|
الحركة الصدرية
جبرية الزمن وقدرية التاريخ
أ.د ميثم الجنابي
إن اللعبة
الكبرى والحقيقة لمقتدى الصدر تقوم في المصير الذي كان
يختمر في جبرية الحياة السياسية للعراق المعاصر، واثر
العائلة وتقاليد الروح الشيعي. ومنهما وفي مجراهما تبلورت
شخصيته ومقوماتها النفسية والأخلاقية والعقائدية
والسياسية. فمما لا شك فيه أنّ مقتل والده وأخوته الاثنين
قد أثر على مجرى حياته العامة والخاصة. بينما لعبت حياته
اللاحقة (بعد السادسة عشرة) دورا مهما في بلوره نفسيته
السياسية
مقتدى
الصدر - ميتافيزيقيا "الثورة" الصدرية
إن العاطفة الهوجاء في حنين الصبايا قد لا تكون اشد غلوا
من عاطفة الأحزاب الخشنة في امتلاك ما تريد، غير أن لكل
منهما وجدانه الخاص وتاريخه الشخصي. وبقدر ما ينطبق ذلك
على الهيام والغرام، فانه ينطبق أيضا على الثار والانتقام.
وهي حالة تتكشف في مجرى تبلور الشخصية السياسية وبروز
قيمها الدفينة. وهي قيم لا يمكن الحكم عليها بصورة نهائية
إلا بعد انتهاء الطاقة السياسية الكامنة فيها. فهو
"الانتهاء" الذي يكشف عن طبيعة وحجم أثرها الفعلي بالنسبة
لكينونة التاريخ الواقعي للدولة والأمة.
فالشخصية السياسية ليست كينونة أخلاقية، ومن ثم لا معنى
للنظر إليها بمعايير الواجب والمقدس. إن الشخصية السياسية
هي صيرورة المواقف العملية. ومن ثم فان البحث العلمي سوف
يقف دوما أمام إشكالية الثابت والعابر، والحقيقي والوهمي،
والتاريخ واليوطوبيا فيها. وهي جوانب تتكشف قيمتها الذاتية
بالارتباط مع حقيقة دورها الفعلي بالنسبة لمصير الدولة
والأمة
والثقافة.
إن الشخصية السياسية وثيقة الارتباط بالماضي، وهي في
الأغلب نتاج له، لكن قيمتها الفعلية تبقى على الدوام جزءا
من "مشاريع الغيب"، أي المستقبل، من هنا تظهر سخافة
الاتهامات التي تكيلها مختلف القوى السياسية لشخصية مقتدى
الصدر، فعوضا عن تناولها باعتبارها جزءا من صيرورة العراق
السياسية المعاصرة، وكينونته الفردية ضمن إطار العائلة
الصدرية وتراثها العقائدي والفكري والسياسي والروحي، فانه
عادة ما يجري الحكم عليها بمعايير الرؤية الإيديولوجية
والسياسية الضيقة، وليس مصادفة أن تلتقي مختلف التيارات
المتناقضة في موقفها منها وتتشابه في تقييمها لها!! فعندما
نتأمل ونتفحص ما كتبته وتكتبه الصحافة "اليسارية"
و"اليمينية" والقومية (العربية والكردية) والطائفية
(السنية ولحد ما الشيعية) والأمريكية والصهيونية، فإننا
نقف أمام تشابه والتقاء غريب! أما في الواقع فانه لا غرابة
في الأمر، وذلك لان كل هذا التشابه يعكس أولا وقبل كل شيء
طبيعة "اللغز" الكامن في شخصية مقتدى الصدر والحركة
الصدرية. وغرابة اللغز الصدري لا تقوم فيه، بقدر ما تقوم
في طبيعة اللغز العراقي وحجم الخراب المادي والمعنوي، الذي
وجد سبيله الى هذا الكم الهائل من التشويش والتشويه المادي
والمعنوي في العقل والضمير والواقع. فعندما نضع شخصية
مقتدى الصدر على الطاولة لتشريح حياته الشخصية، فإنها تبدو
بسيطة ومباشرة ولا تعقيد فيها. وهو أمر يمكن رؤية ملامحه
في حركاته وجملة سلوكه. تماما بالقدر الذي نراه في هذا
التحول العاصف في نموه السريع وخروجه من بين الركام الهائل
للمأساة العراقية بدعوته الأولى والصريحة لجمع كل طاقة
المكونات الاجتماعية وقواها المتناثرة والمجزأة والمهمشة
في "جيش" يستنير بعقيدة "الغيب" القادم. وهي الصورة التي
كان يمكن رؤية ملامحها المثيرة للشفقة والاعتزاز في خطوات
أولئك الشباب الموشحين بالسواد وهم يترنمون فيها
و"يتبخترون" على تطاير الأتربة من وقع أقدامهم المليئة
بالثقة، كما لو انهم يريدون أن يقولوا للعالم الذي رماهم
على أطراف العاصمة وهم صانعوها: إن العالم وما فيه غبار
تحت أقدامنا!
وهو التحدي العريق في العراق، الذي برز للمرة الأولى بصورة
استفز فيها القوات الأجنبية الغازية، وقوات المرافقين لها
من أحزاب وأشخاص، وبقايا حوزة علمية مختبئة في تقاليدها
وتقليدها، وفلول السلطة المنهارة. فقد وجد كل منهم في
شخصية الصدر وتصدر الحركة الصدرية للتحدي العنيد، "شبحا"
مثيرا للهجاء والسخرية. وهو واقع يكشف عن كمية ونوعية
الاغتراب العميق في العراق. وهي حالة "طبيعية" بالنسبة
للانـحطاط، فالانـحطاط لا يفقه معنى التحدي، لكنه يتحسسه
بمقاييس السخرية والاستهزاء. وليس مصادفة اشتراك جميع هذه
القوى في استغرابها من جرأة من وصفوه بالـ(الصبي، الجاهل،
الزعطوط) على منافسته إياهم(1). وهو تقييم كان محكوما
بنفسية وذهنية المؤامرة والمغامرة المميزة للقوى السياسية
التي رافقت قوى الاحتلال من دون أن تتمتع بقدر ضروري من
الاستقلال والحكمة العملية. وهي حالة لم تكن معزولة عن
التجزئة الفعلية والعميقة بين "عراق الداخل" و"عراق
الخارج". فالثاني كان من حيث هواجسه ورغباته جزء من قوى
الاحتلال، بمعنى انه كان محكوما برغبة الارتماء في أحظان
السلطة والتمسك بأقدامها. بينما كان "عراق الداخل" سديم
الحركة الكامنة في تاريخ الاحتجاج والمعاناة القاسية لعراق
المدن الخربة والأرياف المنهكة. من هنا كان استغراب القوى
الخارجية بفعل اغترابها عن العراق، وكذلك الحال بالنسبة
لاستغراب "الحوزة العلمية" بسبب ارستقراطيتها الملتفة
بعباءة "السادة العلوية"(2). وهي غربة تلتقي مع
"ارستقراطية" الصدامية التي كانت للامس القريب أنموذجا حيا
لطبقة المهمشين. غير أن الصدر يتفوق عليهم جميعا بمآثر
العائلة وتراثها الفكري والروحي والسياسي والأخلاقي. وهو
تفوق يجد تعبيره أيضا حتى في أرذل الصيغ تهكما وابتذالا في
الإساءة إليه، عندما جرى إطلاق عبارة "الملا أتاري" عليه.
استنادا الى انه لم يكن مشهورا قبل الاحتلال الأمريكي
للعراق، وان أحدا لم يسمع عنه شيئا، وانه "كان يحب العاب
الفيديو في صغره"، وانه لم "يتعلم" ولم يبلغ درجة
"الاجتهاد"، وان أقصى درجة بلغها في "العلم" هي "طالب بحث
خارجي". ومن ثم لا يمكن فهم سر هذه الشعبية الكبيرة التي
حصل عليها بين ليلة وضحاها سوى ما تفتحت به قريحة
"النيوزويك" التي اعتقدت أن من الضروري، بل ينبغي فهم هذا
السر بمعايير "العصابة". وكتبت بهذا الصدد تقول، بأنه
"ينبغي النظر الى مقتدى الصدر، بعدّه رئيس مافيا شاب.
ولأنه يسعى لكسب الاحترام فهو مستعد للقتل من أجل تحقيق
غايته". وهي صيغة تعكس مستوى التخلف العقلي والذهني في
تناول إشكالية صعود الشخصيات السياسية ومستوى التسطيح الفج
في التحليل. لكنها مع ذلك الصيغة الأكثر انتشارا وقربا الى
أفئدة الصحافة العربية والعراقية الغاطسة في وحل الطائفية
السياسية والعرقية و"اليسارية" و"الليبرالية". وهي صورة
يمكن رؤيتها على صفحات الانترنيت أيضا من خلال عرض
"الأفلام الوثائقية" والكاريكاتير ومختلف "الصورة
البيانية" و"الحجج الدامغة" التي تصوره "مصاصا للدماء"
و"قاتلا" و"همجيا"، إضافة الى مختلف الصور الشخصية المشوهة
لملامحه الخارجية وأسنانه المتكسرة وشكله الفض الغليظ وما
شابه ذلك، أي كل ما يهدف الى تسطيح الوعي وتخزين اللاوعي
بترهات "العقل الماكر" ورذيلة الكراهية والحقد. وحالما نضع
هذه الصيغ ضمن السياق التاريخي الفعلي لمقتدى الصدر
والحركة الصدرية، فإننا نستطيع من خلالها رؤية ضحالة
"الفكر النقدي" وطبيعة الكراهية المعمرة للقلوب الخربة!
وذلك لان كل الصور السلبية والتشهير الفض ما هو في الواقع
سوى الوجه المقلوب لفضيلة الصدر وشخصيته القوية وأنموذجه
الشعبي الأصيل. إننا نقف أمام شخصية ظهرت من بين ركام
الانـحطاط والتخلف والفئات المقهورة. انه وليد نفسه،
وارادته الفردية، وقوة التقاليد الحيوية للمواجهة والتحدي،
والخروج على المألوف، وعدم الانـحناء أمام عاصفة الغزو
وشهوة الارتماء تحت أزيزها من اجل التلذذ بنشوة المنتصر!
ومن ثم لم تكن "قسوة" و"خشونة" مظاهره سوى الصورة الواقعية
عن حقيقة الصدر الفعلية، بوصفه ابن المدن الخربة. انه ليس
سليل "النعومة" المخنثة "لرجال الدين"، كما انه ليس "نجم"
السرقة المتمرسة بتقاليد الرياء الديني. ومن ثم لا يعني
"عدم تعلمه" اجترار المعلومات الميتة، سوى فضيلته الحية.
فهو يعمل ويفكر وينطق ويجتهد بحدسه الشعبي والعراقي. وهو
الطريق الواقعي لصنع الواقعية، والعقلي لصنع العقلانية،
والاجتماعي لصنع المدنية، والشعبي لصنع العراقية. وهي
المكونات التي كانت تضعه أمام مهمة الإفتاء الحقيقي للحياة
بشكل عام والسياسية بشكل خاص.
بعبارة أخرى، إن مختلف المحاولات المستميتة لإماتة صفاته
المعنوية المغرية لا تفعل في الواقع إلا على إبراز صورته
الفعلية. وهي صورة واقعية تحتوي على قدر هائل من
المصداقية. فشخصية مقتدى الصدر بلا لمعان مصطنع. إنها ارض
العراق الخربة ومهلهلي مدينة الثورة. وعندما تلصق الجماهير
لقب "الصدر" بمدينتهم، واعتزاز احدهما بالآخر، فإن ذلك
دليل على طبيعة التماهي بينهما. إن مرجعية الصدر هي مدينة
"الثورة" وليست "آيات الله" القابعة في سراديب الفقه
الميتة، ودهاليز الخديعة والمكر "الإلهي" للمؤسسات
التقليدية المغلقة. وهي المرجعية التي تحتوي في أعماقها
على ما أسميته بميتافيزيقيا "الثورة" الصدرية، التي جعلت
من بؤسها التاريخي تاريخ البأس "المتسامي". وليس مصادفة أن
يظهر فيها وليس في الكوفة أو النجف شعار "جيش المهدي".
فالتقاليد الكبرى لا يمكن حصرها في المكان. وهي فكرة سبق
وان تبلورت منذ زمن سحيق في تقاليد الوجدان الشيعي القائل،
بان كل مكان للقتال والتضحية من اجل الحق، وكل مكان تتجسد
فيه معالم المأساة هو "كربلاء". وكربلاء ليست حصرا على من
فيها أو يعيش على ما في تراثها من تضحية ومأساة. ومن ثم
كان بإمكان مدينة الثورة أن تنسخ بكربلاء الثورة. وهي
الحالة التي جسدتها المدينة بوصفها حزام البؤس التاريخي
للعاصمة! إذ لم يكن بإمكان بغداد أن تعصم "ثورة" تموز لعام
1958، مما جعل من المدينة محلا للتلاعب اللاحق. وليس
مصادفة أن يسعى صدام لإحلال اسمه عليها. لقد أراد مصادرة
الشعلة القائمة في أعماقها من خلال تكبيل تاريخها بقيود
الزمن الدكتاتوري. وهو الوهم الذي كان ينتج بدوره أوهام
المعارضة المقدسة. كما أنها الحالة التي لم يكن بالإمكان
توقع صيرورتها في شيء غير "انتظار" الخلاص الأبدي من الظلم
والحيف والمهانة. من هنا ولع "المهدي المنتظر" في أعماق
النفس المسحوقة.
لكن تاريخ المدينة كان يحمل في أعماقه، بفعل السحق الدائم
لمكوناتها، على قدرة إنتاج مساحيق "الثورة". من هنا احمرار
الأعلام في خمسينيات القرن العشرين واسودادها في بداية
القرن الحادي والعشرين. وهي المصادفة التي تعكس تاريخ
الكفاح من اجل الحق بما في ذلك رمزيتها، أي رمزية السيل
الدائم للدماء القانية في ارض السواد ! وهو السيل الذي
جعلت منه التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية
أخدودا عميقا في الذاكرة والذكرى العراقية. من هنا جبرية
"المهدي" بوصف قدر الانتظار الأبدي للخلاص من معاناة الروح
والجسد. فقد كان "المهدي" وما يزال وسوف يبقى في انتظار
أعدائه وأحبائه. كل منهما يرتقبه ويترقبه بطريقته الخاصة.
من هنا سرعة المبادرة التي أعلنها مقتدى الصدر في الإعلان
عن "جيش المهدي" وتشكيل "فرقه وأفواجه". وهو إعلان له
دلالته السياسية عندما نضعه ضمن سياق "ميتافيزيقيا الثورة"
القابعة في نفسية الانتظار وذهنية الخلاص وتاريخ البؤس
الاجتماعي والقمع الدكتاتوري. وهي الميتافيزيقا التي
اجتذبت بمغناطيسها المغري جزيئات الثورة المتناثرة
والمجزأة في أزقة المدينة وخرائب العراق الهائلة. وفيها
ومن خلالها يمكن رؤية الاستعادة المفاجئة للتاريخ المهدور،
والخروج العنيف للقوة المكبوتة وطاقة الاحتجاج، والصعود
الوجداني للأمل. وليس مصادفة أن يتحول مقتدى الصدر من
"زعطوط" مغمور الى قائد وقور بسرعة خاطفة. وفي هذا يكمن سر
البحث عن صفات (الجهل والرعونة وعدم التعلم) وما شابه ذلك
عند التيارات الشيعية المنافسة. والسبب بسيط للغاية وهو
انه ابن "الثورة" وسليل العائلة القابعة في الضمير العراقي
والمعارضة العنيفة للدكتاتورية. بينما اتهمه الغزاة
وأعوانهم وبقايا الصدامية والطائفية السياسية السنية
الهائجة بمختلف أصناف التهم، بحيث وجدوا فيه تجسيدا حيا
"لفرق الموت" والقتل الطائفي، أي كل ما كان يتشكل ويتراكم
في سياسة الاحتلال وحشرجة الطائفية السياسية للصدامية
وبقايا صداها وصدأها. وهو الأمر الذي جعله غريبا بين
الغرباء. فقوى "الخارج" المغتربة، وقوى الصدامية الغاربة،
وقوى الاحتلال الغربية، لم يكن بإمكانهم إدراك الحقيقة
البسيطة القائلة، بان "صعود نجم" الصدر لم يكن مفاجأة أو
صدفة عابرة أو لمحة طارئة بقدر ما كان جزء من مصيره الشخصي
المجهول، وحلقة في مصير عائلته المعلوم. فقد ولد الصدر
وترعرع في أوج السيطرة الدكتاتورية وانـحلالها المعنوي
(1973 - 1999). فهي المرحلة الممتدة بين ولادته ومقتل
أبيه. ذلك يعني انه ترعرع في أوج القوة المتنامية
للدكتاتورية والعائلة الصدرية. وهو صعود كان يحمل في
أعماقه حتمية الصراع والمواجهة. وهي الحتمية الكامنة فيما
يمكن دعوته بالمدة التكوينية لشخصيته الباطنية والظاهرية.
فقد كانت حياته وشخصيته الأولى محكومة من جهة بإرث
العائلة، كما وجدت صداها في تربيته وتعلمه أول الأمر على
يد أبيه محمد صادق الصدر، ولاحقا على يد آية الله الحائري
(وهو بدوره احد تلاميذ محمد باقر الصدر). ذلك يعني أن
مرجعيته التكوينية (الباطنية) كانت في أبيه وخاله. وهي
مرجعية شيعية عراقية عربية. بينما كانت حياته المحكومة
بقبضة الدكتاتورية ومراقبتها التامة بعد مقتل أبيه هي
الوجه الظاهري. وهو وجه لا مرجعية فيه لأنه جزء من حياة
الأفراد. وإذا كان ولعه بالفيديو في صغره أمرا واقعيا،
فانه فضيلة بحد ذاته. ولا معنى للشماتة. إن اغلب أطفال
العالم المعاصر (ومن ثم رجال المستقبل) يمرون عبرها شأن
كرة القدم أو السباحة أو الفروسية في الماضي. إذ لكل جيل
ألعابه.
إن اللعبة الكبرى والحقيقة لمقتدى الصدر تقوم في المصير
الذي كان يختمر في جبرية الحياة السياسية للعراق المعاصر،
واثر العائلة وتقاليد الروح الشيعي. ومنهما وفي مجراهما
تبلورت شخصيته ومقوماتها النفسية والأخلاقية والعقائدية
والسياسية. فمما لا شك فيه أنّ مقتل والده وأخوته الاثنين
قد أثر على مجرى حياته العامة والخاصة. بينما لعبت حياته
اللاحقة (بعد السادسة عشرة) دورا مهما في بلوره نفسيته
السياسية، وبالأخص حالة الإقامة الجبرية مع والدته وشقيقه.
وهي مكونات يصعب حصر كل مكوناتها وأثرها بسبب كثرتها
وفظاعتها، لكنها "مألوفة" معروفة لكل مكونات العراق
وأجياله في مجرى أقسى وأرذل عقدين في تاريخه الحديث، أي
ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. وهما عقدان جعلا من كل
ما في العراق مستعدا للتحلل والاندثار. بحيث أوصلت
التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية العراق
والمجتمع والثقافة الى حالة مغلقة ومزرية تماما. ولكنها
عقود تراكمت فيها طاقة الاحتجاج والكراهية المطلقة للسلطة،
بحيث أصبح اليأس من إصلاحها حالة المرء الباطنية
والظاهرية. من هنا انفجار تيارها اللاعقلاني مع أول بادرة
لهروب قواتها المنخورة. وهو الأمر الذي جعل العراق يثور
بطريقة اقرب ما تكون الى الجنون كما لو انه شعر للمرة
الأولى في تاريخه الحديث بإمكانية الرجوع الى ذاته وكنس كل
تلك القذارة النتنة للصدامية وارثها الدموي. وهي الحالة
التي أثارت "جنون" الانهماك في النشاط السياسي واندفاعه
صوب كل ما يمكن لليد أن تصل إليه. أما الأفئدة والقلوب
فإنها "تسامت" صوب المطلق. ولا مطلق في العراق بعد سقوط
الصدامية سوى الثار منها. وهي النفسية التي تتمتع في تاريخ
العراق بتقاليدها الثقافية والعقائدية الخاصة. وهي
التقاليد التي يمكن تحسس ملامحها في إحدى خطبه التي تفوه
بها مقتدى الصدر عندما قال "قد قررت أن أتخذ طريق أجدادي
وفق عقيدة الإسلام الأبيّ الحرّ الذي لا يقبل بالضيم
والظلم والاستكبار والاستعمار، وطّنت نفسي ومعي العديد من
العراقيين إننا علينا أن نفكر بديننا وشعبنا أولا، ومن ثم
نفكر بمصيرنا". وهو الموقف الذي نسمعه منه لاحقا في مجرى
المواجهات العنيفة بينه وبين سلطة الاحتلال "العراقية"،
عندما قال بتاريخ 21 نيسان 2004: "لا تستخدموا موتي أو
اعتقالي ذريعة لكي لا تكملوا ما بدأتم "! وهي الصورة التي
يمكن مقارنتها بشخصية المختار وهو في مواقفه الأخيرة يواجه
بقواه الشخصية وأتباعه القلائل جيوش مصعب بن الزبير في
الكوفة. حيث عدّ الخروج من معاقلهم المحاصرة والموت في
ميدان المعركة الصيغة المثلى للمواجهة والتحدي والدفاع حتى
النهاية عما كان يدعو إليه. وهي الحالة التي واجهها مقتدى
الصدر و"جيش المهدي" في معارك النجف. غير أن التاريخ لم
يستنسخ ما جرى بحذافيره، بل نسخه بمواقف التحدي الواقعية.
وهي الدراما التي مازالت تفعل فعلها في واقع العراق
السياسي، والتي تشكل بخطوطها العامة استمرارا لصراع ما
يمكن دعوته بتيار غنيمة الزمن العابر وتيار التضحية
والانتقام التاريخي. غنيمة الزمن العابر وتضحية الانتقام
التاريخي
إن للتاريخ مآسيه وعبره. ومهما حاولنا الإشادة بها
وتقديمها بحسب قواعد ما "ينبغي القيام به"، فإنها لن تجدي
نفعا ما لم يجري تجريبها بوصفها عنصرا أو طبقة من عناصر أو
طبقات التراكم الضروري في منظومة القيم السياسية
والاجتماعية للدولة والأمة. وهي الحالة التي يمكن عدّ
الصدر والحركة الصدرية احد نماذجها الحية.
فهي الحركة التي نشأت من صلب الواقع العراقي وزمن
الانـحطاط الشامل فيه. وهو سبب احتواء الحركة وشخصيتها
الكبرى على كل متناقضات الوجود التاريخي للعراق المعاصر.
وهي تناقضات كانت تحتوي في أعماقها بالضرورة على صعود
الحالة المتصادمة لنفسية وذهنية "الداخل" و"الخارج"،
بوصفها الحالة الوجودية والمعنوية والإيديولوجية لتيارات
مصطنعة لكنها فعلية بسبب سيادة الزمن التوتاليتاري
والدكتاتوري. فهو الزمن الذي صنع مقدمات التجزئة
والانـحطاط، بحيث جعل من سيادة الأطراف والهامشية والأقلية
في تاريخ العراق الحديث والمعاصر أمرا ممكنا. مع ما ترتب
عليه من إضعاف وإنهاك لفكرة المركز الثقافي والمركزية
الدولتية، وبالتالي صعود الغرائز وأولوية الجسد والعائلة
والقبيلة والجهة، أي كل أشكال البنية التقليدية، ومختلف
أشكال الصراع الهمجي.
ولعل "أعلى" النماذج "المتسامية" لهذه الظاهرة يقوم في
بروز صراع وتناقض "الداخل" و"الخارج" في الفكرة الوطنية.
وهو صراع واقعي وفعلي، وذلك بسب طبيعة الانقطاع في الفكرة
الوطنية وتهشم الفكرة العامة في ظل الإحكام المطبق
للدكتاتورية ونظامها الكلي. وذلك لان اللاضم الفعلي للكلّ
هي قوى القهر والإجبار. وهي قوى لا تصنع في الواقع غير
آلية التجزئة. وحالما تستحكم في بنية السلطة، فإنها تتحول
الى "سياسة" تشمل كل شيء. أما النتيجة فهي الغربة
والاغتراب في الوجود والموجود. وهي الحالة التي واجهها
العراق بعد سقوط السلطة الصدامية. فقد كان إسقاط السلطة
الصدامية بالنسبة للولايات المتحدة جزءا من إستراتيجيتها
الخاصة ومصالحها الكونية. من هنا استحالة تناسق العملية
الاجتماعية والسياسية لإعادة بناء الدولة والأمة مع الخطة
الأمريكية المتقلبة من البحث عن "أسلحة الدمار الشامل" الى
"الإطاحة بالدكتاتورية" الى "بناء الديمقراطية" و"أنموذج
الدولة العصرية في الشرق الأوسط". وهو سبب ظهور وتوسع
وتراكم مختلف نماذج الصراع غير العقلاني. فقوى الداخل هي
كمية من الاغتراب الاجتماعي الهائل، بينما قوى الخارج هي
نوعية الاغتراب الشامل. من هنا استحالة الاتفاق والوفاق
والائتلاف والتآخي والاتحاد وما شابه ذلك من صيغ هي الوجه
الدعائي للتعويض عن فقدان الاتفاق والوفاق والائتلاف
والتآخي الاتحاد. وهي الحالة التي لم يمكن بإمكانها أن
تنتج بعد سقوط الدكتاتورية المفاجئ غير مختلف نماذج الهياج
اللاعقلاني. وهو أمر ابتدأ بنهب وسرقة وحرق كل ما كان
يواجه أو يعترض الجسد الفردي والجماعي، ومطاردة كل ما كان
يثير في الغريزة شهوة الاندفاع حتى النهاية. من هنا تحول
اندفاع قوى "الخارج" صوب مراكز القوة والسلطة والمال ومن
ثم تصنيع نفسية الغنيمة، بينما كان اندفاع قوى "الداخل"
يعادل صيرورة التكون والنشوء والنمو العاصف. وهي عملية
كانت تعي نفسها وتتحسسها على أنها مواجهة وتحد واستمرار
لقيم التضحية، مع ما يرافقها بالضرورة من شعور "متسام"
للانتقام والثأر. وهو تناقض واختلاف له مقدماته المشوهة في
تاريخ العراق الحديث والمعاصر، الذي أعطى له الاحتلال
الأمريكي طابع الهجوم الكاسح.
لقد كانت الحركة الصدرية، حركة الأغلبية المهمشة، وقوى
الداخل العراقي. وهي الحالة التي بدت غريبة ومفاجئة ومشوهة
بالنسبة لأعين القوى السياسية التي تعودت على التعامل مع
العراق وواقعه في "جلساتها" و"مؤتمراتها" في القصور
والفنادق المدفوعة الأجر من جانب الدول الأجنبية وأجهزتها
الأمنية واستخباراتها العسكرية. لم يكن بإمكان هذه القوى
أن تتوقع "منافسة" اجتماعية سياسية، لان السياسة بالنسبة
لها هو تحزب لا علاقة له بالمجتمع، والسياسة هي عين
المؤامرة والمغامرة. وليس مصادفة أن تتحول شخصية الصدر
والحركة الصدرية الى ميدان كل التجارب الممكنة والمحتملة
للصراع العقلاني واللاعقلاني. وتكمن أسباب هذه الظاهرة في
كون الحركة الصدرية هي تيار الداخل، وتيار المواجهة
للمحتل، وتيار التضحية الوجدانية والاجتماعية، وتيار
الانتقام التاريخي، ولغز المستقبل. وهي مكونات متراكمة
ونامية ضمن سياق الصراع السياسي العنيف الذي ميز مرحلة
سقوط الدكتاتورية وظهور مختلف الاحتمالات والإمكانيات
القائمة في صلب الاحتراب العراقي الدفين. فقد أثارت
الأبعاد الذاتية للحركة الصدرية، بوصفها تيار الداخل
العراقي ردود الفعل الظاهرة والمستترة، التي حاولت كل
بمقدار ما فيها من "نقص عراقي" تبرير بقاياه المقلقة للعقل
والضمير والوجود. فالأغلبية تتفق وتتوافق على عدائها
المبطن والعلني للحركة الصدرية. والجميع يحس بالجذور
العراقية الأصيلة للحركة الصدرية. من هنا استغرابهم من
ظهور شخصية مقتدى الصدر والحركة الصدرية المفاجئ، وتحولهما
الى قوة عارمة ورمز من رموز التيار العراقي العام. وهي
ظاهرة أصابت بالحيرة اغلبهم بحيث لم يرو فيها غير "حركة
تخريبية" وقوة معرقلة "للديمقراطية"، أي انهم لا يريدون
"منافسا" و"معارضا"!! لكن إذا كانت الأدوار والقدرة لا
تناط بالرغبة، فان الصدر والحركة الصدرية أخذت تمد جذورها
وتمتد في أصقاع العراق، وتمتص رحيق وجودها من وجوده المهمش
والخرب. وهي حالة متناقضة ومشوهة لحد ما، لكنها جلية جلاء
الحركة وأتباعها.
فقد استغربت قوى "الخارج" إمكانية نشوء حركة "بين ليلة
وضحاها"، وبروز مقتدى الصدر ذي الثلاثين عاما بإمكانياته
"العلمية المحدودة"، على خلفية "كوكبة من السياسيين
العراقيين المعروفين بتاريخهم النضالي". وهي عبارة تحتوي
فيما يبدو على استمرار مبطن يطابق بين "التاريخ النضالي"
والمعرفة! ولكي لا تكون هذه العبارة محل استهزاء وسخرية من
هنا عادة ما يجري إلصاق الجهل بالصدر من اجل إبراز "العلم"
المبطن لشخصيات لا تتعدى حقيقتها في أفضل الأحوال وصف
"أنصاف المتعلمين". وبما أن السياسي في العراق لا يتفاخر
بالعلم والمعرفة بسبب قدرتهما على إثارة الشكوك، من هنا
يقين "تيار الخارج" بان سر الصعود الفعلي للصدر والحركة
الصدرية ينبغي البحث عنه في "الخارج". والمثير في هذا
"الدليل" هو اتفاق جميع القوى المناوئة لمقتدى على اعتباره
صنيعة إيرانية! بعبارة أخرى لقد وجدت قوى الخارج في إيران
مصدر العصا السحرية التي جعلت حركة من كان لا شيء كل شيء!
وهي نتيجة تعكس تاريخ "تيار الخارج" الذي تعود على استمداد
قوته من الخارج. فقد ارتبطت هذه القوى من الناحية
التاريخية والسياسية بقوى خارجية عديدة، اغلب الأحزاب
الشيعية بإيران، والشيوعيين بالاتحاد السوفيتي أولا
و"بالامبريالية" الأمريكية لاحقا! أما الحركات الكردية فقد
كان وما يزال ارتباطها متشعبا لا يحكمه شيء غير منظومة ضعف
التاريخ الذاتي والاستعداد السافر للارتماء بأحضان القوى
الخارجية. من هنا انتقالاتها الكبيرة، من الاتحاد السوفيتي
الى إيران، ومنهما الى تركيا وسوريا، ومن ورائهما جميعا
الى إسرائيل والموساد، وأخيرا الى ارتماء عبودي مطلق تحت
أقدام الولايات المتحدة. وبما أن جميع هذه القوى جاءت الى
سدة الحكم بفعل الغزو الأمريكي فلا يعود من المعقول الحركة
الصدرية بارتباطها بإيران! ولنفترض أن الأمر له نصيب من
الصحة، فلماذا يصبح الارتباط بالخارج معقولا ومقبولا من
قبلهم وغير معقول ومرذول غيرهم!! وهي مفارقة تضمحل بسهولة
بسبب ما يمكن دعوته بمنطق الخروج على التاريخ والحقيقة
والحق، أي منطق "أهل الخارج". فقد كانت وما تزال "قوى
الخارج" مدعومة وممولة بقوة السلاح والمال الأمريكي، الذي
تبدو "المساعدات الإيرانية" أمامه شيئا زهيدا وتافها. لكن
الاتجاه العام لضعف قوة "الخارج" وازدياد قوة "الداخل" هو
النتاج الطبيعي لتناقض ما أسميته بـ(نفسية الغنيمة
المحكومة بالزمن العابر، وذهنية التضحية والانتقام
التاريخي). وهو اختلاف وتباين وتناقض يستمد مقوماته من
تاريخ العراق الحديث وطبيعة الخلل الفعلي في بنية الدولة
والنظام السياسي ووعيه الاجتماعي والثقافي. وهو خلل جعل من
الممكن تجاهل أو انعدام القدرة على رؤية مصادر الإبداع
الفعلي للواقع العراقي، وليكن في بعض مظاهره مناف للعقل
والعقلانية. إن "قوى الخارج"، أي قوى الغنيمة العابرة تعجز
عن رؤية إمكانية العراق الذاتية. من هنا شكوكها المرة
بعقمه الذاتي! كما لو ان الوليد "الشرعي" و"الوحيد" هو أما
دكتاتورية الأطراف الهامشية أو "نيازك" "المناضلين"
المتساقطة في ظلماء الزمن الخرب للعراق! وما عداها "نغل"
الدعم الإيراني!!. لقد نشأت وظهرت الحركة الصدرية من تحت
ركام مدن العراق المهمشة والخربة والأرياف التالفة، وعقود
الزمن الدكتاتوري، والعنف الاجتماعي، والعوز الاقتصادي،
والحروب الداخلية والخارجية، والحصار، والظلم والضيم
والشقاء والبؤس المادي المعنوي. فهي المصادر الفعلية، أو
العصا السحرية لصعود التيار الصدري. وفيها أيضا يكمن سر
كونه تيار المواجهة للمحتل. وهي المواجهة التي تحسستها قوى
الاحتلال فيما يسمى بمقتل عبد المجيد الخوئي. وهي المواجهة
التي بلغت ذروتها المكشوفة بعد عام من الاحتلال، في معركة
النجف الكبرى في أواسط شهر مايس عام 2004. وفيها ومن
خلالها تكشفت طبيعة وحجم الخلاف "المستقبلي" بين الحركة
الصدرية والاحتلال الأمريكي.
وليس مصادفة أن تتراكم الصورة "البشعة" للصدر في المخيال
السياسي الأمريكي، الذي وجد انعكاسه الأنموذجي في مانشيت
أسبوعية نيوزويك الأمريكية في عددها الصادر بتاريخ 5
ديسمبر 2006 والتي رسمت على غلافها صورة لمقتدى الصدر
تجعله اقرب الى الخيال الشعبي المشبع بنماذج الكليشات
الأمريكية المسطحة عن القتلة والمجرمين. ولم يكن عنوانها
"أخطر رجل في العراق"، سوى المظهر الأنموذجي لرؤية "الخطر"
الكامن والقادم بالنسبة للمشاريع الأمريكية في العراق. وهي
الرؤية التي حدت وما تزال تحدد في اغلب جوانبها للدعاية
الأمريكية والمواقف العلمية من الحركة الصدرية بوصفها
القوة الكبرى التي تتصف بصفات المواجهة الفعلية للاحتلال.
وليس مصادفة أن تجري المطابقة بين "فرق الموت" و"جيش
المهدي". على الرغم من الخلاف الجوهري بين الاثنين. ففرق
الموت هي لعبة أمريكية، بينما "جيش المهدي" فكرة عراقية.
من هنا سخافة الفكرة الأمريكية التي تحاول أن ترسم ملامح
"جيش المهدي" بمعايير العصابات والمافيا من خلال مطابقة
مهمته مع نماذج الابتزاز المميز لعمل المافيات الصغيرة،
مثل جباية الأموال مقابل توفير الحماية الشخصية للمواطنين
(مثل أن يدفع أحد الأشخاص 13 دولارا في الشهر مقابل
حمايته!! إضافة الى استيلائه على محطات الوقود واسطوانات
الغاز والخمس التي تجمع في المساجد! وهي صورة تتسم بقدر
كبير من السذاجة المدبجة للقارئ الأمريكي. خصوصا إذا أخذنا
بنظر الاعتبار أن "شركات الحماية" (المرتزقة ومحترفي
القتل) تدفع وتستلم المليارات مقابل الابتزاز الدائم
للدولة والسلطة والمجتمع والمستقبل العراقي ! غير أن
الدعاية الأمريكية المحكومة بالسياسة العملية الهادفة الى
إضعاف الجميع عادة ما تبرز بعض الجوانب اللاعقلانية
المتأججة في مجرى الصراع الدموي واستعماله عند الحاجة تجاه
هذا الطرف أو ذاك. وقد كانت الحصة الأكبر من هذا النمط
الدعائي السياسي موجه ضد الصدر والحركة الصدرية. بحيث جرى
تحويل الصدر من ممثل التيار الوطني العربي العراقي العام
الى ممثل "التطرف الشيعي الطائفي" في مواجهته "للسنة".على
الرغم من أن ردود فعل التيار الصدري كانت في اغلبها محاولة
لتحجيم التيار التكفيري والأصولي المتطرف والإرهابي المسلط
على رقاب العزل والمواطنين العاديين. وهي الحرب التي خاضها
على جوانب المجرى العام للفكرة الصدرية التي تضع أولوية
العداء للاحتلال، وجوهرية القرار الوطني العراقي المستقل.
وليس مصادفة فيما يبدو أن يشترك التيار الأصولي التكفيري
الإرهابي ومختلف نماذج الطائفية السياسية السنية في
التقييم العام والخاص للحركة الصدرية مع المواقف الأمريكية
وتقييماتها. والسر يكمن في أن الحركة الصدرية كانت من حيث
شروط ظهورها التاريخي والسياسي تمثيلا أنموذجيا لما أسميته
بتيار الانتقام التاريخي، أي تيار الانتقام والثأر
التاريخي من الطائفية السياسية للدكتاتورية الصدامية وزمن
الإجحاف التاريخي لفكرة الدولة والأمة والمواطنة، أي كل ما
وجد انعكاسه في ظهور وتبلور نفسية وذهنية الأقلية الحاكمة
والمتسلطة والأغلبية المحكومة والمقهورة. ومن ثم لم يكن
تقييم وممارسات الطائفية السياسية السنية بمختلف نماذجها
العلنية والمستترة سوى الصيغة الإيديولوجية لفقدان السلطة
والسطوة. من هنا أولوية وجوهرية عدائها للحركة الصدرية.
فالعداء للاحتلال الأمريكي هو مجرد شكل من أشكال المراوغة
والمزايدة العلنية. لكنها من دون رصيد وطني واجتماعي فعلي.
من هنا طابعها الدموي التخريبي والمعادي للفكرة الوطنية
والعربية الجامعة.
فالتقييم والصور التي تتفنن بها الطائفية السياسية السنية
عادة ما تغدو حذو النعل بالنعل ما ترسمه الدعاية الأمريكية
مع تلوين فاقع! ولكن من خلال إبراز ما تدعوه بالدور
الإيراني. وهو "دور" عادة ما يتخذ صيغة الهوس الإيديولوجي،
بحيث جرى تركيب مختلف السيناريوهات الهادفة الى شيء واحد -
الاتهام والشتيمة. بل جرى رفع إيران والدور الإيراني الى
مصاف القوة العملاقة الوحيدة القادرة على إدارة شئون الحرب
والسلم في العراق! بعبارة أخرى لقد حولوا إيران الى قوة
عملاقة وشيطان العبث الشامل في العراق، بحيث تبدو الولايات
المتحدة ملاكا صغيرا. أما الدول العربية، فإنها مجرد أقزام
عليلة أو هباء منثور! وهي الصورة الشنيعة التي لا مخرج
لكمالها بغير البحث عن الأصول الإيرانية لمقتدى الصدر! وهي
صيغة اقرب ما تكون الى المواقف العنصرية المعجونة بطائفية
سياسية تتعارض من حيث الجوهر مع فكرة العراقية والقومية
العربية الثقافية. ومن ثم لا تعني هذه المواقف والتقييمات
سوى الصيغة الظاهرية لطبيعة وحجم الانـحطاط الشامل في
الفكرة السنية الطائفية، بوصفها استعادة متخلفة للأموية
القديمة. أما من الناحية السياسية، فان تضخيم الدور
الإيراني ما هو في الواقع سوى الوجه الآخر لفقدان السلطة
الطائفية. فالعدو الجوهري من وراء هذه الاتهامات والمواقف
الإيديولوجية هو شيعة العراق، أي القوى التي "صادرت" سلطة
الطائفية السياسية السنية. وبالتالي لا تعني فكرة القضاء
على "الصفوية" في العراق سوى استعادة السلطة المفقودة.
بمعنى أن محركها لا علاقة له بالوطنية والقومية والدين. بل
على العكس أنها تقف في تعارض شامل مع هذه المكونات. وهو
السبب الذي يجل من مواقفها تجاه الحركة الصدرية اقرب ما
يكون إلى خليط غريب للنزعة العنصرية والطائفية. وهو خليط
لا يصنع غير مسخ الكراهية العمياء والانجرار وراءها، كما
نراه في نوعية وكمية الأساليب الإرهابية. إن تحول الحركة
الصدرية الى هدف التجريح والتشويه، والنقد والاتهام،
والشتيمة والحقد، والابتزاز والمؤامرة، والمواجهة والصراع،
والقتل والإبادة، تعكس ما أسميته بتمثلها لتيار التضحية
الوجدانية والاجتماعية. وهو تمثل يستمد مقوماته من واقع
العراق وتاريخه العريق. بمعنى انه يتمثل بقدر واحد مأساة
الحاضر وذاكرتها المنقوشة في أعمق أعماق الضمير والوجدان
أي كل ما كان يتراكم ويتهذب ويتشذب في الروح والجسد
والتضحية والانتقام. وهي المكونات التي تمثلت تاريخ العراق
وأقوامه، أي أجياله المتناسخة في كافة الميادين
والمستويات. وليس مصادفة أن تتصدر "بؤرة" التشيع التقليدي
في "حوزتها العلمية" ومؤسساتها التابعة للمعارضة الخفية ضد
الحركة الصدرية. وهي المعارضة التي انطلقت من ألف باء
"العلم" باتهامها الصدر بالجهل وإطلاق كلمة "الزعطوط" عليه
و"الملا أتاري"!! وانتهاء بحبك مختلف المؤامرات الصغيرة
والكبيرة ضده. وهي مؤامرات بدأت بإصدار منشور يسعى لتحصين
الإرث التقليدي للعائلات الدينية المتسيدة، باسم "أبناء
النجف الشرفاء"!! يتناول تحديد حد وحقيقة "جيش المهدي"
بوصفه تطاولا على ارثها المقدس! وقد ورد فيه العبارات
التالية "يتألف (جيش المهدي) من عناصر مشبوهة لفوا رؤوسهم
بخرق بيضاء وسوداء لإيهام الناس على أنهم رجال دين بينما
هم في الواقع مجرد شياطين... الإمام المهدي لا يحتاج إلى
أي جيش من اللصوص، النهابين، والمنـحرفين تحت قيادة أعور
الدجال".
لقد تحول "جيش المهدي"، أي شباب الأرياف والمدن الشيعية
المسحوقة الى لصوص ونهابين ومنـحرفين! أما قياداته الوسطى
فمجرد "عناصر مشبوهة" لفت على رؤوسها خرق بيضاء وسوداء!
بينما تحول مقتدى الصدر الى "دجال اعور"! وهي توصيفات
وتشبيهات لها دلالتها السياسية والثقافية والاجتماعية. فقد
كان يشق على المؤسسة التقليدية رؤية هؤلاء المهلهلين
يتطفلون على "علومها" وموقعها وتأثيرها الروحي والسياسي
والاجتماعي. فقد وجدت البنية التقليدية للمؤسسة الدينية
الشيعية وعائلاتها في الجموع لصوصا، وفي قيادتها شياطين،
وفي قائدها دجالا اعور! وهو عين التقوقع السياسي
والاجتماعي والثقافي عمن تتهالك المؤسسات التقليدية لتقديم
نفسها بوصفها ممثلهم الشرعي الحقيقي الوحيد! وهي ظاهرة
تعكس ما يمكن دعوته بالصيغة "الروحية" الملطفة والعادية
لنفسية وذهنية الدكتاتورية المتغلغلة في كل مسام الوجود
العراقي. من هنا تخوفها وهلعها من صعود "الغوغاء" وظهور
"الدجال"، أي من القوة القادرة ليس فقط على مشاركتها زكاة
الروح والجسد، وخمس الأعمال والنيات، بل واحتمال استبدالها
بطور وجيل آخر. وهي الفكرة التي كانت ملامحها تلوح في
العبارة المقتضبة للحركة الصدرية التي وجدت في نفسها ممثلة
"الحوزة الناطقة"، أي النفي العملي "للحوزة الصامتة".
لقد بدت الحركة الصدرية كما لو أنها عنقاء الثورة التي
أخذت تنافس ـ من خلال تمثلها وتمثيلها "للحوزة الناطقة"
و"المهدي المنتظر" ـ مختلف مؤسسات وأشخاص "المرجعية
الدينية". من هنا ابتداء الصراع بمقتل عبد المجيد الخوئي،
الذي جرى توجيه أصابع الاتهام فيه للحركة الصدرية. وسوف
يقتل لاحقا الكثير بما في ذلك "شهيد المحراب". وهي عملية
لا علاقة للحركة الصدرية بها بقدر ما أنها كانت تشكل بعض
مظاهر التضحية الحتمية "للانتقام التاريخي"، أي احد مظاهر
البركان الاجتماعي الهائج. فعندما جرى قتل الخوئي في 10
نيسان 2003، فان الأعين "الفاحصة" للاتهام المبتذل توجهت
صوب البحث عن "أسراره" في "الصراع حول قبر الإمام علي
وسرقة محتوياته"!! وهو واقع لا يخلو من صواب نسبي.
مقدمات المعترك السياسي والأيديولوجي للحركة الصدرية
من بديهيات الأمور القول، بان الحركة الصدرية من حيث
مقدماتها هي نتاج الانـحطاط الشامل للعراق والتمرد عليه.
وهي حركة تتمثل مشاعر الأغلبية المطلقة في العراق من دون
أن يعني ذلك تمثلها لمنظومة الحلول العقلانية. وهو أمر
طبيعي في ظروف العراق الحالية. إن كل ما في العراق مشكلة،
وبمجموعها تشكل إحدى أتعس وأرذل الأزمات البنيوية الشاملة
للدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة والروح والقيم.
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار اختمارها وانفجارها تحت سيطرة
الاحتلال الأجنبي، من هنا يمكن توقع طابعها العشوائي، مع
ما يترتب عليه من صعود مختلف أشكال اللاعقلانية.
فقد أثار الاحتلال الأجنبي وسقوط بغداد يوم 8 نيسان 2003
كمون الانتقام الداخلي المكبوت ضد السلطة ومؤسساتها
وأتباعها ومصادرها. وهو انتقام كان يحمل في أعماقه نفسية
وذهنية "عراق الداخل". ومن ثم فان هويته السياسية الوحيدة
آنذاك كانت هوية "عراق الداخل"، أي عراق الانـحطاط الشامل
والوجدان الصادق. وهي المعادلة المتناقضة والواقعية أيضا،
التي أنتجت الأبعاد الخاصة بالحركة الصدرية وتحديد معالمها
بوصفها تيار الداخل، وتيار المواجهة للمحتل، وتيار التضحية
الوجدانية والاجتماعية، وتيار الانتقام التاريخي. وهي
تيارات أو عناصر متصارعة في أتون الحركة الصدرية، سوف تحدد
الغلبة لأي منها مضمونها الفعلي ومسارها التاريخي وآفاقها
المستقبلية. وهنا يكمن من دون شك مضمون "اللغز الصدري" ضمن
سياق الحركة التاريخية السياسة للعراق المعاصر. وبالتالي،
لا يمكن فهم حقيقتها وآفاقها من دون تحليل صيرورتها
التاريخية والسياسية والإيديولوجية، بوصفها أنموذجا للتيار
الراديكالي. لكنها راديكالية خالية من إيديولوجية سياسية
واضحة المعالم. وهو الأمر الذي جعل منها ميدانا للتجريب،
وبالتالي كيانا قابلا للتهذيب والتشذيب أو التخريب
والانـحلال. ومن ثم، فإنها على خلاف الأحزاب السياسية
الشيعية المستتبة، تقف أمام مفترق الإصلاح المنظومي
التدريجي والشامل أو الانهيار والتلاشي. بعبارة أخرى، إن
الحركة الصدرية هي أنموذج وميدان التجربة التاريخية
التلقائية الجديدة للعراق في كيفية مواجهته لإشكالية
الصعود الراديكالي. فهي الحركة الوحيدة الكبرى التي تمثلت
بعد سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية
مقومات ومكونات وشروط وآفاق التيار الاجتماعي الراديكالي
بعد انقطاع أربعة عقود من الزمن (1963-2003). وهنا يكمن سر
لغزها الحالي والمستقبلي، بوصفها الخميرة التاريخية الكبرى
المتراكمة في زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية
الصدامية. فقد ظهر التيار الصدري بصورة مفاجئة. بمعنى أن
ظهوره "الاجتماعي" و"الوطني" و"المعادي للاحتلال"
و"المدافع عن المقدسات" وما شابه ذلك، كان الوجه الآخر
لتقاليد الماضي في منافستها للقوى الدينية والدنيوية التي
جاءت مع قوى الاحتلال وبمؤازرته في تسلم زمام السلطة،
والمشاركة الوهمية والواقعية فيها. أن الظهور المفاجئ
للتيار الصدري وقدرته الملفتة للنظر على استقطاب "الشارع
العراقي" بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، لم يكن في الواقع
سوى الوجه الآخر لتراكم الشحنة الراديكالية المقلوبة في
المزاج الاجتماعي. وهي شحنة تراكمت بصورة لا مثيل لها في
تاريخ العراق المعاصر، وبالأخص في مجرى الحروب الهمجية
التي انتهت صورتها المباشرة بسقوط الدكتاتورية عام 2003.
بعبارة أخرى، لقد كان الصعود المفاجئ والسريع والعنيف
للراديكالية الصدرية هو الوجه الآخر للسقوط المفاجئ
والسريع والعنيف للدكتاتورية الصدامية، بوصفها الصيغة
الكلاسيكية للراديكالية العراقية. وهو أمر يعطي لنا
إمكانية القول بأنهما كلاهما ينتميان من حيث المقدمات إلى
ظاهرة واحدة. وهي ظاهرة نعثر عليها عند جميع الحركات
الراديكالية السياسية في العراق المعاصر. وإذا كان التيار
البعثي الصدامي قد جسدها بصورة "أنموذجية" على مستوى
الدولة في غضون عقود، فإن التيار الصدري قد جسدها في غضون
أشهر في المناطق التي استطاع "الاستيلاء" عليها أو
مصادرتها. وقد كانت الأساليب والنتائج هي هي ذاتها! إذ نرى
العبارة نفسها تجاه "العدو الخارجي" و"المحتل"، كما نرى
العبارة نفسها المتشدقة بكلمات "الوطنية" الممزوجة بالدفاع
عن "المقدسات" و"الإسلام". والشيء نفسه يمكن قوله عن
السلطة والدولة. إذ لا تعني السلطة سوى سلطة الفرد الجاهل
أو نصف المتعلم. أما الدولة فهي "أنا" المتلبسة مرة بصدام
وأخرى بالصدر! أما المجتمع فهو كتلة لا تتمتع بغير حق
الانصياع وتنفيذ كل ما تريده القيادة والإمامة بأساليب
القوة والعنف. إذ لا مجال ولا معنى للثقافة والعقل !
وهي حالة طبيعية بالنسبة للحركة الناشئة من أحشاء
الانـحطاط الشامل والدكتاتورية الفظيعة. فقد تمثل "التيار
الصدري" في ظروف العراق ما يعد الصدامية مضمون الراديكالية
بأكثر أشكالها تخريبا وتدميرا. وسبب ذلك يقوم في كونها لم
تستفد من تجارب الاضطهاد التاريخي الهائل الذي تعرض له
الشيعة، بوصفهم المكون الأساسي والرئيسي والأكبر للعراق.
كما أن ممارستها التي ترافقت مع ظهورها السريع على خلفية
زوال البعثية الصدامية تشابهت بصورة شبه تامة مع ممارسات
التوتاليتارية والدكتاتورية. ومن ثم وضعت نفسها بالضد من
المجرى العام للتيار الشيعي والوطني والاجتماعي العراقي.
أما الحصيلة فهو الانـحدار الدائم صوب الانصهار مع الغلاة
الجدد من مختلف التيارات الأصولية. وهي النتيجة التي كانت
تسري شأن سريان المياه الآسنة صوب بحر هائج. وهو السبب
الذي يفسر سبب نظرتها الضيقة في بادئ الأمر. فقد كان
التيار الصدري في أول أمره مقيدا بنفسية ومزاح وأهواء
(الطبقة الواقعة بأسفل السلم الاجتماعي). مما كان يحد من
إمكانية نموه العقلاني، كما يجعله بالضرورة أسير الحدود
الضيقة في رؤيته لآفاق تطوير الدولة والنظام السياسي
والمجتمع والثقافة. إذ إننا لم نر ولم نسمع ولم نعثر آنذاك
على برنامج "صدري" له علاقة بمكونات الدولة المعاصرة
والنظام السياسي والمجتمع والثقافة البديلة للتوتاليتارية
والدكتاتورية. وهو واقع يشير إلى افتقاد الرؤية السياسية
الإستراتيجية وفقدان المشروع السياسي وانعدام الرؤية
الواقعية والعقلانية عن طبيعة التغيرات التي جرت في
العراق. وليست العبارات العامة عن "الدولة الإسلامية"
و"المجتمع المسلم" و"الثقافة الإسلامية" وما شابه ذلك سوى
كلمات لا معنى لها في حال انعدام تحديدها الدقيق بمعايير
الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية، أي في حال عدم
وجود برنامج نظري وعملي يحدد بصورة دقيقة الغايات الكبرى
ووسائل تنفيذها.
وهو توجه كان لابد له من أن يقلص مع مرور الزمن قاعدته
الاجتماعية ويجعلها قوة مناهضة لأبسط مفاهيم الحرية
والتقدم الاجتماعي. وهي عملية بدأت ملامحها الأولية في
ظاهرة تزايد وتوسع وتعمق الشرخ السياسي والفكري والمعنوي
بينه وبين المجتمع. فقد كان يمكن ملاحظته في الشرخ الهائل
بين المؤيدين والمعارضين له في المدينة والريف، بحيث تحولت
الظاهرة الصدرية إلى جزر متناثرة لا يربطها سوى الاستعداد
للعنف. وهي عملية مستنفذة بالضرورة لأنها غير قادرة على
مواجهة العنف الفعلي القائم في ظاهرة التهميش التي تعرضت
لها فئات هائلة من المجتمع العراقي بشكل عام والشيعة بشكل
خاص. كما نرى ذلك في الهوة السياسية القائمة بين "التيار
الصدري" والحركات السياسية العراقية عموما، بما في ذلك
الشيعية. بل أن ما كان يميز "التيار الصدري" قبل تعرضه
للضربة القاضية في جولته الأولى ضد القوات الأمريكية
والعراقية الرسمية، هو استعداؤه للحركات والتيارات
والأحزاب الشيعية وخذل زعمائها التقليديين. وهي ظاهرة تعكس
الطابع الراديكالي للتيار الصدري، بغض النظر عن نفسية
المؤامرة والمغامرة التي كانت القوى المتزاحمة في "مجلس
الحكم" والشيعية منها بالأخص تستدرجه لخوض "معركة الشرف"
الخاسرة. وفي هذه العملية كانت تتبين مستوى وحدود
وديناميكية الاغتراب السريع بين الظاهرة الصدرية وبين
المجتمع.
وفي الإطار العام يمكن القول ؛ بان "التيار الصدري" بوصفه
ظاهرة راديكالية يبرهن من جديد على أن (الطبقة
الواقعةبأسفل السلم الاجتماعي) ليست مستعدة على بلورة رؤية
سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيمها وأحكامها
وتصوراتها المشوهة عما جرى ويجري. ومن ثم فان ممارساتها
ككل لا تفعل إلا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد
والانـحطاط والتخلف والاستبداد. وهو أمر يشير بدوره إلى
طبيعة الضعف التاريخي والثقافي للظاهرة الراديكالية في
العراق. وهو ضعف يمكن رسم ملامحه العملية وأثره اللاحق على
مجرى العملية السياسية في الموقف من قضيتين شكلتا بعد سقوط
السلطة الصدامية عام 2003 "مفاصلا" يمكن من خلالها إدراك
حدود الظاهرة الصدرية، والمقصود بذلك ما يسمى "بمعركة
النجف" و"مفتاح الصحن العلوي".
الحركة الصدرية - تيار "الداخل" وصعود الباطن العراقي
من المعلوم أن الأمم تصنع في مجرى تاريخها رموزها الخاصة،
بوصفها الصيغة الأكثر كثافة لتجاربها المتنوعة في مختلف
ميادين الحياة، وعلى قدر وعمق تجاربها تتراكم وتنفعل
رموزها التاريخية في سبيكة وعيها الاجتماعي. من هنا كانت
فاعلية الرمز التاريخي في الرؤية الوجدانية والسلوك العملي
خصوصا في مراحل الانعطافات الحادة والدامية. فالأفراد
والجماعات والأمم لا تستطيع العيش والتأمل والالتفات إلى
الماضي وتأمل المستقبل من دون رموز تعطي لها حق الصراخ
والصمت والحزن والفرح والعصيان والاطمئنان والسكينة
والهيجان. إذ تعطي الرموز للمرء والجماعات والأمم حق
الالتفات إلى الماضي والنظر بعيونه الباكية فرحا أو حزنا
إلى ما ينبغي القيام به من اجل السير نـحو مستقبل مجهول
بوجدان يقترن بيقين الماضي. وهي الحالة التي أطلقت عليها
الثقافة الإسلامية يوما عبارة "عالم الغيب والشهادة"، أي
الاقتران المحير والمدهش للعقل والضمير في تأمل المشهود
والغائب في الكون والوجود والانا. وهي الحالة التي وقف
أمامها العراق المعاصر متحيرا ومذهولا، عندما تحول مرقد
الإمام علي و"مفاتيح" الدخول إليه إلى إحدى قضاياه
السياسية الكبرى والدامية في الوقت نفسه.
فمن الناحية التاريخية ليست هناك من شخصية كبرى في تاريخ
الإسلام استطاعت أن تستثير خفايا الوعي والضمير وتضارب
المشارب والتقييمات كشخصية الإمام علي بن أبي طالب. ففي
مجمل كيانه الواقعي يبدو لغزاً، وفي مجمل صورته التاريخية
كياناً من الصعب احتوائه. فهو من الشخصيات، التي لا يلزم
بالضرورة التعامل معها في مقولات الأحكام المجردة ومنطق
السياسة المعاصرة وهمّ المصالح العابرة. فالتاريخ في
شخصياته النبيلة أوسع وأعمق من أن يخضع لميزان تناقضاته
المباشرة. واستطاع الإمام علي أن يجسد في ذاته أحد مبادئ
الوجود الكبرى القائمة في فكرة الحق والعدل الإنساني. مما
جعل منه أحد الرموز الكبرى التي لا يعقل ولا يقبل تاريخ
العراق بدونها. فهو الرمز الذي يقبع عميقا في صراخ
العراقيين وصمتهم وأفراحهم وأحزانهم وعصيانهم واطمئنانهم
وسكينتهم وهيجانهم. وفيه يمكن تفهم سر "الصراع" من اجل
الاستحواذ على "مفاتيح" الدخول إليه، وهو الذي كانت أبوابه
مشرعة للجميع!
فمن الناحية "المادية" ليست مفاتيح الصحن العلوي أكثر من
مفتاح عادي لفتح أبوابه، وبمعناها "الاقتصادي" هي وسيلة
الدخول على الهدايا المقدمة إليه أو سرقتها! ولعل المفارقة
الروحية القائمة وراء اعتبارات "المادة" و"الاقتصاد" تقوم
في تحول الإمام علي نفسه إلى ميدان للحراسة والسرقة
المحتملة من جانب أولئك الذين يدعون الانتماء إليه وتمثيل
ما كان يسعى إليه. وهي حالة تعبر عن مستوى الانـحطاط
الفعلي في العراق بشكل عام، وفي الحركة الشيعية العراقية
بشكل خاص. وهي حالة تشير في الواقع إلى مستوى تهشم القيم
الأخلاقية والمعنوية للتيار الراديكالي الذي جسده "التيار
الصدري". مع انه كان يحتوي في أعمق أعماقه على تمثل "للحق
العلوي" الداعي للعدالة من خلال مصادرة ما تمتعت به
العائلات "العلوية" الارستقراطية على امتداد قرون من
الاستحواذ شبه التام على الثروات المتكدسة من عرق ودماء
الجماهير الشيعية. وهي ظاهرة يمكن رؤيتها بالعين المجردة
في تناقض بيوتهم وبيوت المحلات النجفية، أو قذارة المدينة
ونمطها المتهرئ على خلفية الصحن العلوي المليء بالذهب
والمجوهرات، أو بين ما تمتلكه هذه العائلات "العلوية"
الارستقراطية من ثروة وثراء فاحش وافتقار المدينة لأبسط
مقومات الحياة المدنية المعاصرة. وليس مصادفة أن يجعل
التيار الصدري من نفسه "مسؤولا" عن المرقد العلوي والصحن
الشريف بعد أن "صادره" بطريقة مميزة لنفسية وذهنية (الطبقة
غير الواعية). إذ وجد في "المفتاح" الأسلوب السحري
للاستحواذ على القوة الروحية للمرقد. لكنها لم تكن في
الواقع أكثر من "مصادرة ثورية" أو سرقة عادية. ومن ثم لم
تكن حماقات التيار الصدري في السرقة سوى الوجه الآخر، أو
المعارض لرزانة الارستقراطية التقليدية في السرقة.
والقضية هنا ليست فقط في أنها فسحت المجال أمام (الطبقة
غير الواعية) "للسيطرة" على "ثروات" هائلة، بل وفي
انتهاكها لتقاليد "الأمانة" التاريخية المتعلقة بنقل
المفاتيح بوصفها الصيغة الرمزية للأمانة المعنوية المتنقلة
في الأجيال. لاسيما وانه الأسلوب الضروري لتراكم الثقة
وتقاليدها الرمزية التي تفقد الثروة المادية بدونها قيمتها
الروحية والمعنوية. إذ ليس المرقد العلوي في الواقع سوى
توليف أنموذجي لوحدة المادي والروحي المتراكمة في مجرى
معاناة العراقيين من اجل تحقيق المبادئ المتسامية التي مثل
الإمام علي في كينونته الكلية أحد نماذجها الرفيعة. وهو
الأمر الذي كان يجعل من فتح أبوابه والدخول عليه والمثول
بين يديه أحد الرموز الأكثر أهمية بالنسبة للوعي العراقي
في الاقتراب من المنهل المتسامي لتمثيل ما يسعون إليه. وهو
فعل لا غرابة فيه بالنسبة للأفراد والجماعات والأمم جميعا.
فالجميع تبحث عن "مفتاح" لحل مشاكلها! وليس مصادفة ألا
يستطيع الإنسان أن يعيش بدون "مفتاح" بوصفه الجزء العضوي
لعيشه المدني، كما انه ليس غريبا أن يرتقي المفتاح إلى
مستوى الماوراطبيعي، بحيث جرى ربط "مفاتيح الأمور" بيد
الله، أو أن يتحول الله نفسه إلى حامل مفاتيح الغيب
والمجهول، وهي الصيغة النفسية التي كان يمكن ملاحظة اغلب
أبعادها في الصراع الذي كان يدور في الخفاء والعلن بين
مختلف تيارات الشيعة من اجل الإقرار "بمرجعية" مقبولة
وشرعية لمسك مفاتيح المرقد العلوي. وهو صراع "طبيعي" يعبر
عن ظاهرة هبوط المقدس إلى مصاف الحياة الواقعية. كما انه
صراع يكشف مرة أخرى عن أن المصالح الواقعية هي المصدر
الحاسم في تغير مضمون المقدس، خصوصا حين يصبح ممكنا وزن أي
شيء بميزان المصالح العابرة، وهي الصيغة الأقرب والأكثر
التحاما بجسد الراديكاليات السياسية وأرواحها. وقد قدم
"التيار الصدري" في صراعه المرير ضد "المرجعية الشيعية" من
اجل أبعادها عن "الصحن الشريف" عبر الاستيلاء على مفاتيحه
أنموذجا "حيا" عن النفسية الراديكالية وذهنيتها السياسية،
إذ لم يكن الدفاع عن "قدسية" الصحن الشريف والمرقد العلوي
و"حرمة الإسلام" و"المبادئ" سوى الأسلوب الدعائي لمصادرة
الموارد التقليدية التي يجتذبها "المكان المقدس". فقد غاب
"المفتاح" بعد مقتل حامله الرفيعي ليظهر مع ظهور أفواج
"جيش المهدي" فيه! وهي حالة فجة للغيبة والظهور، كما بلور
تاريخ التشيع صيغتها المجردة في مجرى معاناته الفكرية
والروحية والوجدانية والسياسية على امتداد قرون، فعوضا عن
غيبة الإمام وظهوره من اجل إحقاق العدل بعد أن ملئت الدنيا
ظلما وجورا، والتي سعت المرجعية التقليدية لتمثلها
وتمثيلها دينيا ودنيويا، نرى غياب المفتاح وظهوره بأيدي
"جيش المهدي" الممتلئ بزمرة هامشية من أبناء المدن
والأرياف. وتحول الدفاع عن المقدس إلى أسلوب لسرقة قدرته
على اجتذاب أضحية الناس المادية !
وهي حالة ترمز إلى واقع الانـحطاط الشامل للراديكالية
السياسية الشيعية، التي لم تتعظ بعد من تجارب العراق
المعاصر، بحيث نراها تعيد وتستعيد بحمية مفرطة كل أخطاء
الراديكاليات السياسية. ومن الممكن البحث عن سببها غير
المباشر في طبيعة الخراب الشامل الذي أحدثته التوتاليتارية
البعثية والدكتاتورية الصدامية من جهة، وفي تاريخ المرجعية
"الرسمية" التقليدية من جهة أخرى. إلا أن ذلك لا يغير من
واقع استخفاف "التيار الصدري" من قيمة الدولة الشرعية
والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. وهو استخفاف ناتج من
طبيعة مكونات التيار الاجتماعية ومستوى التأهيل المعرفي
والمهني الذي لا يصعب قياسه بأي ميزان مهما كان ضعيفا
ومتخلفا من مقاييس المعاصرة والحداثة. وهو السبب القائم
وراء استخفافه الأول بقيمة العمل السياسي والديمقراطي
والحقوقي. بحيث تحول منطق السلاح إلى سلاح المنطق الوحيد
في التعامل مع النفس والآخرين. وهو سلاح خشبي سرعان ما
تكسر في أول مواجهة جدية وبغض النظر عن الآلية التي جرى
بمساعدتها جر "التيار الصدري" إلى معركة خاسرة منذ البدء،
فإن طبيعة التيار نفسها كانت تجبره في الواقع على خوض
غمارها باعتباره امتحانه الأول، وهو امتحان كانت النخب
السياسية العراقية المغامرة، التي ملئت آنذاك "مجلس الحكم
الانتقالي" تهدف من خلالها إلى رميه في الهاوية. وحالما
وقع فيها أدرك بصورة أولية الحقيقة القائلة، بأن مفتاح
الأمور الكبرى لا ينبغي سرقته من اجل الاستحواذ على
"المقدس"، بل ينبغي صنع أنموذجه العقلاني من اجل الدخول
إلى عالم العراق المعاصر ومواجهة إشكالاته الواقعية.
وهو درس لم يتعلمه "التيار الصدري" آنذاك بصورة جيدة. لقد
اعتقد بان الخروج الذي يمكنه أن يحفظ ماء الوجه يقوم في
إرجاع المفتاح إلى "المرجعية الموقرة". بينما كان ذلك مجرد
خروج فردي يرمز إلى حقيقة تقول : بأن المرجعية الشيعية
"الرسمية" قادرة على أن تكون صمام الأمان المقبول في
مواجهة الإشكاليات التي تثيرها زوبعة الراديكالية
السياسية، بمعنى تحولها إلى الكيان الذي يتحمل أخطاء
الراديكالية من خلال رمزية حمايتها للمرقد العلوي، الذي
مازالت آمال العراقيين ترقد فيه بسكينة تنتظر "مهديا"
جديدا بلا "جيش".
أما الدرس السياسي الأكبر الذي كان ينبغي أن يتعلمه
"التيار الصدري" والحركات الراديكالية الموجودة والقابلة
للنشوء في ظروف العراق الحالية فيقوم في ضرورة إرجاع
مفاتيح الأمور المادية والمعنوية إلى مرجعية الرؤية
العقلانية والواقعية الهادفة إلى بناء الهوية الوطنية
العراقية على أسس جديدة تتجاوز تقاليد وميراث الراديكالية
السياسية. ولا يعني ذلك في ظروف العراق الحالية
والمستقبلية سوى ضرورة إرجاع مفاتيح الأمور والمستقبل إلى
المؤسسة الشرعية، أي إلى الدولة الشرعية والنظام
الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني.
وهو "رجوع" أخذت ملامحه في التراكم بعد "معركة النجف"
و"مفاتيح المرقد العلوي"، من خلال بروز الوعي السياسي
الذاتي في التيار الصدري بعده "تيار الداخل" و"تيار
العراق". بمعنى ظهور بوادر وعناصر الرؤية الواقعية في
التعامل مع الخصوم جميعا، أي مع اغلب مكونات "العملية
السياسية" و"المقاومة" والاحتلال. فقد كشفت تلك الأحداث
ونتائجها عن أن التيار الصدري هو الممثل الراديكالي
للوجدان العراقي المعذب. ومن ثم يحتوي في أعماقه على
إمكانية الارتقاء الى مصاف الرؤية العقلية والعقلانية
العراقية العامة. وهي إمكانية قائمة في كونه تيار "العراق
الداخل"، أي المكون المتراكم من واقع العراق الفعلي. كما
انه التيار المتنامي من صلب الإشكاليات الواقعية العراقية،
والمتحرر من تاريخ "الاتفاقيات السياسية" المبرمة بين
القوى العراقية القديمة المناهضة للسلطة الصدامية. وهي
اتفاقيات كانت محكومة أما بالعجز الذاتي أو الخضوع لإملاء
القوى الخارجية ونواياها وأهدافها المختلفة. ومن ثم فإنها
تبقى عاجزة عن العمل بمعايير الوطنية العراقية العامة
والمستقبل المتحرر من قيود الماضي وقوة الاحتلال. غير أن
إمكانية الارتقاء الواقعية للتيار الصدري كانت وما تزال
ترتبط بمدى قدرته على تأسيس فكرة الوطنية العراقية، وتجسيد
الصيغة الواقعية والمعقولة لفكرة المركزية الدولتية،
وتحقيق مرجعية الحرية والنظام. فهي الأفكار الكبرى القادرة
في ظروف العراق الحالية على وضع حد لنفسية وذهنية الانتقام
الهمجي عبر إعلاء مرجعية التشيع للعراق والنظام الوطني.
وفيها ومن خلالها يمكن للتيار الصدري أن يتزعم الحركة
السياسية الوطنية العراقية من بين التيارات الإسلامية
بالشكل الذي يجعله القوة الأكثر فاعلية وتأثيرا وايجابية
بالنسبة لترسيخ قيم الإصلاح السياسي.
الحركة الصدرية - الأنا والتاريخ أو اليوطوبيا
والمستقبل إن الفرق جلي بين "أحداث الماضي" و"أحداث
التاريخ". فالأولى عابرة والثانية عبرة! والأحداث تصبح
تاريخا، أي جزءا جوهريا من وعي الذات القومي والثقافي
حالما تصبح عبرة، أي قوة عقلية فاعلة بالنسبة لتفحص الحاضر
وتأمل المستقبل، حينذاك فقط يمكنها أن تصبح جزءا من مشاريع
البدائل وفكرة الاحتمال العقلاني. وهي القضية الأكثر
إشكالية وضرورة في الوقت نفسه بالنسبة للعراق في ظروفه
الحالية. إذ إننا نقف أمام حالة تشير الى أن كل ما يجري
فيه مجرد أحداث عابرة. بمعنى فقدانه للاعتبار من أحداث
التاريخ بشكل عام وتاريخه الذاتي بشكل خاص. وبالتالي
فقدانه لقوة العقل المتفحصة لما هو فيه، والمتأملة لآفاق
البدائل. وليس مصادفة أن يقف العراق في بداية القرن الحادي
والعشرين أمام القضايا الكبرى نفسها والإشكاليات العامة
التي واجهها قبل قرن من الزمن، قضايا وإشكالية الدولة
والوطن والنظام السياسي والأمة و"المحتل - المحرر"!
واستعادة لأحداثه العابرة من محاولة رهن مستقبله بمعاهدات
سرية وعلنية، قد يكون "قانون النفط" الأخير احد نماذجها
الصارخة. وهو "قانون" يعكس نفسية وذهنية الغنيمة المميزة
للأقلية الكردية العرقية التي تجد في سياسة تفتيت المركز
وإضعافه مصدر القوة الوحيدة. وهو وهم خالص لكنه فعال
بالنسبة لذهنية الأقلية والأقوام الصغيرة. وهي ذهنية تشترك
فيها الطائفية السياسية العربية (السنية والشيعية) بوعي أو
من دون وعي، وعلى أطرافها تقف البقايا الشيوعية، وفي
الحصيلة نقف أمام مفارقة الخطاب "التاريخي" لقوى سياسية لا
تعد بالتاريخ. إنّ التاريخ لا يعلّم بالضرورة، لكنه يعاقب
بالضرورة ! بمعنى أن العقوبة هي القدر المحتوم للخروج عليه
أو عدم الاعتداد بدروسه الكبرى، والعراق الحديث كله دروس
متكررة! وهو مؤشر إضافي على فقدانه لوعي الذات التاريخي،
وفي هذا يكمن احد أسباب مأساته المتكررة وعنفه المتزايد،
وليس فكرة ونفسية الثأر السائدة فيه حتى الآن سوى احد
مظاهرها الكبرى. مما لاشك فيه، أن التعميم والمقارنة
التاريخية لا تخلو من مجازفة بسبب التباين النوعي بين
المراحل، لكنها تتمتع بقدر كبير من الإثارة للحس في دعمه
للعقل النظري، وإشغال للأخير للانهماك في حدس المستقبل،
وهي الفكرة التي تطرح أمامنا السؤال التالي : هل أن الثأر
صفة ملازمة للشخصية العراقية بشكل عام ووعيها السياسي بشكل
خاص ؟ ولماذا لم يتحرر الوعي السياسي من ثقل نفسية وذهنية
الثار الحزبي بمختلف أشكاله ومظاهره ومستوياته القومية
والعرقية والطائفية والمذهبية والجهوية والعائلية ؟ ولماذا
تعجز النخب السياسية عن بلوغ فكرة الوطنية العامة،
والمصلحة الاجتماعية، وفكرة المواطنة، ونظام الحرية الشامل
؟ وهي أسئلة تتسم بقدر كبير من التداخل والتعقيد، لكنني
سوف احصر الإجابة عليها من خلال الأنموذج التاريخي القديم
للحركة المختارية وآفاقه على مثال الحركة الصدرية
المعاصرة، والسبب هو إن الحركة الصدرية تحتوي، بمعايير
الرؤية الثقافية، على المكونات الجوهرية التي لازمت الحركة
المختارية القديمة بوصفها حركة العراق العامة، على الرغم
من كل المآخذ الواقعية والممكنة حولها وعنها. كما أنها
حركة تتمثل بمعايير الرؤية السياسية والاجتماعية، على
مفاصل التاريخ العراقي الحديث، ذلك يعني إنها تحتوي في
صيرورتها على كل دراما الصعود والسقوط العراقي، وفي
كينونتها على احتمال تكرار أو تجاوز المصير السياسي للحركة
المختارية القديمة والحركة الشيوعية في خمسينيات القرن
الماضي، بوصفهما ممثلي الصعود الوجداني والمعنوي
الراديكالي العراقي.
فعندما نتأمل تاريخ العراق الحديث من وجهة نظر تراكم
العقلانية السياسية فيه أو انعدامها، فإننا نقف أمام واقع
يقول بان التاريخ العراقي الحديث هو مجرد أحداث عابرة، أي
زمن تتكون سلسلته الوهمية من حلقات الثأر، ويكفي المرء
النظر الى ما جرى بعد انقلاب الرابع عشر من تموز في الموقف
من ممثلي النظام الملكي، وانقلاب شباط 1963 وما تبعه من
مواقف تجاه التيارات الشيوعية والوطنية، وانقلاب السابع
عشر من تموز عام 1968 واستمراره الدموي حتى انقلاب الثامن
من نيسان عام 2003 وما تلاه من ثأر شامل تجاوز حدود
المعقول، بحيث شمل الحجر والشجر والمباني وكل شيء! ووراء
كل انقلاب تتعمق وتترسخ فكرة الثأر من الماضي بوصفه "كيانا
بائدا". وهي الحالة التي تشير الى أن "البائد" هو الوحيد
الحي القيوم في الوعي السياسي العراقي! بعبارة أخرى، إننا
نقف أمام وعي سياسي كما لو أن مهمته الكبرى تقوم في إنتاج
البائد ليعيد إنتاج نفسه من جديد. وذلك لان انعدام البائد
يفترض بناء منظومة الثبات. ولا ثبات! إذ الثبات الفعلي
منظومة. وانعدامها هو سر التحور الدائم للثأر ومحور
الدوران في أفلاكه. فقد بلورت المرحلة الجمهورية فكرة
"البائد" ورفعتها الى مصاف المرجعية السياسية الوطنية.
وساهمت في وضع أسس اللاعقلانية والراديكالية المتطرفة في
الموقف من الماضي. ومهدت من دون وعي لتفعيل نفسية وذهنية
الانتقام الكامنة في فكرة "البائد" بوصفه عقابا "إلهيا".
وهي بحد ذاتها لا تعتبر بالتاريخ، لكنها حالما تصبح مكونا
جوهريا وفعالا في الإيديولوجية السياسية العملية، فإنها
تنتج بالضرورة أفعالا تلازمها. وهي أفعال تجسدت بصورة
أنموذجية في مظاهر الانتقام الهمجي من الملكية ورموزها.
وقد كان التيار الشيوعي هو الحامل الكبير لهذه النفسية
والذهنية، بوصفه التيار الراديكالي الأوسع والأكبر آنذاك.
ولا تعقل الراديكالية بدون نفسية وذهنية الانتقام،
والشيوعية في أعماقها وحقيقتها الكامنة هي إيديولوجيا
الانتقام بسبب احتقارها لفكرة الاحتمال، وإيمانها بيقينها
الخاص، وكثافة الوعي النفسي للعوام الملازم لوجودها
العملي. وليس مصادفة أن تكون تجارب الانتقام من الماضي
"البائد" هي هي ذاتها. بمعنى إفراغ الوعي القومي من
مكوناته الفعلية والاستعاضة عنها بأوهام المستقبل. وهي
الأوهام التي كانت الشيوعية العراقية تعتقد أن من الممكن
تجسيدها بسرعة عبر رفع فكرة الثار من "النظام البائد" الى
مصاف المرجعية الوطنية الكبرى. وليس مصادفة أن تصبح كلمات
"السحل" و"القتل" و"الحبال" وما شابه ذلك الأكثر ترددا
وتلذذا على السنة النخبة والعوام. وهي النفسية والذهنية
التي دفعتها الإيديولوجية القومية البعثية (العملية) الى
مصاف المنظومة الوحيدة للدولة والسلطة. وجعلت منها الأسلوب
الوحيد لوجودها، بحيث حولت الانتقام من المعارضة أيا كان
شكلها ومحتواها وحجمها الى مبدأ وغاية البرهنة الدائمة على
حقها وحقيقتها! وهو الأمر الذي جعل من "البعث" فعلا لا
عقلانيا تاما يتقارب مع "إحياء الموتى". لكنه "إحياء" هو
عين المحاسبة المبنية على أساس الخضوع أو الموت ! وهي
معادلة تتجاوز نفسية وذهنية الأديان والعقائد والعقل
والإيمان الى ما ورائها. بحيث جرى تحويل الخنوع لها الى
معنى الوعد والوعيد والثواب والعقاب. من هنا قدرتها على
توزيع الثواب والعقاب كما تريد. بعبارة أخرى، لقد أصبح
الانتقام الدائم مضمون "الرسالة الأبدية" لبعث الأموات.
أما النتيجة النهائية أو خاتمة الأمور فهي كتلة أوهام
ودماء سرعان ما جفت وتلاشت بعد انهيار السلطة. والشيء
الوحيد الباقي هو منظومة الخراب والتخلف والانـحطاط.
والشيء نفسه يمكن قوله عن كمون هذه النتيجة في إيديولوجيات
الحركات القومية الصغيرة (الكردية). فهي أيضا تتمثل بصورة
أنموذجية إيديولوجيا الانتقام العرقي، كما نراه بصورة جلية
في مختلف مظاهر الابتزاز والركض وراء الغنيمة والسرقة
والاستعداد الدائم للتقلب والتبدل والسجود أمام الأقوى
وضعف أو انعدام الفكرة الوطنية العامة.
في حين كشفت السنوات القليلة بعد سقوط التوتاليتارية
البعثية والدكتاتورية الصدامية عن تعمق وتوسع ولحد ما
ارتقاء نفسية الانتقام عند الحركات الإسلامية الشيعية
والسنية الى مصاف المنظومة. فقد اتخذت عند معظم الحركات
السياسية الشيعية طابع الانتقام المذهبي والطائفي، وعند
جميع الحركات السياسية السنية طابع الانتقام الطائفي
والسلطوي.
مما سبق نستطيع القول : إن اشتداد وتوسع مدى فكرة الانتقام
السياسية عند اغلب القوى السياسة العراقية الحالية لم يجعل
منها قوة ايجابية، كما كان الحال بالنسبة للحركة المختارية
التي جعلت من فكرة الثار مصدرا للفكرة الوطنية العراقية في
صراعها مع الأموية الشامية، ومنهلا لفكرة الحرية والعدالة
والمساواة. وهو واقع يشير الى ما يمكن دعوته بفقدان العقل
الاجتماعي والثقافي والإيديولوجية الوطنية العامة عند اغلب
القوى السياسة العراقية الحالية. أما الإيديولوجيات
السائدة والأوسع انتشارا لحد الآن فهي إيديولوجيات الغريزة
وما قبل الدولة. ومن ثم فإنها تحتوي بالضرورة على عناصر
تهشمها الذاتي وانـحلالها القريب وموتها المخزي، أي كل ما
يعطي لنا إمكانية القول، بأنها إيديولوجيات الماضي. وهي
ظاهرة تشكل بحد ذاتها نتاج الانـحطاط الشامل في بنية
الدولة والسلطة والمجتمع والثقافة التي أدت إليها "المرحلة
الجمهورية" وتقاليدها الراديكالية، وبالأخص في أنموذجها
البعثي الصدامي. وهو السبب الذي يفسر ضمور أو انعدام
الفكرة الليبرالية والدنيوية مع أنها فكرة المستقبل. غير
أن ذلك لا يعني بان العراق بلا مستقبل! إنها مجرد حالة
المرحلة الانتقالية التي تتراكم فيها إمكانية واحتمال بناء
الدولة والمجتمع والأمة. لكن مفارقة الظاهرة وطابعها
المأساوي في الوقت نفسه يقوم على أن القوى الحزبية الحالية
السائدة هي القوى "السياسية" المعرقلة لهذه العملية
التاريخية. وهي عرقلة تتبع مكوناتها الإيديولوجية
وتقاليدها الخاصة بوصفها مكونات البنية التقليدية.
فالأحزاب والإيديولوجيات السياسية في ظروف العراق الحالية
هي أنموذج للتقليد والتقليدية. وهو السبب الذي يجعلها
تشارك في إعادة إنتاج الزمن وليس التاريخ. بمعنى أن اغلبها
لم يعتبر بالماضي ولم ينهمك في إبداع التاريخ الفعلي
للدولة والأمة، أي لم يستفد من إشكالية التوبة والثار
والاعتبار في التاريخ العراقي القديم والمعاصر. وقد يكون
مثال "اجتثاث البعث" و"محاكمة صدام" أنموذجا لذلك. فقد
تحولت فكرة الانتقام المتسامي الى نفسية الانتقام الضيقة.
بمعنى أنها لم تعمل على إنتاج بديل عقلاني اجتماعي وطني
يذلل تقاليد وبنية الانتقام السائدة في تاريخ العراق
الحديث. لقد جرى تحويلها صوب تصفية الحساب مع الأفراد وليس
مع الفكرة أو المنظومة. أما النتيجة فهي إعادة إنتاج
الفساد والإرهاب المعجون بنفسية وذهنية الانتقام المتنوعة،
وبالأخص الطائفية والعرقية، أي اشد الأشكال لا عقلانية
وتخريبا.
فالطائفية السياسية العربية تمزج المذهب بالسلطة، وهو اشد
الأشكال تخلفا لمزج الدين بالسياسة. وهو مزج لا يمكنه أن
ينتج على خلفية التقاليد السياسية المتخلفة للعراق الحديث
غير اشد نماذج التقوقع المذهبي والانغلاق الطائفي. مع ما
يترتب عليه من تنفير وإثارة لمختلف صيغ وأشكال الانتقام.
وهي الحالة الجلية في ظاهرة الإرهاب والتكفير والقتل
العشوائي والقتل على الجهوية الطائفية والقومية والجهوية
وما شابه ذلك من مظاهر اللاعقلانية والهمجية السافرة.
بينما نرى مظاهر الانتقام القومي العرقي في ممارسات وسلوك
الحركات القومية الكردية من التركمان والكلداشوريين والعرب
و"قضية كركوك" ومختلف صيغ عشعشة وتفريخ قيم التجزئة
والانغلاق. وفي مجموعها هي المبادئ الإيديولوجية والقواعد
العملية المتحكمة في سلوك القوى القومية الكردية من اجل
الحصول على اكبر قدر ممكن من "الانجازات"، أي اكبر قدر
ممكن من الغنيمة وهو سلوك يعكس الوجه الباطني للانتقام.
فالطائفية السياسية العربية هي طائفية الانتقام العلني،
بينما الطائفية السياسية الكردية هي طائفية الانتقام
الباطني. والأولى هي طائفية الماضي، بينما الثانية هي
طائفية المستقبل! وهو واقع يحتوي في أعماقه على إمكانية
الحرب القادمة، عبر تحول الصراع الطائفي المتناثر الحالي
الى صراع قومي قادم، ما لم يجر تذليل نفسية وذهنية
الانتقام الكامنة عند الجميع. خصوصا إذا أخذنا بنظر
الاعتبار، إن اغلب مقدمات الحروب الأهلية تتراكم في مجرى
شحنة العداء اللاعقلاني والرغبة في الانتقام! كما أنها
الصيغة الملازمة للحروب القومية. وكلاهما نتاج لأشد
الأشكال تطرفا وغلوا لنفسية وذهنية الانتقام الهمجي. في
حين تقدم تجارب العراق القديم والحديث والمعاصر وتقاليد
الانتقام فيه براهين عملية على كيفية الخروج من دوامة
العنف وتذليل مقدمات ودوافع الحرب الأهلية والقومية. فقد
برهنت تجارب فكرة الانتقام التاريخي الكبير للحركة
المختارية على قيمة الانتقام المتسامي، أي القادر على
تحويل القصاص من مجرمي السلطة السابقة الى أسلوب التحرر
الاجتماعي، ومن تصفية الحساب مع الماضي الى تصفية الحساب
مع نماذج الخروج على مبادئ الحق والعدل، ومن الانتقام في
مختلف مظاهرة الى أسلوب تأسيس الفكرة الوطنية العراقية
بمعاييرها الإنسانية والكونية. وهي النتيجة التي سوف يصل
إليها العراق بالضرورة من خلال السلم والحرب. إذ إن مختلف
نماذج الصراع سوف تؤدي بالضرورة الى إعادة بناء الهوية
العراقية على أساس الانتماء إليه أو التشيع لكينونته
التاريخية الثقافية. وهي اللمحة الوامضة في أعمق أعماق وعي
الذات العراقي، التي أشعلتها الحركة المختارية قبل أكثر من
ألف عام مضى. فقد جسدت الحركة المختارية من حيث مقدماتها
وغاياتها ومكوناتها وشخصياتها الفاعلة أنموذج التشيع
للعراق العربي الثقافي الإنساني. وهو التشيع الذي أكثر من
يمثله ويحتوي على إمكانية تحقيقه من بين الحركات الإسلامية
العراقية الحالية، هو التيار الصدري. طبعا، إن الصدر ليس
كالمختار، لكنهما من أصل واحد، وهو كوفة العراق. وليس
مصادفة فيما يبدو أن يتمركز الصدر في مدينة الكوفة، كما لو
انه يستنسخ صورة المعارك القديمة ووهج آثارها المغرية
بالنسبة للتضحية والشهادة، كما نلمحها في وشاح الكفن على
البدن. فهي الرموز التي تستثير بوعي ومن دون وعي إلى قوة
الطاقة المتراكمة في دهور الانتماء الخفية للعراق. فالكوفة
هي معقل المواجهة التاريخية التي صنعت فكرة وعبارة "أهل
العراق". وفيها وعبرها تراكمت كل الصور المحتملة للفروسية
والثأر من دون أن تهبط في مجرى تاريخها الى سوق التجارة
الرخيصة للعوائل والرذائل، وليس مصادفة أن تبقي على صورتها
هذه حتى في أحداث العراق الحالية.
فعندما تصدت الحركة الصدرية في رجالها المهلهلين للقوات
الحكومية المدعومة بالأسلحة الثقيلة والفتاكة لقوى
الاحتلال الأمريكي في النجف، فإنها كانت تستعيد في مآثرها
التعيسة بطولات المختار القديمة، لكنها خلافا عنه قد أبقت
على صلة الاتصال المرنة بين المقاتلين ورجال الدعوة، أي
بين النجف والكوفة، أو بين "جيش المهدي" والصدر. وهي الصلة
التي أثارت في وقتها قدرا من الشماتة والاستهزاء، لكنها
برهنت على ما فيها من قيمة ترتقي الى مصاف القدر السياسي
الرفيع. وهو قدر لم يحسمه تاريخ العراق بعد، لأنه جزء من
غيبه المجهول، أي من مستقبل الصراع القادم. وهو صراع
تاريخي، بل قد يكون احد أهم معالم وأنواع الصراع الاجتماعي
العراقي المقبل.
فكما كانت حركة عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب هي قوة
الخارج العنيفة في محاولاتها الاستحواذ على العراق في مجرى
ضعف وتخلخل الدولة المركزية الأموية، فان قوى الخارج
الجديدة هي الأخرى لا علاقة صميمية وجوهرية لها بالعراق،
بسبب طبيعة ونوعية الانقطاع السياسي والاجتماعي عن الواقع
العراقي وبفعل تأثير المفاهيم الإيديولوجية الدينية
والعرقية التي كانت وما تزل تحكم سلوكها. أما قوى الداخل،
شأنها شأن قوى المختار، فهي النتاج المباشر وغير المباشر
للزمن التوتاليتاري والدكتاتوري الذي حكم العراق في مجرى
العقود الثلاثة الأخيرة. ومن ثم فهي الأكثر صميمية.
وبالتالي تحتوي من حيث نفسيتها ورؤيتها وإدراكها على
اقتراب يتسم بقدر كبير من الواقعية من حقيقة العراق
الفعلية. غير أن هذه المقارنة التاريخية تبقى، على الرغم
من كل الاعتراضات المحتملة عليها، الصيغة الأكثر اقترابا
من الواقع، لأن الحركة الصدرية الحالية كان يمكنها أن تتخذ
منـحى آخر في حال بقاء الصدر الأب. بمعنى إمكانية اقتران
تيارها السياسي بمرجعيتها الدينية الروحية (الفكرية). وهو
احتمال كان يمكنه أن يكون قوة عظمى بالنسبة للهوية الوطنية
العراقية والعربية. كما كان بإمكانه أن يجعل منها تيارا
اجتماعيا طبيعيا، وذلك لأنه التيار الذي كان يمكنه نقل
الصراع الى الواقع العراقي ومركزه السياسي (بغداد). ومن ثم
يبقى للحوزات التقليدية تقليديتها في الانزواء الغريب في
أزقة النجف المغلقة، والمفتوحة على صحون الأئمة الثرية!
غير أن الصدفة التاريخية شاءت، شأن كل ما كان مميزا
للصدامية من اصطدام بفعل طبيعتها وتطبعها وحماقتها غير
المتناهية، مع ابسط متطلبات الواقع والحقيقة والتاريخ لكي
تضعهم أمام امتحان عسير من اجل البرهنة على أن الحياة هي
شيء غير الموت!
بعبارة أخرى، إن الصدر سليل العائلة، لكنها عائلة، شأن
المختار، لا تتصف بطابعها المغلق ومؤسساتها التقليدية.
بمعنى أنها لا تعيش وتعتاش على شرف "السادة" المزيف و"بحار
العلوم" الراكدة، و"اجتهادها" المنزوي في بطون الكتب
المتربة وقضاياها التي عفا عليها الزمن، وعلوها المريب على
العوام، واستعدادها الدائم للاحتيال والسرقة والتشدق
الدائم باسم المستضعفين. على العكس، لقد جرى رمي زمن
"العائلة المقدسة" كما فعل المختار قبل قرون عديدة، عبر
إرجاع فكرة "المرجع" الروحي الى ميدان الحياة الاجتماعية
والسياسية بوصفها ميدان التأسيس العملي لتاريخ الحرية
والعدالة. وهي عملية لم يكن بالإمكان تجسيدها بصورة نقية
وعادلة وحرة بسبب التركة الهائلة لمنظومة الخراب
والانـحطاط الشامل في العراق.
فالقوى التي رفدت التيار الصدري هي تراب العراق المتطاير
تحت أقدام العتاة القدماء والغزاة الجدد وسرايا القادة
الصغار وأفواج المرتزقة في هيئات المعارضة المترفة للخارج.
لكنه تراب العراق، ومن ثم، المكون القادر على أن يكون تربة
الخشوع لما فيه، شأن تحول مراقد الأئمة المقتولة في ساحات
الوغى الى مزارات الروح والجسد العراقي عبر تحويل ترابها
المعجون بعرق الأمهات الى تربة الصلاة ونذور البهجة
والأماني. بعبارة أخرى، إن الاحتمال الكامن في الحركة
الصدرية للصيرورة في كيان عراقي وطني عام يرتبط بمدى
قدرتها على الارتقاء الى مصاف الفكرة الوطنية العراقية
العربية. لاسيما وانه الشرط الجوهري والضروري والوحيد
القادر على جعل نموها الطبيعي عملية تلقائية. بمعنى الخروج
على تاريخ المرجعية التقليدية. وهي الحالة التي حاولت وما
تزال تحاول الحركة الصدرية القيام بها أو دفعها الى
النهاية من خلال جعل نفسها "مرجعية ناطقة" (الحوزة
الناطقة). وهي صيغة تتمثل تقاليد الصامت والناطق الشيعية
العامة وتتلذذ بفتات الفلسفة الإسماعيلية، لكنها لا تخضع
لاعتبارات العقائد بوصفها منظومة. والسبب يكمن في أن
الحركة الصدرية هي حركة اجتماعية سياسية تلقائية ثارت مع
مدينة الثورة في فورتها الأخيرة بعد سقوط "هدام" (صدام).
فقد انقلبت مدينة الثورة التي جرت مصادرة اسمها باسم صدام
الى مدينة الصدر. وهو التحدي الجديد لتراث الصدامية من
خلال جعل صدام "هداما" والإبقاء على مدينة الثورة، بوصفها
مدينة الصدر، أي حامي تراثها وحامل لوائها الاجتماعي
والروحي والسياسي. وهي رؤية تحتوي في أعماقها على صدى
التراكم الهائل في شحنة الاحتجاج الاجتماعي للهامشية
العراقية التي جسدت مدينة الثورة أنموذجها الكلاسيكي. فقد
كان الانتقال فيها من الشيوعية الى الشيعية أمرا عاديا
وتلقائيا. ومن ثم كان من الطبيعي أن يرتقي مزاج الكفاح
المسلح العريق بين عرب الجنوب المتراكمة في ضواحي العاصمة
الى تكوين "جيش المهدي". وهو الآخر لا عقائدية فيه شأن كل
التنظيم العملي والخطاب السياسي للتيار الصدري، عندما يؤخذ
على حقيقته، أي من حيث رؤية مقدماته الاجتماعية وغايته
السياسية. انه مشحون بقوة الثار الاجتماعي للمستضعفين
(المهمشين).
أيديولوجيا الحركة الصدرية - اللاهوت الشيعي والناسوت
العراقي
لقد كانت الحركة الصدرية قبل أن تتبلور معالمها الواضحة
تيارا ساريا وهائجا لبركان الصيرورة الاجتماعية السياسية.
بعبارة أخرى، إن التيار الصدري هو الحركة الأولى لتبلور
مختلف مظاهر ومعالم الاحتجاج الاجتماعي التلقائي في رؤية
سياسية. وشأن كل بركان هائل عادة ما يختلط لهيبه بدخانه،
وسيله بحرائقه. لكنها العملية الطبيعية لكي ترتسم معالم
أثره في إعادة صنع تضاريس الطبيعة والحياة الاجتماعية. وهي
الحالة التي ميزت الانفجار الأول للتيار الصدري، الذي أثار
هلع النائمين واندهاش الناظرين وتأمل الحالمين، بسبب
معايشتهم المباشرة لحرائقه الكبيرة ولهيبه المرعب. وحالما
اقترب واندمج بعنفه الحار في مياه الحياة العراقية
الباردة، عندها أخذت تبرز مختلف ملامحه المتناقضة. لكنها
تبقى في نهاية المطاف الجزء الحيوي والطبيعي من صيرورة
الوجود التاريخي للعراق المعاصر، وكينونته السياسية
الحالية والمستقبلة. لقد كانت الحياة الاجتماعية والسياسية
العراقية في أواخر المرحلة التوتاليتارية البعثية
والدكتاتورية الصدامية باردة حد الموت. وبالتالي، فان
الصعود الراديكالي للتيار الصدري كان يعادل من حيث قيمته
الاجتماعية والسياسية والفكرية والروحية فضيلة كبرى(3).
فقد كان صعوده العنيف تعويضا عن خمول الروح الاجتماعي.
وبما أن التيار الصدري آنذاك لم يكن واضح المعالم من حيث
بنيته الداخلية وأفكاره العملية، من هنا كانت سيادة
الحماسة المفرطة فيه. لكن ذلك لا يعني أن التيار الصدري قد
خرج الى الوجود من لا شيء. لقد كان نتاجا طبيعيا وتلقائيا
لزمن العراق الراديكالي. وهو زمن أنتج، على الرغم من
مفارقاته وتناقضاته المخزية، الظاهرة الصدرية، التي كونت
الأساس المادي والروحي للتيار الصدري الأخير. وليس مصادفة
أن يعدّ التيار الصدري الأخير نفسه استمرارا لما يسمى
بتيار الصدر الأول والثاني، أي تيار محمد باقر الصدر ومحمد
صادق الصدر. وهي إشارة لا تخلو من جوهرية العائلة، لكنها
محكومة بفكرة ونفسية الفرد المجاهد. فالصدر الأول هو
المصدر الإيديولوجي لحزب الدعوة بمختلف أصنافه. بينما لم
يعد بالنسبة للتيار الصدري الأخير أكثر من فرد مجاهد في
سلسلة العائلة الصدرية الروحية. وهو السبب الذي يفسر ضعف
أو انعدام القيمة الفكرية والإيديولوجية لإبداعه النظري.
وهو إبداع يتراكم في حلقات العائلة الصدرية التي شكل محمد
صادق الصدر حلقتها الأخيرة. فهو اقرب من حيث المزاج
والشخصية والتاريخ العملي والمصير الفردي الى الجماهير كما
هي بدون واسطة "الأحزاب". فقد تمثل محمد صادق الصدر ثالوث
التشيع الإسلامي والوطنية العراقية والانتماء العربي في كل
واحد. وهو الثالوث الذي نعثر عليه في صلب المكونات
المتناثرة للحركة الصدرية الأخيرة، بوصفها "منظومة"
أيديولوجيتها العملية. فقد كانت شخصية أبيه تسعى لتمثيل
عناصر التشيع والعراقية والعربية من خلال تمثل مصالح
الفقراء والمهمشين. وهي الوحدة التي كانت تثير بقدر واحد
عداء السلطة والحوزة التقليدية. فقد كان نشاطه داخل العراق
بقواه الخاصة. وهو سر انفجار التيار الصدري الأخير بوصفه
تيار الداخل العراقي. فقد انشأ الصدر الأب تياره الخاص،
بما في ذلك عبر مختلف أشكال المناهضة غير العنيفة للسلطة
الصدامية، منظومة تأثيره في العراق بمعزل تام، بل ومعارض
للأحزاب والتيارات الشيعية الأخرى (المرتبطة بأقدار ونسب
مختلفة بإيران)(4). فمنذ الانتفاضة الشعبانية أصبح خطابه
السياسي والاجتماعي أنموذجا لاستقطاب الكينونة العراقية
المهمشة. وهو استقطاب كان يحمل في أعماقه وحدة النزوع
الشعبي والعراقي والعربي. وتراكم عبر الأفراد والجماعات
والمؤسسات الخيرية والمدارس. وهي الخلايا التي كانت تعيد
إنتاج نفسها تحت ضغط الغطاء الثقيل للدكتاتورية. وحالما
ارتفع عنها، فانه سرعان ما أخذ ينمو بقوة ملفتة للأنظار،
أتخذ على الرغم من كل تنوعه الداخلي وحدة "التيار الصدري"
المحكوم بالأثر الروحي للصدر الأب.
وقد كانت مظاهره الأولى تقوم في التفاف مجموعة من رجال
الدين الشباب المنتمين " للحوزة الناطقة" التي أسّسها محمد
صادق الصدر(5). فقد أخذت البنية التنظيمية تتكامل بسرعة
مذهلة. وهو أمر يشير الى أن بوادرها ومقدماتها، بما في ذلك
التنظيمية، كانت واضحة وجلية في خيال ورؤية القوى الجديدة.
وهي قوى كانت تحتكم في رؤيتها ومزاجها ومساعيها من واقع
العراق المهمش. وهو الأمر الذي أسبغ عليها وعلى سلوكها
ومواقفها وغاياتها أبعاداً اجتماعية عراقية وطنية. وهي
العملية التي يمكن عدّها صعود شخصية مقتدى الصدر تعبيرا
أنموذجيا عنها. بمعنى أنها المرة الأولى التي تأخذ الحركة
الاجتماعية الشيعية زمام المبادرة خارج تقاليد "الحوزة
العلمية" وأحزابها التقليدية ومرجعياتها الروحية. وهي
الظاهرة التي نلمح مظاهرها الأولية في تحر التيار الصدري
وتحرره من ثقل المرجعيات المحنطة بقدسية المدن الحائرة في
يقينها الضيق.
فقد تحرر الصدر والتيار الصدري الجديد من مرجعية الشيخ
كاظم الحائري، بوصفه المرجع الذي رشحه الصدر الأب لابنه.
وهي فرضية قابلة للجدل، لكنها لا تحتوي على أبعاد وقيم
عملية ونظرية بسبب الطلاق السريع والواضح بين تيار الحركة
العراقية وقادتها الجدد وبين بقايا المرجعية القابعة في
مدينة قم. وهو تحول جوهري في ميدان الفكرة النظرية
والعملية والسياسية، أي كل ما يمكنه أن يبلور الأبعاد
الإيديولوجية الجديدة للتيار الصدري. وذلك لان غياب
"المرجعية الروحية" يجعل من العقل الاجتماعي وتجاربه
الخاصة والعامة أسلوبا للبحث والتدليل. أما في حالة التيار
الصدري فانه دفع شخصية مقتدى الصدر بالشكل الذي جعل منها
في آن واحد مرجع الحركة ولسانها الناطق، أي كل ما أعطى
للحركة إمكانية التحرر من فكرة ونفسية وذهنية الوصاية.(6)
وهو تحرر جعلها تسرح وتمرح وتفور وتثور في كل مكان.
وليس مصادفة أن تحمل الجريدة الأسبوعية للتيار الصدري اسم
"الحوزة الناطقة". فهو الاسم الذي كان يتمثل تاريخ الصدر
ولسان صوتها المعاصر. وليس مصادفة أيضا أن يتمثل مقتدى
الصدر تراث أبيه في النطق أمام جماهير المدن المهمشة،
مبتعدا عن "مراكز القرار" الخاضعة للسيطرة الأمريكية
وتركيبها للأشخاص والحركات(7). بعبارة أخرى، لقد أبقى
الصدر والتيار الصدري على كينونته الذاتية بوصفه حركة
المجتمع المهمش والمصالح العراقية التي لم ينطق باسمها أي
من التيارات والحركات والأحزاب والحوزات. وتحولت الكوفة
الى جانب مدينة الصدر المصادرة من اغتصاب الصدامية، الى
ميادين الجدل السياسي وشحذ القيم الإيديولوجية وتبلور
المفاهيم العامة والخاصة بالحركة الصدرية مما يجري في
العراق وحوله. من هنا تقييم التيار الجديد لماهية "الحوزة
العلمية" بمعايير الرؤية الاجتماعية والسياسية العملية
والوطنية العراقية. لهذا نرى الصدر يتكلم عن "مرجعيات لا
تحبذ التدخل بالسياسة"، وأخرى "تتصدى للسياسة ولكن بصورة
متورطة مع قوى الاحتلال"(8)، وثالثة تتصف بمواقف "وطنية
مشرفة"لكنها لا تشارك بالضرورة مواقف وأعمال ورؤية التيار
الصدري في كل شيء(9). وعدّ الأولى مرجعية خاملة لا يمكن
الرضا عنها، والثانية لا يمكن اعتبارها "مرجعية دينية"،
أما الثالثة، فإنها الأقرب إليه على الأقل من الناحية
الروحية والأخلاقية ولحد ما السياسية. غير أن التيار
الصدري، ظل حتى في حالة الموقف المتسامح والمؤيد والداعم
للصنف "الوطني المشرف" من المرجعيات، يتمتع باستقلالية
تامة عنها. وليس الرجوع الى تقاليد الصدر الأول والثاني
بوصفهما سلسلة "الشهادة" سوى الصيغة الأكثر بروزا بهذا
الصدد.
إن الرجوع الى حلقات الشهادة الصدرية، يعني استقلالية
التاريخ والموقف من اجل صنع حلقاتها اللاحقة، أي سلسلة
الحركة القابلة للنمو خارج تقاليد وتأثير المرجعيات
التقليدية للنجف وقم. وهي عملية تحتوي في أعماقها أولا
وقبل كل شيء على وحدة الأبعاد الاجتماعية والعراقية. ولا
يغير من ذلك شيئا كون هذا الرجوع بلا منظومة ولا عقائد
سياسية باستثناء الحدّ الضروري لتقاليد التشيع المجاهد
والنزوع العربي العراقي، أي تقاليد التضحية والانتقام
المتسامي المتراكمة في تاريخ العراق العربي. وهي التقاليد
التي تشق لنفسها الطريق الى "الإيديولوجية العملية" للحركة
الصدرية، التي يمكن رؤية ملامحها الأنموذجية، على سبيل
المثال في "الأجوبة" التي كتبها مقتدى الصدر ردا على أسئلة
التيار نفسه بصدد الموقف من البعث. ففي معرض إجابته على
مواقفه من فكرة البعث وإيديولوجيته السياسية، يشدد الصدر
على كونها فكرة آنية صنعها "الغرب الكافر والثالوث
المشئوم" (إسرائيل وأمريكا وبريطانيا) لجعلها يدا ضارِبة
ضد الإسلام عموما وأتباع أهل البيت خصوصا، وإنها تأسيس
للقومية الضيقة المعارضة لفكرة الإسلام، وإنها جذرت
العلمانية وأرست أسس الدكتاتورية والظلم، وجعلت من قادتها
آلهة فارتكبوا المحرمات بلا وازِع ولا رادع. لهذا نراه يجد
فيمن اعتقد بفكرة البعث وامن بها محلا للعقاب! بحيث نراه
يقول "لو كنت مجتهِدا لأقمت عليه القصاص"!. كما وجد فيم
يروج لها استمرارا لمن "يدعم معاوية ويزيد والحجاج وهولاكو
وكل ظالم عبرَ مر العصور. فهو مروج للباطل ويستحق العقاب".
لو لمم يجد تبريرا لمن انتمى إليه بسبب العوز والإجبار،
لان الإنسان إرادة. وطالب بمقاطعتهم عل كافة المستويات
ومطاردتهم أينما كانوا وحلوا، وكما كانو يفعلون ضد الناس.
بل نراه يرد على سؤال متعلق بموقفه من "التشهير بهم وتعريف
الناس على قبائحهم وأفكارهم الخبيثة" بعبارة "نعم! جزاك
الله خيراً ففيه مرضاة لله تعالى"! كما نراه يطالب بنبذ
ثقافة البعث وإزالة مناهجهم من التعليم. وحول الثأر الشخصي
من حزب البعث بسبب قتله الصدرين (محمد باقر ومحمد صادق)
نراه يقول : "كوني وليا للدم أطلب إقامة القصاص على كبير
القَتلَة من العفالقة الأنجاس الهدّام (صدام) عليه اللعنة
والعذاب وعلى كل القتلة المجرمين ممن كانوا يأتمرون
بأوامره الشيطانية الخبيثة. فما ضاع حق وله مُطالِب. فلَم
تذهب دماء الحسين من دون عقاب. فقد كان المختار نِعمَ
الآخِذ بِثَأرِهم. اللهم، فإن كنت مستحقا لأن أكون آخذاً
بِالثأر، ثأر آل الصدر، بل الإسلام كافـة، فلك الحمد على
ذلك، وإلا فاجعل قـتلَهم وتشريدهم على يد مولانا الإمام
المهدي، أو أيدي المؤمنين".
إن هذه الإجابات الانموذجية تعكس طبيعة التفكير والذهنية
الصدرية، بمعنى اتصافها بالمباشرة وتوليفها المعقول لما
اسميه باللاهوت الشيعي والناسوت العراقي. وهو توليف يتمحور
ويتجسد من خلال الأبعاد الأربعة الكبرى للفكرة الصدرية
الحالية، الا وهي "مواجهة المحتل" و"عراق الداخل"
و"التضحية الاجتماعية" و"الانتقام التاريخي". وإذا كان
البعد الأخير (الثأر والانتقام) هو الأكثر والأوسع انتشارا
وترسخا في إجاباته فلأنه يتعامل مع الإشكالية الأشد إثارة
بالنسبة للأبعاد الأخرى. من هنا تركز فكرة الثار فيها
بوصفها جزء من معترك البدائل. وهو الأمر الذي يعطي لنا
إمكانية القول بان غياب المنظومة الفكرية والإيديولوجية
الواضحة لا يعني انعدامها. بل على العكس فإننا نستطيع أن
نلمح ما يمكن دعوته بالمنظومة الخفية لتعايش عناصر التشيع
والنزعة العراقية والروح العربي من خلال الأبعاد الأربعة
التي جرت الإشارة إليها أعلاه(10).
كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول بان التشيع والعراقية
والعربية هو ملك وملكوت وجبروت التيار الصدري، أي ثالوث
التشيع المذهبي وليس الطائفي، والوطنية العراقية العامة
وليس الجهوية، والنزوع العربي الجامع لكليهما. لكنه ثالوث
لم يتكامل بعد في منظومة فكرية واضحة المبادئ وإيديولوجية
سياسية لها أطرها الدقيقة وتنظيمها العملي. وهو الأمر الذي
يجعلها جزء من آفاق التيار وحركته المنظمة. وهي آفاق
تتفاعل فيها أربعة أبعاد جوهرية وهي أبعاد الداخل،
والمواجهة للمحتل، والتضحية الوجدانية والاجتماعية،
والانتقام التاريخي. كما أنها الأبعاد التي تتفاعل فيما
بينها في مجرى الصراع العشوائي والعنيف السائد في ظروف
العراق الحالية. ففي الأسابيع الأولى التي أعقبت الغزو
الأمريكي للعراق انتشر أنصار الصدر في شوارع الأحياء
الشيعية الفقيرة من العاصمة بغداد وقاموا بتوزيع الغذاء.
كما تم إلغاء اسم "مدينة صدام" واستبدالها ليس عبر الرجوع
الى اسمها الأول (مدينة الثورة) بل تقديمها باسمها
الاجتماعي الجديد "مدينة الصدر". وحالما جرى تأسيس "مجلس
لحكم المؤقت" نرى التيار الصدري ينشأ حكومة منافسة. كما
نراه يرفض دعوة الحكومة للمشاركة في مؤتمر وطني. ثم يهاجم
إياد علاوي، بوصفه رئيس وزراء الحكومة المؤقتة، ويعدّه
استمرارا للاحتلال الأمريكي للعراق، ثم اشتبك أنصار الصدر
مع أتباع آية الله السيستاني في مجرى التحضير لتسليم
السلطة (الشكلي) للحكومة العراقية. وعدّ الائتلاف العراقي
الموحد لا يمثلون سوى أنفسهم. كما صرح بعدم شرعية
الانتخابات العراقية مادام الاحتلال موجوداً، من دون أن
يفرض على المجتمع ذلك أو أن يجرد حتى أنصاره من حق
المشاركة في الانتخابات. كما نراه يهدد الحاكم الأمريكي
للعراق آنذاك بول بريمر بالثورة في حال عدم جعل الإسلام
مصدرا رئيسيا للتشريع في العراق. وفي الوقت الذي يحارب
بقوة الاتجاهات التكفيرية والطائفية السياسية السنية ويدعو
رجال الدين الشيعة للمشاركة الفعالة في الحياة السياسية،
نراه ينظم مظاهرات تضم شيعة وسنة في بغداد ومدن أخرى في
مجرى معارك الفلوجة والنجف وغيرها. وفي الوقت الذي وجهت
إليه اتهامات "فرق الموت" في مواجهة "النواصب"، فان خطابه
السياسي مشحون بنبذ الطائفية، والدعوة للوحدة الوطنية. وقد
دعم بالقول والعمل أهل مدينة الفلوجة في مجرى المعارك
العنيفة آنذاك. كما أرسل بعض قواته لدعم التركمان والعرب
في كركوك ضد التجاوزات والجرائم العرقية للأحزاب الكردية.
بل نراه يتعدى حدود العراق ليعلن نفسه اليد الضاربة لحزب
الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية. وقد كانت اغلب
مواقفه محكومة بهاجس التحرر الوطني العراقي من الاحتلال.
فقد شدد دائما على عدم قبول "العيش بين حفر الاحتلال"، وان
"الواجب الديني والوطني" يلزمه بالسعي من اجل الحصول على
المطالب بحسب المستطاع، لكنه "لن يرضى بالاحتلال"، وأن من
يقر بالاحتلال ليس بعراقي"، وان "الحركة لا تسمع قولا لغير
العراقيين". وانه يرغب بأن "تكون العملية السياسية أو
الوطنية ضمن الحوزة العلمية والمرجعية"، كما أن من الممكن
"التعاون مع الأمريكان بالجهد الذي نقدر عليه، لكنهم
محتلون ويجب أن يرحلوا". وهي الفكرة التي وضعها في قوله :
"إننا مع أي نوع من أنواع المفاوضات مادامت جدية ولا تتضمن
ما يخالف ثوابتنا من وجوب رحيل المحتل وفق سقف زمني مدعم
بضمانات دولية".
الحركة الصدرية والمستقبل - من الطائفة الى الأمة، ومن
المدينة الى الدولة !
إن مأساة وآفاق الحركة الصدرية هما بقدر واحد مأساة وآفاق
العراق، بمعنى إنهما كلاهما نتاج ظروف الانـحطاط، تماما
بالقدر الذي يمثلان محاولة الخروج من مأزقه التاريخي
الفعلي. من هنا إشكالية البديل الكبرى في العراق أمام جميع
القوى السياسية بما في ذلك أمام الحركة الصدرية، بل أنها
الإشكالية الأعقد بالنسبة للحركة الصدرية بسبب كونها
الحركة الاجتماعية السياسية الوحيدة التي نشأت من صلب
الواقع العراقي وزمن الانـحطاط الشامل فيه. وهو السبب الذي
جعل منها حركة تحمل كل متناقضات الوجود التاريخي للعراق
المعاصر. من هنا لا يمكن لأية إسقاطات تاريخية أو تملق
إيديولوجي أو مواعظ أخلاقية مجردة مهما كان مصدرها، أن
تغير شيئا من مجرى الأحداث ما لم تتكامل الحركة العشوائية
الناشئة من خليط الانـحطاط والوجدان في حزب سياسي اجتماعي
متميز. وهو تكامل مرهون لحد كبير بمدى قدرة الحركة
(الصدرية) على الارتقاء صوب الواقعية العقلانية. فهو الشرط
الضروري لنمو وتراكم منظومة القيم الاجتماعية والمدنية في
الفكرة السياسية. بمعنى تحول التيار الصدري والحركة
الصدرية الى كينونة سياسية اجتماعية لها إيديولوجيتها
العملية وبرامجها الواضحة.
ومن الممكن توقع تعقيد الارتقاء بسبب طبيعة وحجم التركة
الهائلة للتوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية
ورصيد الإرث التقليدي في الوعي المذهبي السياسي. من هنا
عادة ما تتخذ عملية التهذيب والتشذيب والخروج على المألوف
ومحاربة التقليد، بما في ذلك تجاه أكثر الأمور بساطة، طابع
الصراع الوجداني العنيف. بعبارة أخرى، إن أي اهتداء سياسي
جديد تمليه ظروف الحياة والصراع يصبح بالنسبة للعقل
والضمير شكلا من أشكال "الهداية". وهي مظاهر يمكن رؤية
أشكالها المتغيرة وأنواعها العديدة في حال تأمل تجربة
الصراع السياسي التي خاضها التيار الصدري في غضون السنوات
الأربع الماضية. وهي مظاهر تصب عموما فيما يمكن دعوته
بالرجوع الى المجتمع وحركته الداخلية. وهو الأسلوب الأولي
والضروري بالنسبة لتيار اجتماعي سياسي تلقائي (كالتيار
الصدري) للخروج التدريجي من تقليد المرجعيات
التقليدية.(11) انه سوف يتوصل بالضرورة الى أن مرجعية
التقليد هي مرجعية تقليدية، أي مؤسسة خارج التاريخ الفعلي
بشكل عام والعراقي بشكل خاص. وهي نتيجة يمكن رؤية أبعادها
النظرية والعملية في تاريخ "التيار" الصدري، أي تيار
المدرسة الصدرية. وهو تيار وضع محمد باقر الصدر أسسه
ومقدماته الأولية عبر إشراك تراث التشيع الإسلامي في جدل
المعاصرة. وهو جدل إيديولوجي في اغلبه وعادي بمقاييس العلم
النظري، لكنه الأكثر جدارة وقيمة وأهمية بالنسبة لبلورة
الوعي السياسي العراقي والعربي والإسلامي المستقل وسط
الكثافة الثقيلة لجمود "الحوزة العلمية".
غير أن التيار الصدري الحديث لم يولد من أحشاء الفكرة
الإيديولوجية لمحمد باقر الصدر، بمعنى أن الحبل السري
لغذائه الفكري والإيديولوجي لم يحتو على مكونات "فلسفتنا"
و"اقتصادنا" و"سياستنا"، بقدر ما انه كان يمتص رحيق وجوده
الأول من تربة القوى الاجتماعية المهمشة وهواء الراديكالية
العائم في عقلها ووجدانها. فالتيار الصدري لم يكن مقيدا
بأيديولوجية التشيع السياسي السابق (حزب الدعوة) ولا
بتقاليد العائلة (آل الحكيم). وهي تقاليد لم ترتق الى مصاف
الفكرة السياسية المتحررة من ثقل التقليد الميت لتراث
الأقدمين ومرجعياتهم "الحية" في "آيات" يصعب قراءتها بلغة
المعاصرة. فإذا كان حزب الدعوة وآل الحكيم كما كشفت أحداث
العراق ما بعد سقوط الدكتاتورية عن أنها قوى الماضي، بمعنى
انعدام علاقتها بالمستقبل الحقيقي. وإن ّمفهومها عن
المستقبل هو الإبقاء على "نقاء" الماضي، أي فكرة السيد
والعبد بعد رفعها الى مصاف المقدس، وهو أمر يضعها بالضرورة
بالضد من فكرة الحرية والتقدم والعلم، كما أنها تتعارض مع
فكرة الوطنية والمواطنة والصعود العربي للعراق. وهو سر
صعود مرجعية الثورة (اقصد مدينة الثورة) بوصفه الخط
الموازي في بدائله لتقاليد التشيع السياسي. فتقاليد ونفسية
وذهنية ومزاج الحركة الصدرية هي تقاليد مدينة الثورة
العراقية ومكوناتها الاجتماعية، بوصفها منطقة البؤس
والحماسة الإنسانية الرفيعة، ومصدر من مصادر القوة الهائلة
للروح البغدادي والعراقي والعربي.
إن الإمكانية الكامنة في التيار الصدري تجعله قادرا،
مقارنة بغيره من التيارات الإسلامية، على أن تبوء مكانة
القوة الأكثر فاعلية وتأثيرا وايجابية بالنسبة لترسيخ قيم
الإصلاح السياسي، وبالتالي وضع حد لنفسية وذهنية الانتقام
الهمجي. لكنها إمكانية محكومة بمدى استعداده لإعلاء مرجعية
التشيع للعراق والنظام الوطني والدولة الشرعية. والسبب
يكمن في أن الارتقاء الفعلي للحركة السياسية وقدرتها على
تمثل المصالح الجوهرية للمجتمع المجزأ يرتبط باستعدادها
على توحيد التقاليد والارتقاء المحكوم بقيم المعاصرة.
فالحداثة الفعلية هي تلقائية التطور المعقولة بوعي الذات
التاريخي والثقافي. وفيها يكمن مصدر التقدم الاجتماعي
وتراكم المؤسسات والاحتراف والقيم والأفكار والمبادئ
والمنظومات. وهي إمكانية يمكن رؤية مثيلها في ارتقاء
الحركة السياسية الشيعية في لبنان الى مصاف حزب الله، الذي
يمكن تصنيف تجربته على أنها الأكثر أنموذجية في العالم
العربي الحديث (بالنسبة للحركات الإسلامية السياسية).
والإجابة على السؤال الذي يمكن توقعه عما إذا كان بإمكان
التيار الصدري الارتقاء الى مصاف التيار السياسي الفكري
المستقل عن ثقل العادة والتقاليد، يقوم أولا وقبل كل شيء
في كيفية تأسيسه للفكرة الوطنية العراقية، وتجسيد الصيغة
الواقعية والمعقولة لفكرة المركزية الدولتية، وتحقيق
مرجعية الحرية والنظام. وعندما نتأمل تاريخ التيار الصدري
الفتي، فإننا نلحظ في مجرى تصلب عوده على جملة مفاصل عامة
وكبرى تؤيد الفرضية المطروحة أعلاه، ألا وهي، ارتقاؤه من
حركة راديكالية مغلقة نسبيا الى حركة سياسية للشيعة عموما،
ومنها الى حركة اجتماعية سياسية شيعية، وأخيرا ارتقاءها
الى مصاف الحركة العراقية العامة (في ظل بقاء عناصر
ومكونات الجهوية والمذهبية بوصفها مكونات ثانوية). وهو
ارتقاء يشير بدوره الى احتواء التيار على إمكانيات الإصلاح
المنظومي الذاتي، ومن ثم إمكانية ترسيخ أسس منظومة
الارتقاء التلقائي. وهي أيضا عملية يمكن رؤية بعض عناصرها
في سلسلة تطور التيار الصدري من الغوغاء الى الأصحاء، ومن
اللاعقلانية الى الواقعية، ومن العوام المتحمسة الى العوام
المتحسسة، ومن التهور الى الانضباط، ومن الوحدة الى
التجزئة، ومن خلالها الى التنظيم المعقول. ذلك يعني إننا
نقف أمام سلسلة تتألف من ست حلقات مترابطة يمكن رؤية
معالمها الخاصة والواضحة في مجرى أربع سنوات من التجربة
السياسية المستقلة. وهي تجربة تبرز قيمتها وأهميتها
وديمومتها في ظهور ملامح النخبة السياسية المحترفة(12).
إلا أن آفاقها الفعلية الكبرى بالنسبة للمصير العراقي
ترتبط بمدى قدرة الحركة ونخبتها السياسية على توحيد وإنتاج
سبيكة جديدة مرنة وواقعية تحتكم الى العقلانية والرؤية
الوطنية العامة من اجل تحييد عناصر التجزئة في التيار
الشيعي العام، أي الاستحواذ العقلاني على الساحة الشيعية
ومن خلالها تقديم برنامج البديل الوطني العراقي العربي.
وهو تحييد يشترط تذليل الانـحراف الداخلي وتقاليد العائلة
والجهوية المميزة للحوزات الدينية وأطرافها السياسية. وفي
حال انجاز هذه المهمة يمكن للتيار الصدري أن يسهم في تحييد
القوى المحلية والقومية الصغيرة والعرقية، ولاحقا القوى
الخارجية المتصارعة على مصالحها الضيقة في العراق (إيران
وبعض سلطات الدول العربية).
إن هذه السلسلة العملية الصعبة مرتبطة بدورها، بل محددة
بكيفية تذليل الخطر الداخلي الأكبر بالنسبة لوحدة العراق
وتكامله الذاتي، وهو خطر يكمن الآن في تفاعل القوى العرقية
(الكردية) والطائفية السياسية العربية. لكنه خطر يضمحل
ويتضاءل بصورة سريعة وعاصفة في حال إخراج قوى الاحتلال.
وهو الأمر الذي يجعل منها مهمة أولية. فهو الشرط الضروري
لتكامل الدولة والمجتمع والهوية الوطنية، كما انه مقدمة
تحييد وتذليل تأثير قوى الاحتلال ودورها الممكن والمحتمل
في الحياة الداخلية للدولة العراقية(13).
فالدولة العراقية الحالية عارية تماما أمام الولايات
المتحدة والتدخل الأجنبي. ومن ثم فان القوة القادرة على
استعادة "العتمة" هي القوة التي تتمتع بتاريخ العداء للقوة
الأمريكية، وليس القوى التي تعلقت بأذناب الاحتلال وسارت
بركابه. فقد خلطت هذه القوى بين إمكانية إقامة علاقة
طبيعية وضرورية بين العراق والولايات المتحدة كدول وأمم،
وبينها وبين قوى الجيش والاستخبارات! لكن المهمة التي تقف
أمام التيار الصدري لا تقوم في محاربة هذه الاتجاهات، بل
بتقديم البدائل الايجابية عبر الاستحواذ على الساحة
الشعبية بمعايير الرؤية الوطنية العراقية العربية، والدفاع
عن فكرة الحرية والنظام الديمقراطي. فهو الأسلوب الذي يذلل
النقص الفعلي في التيار الصدري ويسحب البساط في الوقت نفسه
من جانب التيارات التي تجعل من قيم العلمانية والديمقراطية
أداة الابتزاز وليس لبناء الدولة والمجتمع والثقافة، وليس
مصادفة أن نرى اشتراك اغلب القوى المختلفة والمتحاربة
والمتناحرة فيما بينها بالعداء للحركة الصدرية. بحيث تحولت
الحركة الصدرية الى هدف كل من يشترك مع الولايات المتحدة
الأمريكية بمعايير الاحتلال! من هنا اشتراك مختلف القوى في
محاربتها تحت حجج لا قيمة لها ولا شرعية مثل "العلمانية"
و"الديمقراطية" و"الشرعية". وهي كلمات فضفاضة ولا محل لها
في إعراب القوى التي تدّعيها. بل يمكنني القول ؛ بأن
الحركة الصدرية هي الأكثر علمانية وديمقراطية وشرعية في
ظروف العراق الحالية، وهي المكونات التي تستقيها من
مقوماتها العراقية الفعلية والتصاقها بالمجتمع وتمثيل قواه
المسحوقة والصاعدة، فالعراق ليس بحاجة الى علمانية لصوص
وديمقراطية عبيد بأيدي الاحتلال، كما انه ليس بحاجة الى
شرعية كاذبة، دستورها مثل قرآن الحركات التكفيرية
والإرهابية، يمكن توظيف آياته ومواده بحسب الحاجة والطلب.
إن تحقيق هذه المهمات العملية الكبرى مرتبط بتطوير الأسس
الأولية والشروط الذاتية للحركة الصدرية، أي الانطلاق مما
فيها ودفعه الى الأمام بمعايير الوحدة المتلازمة لما
أسميته بثالوث التشيع والعراقية والعربية. أي توليف فكرة
التشيع العراقي العربي، بوصفه تشيعا للعراق العربي (بوصفه
هوية ثقافية وليست دينية أو مذهبية أو عرقية أو جهوية).
وهي مهمة ممكنة التحقيق من خلال:
توحيد الطائفة بلا طائفية، ودمجها بإشكاليات العراق العامة
والعربية الثقافية. بمعنى التنبه الدائم لكي لا تسقط
الحركة في اوحال المواجهات الطائفية (الشيعية والسنية)
ومشاريعها الجزئية والضيقة. أولوية وجوهرية الصراع مع
النفس، عبر صنع البديل الذاتي في الفكرة والممارسة والقيم
والمبادئ والأهداف. الارتقاء بالتيار الى مصاف الحزب
السياسي، وهي عملية ينبغي أن تمس بنيته الفكرية
والإيديولوجية والتنظيمية وشعاره الأساسي وبرامجه واسمه.
وهي مهمات يمكن وضع لبناتها الأولى أو تجريبها العملي من
خلال إدراجها ودمجها في التحضير أيضا للانتخابات القادمة.
بمعنى العمل من اجل بلورة برنامج واضح المعالم يتمثل
تقاليد الحركة الصدرية ويرفعها الى مصاف المنظومة
السياسية، أي منظومة البرامج والشعارات العملية
والمستقبلية. والصيغة المثلى هنا أن تلتف برامجها
المستقبلية حول شعارات الدولة الشرعية، والقانون،
والديمقراطية وتداول السلطة، والحرية. أما شعاراتها
العملية فتلتف حول قضايا القضاء على البطالة، وتطوير
الزراعة، والاهتمام بالصحة، ومهمات الدفاع عن حقوق المرأة
والأطفال. فهي الجوانب والقضايا التي تشكل محور الاستقطاب
الفعلي لمكونات الروح والجسد العراقي للسنوات العشر
القادمة. وبالتالي ينبغي أن تكون جزءا من برنامج مستقبلي
أوسع يترادف في العقل والوجدان العراقي مع فكرة صنع عراق
قوي معافى، وهو برنامج يفترض بلورة الأولويات التالية:
التربية والتعليم، والتصنيع، والعلم والتكنولوجيا المدنية،
والحرية الفردية والاجتماعية، والثقافة. وفي حالة تمثل
التيار الصدري لهذا الاتجاه، فانه ملزم بتغيير اسمه بالشكل
الذي يجعله مرادفا في الوعي السياسي والاجتماعي للعراقيين
مع حزب الدولة والأمة. وهو حزب سياسي اجتماعي ينبغي أن
يحفر فكرة العراق وانتمائه العربي وآفاقه المزدهرة في كافة
ميادين ومستويات نشاطه العملي. فهو الأسلوب الضروري
للتحول، بما في ذلك في ميدان الايديولوجيا من اللاهوت
المذهبي والديني الى الناسوت العراقي والعربي. وعبرها فقط
يمكن تذليل جبرية الزمن والارتقاء الى إرادة التاريخ. وهي
المهمة التي لم يقم بها أي من الأحزاب السياسية في مجرى
نصف قرن من الزمن، أي في مجرى الانقطاع التاريخي عن
التاريخ الذي ترافق مع انتصار انقلاب الرابع عشر من تموز
عام 1958 وحتى الاحتلال الأمريكي للعراق.
الهوامش
(1) إن كلمة الزعطوط باللهجة العراقية الدارجة تعني الصغير
أو الصبي الأرعن. وهي حالة لا يخلو منها إنسان بوصفها
مرحلة من مراحل تكونه الشخصي. لكن العاقل يتجنب عموما هذا
التعبير عن رجل بلغ الثلاثين من العمر. أما إطلاقه، فإنه
مؤشر على شيخوخة من أطلقها على مقتدى الصدر. كما نعثر فيها
على سخافة العقل وسوء التربية. وكلاهما من جنس واحد
بالنسبة للقوى الحزبية. وبشكل عام هو تقييم حزبي لا علاقة
له بالسياسة بوصفها علما أو منظومة قيم ومفاهيم ومبادئ
وقواعد عمل تهدف الى إرساء أسس اجتماعية ومدنية. وأغرب ما
في الأمر، إنني عثرت في إحدى المقالات "الرصينة" في
تحليلها لشخصية مقتدى الصدر على هذه الكلمة ولكن بحروف
"زعتوت". وهو "مقال" يستعيد ما كان منتشرا آنذاك في
الصحافة الأمريكية بأثر المقال الموسع الذي نشرته مجلة
(النيوزويك) عنه. وبما أن الانجليزية لا تحتوي على حرف
الطاء، من هنا خمول الذهن حتى عن الرغبة بمعرفة معنى هذه
الكلمة أو صيغة نطقها العراقي. وهي حالة أنموذجية تعبر عن
طبيعة ما كتب عنه في الصحافة المناوئة.
(2) إن العلم السياسي النقدي العراقي بحاجة الى تحليل
وتجريح فلسفي وثقافي وتاريخي وروحي لظاهرة "السادة" من اجل
تذليلها الفعلي ونفيها وإزالتها من واقع العراق وبنيته
الاجتماعية والسياسية والروحية. فهي ليست منافية ومناقضة
لشخصية الإمام علي وتاريخ الفكرة العلوية، بل وتشكل
امتهانا أخلاقيا وروحيا أبديا لها. دعك عما فيها من سقوط
في وحل العبودية النتن وتقسيمها البشر على طبقات "السادة"
و"العبيد".
(3) ضمن هذا السياق يمكن عدّ ظهور وحماسة الحركة الصدرية
بحد ذاتها فضيلة روحية وسياسية كبرى للعراق. وهي الظاهرة
التي يمكن العثور على رمزيتها غير الواعية في ظهور "حزب
الفضيلة" من بين جوانـحها. فهي العملية التي تنشأ بالضرورة
من تصدع السيل العارم لبركان الحياة الاجتماعية والسياسية.
وهو تصد طبيعي بالنسبة لصعود وقوة الحركات الاجتماعية
السياسية الكبرى في مراحل نشوئها الأول. فكل انشقاق هو جزء
من حركة "إيقاف" حركتها الهائجة أو "تبريد" عنفوانها
الوجداني. ولكل منها نياتها وغاياتها وقواها وشخصياتها.
وسواء اكان "حزب الفضيلة" جزءا من الصراع حول زعامة
الحائري أو مقتدى الصدر، أو شكل من أشكال "الواقعية"
و"العقلانية" في مواجهة الموجة العارمة لهيجان الحركة
الصدرية في أول نشوئها، فإنها تكشف عن ديناميكية الحركة
وطاقتها الداخلية.
(4) مما لا شك فيه أن الموقف من إيران ليس معيارا للحكم
على "استقلالية" أو "خضوع" هذا التيار أو ذلك لها. لكنه
يتخذ في ظروف العراق الحالية "حساسية" مفرطة، مع أن مصالح
العراق الجوهرية تقوم في كيفية إيجاد وتنظيم العلاقة
الإستراتيجية بإيران وتركيا بالشكل الذي يحفظ مصالحهم
المشتركة. وهي عملية سياسية محتملة وممكنة فقط حالما
يتكامل العراق على مستوى الدولة والأمة. بمعنى أنها مرتبطة
في ظروف العراق الحالية بمستوى التكامل الذاتي للحركات
والأحزاب السياسية العراقية. وهي حالة مازالت في طور
التراكم. إذ أن اغلب القوى السياسية،، مازالت تعاني من
"خضوع" متنوع الدرجات والمستويات، بسبب ضعفها وضعف العراق
والتدخل العنيف للقوى العالمية والإقليمية في شؤونه
الداخلية. ولا تشذ الحركة الصدرية عن هذا الضعف في هذه
المرحلة من تطورها. لكننا حالما نتأمل مسارها وشعاراتها
ومواقفها وتقييم القوى المحلية والإقليمية لسلوكها، فإننا
نستطيع تلمس تحررها الكبير واستقلالها الأكبر، مقارنة
بالقوى الأخرى في ظروف العراق الحالية. وفيما يتعلق
بإيران، فان مواقف الصدر الأخير من دورها المتعلق
بمحادثاتها مع الولايات المتحدة على ارض العراق واضحة
وجلية. فقد هاجم مقتدى الصدر هذه المفاوضات. وقال بهذا
الصدد "أنا ارفض التدخل الأمريكي والإيراني بالشأن
العراقي. وليعلم الجميع أن العراق للعراقيين لا غير. وان
وجود ممثل عن الحكومة العراقية لا يعطي غطاء شرعيا ولا
قانونيا لها. فالشعب والسلطة التشريعية غير راضية بها
أكيدا".
(5) ومن أبرزهم آنذاك قيس الخزعلي الناطق الرسمي باسم هذا
الجيش، وجابر الخفاجي قاضي المحكمة الشرعية " للحوزة
الناطقة"، وثلاثة آخرين تمّ اعتقالهم أو اختطافهم من قبل
القوّات الأمريكية وهم : مصطفى اليعقوبي، ومحمد
الطباطبائي، ورياض النوري.
(6) ليست محاولة الحائري إرسال شقيقه ليكون ممثلا له في
العراق، وافتتاح مكتبا خاصا به، سوى إحدى المحاولات
الفاشلة. وذلك لانعدام رصيدها الاجتماعي وخصوصية الأتباع
والمؤيدين للحركة الصدرية. فهي الحركة التي يتبعها في
الأغلب سكان المدن المهمشة وليس الأرياف المتخلفة وذهنيتها
الأسطورية. لكنها اتخذت آنذاك صيغة المواجهة العملية التي
تفترض من "القادة" النزول الى الشارع. وهو ما لم يقم به
الحائري، بل أراد، شأن كل البنية التقليدية المشابهة،
التمتع بهالة "الوصاية" من دون تذوق متاعبها ومآسيها. وهي
الحالة، التي لم يحصل عليها لحد الآن في العراق غير علي
السيستاني. وهو حالة تعكس أولا وقبل كل شيء طبيعة ومستوى
الخراب في البنية الاجتماعية والثقافية العراقية الحالية.
(7) لقد اخذ مقتدى يتولي خطبة الجمعة في نيسان 2003، بعد
الاحتلال، ليستعيد دور أبيه الذي تولى هذه المهمة قبل ذلك
بعقد من الزمن. بينما أخذت سلطات الاحتلال الأمريكي بإغلاق
صحيفة (الحوزة الناطقة) في 28 آذار 2004 لمدة 60 يوما
متهمة إياها بتشجيع العداء ضد الولايات المتحدة. وهي
مؤشرات فعلية على طبيعة الحركة الصدرية وتوجهاتها المستقلة
بوصفها حركة الداخل العراقي المناهضة للدكتاتورية الصدامية
الاحتلال الأمريكي.
(8) لقد كان موقف الصدر من ها الصنف يتسم بسلبية كبيرة
علنية ومستترة. وقد كان هذا الصنف الصيغة الأنموذجية
للمرجعيات المنسلخة من تقاليد التشيع الوجداني. بمعنى
اللصيقة بفكرة التشيع مع البقاء ضمن تقاليد الخضوع للسلطة
والعيش بمعاييرها. وليس مصادفة أن تبرز فيها ومن خلال
دعمها المباشر وغير المباشر أكثر الأصوات عداء وتشويها
للحركة الصدرية. من هنا تشكيك الصدر بلقب "المرجعية
الدينية" لهذا الصنف من المرجعيات. غير أن وراء محاربة هذا
الصنف للتيار الصدري أمورا يكمن تحسسها لإمكانية زوال
تأثيرها التقليدي بفعل تصاعد دور ومكانة التيار الصدري
واحتلاله موقع الصدارة في الكوفة والنجف، بالإضافة إلى
بغداد، والتمهيد لمعركة النجف، التي أثارت حمية هذا النوع
من "المرجعيات". وقد تكون خطبة الشيخ القبّنجي في النجف
وتهديداته بمسيرة ربع المليون (التي أمر السيستاني
بإلغائها)، واستغلال مزاج التجار في النجف وكربلاء
المتضرّرة من توقّف السياحة الدينية، من اجل طرد "جيش
المهدي" من المدينتين، مع التشديد على وجود "عناصر كثيرة
غرباء عنهما". وقد وصف مقتدى الصدر موقف هؤلاْء قائلا "لا
يمكن إنكار أن البعض ممن يجعل من تنامي دخله أعلى وأكبر
بكثير من كرامته وحريته، وينظر لنفسه من دون أن ينظر الى
مستقبل أطفال، يستاء من كل ما ينغص فراشه الوثير، وعيشه
المنعم وإن كان خسيسا تحت نير المحتل ... وهؤلاء لا يمثلون
ضمير أي شعب حر...والحرية والاستقلال ومنع دخول المحتلين
العراق بل خروجهم منه كليا، و الذي سيصون كرامته وحريته ".
(9) المقصود بها هي مرجعية علي السيستاني.
(10) طبعا، أن انتشار وغلبة فكرة ومزاج "الانتقام الثأر"
هنا لم يكن معزولا عن طبيعة الأسئلة وموضوعها الخاص. فقد
كانت الأسئلة بمناسبة ذكرى استشهاد محمد باقر الصدر. وكان
الحوار يدور حول "البعث الكافر". ذلك يعني أن مهمة الحوار
كانت تقوم في كشف حدود وأبعاد الثأر من حزب البعث بوصفه
شكلا من أشكال تصفية الحساب مع الإرث الصدامي.
(11) إن إشكالية المرجعية في ظروف العراق الحالية
والمستقبلية هي إحدى إشكاليات تطوره اللاحق. فهي القضية
التي تتمحور حولها قضايا الدولة والأمة والثقافة السياسية
والفكر. وهي قضايا أتناولها الآن في مجرى كتابة مؤلفي
الجديد (العراق وفكرة المرجعية البديلة) .
(12) إن ظهور النخبة السياسية المستقلة والخاصة بالحركة
الصدرية هو أيضا احد أشكال ومستويات "امتحانها التاريخي".
إذ لا تخلو أية حركة من "امتحان" اختبار النخبة على محك
السلطة والجاه والمال. وفي مجرى الصراع اللاعقلاني والدموي
والوسخ في الكثير من جوانبه، لا يمكن للحركة الصدرية أن
تتجنب إمكانية ابتزازها، بالخصوص إذا أخذنا بنظر الاعتبار
مقدماتها التاريخية وقاعدتها الاجتماعية. فسوف تتحول
النخبة الى مصدر قلق للقوى السياسية المناهضة. من هنا
تحولها الآن وقريبا الى ميدان الابتزاز من خلال مختلف
الصفقات التي تسعى لتجزئة وتكسير وتهشيم وحرف وكسب عناصرها
من اجل إضعاف الحركة وخلخلت روحها الأخلاقي. وهي حالة تعكس
نوعية الصراع السياسي المتخلف في ظروف العراق الحالية ؟
فالعراق هو بلد الحثالة الاجتماعية ومستنقع الانـحطاط
الأخلاقي. فقد كانت الأخلاق العاصم السياسي لأغلب الأحزاب
والحركات الاجتماعية قبل 1963. وهي الحالة التي تعرضت الى
تدمير، لكنها ظلت تتسم بقدر من الحيوية حتى ثمانينيات
القرن العشرين. ولم يعد، بعد حروب الصدامية وشناعة
الدكتاتورية والحصار أي قدر أخلاقي يمكنه أن يكون عنصرا من
منظومة القيم السياسية. من هنا خطورة السقوط الكامنة في
نفوس وأفئدة القوى والنخب السياسية. غير أن قيمة النخبة
وحقيقتها تبرز أيضا زمن النكبات والهزائم.
(13) إن الانتهاك التاريخي للدولة الذي قامت به الولايات
المتحدة أقسى وأتعس من الدور الذي قامت به الفاشية
الألمانية في الدول التي احتلتها. إنها استباحت كل شيء،
وبالأخص بنية الدولة وسرقة كل مقوماتها وحقوقها وأسرارها،
وهو الأمر الذي جعل منها دولة عارية !
|