور لملئ الفراغ في منطقة
الشرق الأوسط بعد تراجع وضعف النفوذ البريطاني.
وتغطي هذه الفترة المتميزة حقبة الحكم الملكي في العراق
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة على يد البريطانيين عام
1921 وحتى يوم سقوط النظام الملكي على يد العسكريين في
انقلاب 14 تموز 1958
أما المرحلة الثانية فتمتد طوال حقبة العراق الجمهوري
1958-2003 بتجلياتها القاسمية (نسبة الى عبد الكريم قاسم)
والعارفية (نسبة الى الاخوين عارف) والصدامية 1979-2003،
وفيها نشهد بداية تدهور العلاقات الاميركية العراقية
بأصدار عبد الكريم قاسم لقانون النفط رقم 80 كانون
الأول/1961 الذي جرد شركات النفط العاملة في العراق من
جميع الأراضي غير المستثمرة فعلياً والتي كانت تساوي حوالي
(99.5) من الأراضي العراقية غير المستثمرة والممنوحة
للشركات. وعلى الرغم من تجاوزنا لبعض التحولات التاريخية
فأننا يمكن ان نشير الى ان تدهور العلاقات وصل الى ذروته
عام 1991 أبان المواجهة العسكرية المباشرة التي ترتب عليها
هزيمة الجيش العراقي وانسحابه من الكويت(عاصفة الصحراء) ثم
تجلى بعدها التصارعي في سقوط نظام صدام حسين عن طريق الغزو
العسكري الاميركي المباشر 2003(الصدمة والترويع).
في حين تشكل المرحلة الثالثة بعد الاحتلال2003 الى الوقت
الذي نعيش في خضمه الان، وهي تمثل المرحلة التي تم فيها
بناء العلاقات على اسس جديدة غير مسبوقة، رتبت لوضع العراق
المتميز في أطار تحقيق الاهداف الاميركية العامة في منطقة
الشرق الاوسط على خلفية من احداث 11 من أيلول وتداعياتها،
الامر الذي يضع مستقبل العلاقات الاميركية العراقية في
دائرة الاهتمام الاقليمي والدولي في ضوء الثروات التي
يمتلكها العراق والموقع الاستراتيجي له وسط جو اقليمي
مشحون بالصراع وتعارض الاهداف والمصالح.
وبعد صدور اعلان مبادىء المالكي بوش اتضحت الصورة
المستقبلية للعلاقات الاميركية العراقية بعد ان غطى هذه
الصورة غبار الاحداث المتسارعة للسنوات التي اعقبت الغزو
الاميركي للعراق.
واعتقد اننا بحاجة الى قراءة هادئة للاعلان نفكك من خلالها
مدلولاته ونتكهن بما اخفاه النص ونشرح مضمونه ونستشرف
المستقبل من خلال تحليل المبادىء العامة التي انطوى عليها
النص، ونحاول تقديم توصيات في سبيل رفع كفاءة الجانب
العراقي في المفاوضات المستقبلية التي سينجم عنها توقيع
اتفاقية ثنائية بين الولايات المتحدة والعراق سيتوقف على
تطبيقها مستقبل العلاقات الاميركية العراقية.
أولا : ارساء المبادىء المشتركة لمستقبل العلاقات
الاميركية العراقية.
في 26 تشرين الثاني2007 صدر عن البيت الابيض إعلان المبادئ
الأميركي العراقي للصداقة والتعاون، وهو بحسب تحديد البيان
"بيان نوايا مشتركة يرسي المبادئ المشتركة لرسم علاقاتنا
في المستقبل".
من ذلك نفهم انه:
1. اعلان نوايا لم تدخل بعد في حيز الفعل، لكنها نوايا عبر
عنها الطرفان اكثر من مرة لتعزيز العلاقة وتوضيح معالمها.
وهذا الاعلان استمرار لالتزام بدأ في آب 2007 اذ إن حكومتي
العراق والولايات المتحدة ملتزمتان بإقامة علاقات طويلة
الأمد كدولتين ذات سيادة تامة، مستقلتين وذات مصالح
مشتركة. فبيان 26 آب الذي وقعه القادة السياسيون الخمسة،
رئيس الوزراء نوري المالكي، والأعضاء الثلاثة لمجلس
الرئاسة العراقي والزعيم الكردي مسعود البرزاني، يوم 26 آب
2007، والذي أيّده الرئيس بوش ينص على ما يلي: "اعتبر
القادة أن من المهم ربط تمديد العمل بالقرار 1723 لعام آخر
بإشارة الى إنهاء وضع العراق بمقتضى قرار الفصل السابع
لميثاق الأمم المتحدة وما يواكب ذلك من استئناف وضع العراق
الطبيعي كدولة كاملة السيادة والسلطات واستعادة وضع العراق
القانوني الدولي، أي الوضع الذي كان يتمتع به قبل صدور
قرار مجلس الأمن الدولي رقم 661 في العام 1990. وفي هذا
الإطار أكد الزعماء على ضرورة التوصل الى إقامة علاقة
طويلة الأجل مع الجانب الأميركي... تكون مبنية على مصالح
مشتركة وتشمل مختلف المجالات بين جمهورية العراق والولايات
المتحدة الأميركية. وهذا الهدف ينبغي أن يتحقّق في
المستقبل القريب(1).
أما الرئيس جورج بوش فقد أيد من جانبه بيان 26 آب. اذ قال
في كلمته في قاعدة كيركلاند الجوية "إنني أرحب وأقبل
الرغبة المعلنة للقيادة العراقية بتطوير علاقة طويلة الأجل
مع الولايات المتحدة ترتكز على المصالح المشتركة. إن
الولايات المتحدة ملتزمة بتطوير هذه العلاقة وتمتين
الروابط الدبلوماسية والإقتصادية والأمنية مع الحكومة
والشعب العراقيين(2).
كما ذهب في خطابه الى الامة الاميركية يوم 13 ايلول 2007
الى"إن القادة العراقيين مدركون أن نجاحهم سيقتضي مشاركة
سياسية واقتصادية وأمنية أميركية تتجاوز فترة ولايتي
الرئاسية. وقد طالب القادة العراقيون بعلاقة دائمة مع
أميركا ونحن على استعداد للمباشرة ببناء تلك العلاقة،
بصورة تصون مصالحنا في المنطقة وتقتضي وجود عدد أقل من
القوات الأميركية"(3).
وبهذا الامر عبر الجانبان بصورة صريحة عن رغبتهما في تطوير
العلاقة وتدعيم اسسها وبذلك تحقق الايجاب والقبول بين
الطرفين لعقد الاتفاقية او اعلان المبادىء
.
2. البيان يتعلق بارساء المبادىء المشتركة التي ستسير
عليها العلاقات بين الطرفين مستقبلا ومن ثم فأنه سيحدد
الخطوط العريضة التي ستتناولها المفاوضات مستقبلا
بالتفصيل.
ثانيا: مقتضيات انطلاق العلاقات من وجهة نظر أميركية
وعلى الرغم من ان البيان هو اتفاق غير ملزم بحسب
التصريحات، الا اننا نجد اشارة واضحة الى نطاق التزام
الطرفين به من حيث المباشرة بالمفاوضات حيث ذهب البيان الى
انه " بهذا الإعلان يلتزم قادة العراق والولايات المتحدة
بالمباشرة بالتفاوض حول الترتيبات الرسمية التي تحكم هذه
العلاقة"
وقد اشار البيان الى طلب النخبة السياسية الحاكمة في
العراق ورغبة صانعي القرار الاميركيين في تطبيع العلاقات
بين الجانبين ومن ثم هناك (ايجاب) من قبل الطرف الاول
و(قبول) من الطرف الثاني بما يظهر الاعلان او البيان بصورة
اتفاق ابتدائي او أولي يفصح عن نية الطرفين وكاشفا عن
أرادتيهما، بما يرتب التزامات متبادلة بينهما تتعلق بتدشين
المفاوضات اللازمة لتفعيل الاتفاق حيث كشف الاعلان عن
مطالبة "القادة العراقيين بعلاقة دائمة مع أميركا، ونحن
نسعى لإقامة علاقة دائمة مع عراق ديمقراطي. ونحن على
استعداد لبناء تلك العلاقة بصورة مستديمة تصون مصالحنا
المتبادلة وتشيع الإستقرار الإقليمي وتقتضي مرابطة عدد أقل
من قوات التحالف".
من ذلك تتضح جملة من المسائل نسوق حولها الملاحظات الاتية:
1. الاستعداد الاميركي لبناء العلاقة بصورة دائمة تتجاوز
الوضع المرحلي الحالي من خلال اطار القوات المتعددة
الجنسيات، وذلك على نحو (حسب النص الذي يعكس وجهة النظر
الاميركية) يصون المصالح المتبادلة ولكن الاخيرة تحتاج الى
تقديرها من قبل كلا الطرفين كل من جهته، وقد تتلاقى
المصالح وقد تتقاطع او تتعارض سيما اذا كانت تتعلق بتحقيق
بعض الاهداف في المنطقة بشكل عام، لذا نجد النص يذهب الى
ان بناء العلاقة يشيع الاستقرار الاقليمي وقد لايعني ذلك
تشجيع مبادرات السلام فحسب انما خوض الحرب من اجل تحقيق
الاستقرار وهو ما يجعل مفهوم الاستقرار الاقليمي مفهوما
نسبيا يعكس وجهة النظر الاميركية فحسب، من حيث:
أ. تحقيق الاستقرار الاقليمي قد يعني ضمان امن اسرائيل
وضمان استمرار تدفق النفط.
ب. وسائل تحقيق هذا الاستقرار قد تتضمن سياسة الضغط
والاحتواء عن طريق العقوبات او عن طريق الحرب المباشرة
تجاه دول الجوار مثل سوريا و ايران.
2. من جهة اخرى اشار البيان الى بناء العلاقة بما يحقق
ترابط أقل عدد من القوات الاميركية وهذا يعكس لا شك في
ذلك، الرغبة الاميركية في تجاوز الضغوط والصراع بين
الحزبين الاميركيين على مستقبل الوجود العسكري الاميركي في
العراق والجدل المشتعل بينهما حول الانسحاب من عدمه،
وبطبيعة الحال فإن تفويض مجلس الامن للقوات المتعددة
الجنسيات في العراق والذي يعد الغطاء الشرعي للوجود
الاميركي في العراق سيستبدل بأتفاقية تشرعن ضمن اطار ثنائي
لمستقبل الوجود الاميركي في العراق سيما وان هناك عدة
قواعد اميركية في العراق لا بد من ترتيب وضعها في اطار
قانوني كما هو عليه الامر في القواعد الاميركية في الخليج
العربي وفي اليابان والمانيا وكوريا الجنوبية وغيرهما، حيث
يمكن اجراء المناورات والتدريبات العسكرية واستعمال
القواعد في تأمين القوات المرابطة في المنطقة الى غير ذلك
من المهام والاحتياجات.
وبهذا الصدد تتضارب التصريحات من قبل المسؤولين الاميركيين
حول أمد ومستقبل بقاء القوات الاميركية في العراق، ففي
الوقت الذي أقر فيه مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون هو
الثالث من نوعه، يقضي برفض إقامة أية قواعد عسكرية دائمة
للقوات الأمريكية في العراق، فيما يُعد مواجهة بين
الديمقراطيين، الذين يسيطرون على غالبية مجلسي الكونغرس،
وإدارة الرئيس الجمهوري جورج بوش.وقد صوت لصالح القرار،
الذي يتضمن أيضاً نصاً يحول دون سيطرة الولايات المتحدة
على الموارد النفطية في العراق، 399 عضواً، من
الديمقراطيين والجمهوريين، فيما عارضه 24 عضواً فقط،
جميعهم من نواب الحزب الجمهوري.وفور إقرار مشروع القانون،
قالت رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، وهي نائبة
ديمقراطية من ولاية كاليفورنيا: "هذا القانون يظهر بوضوح
أن الولايات المتحدة لا تنوي البقاء إلى ما لا نهاية في
العراق."وأضافت بيلوسي قائلة: "كان لابد من اتخاذ مثل هذا
الإجراء، لتوضيح الأمر جلياً، بعد صدور عدة تقارير متضاربة
من الإدارة، حول الإستراتيجية الأمريكية المستقبلية في
العراق"(4).
وذلك في الوقت الذي صرح فيه روبرت غييتس (سكرتير إدارة
الدفاع الأمريكية) في زيارة له لقيادة الباسفيك - هنولولو
" أن الولايات المتحدة تبحث عن "وجود ثابت طويل الأمد" في
العراق وفق اتفاقية مع الحكومة العراقية". وذهب للقول
"يُعتبر النموذج الكوري أحد الخيارات، وعلاقاتنا الأمنية
مع اليابان خيار آخر،" . تتواجد القوات الأمريكية في كوريا
الجنوبية منذ انتهاء الحرب الكورية 1950-1953 وفي اليابان
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.وقد أكّد المتحدث باسم
البيت الأبيض خلال نفس التاريخ رغبة بوش بتواجد عسكري
أمريكي في العراق في سياق دعوة الحكومة العراقية المضيفة.
"إن الوضع في العراق، وفي الحقيقة، الحرب الطويلة الأمد
على الإرهاب، هي أمور تتجه لتأخذ وقتاً طويلاً،" حسب
قوله(5).
مثل هذه التصريحات، بما تُرافقها من خطط عسكرية، تعني
بوضوح فرض استمرار بقاء القوات الاميركية لآمد بعيد، وتعبر
عن شكلية المناقشات الجارية في الولايات المتحدة- في
الكونغرس، الصحافة والرأي العام- بشأن وضع حد للتواجد
الاميركي في العراق.
وقد استعرض تقرير بحثي صادر في شهر تموز 2007 عن مركز
"جلوبال ريسيرش" الكندي لأبحاث العولمة شبكة القواعد
العسكرية الأمريكية العريضة في العالم من قواعد أرضية
وبحرية وجوية أو حتي قواعد تجسسية ومخابراتية في كل بقاع
الأرض تقدر بحوالي سبعمئة أو ثمان مئة قاعدة تكلف الولايات
المتحدة سنويا مئات المليارات من الدولارات من ضمنهاعشرون
قاعدة في العراق تكلفت 1،1 مليار دولار.
ومع زيادة شعور الولايات المتحدة بالخطر بعد هجمات 11
ايلول أضيفت سبع دول جديدة الي قائمة الدول التي تسمح
بوجود قواعد عسكرية أمريكية علي أراضيها. وبعد أن كان هناك
255 ألف جندي أمريكي منتشر في دول أجنبية عام 2002 قبل أن
تحدث هجمات 11 ايلول آثارها . أصبح الآن عددهم 325 ألفا
منتشرين في أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وأوروبا
الغربية والشرق الأوسط ووسط آسيا واندونيسيا والفلبين
واليابان. ويشير التقرير الي أن العديد من القواعد الجديدة
التي أنشأتها الولايات المتحدة مؤخرا هي قواعد تجسسية
ومخابراتية متصلة بالأقمار الصناعي(6).
هذا مع العلم بأن تسمية قواعد "دائمة الوجود" يتم إطلاقها
بواسطة البنتاغون على القواعد العسكرية الأمريكية التي يتم
اعتمادها للبقاء لفترة طويلة الأجل، وتكون تماماً مثلها
مثل القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة داخل الولايات
المتحدة الأمريكية(7).
ثالثا: ثلاث خطوات لتطبيع العلاقات الاميركية العراقية
يرسم الاعلان ثلاث خطوات من شأنها تطبيع العلاقات
الأميركية العراقية بصورة تنسجم مع سيادة العراق وتساعده
على استعادة وضعه الذي يستحقه في المجتمع الدولي
1. (أعلان المبادىء)
الخطوة الاولى يمثلها الاعلان نفسه فهو اعلان نوايا كما
اسلفنا يعكس رغبة الطرفين في تدعيم وبناء العلاقة، لكنه من
جهة اخرى لم يشر الى قضايا مثل جدولة الاحتلال بل هو يقطع
بموضوع مستقبل الوجود الاميركي في العراق بالاشارة الى
مرابطة عدد أقل من القوات، كما انه لم يعرض على البرلمان
على الرغم من اهميته القصوى المتعلقة بمصير البلد
واستقلاله وهندسة مستقبله على جميع الصعد.
2. (تجديد التفويض للقوات).
الخطوة الثانية تتمثل بالتجديد لعام نهائي لتفويض قرار
الأمم المتحدة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة
بشأن وجود القوة المتعددة الجنسيات في العراق، وذلك للدخول
في مرحلة جديدة اطلق عليها الاعلان تسمية "ما بعد الوجود
الدولي" ولم يستخدم الاعلان تسمية "اممي" فليس هناك قوات
للامم المتحدة مرابطة انما هناك قوات احتلال حول وضعها
بشكل قانوني لاضفاء الشرعية على تواجدها من خلال تفويض
مجلس الامن فاصبحت تحمل تسمية القوات متعددة الجنسيات منحت
تفويضا رسميا " باتخاذ جميع التدابير الضرورية للحفاظ على
السلام والأمن" بما يعنيه ذلك من استخدام القوة.
وبذلك يقسم الاعلان التواجد الاميركي
في العراق الى مرحلتين الاولى هي:
(مرحلة الوجود الدولي) طبقا لتفويض قرار مجلس الأمن
المستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
(مرحلة ما بعد الوجود الدولي) حيث سيلتزم الطرفان العراقي
والاميركي بانتقال الطرفين الى المرحلة الجديدة من خلال
هندسة وجود القوات الاميركية ووفقا للاتفاق الجديد، مما
يعني ان الطرف الثالث وهو الامم المتحدة سيكون بعيدا عن
المفاوضات ولن تكون هناك حاجة له ما دام طرفا العقد او
الاتفاق يمتلكان الشرعية الكاملة لعقده وفقا للضوابط
المعروفة دوليا لعقد الاتفاقات او المعاهدات الثنائية
وتصديقها وايداعها الخ
وقد اشار الاعلان الى ان العراقيين قد عبروا عن" رغبتهم
بتجاوز تفويض الفصل السابع للقوات المتعددة الجنسيات ونحن
ملتزمون مساعدتهم على تحقيق هذا الهدف".
والحقيقة ان رغبة معظم العراقيين كانت متعلقة بجدولة
الانسحاب ولم ترغب بتجاوز التفويض بقدر رغبتها بانسحاب
القوات كقوات محتلة بغض النظر عن التفويض الذي تستند اليه
هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فإن الهدف من تطبيق الفصل
السابع او اخضاع العراق لنظام الامن الجماعي الدولي هو رد
العراق الى حظيرة القانون الدولي وهو ما تمثله القرارات
المتخذة بعد احتلال الكويت، سيما القرار 661 الذي فرض
مقاطعة اقتصادية شاملة على العراق والقرار 678 الذي خول
بأستخدام القوة لاخراج القوات العراقية من الكويت. الا ان
القرارات الصادرة بعد ذلك منذ صدور القرار 687 وحتى صدور
القرار 1441 غذت تطوير اهداف شملت طائفة لا نهاية لها من
المطاليب مثل التعويضات، نزع اسلحة العراق، تحديد الحدود،
قضايا الارهاب، تطويق النظام السابق ...الخ في حين كانت
القرارات الصادرة بعد الاحتلال منذ صدور القرار1483 تعالج
المتغيرات الطارئة بفعل الاحتلال ومسؤولية الدول القائمة
به وقضايا الشرعية وانتقال السلطة ومحاربة الارهاب وادارة
البلاد واعاة البناء على الرغم من ملاحظة مجلس الامن
المتكررة عن كون الحالة العراقية ما تزال تشكل تهديدا
للامن والسلم الدوليين.
الامم المتحدة ستصبح اذن خارج نطاق اللعبة بعد ان تم
توظيفها لخدمة الاهداف الاميركية خلال الفترة السابقة
وسيخرج العراق من الخضوع للفصل السابع ليخضع لالتزامات
جديدة ترتبها اتفاقية ثنائية ستتضح تفاصيلها خلال
المفاوضات المقبلة لكن رسمت ملامحها الاساسية من خلال
الاعلان الحالي.
3. (التفاوض حول مستقبل العلاقات).
الخطوة الثالثة تتمثل بالتفاوض بشأن ترتيبات تفصيلية
ستنظّم العلاقة الثنائية بعد انتهاء تفويض قرار مجلس الأمن
بموجب الفصل السابع.
حيث يشير الاعلان الى انه " بعد تمديد العمل بتفويض الفصل
السابع لمدة عام واحد، سنبدأ بالتفاوض حول إطار يحكم
مستقبل علاقاتنا الثنائية".
التفاوض حول الاطار الحاكم لمستقبل العلاقات يعني بداية
عملية شاقة من المفاوضات بين الجانبين وبما ان طبيعة
التفاوض معلنة من حيث الهدف، اذ انها تفاوض من أجل تطبيع
العلاقة (Normalization) والمقصود بذلك "إعادة تأسيس علاقة
دبلوماسية او انهاء احتلال مؤقت، مثال ذلك العلاقة بين مصر
واسرائيل والامم المتحدة عام1947، اي عقب موقف غير عادي
وبعد وقف قتال ووجود جو غير مستقر"(8).
لكن ينبغي الاخذ بنظر الاعتبار ان التفاوض بصدد الاطار
الحاكم قد يفرز أما اتفاقا لصالح الطرفين وهو اذا ما انتهج
الطرفان المتفوضان مبدأ المصلحة المشتركة او ما يعرف
بمباراة "اكسب واكسب" والاستراتيجيات التفاوضية التي يحاول
الطرفان تبنيها هي تطوير التعاون الراهن وتعميق العلاقة
القائمة وتوسيع نطاق التفاوض ومده الى مجالات جديدة(9).
أو سيكون التفاوض من أجل مكسب لأحد الاطراف وخسارة للطرف
الآخر: وهذا النوع ( Win -Lose) يحدث عندما لا يتحقق توازن
في القوة بين الطرفين، والاستراتيجيات التفاوضية المنتهجة
هنا هي استراتيجيات تصارعية مثل إنهاك واستنزاف الخصم
وإحكام السيطرة عليه المصدر نفسه(10).
رابعا: طبيعة المفاوضات بين الطرفين الاميركي و العراقي
تمثل المفوضات الطريق المألوف لعقد المعاهدات والاتفاقات
الدولية والوسيلة الرئيسة لتنظيم وتنسيق العلاقات الثنائية
. وكل طرف من اطراف العملية التفاوضية "يملك سلطة تفاوضية
معينة، نقاط قوة يرتكز عليها في أدارة عملية التفاوض،
ولكونه من جهة اخرى، لايستطيع فرض ارادته ومطالبه على
الطرف الآخر، لانه لايملك السلطة المطلقة التي تتيح له
التحكم بالطرف الآخر تماما، ومن هنا كان لزاما عليه اللجوء
الى التفاوض بوصفه المخرج الوحيد المناسب الذي يمثل اداة
فعالة لها أكبر الاثر في حسم القضايا والمشاكل والوصول
لاتفاق يرضي الاطراف المتفاوضة"(11).
وبذلك يمكن القول بأن التفاوض سيكون عبارة عن "مشروع
تعاوني يتم البحث من خلاله عن مصالح مشتركة بين الاطراف
المتفاوضة للتوصل الى اتفاق"(12).
وجاء نص الاعلان مؤكداً على ضرورة المفاوضات حول مستقبل
العلافات كإقرار ضمني بأن هناك مشاكل وعثرات وتجاذبات
ستبرز حول تحديد ماهية العلاقات ومستقبلها مما سيتطلب من
وفدي المفاوضات التباحث بشأنها وتبادل وجهات النظر
والتحاور والنقاش شفاها او بتبادل المذكرات، والتنازل عن
المواقف وتهيئة البدائل وممارسة التكتيكات التفاوضية
واتباع اسلوب المساومات القائمة على عنصر المناورة وصولا
الى نقطة التوازن وتحقيق الالتقاء والتوافق واقناع الطرف
الآخر بوجهات النظر التي تحقق المصالح الوطنية.
ولاشك في ان ذلك يثير كثيرا من الاسئلة في الذهن مثل:
أ. هل ستكون الاهداف المعلنة للسياسية الاميركية في منطقة
الشرق الاوسط ككل هي سقف ما تسعى المفاوضات الى بلوغه
وتأطيره في اتفاق ثنائي؟
- وهل ستتطابق الاهداف المعلنة من خلال اعلان المبادىء مع
ما سيتم بلوغه من اهداف من خلال المفاوضات ؟
وهل ستتم المفاوضات بصورة سرية او علنية وهل ستنشر وقائع
المفاوضات وسيتم الاطلاع على المجرى الذي تسير فيه؟ اذ
كثيرا ما يكون من المرغوب فيه في المفاوضات إحاطتها بجانب
من السرية من أجل ابعاد التأثيرات الخارجية سيما وان
العراق محاط بعدد من دول الجوار التي ترغب بشدة في ان تأخذ
علاقاته مع الولايات المتحدة طابعا يتماشى مع مصالحها وهو
ما لايتوافق بالضرورة مع المصالح العراقية او المصالح
الاميركية. واعلان المبادىء عن وقت انطلاق المفاوضات سوف
يترك وقتا لوضوح وتنامي هذه التأثيرات تدريجيا مع اقتراب
الموعد الحاسم لانطلاقها.
ومن المهم بالنسبة للطرف العراقي الاستعداد للمفاوضات لنيل
اكبر مكاسب ممكنة، سيما وانه سيواجه فريقا محترفا من
المفاوضين مسلحا بجميع القدرات والمهارات التفاوضية،و سيتم
التفاوض حول مسألة في غاية الحساسية بالنسبة للسياسية
الاميركية ومستقبلها في المنطقة الا وهي شكل وطبيعة وحجم
الوجود الاميركي طويل الأمد في العراق وما سيرتبه ذلك من
التزامات على العراق.
ويمكننا تصور مرحلتين ستجري في سياقها المفاوضــات هي:
المرحلة الاولى: قبل اجراء المفاوضات
قبل اجراء المفاوضات ينبغي طرح بعض الاسئلة ومحاولة ايجاد
اجوبة لها تترتب طبقا لها استراتيجيات تفاوضية، مثلا:
أ. بأي لغة سيكون نص الاتفاقية؟
ب. واذا كان الاتفاق باللغتين العربية والانكليزية فعند
الاختلاف في التفسير اي النصين سيرجح، الانكليزي ام
العربي؟
ج. ومن سيقود المفاوضات: هل هم القادة السياسيون ام فريق
من المفاوضين المحترفين والخبراء؟
قبل الاجابة على هذه الاسئلة وحسمها قد يكون من المفيد ان
نتفحص مليا في النصيحة التي قدمها الخبير الاميركي "بيتر
و. غالبريث" للقادة الاكراد حين طلبوا منه مراجعة الجوانب
العملية لمجرى المفاوضات حول الدستور الانتقالي اذ قال :
" لو كنت أجري المفاوضات لصالح سلطة التحالف لكنت أريد
السيطرة على النص. ففي المفاوضات التي نتجت عنها أتفاقيات
دايتون للسلام (والتي شاركت فيها) بادر كبير المفاوضين
الاميركيين-السفير ريتشارد هولبروك- إالى جعل الأطراف
يوافقون على مبادىء عامة، ثم ترك لخبراء أميركيين إدخال
التفاصيل بالطريقة التي كنا نريدها. كما كنا نعمل بنص
باللغة الانكليزية، الامر الذي كان لصالحنا، وليس لصالح
الاطراف الناطقة باللغات الصربية والكرواتية
والبوسنية"(13).
ويذهب غالبريث الى انه قام بحث القادة الطالباني
والبارزاني على العمل من خلال مفاوضين، بدل مشاركتهما
المباشرة في المباحثات الدستورية، فالقادة في رأيه نادرا
ما يفهمون المعاني المبطنة في النصوص، وحين يجلسون الى
مائدة المفاوضات، يقعون تحت ضغوط تقديم الإجابات الفورية.
لذلك رأى غالبريث ان من الافضل للفريق المشارك في
المفاوضات أن يكون في وسع ممثله القول إنه يترتب عليه عرض
أي اتفاق مقترح على صاحب القرار الغائب، فهذا لايتيح وقتا
للتأمل فحسب، بل يمكن استغلاله من أجل الحصول على بعض
التنازلات الإضافية(14).
ويقول غالبريث بالاستناد الى خبرته "إن القادة بشكل عام
ليسوا افضل المفاوضين لكون غريزتهم السياسية تملي عليهم
السعي الى اسعاد الناس، وهذا يعني في معظم الاحوال الإجابة
بنعم. أما المفاوض الناجح فلا بد له من أن يتلذذ بكلمة
كلا(15).
يمكن تلخيص انطلاق الاستراتيجية التفاوضية بوضع العزم على
ما يلي:
1. (لغة الاتفاقية) لابد من السيطرة على نص الاتفاقية فمن
الافضل ان تكون لغة الاتفاقية العربية والانكليزية وعند
الخلاف يرجح النص العربي.
2. (فريق المفاوضين): لا بد من أن يقود المفاوضات خبراء
ومفاوضون محترفون يرجعون الى القادة السياسيين لاتخاذ
القرارات النهائية والحاسمة، من اجل تدعيم موقفهم التفاوضي
من جهة وكسب مزيد من الوقت لاجراء المساومات والحصول على
تنازلات مفيدة من جهة اخرى.
3. (الجانب المعلوماتي): من المهم استطلاع وجهات نظر الطرف
الآخر للعملية التفاوضية، وتوفر القدرة على جمع البيانات
والمعلومات المستخدمة او الداخلة في عملية التفاوض والتي
لها علاقة مباشرة او غير مباشرة بها، وكذلك وجود القدرة
على تحليل واستخدام المعلومات. مع عدم نسيان مصدر مهم في
المفاوضات الحكومية هو المصدر الاستخباراتي(16).
والطرف الذي يمتلك المعلومات الجيدة، يستطيع ادارة عملية
التفاوض لصالحه، فنحن نعيش في عصر المعلومات، لا عصر
الافتراضات الشخصية، وكلما كانت المعلومات ذات طبيعة واضحة
ومحدودة ودقيقة، كلما سهلت عملية التفاوض، وسيكون مالكها
بالتالي في موقع افضل دائما. وتشمل المعلومات حجمها
ونوعيتها وعلاقتها بموضوع التفاوض وكذلك المعلومات السابقة
وجوانب القوة والضعف عند طرفي التفاوض، وحجم الموارد
المتوفرة ومعرفة اعضاء فريق المفاوض وفريق الخصم (الطرف
الاخر)، والتوقيت اللازم لبدء المفاوضات وطبيعة المشاكل
التي يتم التفاوض بشأنها ومقدار حجم الصلاحيات الممنوحة
للمفاوض وخصمه وغيرها(17).
4. (توازن القوى بين الطرفين): قبل اجراء عملية التفاوض
يجب توفر توازن القوى، أي ان يكون توزيع القوة بين اطراف
العملية التفاوضية قريبا من نقطة التوازن، والا فأن احد
الاطراف سيكون تحت رحمة الطرف الآخر، وستملى عليه الشروط
من قبل الطرف القوي، وعدم التكافؤ بين اطراف العملية يجعل
المفاوضات تسير بشكل غير ناجح بالنسبة للطرف الضعيف، سيما
اذا تعارضت المصالح، وحصلت في مجرى العملية التفاوضية
مساومات قسرية تجعل الطرف الضعيف يخضع لشروط مجحفة وحققت
مكاسبا للطرف القوي .
المرحلة الثانية: اثناء المفاوضات
اثناء المفاوضات يدخل الطرفان في عملية تفاعلية تستدعي
توفر شروط لازمة لقيادة المفاوضات بنجاح والوصول الى افضل
نتيجة ممكنة تقوم على التوافق والحلول الوسط وذلك يستدعي
حسب رأينا توفر مصلحة تدفع الى التوصل الى صفقة مربحة
ولزوم المهارة التفاوضية للوصول الى مثل هذه النتيجة
المرجوة وهو ما سنتناوله بالتوضيح كالأتي:
1. (المصلحة المشتركة)
يجب ان تتوفر مصلحة مشتركة بين اطراف العملية التفاوضية،
اي ضرورة توافر مصلحة محتملة متبادلة بين الطرفين يدفعهما
للتوافق ورؤية منافع متبادلة ملموسة في التوصل الى اتفاق
يخدم الطرفين، بخلاف ذلك تسير المفاوضات باتجاه واحد
ولايبقى تفاوض على شيء بقدر قسر من طرف وقبول واذعان من
قبل الطرف الآخر. وفي جميع الاحوال لايمكن ان تكون المصالح
متطابقة تماما بل ان كل علاقة محتملة تتضمن "مزيجا من
المصالح المشتركة والمصالح المتعارضة، فالمشاركة في بعض
المصالح تخدم كحافز نحو الدخول في مساواة لتحقيق اتفاق حول
المصالح الاخرى المتنازع عليها"(18).
2. (مهارة صنع القرار التفاوضي(
لا بد لفريق المفاوضين من امتلاك القدرة الفنية في صنع
القرارات الخاصة بالمفاوضات، وهذه القدرة تعتمد على امتلاك
وتنمية المداخل الرئيسية للتفاوض، وكذلك مستلزمات صنع
القرار التفاوضي وتطوير البدائل والخطط الخاصة به(19).
اذ تتحرك عملية التفاوض بشكل مستمر حول تحديد شكل الخيارات
والبدائل المطروحة، وعلى هذا فعلى طرفي العملية التفاوضية
انشاء وتكوين عدد من الخيارات والبدائل قبل تقرير ماذا
سيعملون لاحقا(20).
واذا جرى نوع من التنازل فليكن في امور هامشية ولايتعلق
بالمسائل بالغة الخطورة والحيوية والا فأن الافراط في
التنازلات سيؤدي الى انهيار عنصر التوازن القائم بين
الطرفين ويجعل من احد الاطراف مذعنا لرغبات ومصالح الطرف
الاخر.
خامسا: مستقبل التعاون الاميركي العراقي في الحقول
السياسية والاقتصادية والامنية
وتضمن الاعلان الاشارة الى مجموعة من القضايا في مقدمتها
التعاون في الحقول السياسية، الاقتصادية، الثقافية،
والأمنية، والنص يتضمن الاشارة الى التزام الولايات
المتحدة حول ترتيبات تقوم على طائفة من المبادئ يمكن
تلخيصها كالاتي:
في المجال السياسي والدبلوماسي: يتضمن ذلك التزام الولايات
المتحدة بالدفاع عن العراق ضد التهديدات الداخلية
والخارجية، ودعم الدستور العراقي، ومساندة التوافق العراقي
الوطني، وتعزيز وضع العراق الإقليمي وفي المنظمات الدولية،
كي يكون بمقدوره أن يلعب دورا بنّاء في المنطقة.
في المجال الاقتصادي: يتضمن ذلك دعم نمو العراق وتحويله
الى اقتصاد السوق و دعم تطوير المؤسسات الاقتصادية
العراقية وتعزيز اندماج العراق في المؤسسات المالية
الدولية، لغرض تشجيع كل الأطراف على التقيد بالتزاماتها
التي قطعتها في العقد الدولي مع العراق، ومساعدة العراق في
جهوده لاستعادة أموال وأملاك أخرجت من العراق بصورة غير
مشروعة، ولتأمين تخفيف أعباء ديونه وتشجيع تدفق
الاستثمارات الأجنبية على العراق.
في المجال الامني : دعم الحكومة العراقية في مجالات تدريب
قوات الأمن العراقية وتزويدها بالعتاد وتسليحها، كي تستطيع
توفير الأمن والاستقرار لجميع العراقيين؛ ودعم الحكومة
العراقية في المساهمة في الكفاح الدولي ضد الإرهاب من خلال
التصدي للإرهابيين من أمثال القاعدة والصداميين وكذلك كل
الجماعات الأخرى الخارجة عن القانون، وتوفير ضمانات أمنية
للحكومة العراقية كي تردع اي عدوان خارجي، وتكفل وحدة
الأراضي العراقية.
على الرغم من عدم اشارة الاعلان الى طبيعة ما سيقدمه
العراق من التزام تجاه الولايات المتحدة مقابل التعاون
الاميركي في المجالات سالفة الذكر، الا ان مساهمة العراق
تبدو واضحة في ضوء الاهداف الاميركية المعلنة للحرب وما
تبعها من تحركات، فالعلاقة ترتب التزاما تبادليا على
الجانبين، وفي ضوء اوجه التعاون في المجالات السياسية
والاقتصادية والامنية
ففي المجال السياسي كان الهدف المعلن هو تحويل العراق الى
نموذج للديمقراطية يحتذى به في المنطقة كجزء من عملية
تحويل الشرق الاوسط ومن ثم كان العراق بوصفه النموذج سيكون
قطعة الدومينو الاولى في عملية تغيير المنطقة وسيعقبها
التغيير عبر تعاقب الآثر، ومن ثم يصبح الدفاع عن نجاح هذا
النموذج وتجنب الفشل وتحطيم تجربة التحول الديمقراطي في
العراق جزءا من الاستراتيجية الاميركية في حربها الطويلة
مع الارهاب الدولي.
اما الجانب الاقتصادي فيشمل استمرار تدفق النفط وضمان حصول
الشركات الاميركية على حصة الاسد في مجال الاستثمار في
قطاع النفط وفقا لعقود مشاركة الانتاج او غيرها من صيغ
العقود التي ستحقق ارباحا طائلة للشركات الاميركية فضلا عن
الحصول على عقود اعادة البناء والاعمار حيث يمثل العراق
ارضا خصبة وفرصة هائلة للاستثمارات في جميع المجالات
بالاضافة الى المجالات الامنية ودور العراق في المعركة
العالمية ضد الارهاب الدولي التي اصبح العراق بعد الغزو
الاميركي ساحتها الرئيسة وجبهتها الاولى، في سياق ذلك
ستقدم الاراضي العراقية مساحات للقواعد العسكرية الدائمة
التي سيتم الانطلاق منها للدفاع عن المصالح الاميركية
وتطويق بؤر التوتر والنزاعات، سيما وان السياسة الاميركية
بعد 11 من ايلول تنطلق من تصور ذاتي للدفاع عن النفس -طبقا
للمادة 51 من ميثاق الامم المتحدة- يرى في محاربة شبكات
الارهاب في اي جزء من المعمورة تفعيلا لحق الدفاع الشرعي
عن النفس حتى لو كان الخطر مفترضا واحتماليا ولم يكن
مؤكدا، لذا كان حق الدفاع هنا وقائيا واستباقيا.
خــاتمــة
لا تأخذ طبيعة العلاقات بين أي دولتين طابعا واحدا او تظل
على مستوى افقي متوازي بل هي في حالة صيرورة وتبدل تبعا
لمدركات كل من الدولتين للاخرى، وهذا يعني ان طبيعة ادراك
دولة لعلاقتها مع الدولة الاخرى لن تكون بالضرورة متوافقة
ومتطابقة مع إدراك الدولة الاخرى لطبيعة هذه العلاقة، وهذا
التباين في الرؤى مرده الى حالة الاختلاف والتباين في
المصالح والتكوين الايديولوجي والأهداف لكل طرف من طرفي
العلاقة.
هذه القاعدة العامة تنطبق على تاريخ العلاقات الاميركية
العراقية، وستحكم مستقبلها أيضا، وكان من نتائجها اتصاف
العلاقات الاميركية العراقية بقدر غير قليل من عدم
الاستقرار والتذبذب، اذ نجدها تنطوي على مدخلات تعاون في
فترات ثم تنقلب الى مدخلات صراع في أحيان أخرى، او نلاحظ
انها تنطوي على الاثنين معا في فترات اخرى، وقد غفلت النخب
السياسية العراقية عن الامكانيات المتاحة في استثمار هذه
العلاقات بما يخدم عملية بناء الدولة وتعزيز دورها، وظلت
السياسات الايديولوجية للنخب العراقية الحاكمة، متحكمة في
طبيعة هذه العلاقات، وانعدام الثقة والشك علامة رئيسية من
علاماتها. ويبقى الرهان منعقدا على حسن اداء العلاقة
ومخرجاتها المستقبلية للخروج من آسار التبعية والذيلية الى
مستوى الشراكة والتحالف الايجابي بما يخدم مستقبل البلاد
والارتفاع الى مستوى النضج والاستقرار، سيما بعد تصدع
الدولة وضعفها وحاجتها الى الحماية وأعادة البناء وسط
اطماع اقليمية معروفة وتدخلات من قبل بعض دول الجوار، وهو
ما يرسم مديات ضرورية وواسعة لقيام علاقات مستقبلية تنطوي
على مدخلات تدعم تلك العلاقة القائمة على المصالح
المتبادلة والاعتماد المتبادل.
لكن القيام بعلاقات قائمة بين طرفين متساويين هو افتراض
متفائل مع واقع مقتضيات السيادة الفعلية، سيما اننا نتناول
طرفين غير متكافئين من حيث القوة او السلطة: فأولا هناك
الولايات المتحدة اكبر قوة عسكرية امبراطورية ومن جهة اخرى
هناك العراق المحطم المنقوص السيادة والذي هو في مرحلة
اعادة البناء وسط جو شرق اوسطي متفجر.
لا يمكن هندسة علاقات ايجابية مع الولايات المتحدة دون اخذ
الامور التالية بالاعتبار:
1. لابد من تحقيق نوع من الاستقرار السياسي وانطلاقة عملية
التنمية التي لا تحيا بدون جو امن، وذلك لغرض تحقيق رؤية
سياسية واضحة في محيط ضبابي يموج بالعنف واللااستقرار.
2. انسحاب القوات متعددة الجنسيات وتسلم الملف الامني
كاملا، بما يظهر العراق بلدا كامل السيادة، مزودا بحكومة
قوية مستقلة تحقق هامشا تفاوضيا ايجابيا.
3. وضع ثروة العراق النفطية في أطار خطة وطنية تأخذ
بالاعتبار دعم تنمية البلاد ومستقبلها مع ضمان قدر اكبر من
الاستقرار في توفير الامدادات النفطية للولايات المتحدة
وبما يحقق مصالح متوازنة للجانبين - الخروج بالعلاقات من
أطار التوظيف السياسي لخدمة الاهداف الاميركية الى نطاق
توظيف العلاقات بما يسهم في بناء البلاد وتدعيم دورها
الاقليمي والدولي، ويكون ذلك بتوظيف مكانة العراق في
السياسة الاميركية بشكل عام بما يدعم نجاح الإصلاحات
السياسية والاقتصادية و التاثير على بقية الدول الدائنة
للعراق في سبيل تخفيض ديونها على العراق أو اسقاطها، ودعم
وتغذية متطلبات التحول الديمقراطي في العراق، والانفتاح
على العالم الخارجي والنظام الدولي بما يكفل لعب الدور
الاقليمي والدولي الملائم لدولة تحتفظ بأهم احتياطيات
الطاقة في العالم.
الهوامش
* للاطلاع على تفصيل للتطور التاريخي للعلاقات الاميركية
العراقية انظر: سعد سلوم، النفط والايديولوجيا والتغيير في
العلاقات الاميركية العراقية، مركز الصباح للدراسات
الاستراتيجية، 2007.
1. "النص الكامل لاعلان المبادى الامريكي العراقي، بترا
نت.. صحيفة تصدرها وكالة الأنباء الأردنية، الأحد
02-12-2007.
2. (من كلمة الرئيس بوش في قاعدة كيركلاند الجوية بولاية
نيو مكسيكو، 27 آب، 2007) م. ن.
3. (من خطاب الرئيس بوش الى الأمة من البيت الأبيض يوم 13
أيلول، 2007) م.ن.
4. الشرق الأوسط، مجلس النواب يرفض قواعد عسكرية أمريكية
دائمة بالعراق، 9-7-2007.
نقلا عن موقع السي ان ان العربي.
5. الولايات المتحدة مستمرة ببناء القواعد العسكرية في
العراق...ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد، موقع ديمقراطية
شعبية الصادر عن اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار
والصهيونية.
6. خريطة جديدة للقواعد العسكرية الامريكية في العالم تكشف
عن انشاء 20 قاعدة في العراق بكلفة 1.1 مليار دولار، موقع
المرصد العراقي بتاريخ 9-11-2007.
7. علي الطالقاني، ضمن اهداف الإتفاقية الخفيّة: نوايا
امريكية للبقاء العسكري في العراق، موقع شبكة النبأ
المعلوماتية www.annabaa.org.
وجيه، حسن محمد ، مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي
والسياسي، المجلس الثقافي للثقافة والفنون والآداب، سلسلة
عالم
|