ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الدور الأكاديمي في العراق

مسلسل التحدي والإحباط

أ.د قيس النوري

لعل هذا الانبهار بالخبراء الغربيين ينبع من حسابات واقعية مرتبطة بتقدم أقطارهم علميا وتكنولوجيا ومعيشيا. غير أن تمييز الأكاديميين العرب الوافدين إلى العراق لا يصح تفسيره بفارق التقدم في بلدانهم التي قد تكون أكثر فقرا وتخلفا من العراق.

توطئة
الأكاديميون في العراق، مثلما في دول العالم العربي والثالث أيضا، هم حملة الدكتوراه والماجستير الذين يؤلفون الهيئات التدريسية في الجامعات. وقد تضاعفت أعدادهم وأتسع حضورهم مع ازدياد عدد الجامعات الوطنية.
ومن المعلوم أن العراق كان من الدول العربية القليلة والمبكرة في إرسال طلبة البعثات إلى الجامعات الغربية الرصينة للحصول على الدرجات العلمية العليا في مختلف الاختصاصات العلمية والهندسية والاجتماعية والأدبية.
وهكذا نما حجم الكوادر الأكاديمية العراقية خصوصا في الفترة الممتدة بين الثلاثينيات ونهاية الستينيات من القرن الماضي.
غير أن الخط البياني للدور الأكاديمي النهضوي ظل متذبذبا مع تقلب الوضع السياسي بين الاتجاهات الأيدلوجية غير المتجانسة.
وظل الأكاديميون العراقيون بشكل عام غير مهتمين

بالنشاط السياسي ربما لابتعاده النسبي عن الاعتدال والحاجات التنموية الوطنية.
سنـحاول في الصفحات القادمة الكشف عن أسباب وملابسات الظروف والتفاعلات الديناميكية التي أسهمت في تحجيم حركة التطور الأكاديمي العراقي.
وسيتضمن النقاش الخلفيات المجتمعية المؤثرة في واقع وأفاق هذه الحركة.

الأكاديميون والتواصل الجماهيري الفكري
لا بد أن نعترف ابتداء بالهوة الفكرية القائمة بين الأكاديميين وبين عموم الناس، خصوصا في ظل معدلات الأمية العالية. ويبرز هذا التحدي خصوصا أمام العلوم الاجتماعية والإنسانية، ما يتطلب تبسيط معلوماتها ليسهل فهمها جماهيريا.
وقد بقي شعار(الجامعة في خدمة المجتمع) خاويا بعيدا عن الاستيعاب والتنفيذ، رغم زج بعض الأكاديميين في بعض الدوائر البيروقراطية.
ويدرك الأكاديميون العراقيون أن اسهامهم في تنمية وتطوير الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والصحي والسياسي لا يقل أهمية وخطورة عن دورهم في التدريس واعداد الكوادر العلمية والمهنية في البلاد. لكن هذا التوجه يحتاج إلى تغيير جوهري في المعلومات والمفاهيم المطروحة إعلاميا وميدانيا وذلك لتكييفها لحاجات الطبقات والفئات المجتمعية الفقيرة والمحرومة لكي لا تقصى عن أنظار الكوادر العلمية وخططها التنموية.(Al-Nousi, p15).

لقد تأخرت الجامعات طويلا عن أداء ولو جزء من أدوارها التطويرية والتنموية بخصوص القرى العراقية التي تمثل تراجعا كبيرا عن حركة التطور في الوطن العربي وفي العالم الثالث. وبينما شرعت بعض الأقطار النامية في الدخول إلى فظاءات ما بعد الحداثة (Post-modernism) والعولمة (Globalization) والموائمة المؤسسية والسلوكية مع متطلباتها المبدئية على الأقل، ما زالت الأسر الريفية العراقية تحيى حياة شبه بدائية يغلفها الجهل والفقر والمرض من كل جوانبها. كل هذا يضع مسئولية إنسانية وعلمية كبيرة على عاتق الأكاديميين والخبراء والمثقفين للنهوض بواقع تلك الجماعات.
من المحتمل عدم استيعاب البعض لكثير من الكلمات ذات التكرار العالي في خطابنا اليومي ومنها المواطنة، والمؤسسات والدولة، والوطن، والهوية، والانتماء، والولاء، والبرلمان، والحرية، والديمقراطية، وسيادة القانون، والتقدم، والتخلف، والخرافة، وغيرها مما ينطقه الناس.
اشك أن سوء فهم هذه المفاهيم وعشرات غيرها يعني خلو أذهان هؤلاء من صورها الإدراكية (Cognitive Images) المطابقة لمعانيها الحقيقية. يترتب على ذلك أعادة نظر الأكاديميين في الاستراتيجيات التنموية والتركيز فيها على تبسيط المعلومات والتأكد من فهم عموم الناس لها.
ينتظر من الأكاديميين أن يتحرروا من قيود التوجهات الشكلية ويستثيروا هممهم النقدية التي تضعهم أمام تحديات العولمة واستحقاقات ما بعد الحداثة. وتبرز في هذا السياق أبعاد التغيير المجتمعي المنشود التي تتضمن النشر السريع للمعرفة العلمية والتكنولوجيا والثقافة الإنتاجية، وأهمية وسائل الاتصال، وإعادة تشكيل مفاهيم العمل، والصناعة والحياة الاقتصادية المتطورة، وإعادة توزيع وتنظيم مراكز القوى لتنبثق عنها هويات اجتماعية وسياسية جديدة لتنسجم مع التوجهات الديمقراطية (ألنوري،2001).
وسواء عدت عمليات التغيير هذه ضربا من تحديث الرؤى التاريخية أو دخول دوامة العولمة والتقدم، فأن مردوداتها المأمولة لن يقتصر تأثيرها على المجتمعات الصناعية المتقدمة، بل سيشمل الأمم والشعوب الفقيرة أيضا. لعلنا قد دخلنا عصرا أصبح فيه كل شيء ينذر أو"يبشر" بالعولمة من حيث الرؤى الجديدة الراهنة. ناهيك عن الانسيابية المتسارعة للسلع الاستهلاكية، وتنقل الناس، ورؤوس الأموال، والتكنولوجيات، ووسائل الاتصال، وتبادل المعلومات والصور الالكترونية المرئية عبر الفضائيات المتكاثرة العابرة للحدود الوطنية.
لكن الشيء الفريد والمثير للدهشة عن العراق أنه دخل إلى العولمة مباشرة بعد عقود من الاحتضار في محارق الحروب والحصار والعزلة. كل هذا ينبغي ألا يدفعنا إلى الاعتقاد بأن تأثير العولمة على أمم العالم واحد ومتشابه. من هنا لا بد للأكاديميين العراقيين ألا يقعوا في فخ التنظير المتجانس المستوحى من المدارس العلمية والأيدلوجية الغربية المهيمنة. لا شك أن هذا يعطي الأكاديميين العراقيين مجالا واسعا لطرح أجنداتهم التنموية المتناغمة مع خصوصيات الحياة الريفية الاقتصادية والتكنولوجية والقيمية، دون تجاهل آثار العزلة العراقية السابقة التي تستدعي جهودا استثنائية لسد بعض ما ولدته من ثغرات معرفية ستتم معالجتها من خلال شبكة المعلومات الالكترونية،(الإنترنت)، والفضائيات التلفزيونية والمجلات العلمية الدورية وقنوات التواصل العلمي والحضاري الأخرى المتاحة أمام العراقيين الآن.


ويؤمل أن يؤدي استتباب الأمن والنظام إلى أتساع مساهمات الأكاديميين لتشمل المشاريع التنموية المتنوعة الهادفة لانتشال الواقع الريفي العراقي من ظلام العصور الإقطاعية والخرافية السالفة.

من المتوقع أن تكون الخطط العلمية الجديدة معنية بالمفاهيم والموضوعات النابعة من الحاجات الوطنية الملحة. ومع تنوع واختلاف الرؤى وأتساع مدى الموضوعات، نرى أن الأولويات الوطنية ستشمل تحليل التعددية ومشتركاتها الفئوية ووضع برامج تنموية قابلة للتنفيذ تعود بالنفع على جميع فئات الطيف العراقي في سياق التكامل الوطني. وهكذا سيكون للأكاديميين العراقيين دور حيوي في تحويل التعددية من مفهوم يوحي بالتشرذم الفئوي المناهض للوطن والوحدة المجتمعية إلى حقيقة داعمة لقوة البناء الاجتماعي والرفاه الشامل لكل أبناء الوطن. يتطلب ذلك أيضا تفنيد جميع الحجج والادعاءات التفكيكية العابثة بالجهد الوطني والإنساني الحافز نـحو التضامن والتكامل.
ينبغي ألا يغفل الأكاديميون عن أعادة تشكيل وتعريف القيم الاجتماعية التقليدية و أغنائها بروح التسامح وحب العمل والانجاز والإبداع والمغامرة والتنافس السلمي الشريف والاعتزاز بالمهني بدلا من الأنساب العشائرية، والتكتل" القرابي" والتوافق مع التقدم، وممارسة البراغماتية الداعية إلى الحوار والاعتدال بدلا من الجدل المتعصب والتطرف في المواقف، وإشاعة الحرية وأقامتها على الأسس الديمقراطية، وتشجيع روح الانفتاح على الفكر العلمي والإنساني الحديث الذي حثت علية الشرائع الإنسانية.
يراد من كل هذه الخطوات"الإصلاحية" التنويرية أن تتسع أمام الأكاديميين فرص الإسهام في أعادة إنعاش الواقع الريفي العراقي وجميع المناطق الهامشية والفقيرة لتلحق ببقية فئات المجتمع الأوفر حظا.(Moose 1996).

الخانق التدريسي
بالرغم مما يحضا به التعليم من تبجيل واحترام في المجتمع العراقي، ألا أن الأكاديميين العراقيين العاملين في الجامعات يفتقدون"الهوية" العلمية المتميزة نتيجة لاندماجهم رسميا ونقابيا مع مدرسي ومعلمي الثانوية والابتدائية. ولم تفلح الجهود والمحاولات المتكررة لاستحداث (نقابة الأكاديميين) المستقلة عن نقابة المعلمين، بحجة أن التعليم في جوهره واحد للاثنين.
ولعل من أبرز النتائج المترتبة على هذا الدمج العشوائي رسوخ وهيمنة"صورة المعلم" التي تكاد تخفي النموذج الأكاديمي. على أن كلمة"أكاديمي" آخذة بالانتشار خصوصا في المجال الإعلامي الشعبي حيث يميل كتاب المقالات المنشورة في الصحف إلى تذييل أعمالهم بعبارة"أكاديمي عراقي".

وبعيدا عن الشكلية، توجد بعض الدلالات والمضامين السلوكية والتنظيمية التي قد تستنبط من هذه الازدواجية. هناك مثلا توجه واضح في وزارة التربية يتمثل في تكلفيها بعضا من الأكاديميين في وضع وتأليف المناهج التربوية باعتبار تلك المناهج مستمدة من العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية التي تدرس في الجامعات. وهكذا يلتقي هنا الأكاديمي مع مدرس الثانوية ومعلم الابتدائية حيث يتولى الأول تأليفها بينما يقوم الثاني بتدريسها. كما توجد دورات"تقوية" تعقد سنويا للمعلمين والمدرسين التابعين لوزارة التربية يقدم فيها الأكاديميون الجامعيون محاضرات تشدد على طرق التدريس ومنهجياتها.
إلى جانب اندماج الأكاديميين والمعلمين معا في انتخاب الهيئات النقابية التي تمثلهم. على أن معظم القادة النقابيين وربما كلهم غالبا ما ينتخبوا من الهيئات التدريسية في الجامعات.
لعل من آثار هذا التداخل بين هذين المركزين إغفاله ألأدوار العلمية الكبيرة المناطة بنيويا ومهنيا بمكانة(مركز) الأكاديمي الجامعي بصورة حصرية. ويتضح هذا التباعد مثلا حينما نركز على أدوار الأكاديميين الأطباء، والمهندسين، والجيولوجيين، والمحاسبين، والقانونيين، وخبراء الزراعة وغيرهم والتي لا يتسع لها مركز المعلم بل ينأى عنها تماما. كما أن حقوق هذه الاختصاصات التقنية والعلمية تعجز نقابة المعلمين عن فهمها والتعامل معها، وهي بالتالي تنتمي إلى نقابات مهنية أخرى تستطيع إرضائها.

لا تفوتنا الإشارة إلى بعض الآثار البنيوية التي قد تقلص آفاق وطموحات الجامعات (ربما جزئيا) بسبب هذه الرؤية، أما التعديل المطلوب فهو إطلاق حركة التجديد والتحديث للأدوار الأكاديمية للجامعات لكي تتعدى دائرة التدريس إلى عوالم التحديات الاختراعية و الابتكارية التي سبقتنا أليها جامعات الدول الصناعية المتقدمة. من الطبيعي أن تكريس الاهتمام على المحاضرات الصيفية يضعف أسهام التدريسيين الجامعيين في ميادين البحوث المتطورة ويؤدي إلى تضاؤل رغبتهم في أنماء معارفه واطلاعهم على احدث المستجدات في اختصاصاتهم. ويخشى (لو حدث ذلك) اختفاء الطموحات الكبيرة، ما يؤدي إلى مصادرة الفروق العلمية والفكرية النوعية بين جامعاتنا ومدارسنا الثانوية. من الملاحظ أن تخصيصات التعليم العالي في العراق ظلت قليلة قياسا بكثير من الدول العربية وقد أدى ذلك إلى تراجع تقدم جامعاتنا عن كثير من الجامعات العربية الفتية. وقد برز هذا التراجع خصوصا في سنوات الحصار الثلاثة عشرة وربما الفترة اللاحقة للحرب الأخيرة. ولا نتجاهل خطر التراجع في الطموحات الأكاديمية على مستوى الخريجين الجامعيين نتيجة تضاؤل المستوى الكمي والنوعي للمعرفة التي يتلقونها من المحاضرين المحبطين(ولو جزئيا).

التقاعس الميداني
يلاحظ بسهولة شحوب البحوث الميدانية وقلتها في الأوساط الأكاديمية العراقية والعربية، وقد سبق هذا الإحجام الميداني الأحداث الأخيرة ألا أنه أتسع مداه مع تصاعد الانفلات الأمني الراهن.
ويبدو أن الرؤية السلبية للبحوث الميدانية تستخلص حتى من المواقف الحكومية إزاء مراكز البحوث والتطبيقية الاجتماعية والتنموية التي همشت في الوزارات التي استحدثتها ولم تميز طبيعة أدوارها عن بقية الأقسام البيروقراطية المرتبطة بالروتين. ونتيجة لقصور هذه النظرة أقدمت بعض الوزارات على إلغاء مراكز البحوث الملحقة بها بحجة أنها ضرب من العبث وإضاعة الوقت. وكان مركز البحوث الاجتماعية و الجنائية، ومراكز الخدمة الاجتماعية التابعان لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ومركز البحوث التابع لوزارة التعليم العالي من بين المراكز العلمية التي أطيح بها بعد سنوات عديدة من العطاء العلمي والميداني، وقد حدث ذلك قبل حوالي عقدين. ويرجع سخط الوزارات على تلك المراكز إلى اضطرار باحثيها أحيانا للغياب عن الدوام الرسمي وذلك لجمع المعلومات الميدانية التي تعتمد عليها البحوث. إضافة إلى أن البحوث تستغرق أوقتا طويلة وغالبا ما يغلب عليها الطابع ألنظري والأكاديمي، ونادرا ما تأتي بحلول سهلة وعملية للمشكلات أو الظواهر المبحوثة. وهكذا اصطفت تلك المبررات الخاوية لتنهي حياة المراكز المذكورة وغيرها دون مراعاة لما تراكم بفضل جهودها من ثروة علمية وعملية كبيرة وقيمة. واضح أن البيروقراطية العراقية والعربية تشعر بارتياح وطمأنينة اكبر في حال غياب مراكز البحوث عن إقطاعياتها الوزارية وذلك لأن هذه المراكز تخرج عن سيطرتها المباشرة وهيمنتها المركزية على موظفيها.
أما ضعف رغبة الأكاديميين في البحوث الميدانية فيرجع إلى انهماكهم في التدريس النظري وتجنبهم مشقة الدراسات التطبيقية التي تعني الخروج مع الطلبة إلى القرى والأرياف وألا حياء الشعبية وهي تنطوي على مسؤوليات مضافة دون تعويض أو مكافأة أو أي تقدير معنوي. فضلا عن منـح التدريسيين مكافآت مالية على ساعات التدريس بعكس الساعات الميدانية التي تعد جزأ من الواجب المجاني.
ولا يخفى أن الإحجام الراهن عن الأنشطة الميدانية ينبع على الأكثر من الوضع الأمني المتردي. ويستخدم بعض طلبة الماجستير والدكتوراه أداة الاستبيان (Questionnaire) كحل وسط لتطعيم بحوثهم النظرية ببعض المنهجيات الميدانية والتطبيقية.
من المؤكد أن تراجع البحوث الميدانية يحرم الأكاديميين من فرص التعرف على كثير من المجتمعات المحلية التقليدية والثقافات الفرعية التي يزخر بها العراق. فضلا عن حرمان هذه المجتمعات والثقافات من المنافع التنموية المتعددة التي يمكن أن يجنوها من تلك البحوث والاتصالات المباشرة بالأكاديميين والخبراء وما تقدمه من حلول لمشكلاتهم المعقدة والكثيرة.
لا شك أن معظم المقترحات التنموية التي تتضمنها البحوث النظرية للأكاديميين تظل عرضة للشك ما لم تدعم بالحقائق المستنبطة من التفاعل الميداني بكل إشكاله. ولا تقتصر هذه الملاحظة على الانثروبولوجيين بل تتخطاهم إلى الأكاديميين في الاختصاصات الاجتماعية والإنسانية الأخرى.

لعل انتعاش التعاون العلمي والثقافي بين الجامعات العراقية والجامعات الإقليمية والعربية والعالمية المتوقع بعد عودة الاستقرار للعراق والمنطقة سيحفز البحوث الميدانية المشتركة بين هذه الجامعات. ومن المؤمل أن تبدي الحكومة اهتماما بهذا النمط من الدراسات باعتبارها المصدر الرئيس لتمويله وتشجيعه.
ولا يفوتنا أن الأكاديميين الميدانيين هم مصادر أشعاع وتنوير حضاري وفكري بالنسبة لسكان القرى والجماعات التي يأتون لدراستها. ويتعاظم هذا التأثير خصوصا عندما يقيم الباحث الميداني مع الجماعة المبحوثة بضعة شهور أو عاما، كما يفعل الباحثون الاثنوغرافيون عادة. ومن الطبيعي أن يتسع هذا التأثير ليشمل معظم جوانب حياة تلك الجماعة وبهذا يكون عامل تغيير وتنوير مباشر يتعذر تحقيقه بالدراسات النظرية أو من خلال الندوات التلفزيونية.



تفضيل الأكاديميا الوافدة
درج العراق على تفضيل الخبرة الأجنبية خصوصا الغربية، ولعل هذا الانـحياز قد تبلور منذ تأسيس الدولة العراقية وما زال عالقا في الذاكرة العراقية. ولا يقتصر هذا التفضيل على خبراء المجالات الصناعية وهي لاشك متقدمة في أمريكا وأوربا الغربية على نظيرتها العراقية والعربية بل ويشمل المجالات الأكاديمية أيضا.

واللافت للانتباه أن الدولة العراقية اعتادت على منـح رواتب الأكاديميين الأجانب (خصوصا الغربيين) أعلى كثيرا من نظرائهم العراقيين. لعل هذا الانبهار بالخبراء الغربيين ينبع من حسابات واقعية مرتبطة بتقدم أقطارهم علميا وتكنولوجيا ومعيشيا. غير أن تمييز الأكاديميين العرب الوافدين إلى العراق لا يصح تفسيره بفارق التقدم في بلدانهم التي قد تكون أكثر فقرا وتخلفا من العراق. إضافة إلى أن كثيرا من الأكاديميين العرب القادمين إلى العراق كانت تصدر أوامر تعيينهم في الجامعات العراقية دون الاستفسار من الكليات عن مدى الحاجة لهم.

كل ذلك يمكن تعليله بالهاجس القومي العربي الذي تميز به العراق منذ تأسيس الدولة الوطنية والقومية. بعكس الدول العربية الأخرى التي تفضل تعيين الكفاءات الوطنية حتى المتواضعة منها على الكفاءات العربية انطلاقا من شعار"أبن البلد أولا". والأدهى من ذلك أن بعضا من الدول العربية قلصت منـح تأشيرات الدخول للعراقيين، بل حدت حتى من عبورهم (بصفة ترانزيت) عبر أجوائها وأراضيها، خصوصا بعد أن طال أمد الحصار وأزداد العراقيون بؤسا وفقرا. لكنها كانت ترحب بالعراقيين القادمين من دول أوربا الغربية الذين يحملون جنسيات وجوازات سفر أمريكية وأوربية. تلك هي المواقف العسيرة التي واجهت العراقيين حينما تعرض العراق المعطاء لأصعب الأزمات.
وبعيدا عن العواطف والانفعالات الجامحة، يظل الأكاديميون العراقيون قدوة علمية وفكرية وإنسانية تحملت كثيرا من التضحيات الوطنية والقومية انطلاقا من روح التسامح والإيثار والتعالي على الأنانية والتمسك بروح التقدم.



إشكالية الاستقلالية
تتعدد الرؤى إلى حرية الجامعات وقد تقاس بشيء من اللامركزية التي لا تتقاطع مع صلاحيات وزارة التعليم العالي التي تغطي خطط وسياسات الجامعات الإستراتيجية الخاصة للوزارة. وهذا يعني أن الجامعات تتحاشى إصدار الأوامر والقرارات في معظم الشؤون العلمية ما لم تتلق موافقات الوزارة كما يحدث في التعيينات والإحالة على التقاعد وتحديد الميزانية السنوية ووضع سياسة البعثات العلمية والزمالات وإقرار الاتفاقيات الثقافية مع الجامعات الأجنبية وغيرها.
نستطيع القول أن وجود وزارة التعليم العالي يعني تقييد استقلالية الجامعات. خصوصا بالنسبة لتوحيد المناهج الدراسية للأقسام العلمية المتناظرة، حيث تتماثل مفردات المقررات في هذه الأقسام لسنوات الدراسة الأولية (البكالوريوس). كما تخضع الكتب المنهجية لهذه النمطية المركزية وتوزع على الأقسام العلمية الموحدة لكي يلتزم بها المحاضرون في تلك الأقسام.
من دون شك أن هذا"التمنهج" النمطي المركزي يتقاطع مع السياسات التعليمية المعاصرة التي تشدد على حرية الأقسام العلمية في اختيار الموضوعات والمفردات الدراسية التي تدرس وما يسمح به ذلك من تنوع واختلا ف يتطلبه تباين الأقاليم التي تعمل فيها الجامعات. وتتسع دوامة المركزية لتشمل الامتحانات النهائية التي يحدد موعدها للمراحل الاولية وتوضع لها جداول زمنية موحدة، وتحدد القاعات ألامتحانيه وأسماء التدريسيين الذين يقفون في القاعات لمراقبة سلامة الامتحان.
من المثالب الأخرى المتقاطعة مع هذه الاستقلالية عجز الجامعات عن عقد الاتفاقات العلمية والبحثية مع الجامعات الأجنبية وترك ذلك لوزارة التعليم العالي. واضح أن فرص التعارف بين الأكاديميين العراقيين وأقرانهم في العالم قد اتسعت بفضل البريد الالكتروني والانترنت، مما يلغي الحاجة لتدخل الوزارة أو الجامعة لتطوير هذه الروابط. إذ باستطاعة الأكاديميين العراقيين اختيار من يشاءون من زملائهم الباحثين في الجامعات العالمية للتعاون معهم في تأليف كتب أو بحوث مشتركة تنجز من خلال شبكة المعلومات. وهكذا يتلاشى تدخل الوزارة أو الجامعة في هذا النمط من التعاون العلمي بين علمائنا وعلماء العالم.لا يفوتنا أن أكاديميي العراق يتمنون أن تطمح جامعاتهم على تكوين هوية علمية تخصصية متفردة تتميز بها عن غيرها من الجامعات، وهذا ما يصعب تحقيقه في ظل المركزية البيروقراطية الراهنة.
ولا تخلوا التقاليد المركزية من بعض ملامح الوصاية البطرياركية المتمركزة في شخوص الإداريين. وقد لا تتوافق مع بعض المبادرات الفردية لأعضاء الهيئة التدريسية. ونخص بالذكر بعض المواقف غير التقليدية الجانـحة نـحو الحداثة والتجديد والخارجة عن الأطر الشكلية المتوارثة.
ويعاني الأكاديميون العراقيون من ضعف تواصل جامعاتهم مع العالم الخارجي وضآلة المشاركة في الحركة الفكرية والعلمية المتمثلة في قنوات النشر العالمي. ويتجلى ذلك في ندرة البحوث العلمية العراقية المنشورة في الدوريات العالمية. وقد مارست الحكومات العراقية المتعاقبة رقابتها على تلك البحوث التي لا يسمح بخروجها لتنشر في تلك المجلات إلا إذا توفر فيها عنصر( السلامة الفكرية)، أي الابتعاد عن القضايا السياسية الممنوعة. و لكن تلك الرقابة الفكرية على المطبوعات والبحوث قد خفت كثيرا في الوقت الراهن.
يوجد خلل أيضا في قانون تعضيد التأليف والنشر الذي يقتصر تمويله ومكافأته على الكتب المنهجية المطابقة لمفردات المقررات الدراسية. ولا يخفى أن ذلك يحرم الباحثين عن ثمرات تأليف الكتب الخارجة عن المناهج التدريسية لعدم تعضيدها بالرغم مما قد تتضمنه من أبداع فكري. وهكذا يسهم هذا القانون في أضعاف روح الابتكار في بحوث ومؤلفات الأكاديميين.
جدير بالذكر أن التقلبات السياسية والأيدلوجية التي تعاقبت وغطت القرن الماضي من تاريخ العراق التعليمي والسياسي تلقي بضلالها على الواقع الأكاديمي الراهن. إذ يواجه الأكاديميون العراقيون التحدي الأكبر المتمثل في اختزال تراكمات تلك الموجات السياسية وأعادت تركيبها في صيغة براغماتية متوازنة تخدم انسيابية الأداء الجامعي وتعزز المناخ الديمقراطي الحر الذي لا مجال لإغفاله إذا ما أريد للعطاء الأكاديمي أن يزدهر.
لكن الجامعات لم تسلم تماما من الضغوط الخارجية التي تفرضها عليها بعض الفئات الدينية والسياسية غير المتوائمة مع الأجواء العلمية والموضوعية التي تسعى إليها. وقد نجحت الجامعات عبر الخمس عقود الماضية في إحباط تلك الضغوط والاحتفاظ بسياسة الحياد المتوازنة الرافضة لمحاولات التسييس والتشرذم.

الجامعات والمجتمع المدني
لا يجوز لنا إغفال دور المجتمع المدني في مسيرة الحياة الأكاديمية. نـحن ندرك تماما قوة الارتباط والتفاعل بين الأكاديميين الجامعيين ومؤسسات ونخب المجتمع المدني. ولا مبالغة في الادعاء بأن المجتمع المدني يمثل رديفا مؤثرا داعما ومكملا لما تحمله الجامعات من مهام وتسعى إليه من أهداف علمية ووطنية وإنسانية.
ومن الطبيعي أن الوعي الحضاري والحضري وما يصاحبه من اتجاهات فكرية وسياسية واقتصادية ومهنية تبرز بوضوح في المجتمع المدني فتجعله رأس جسر يمهد لتواصل الأكاديميين الجامعيين مع القطاع العشائري والريفي الذي يمثل الطرف الأبعد عن المعادلة الأكاديمية.
ولا ننسى شمولية المجتمع المدني لكل الأطياف الوطنية بضمنها الطيف العشائري المتمثل بالمهاجرين الريفيين والقبليين الذين يتعرضون لتأثير الجامعات والجامعيين بحكم سكناهم في المدينة وتوافر فرص الاتصال لهم عن طريق أولادهم المسجلين فيها أو حضورهم ما يعقد فيها من ندوات تثقيفية. وهكذا تؤدي الجامعات دورا فكريا ومعرفيا وسياسيا مزدوجا له تأثير مباشر في المجتمع المدني وغير مباشر في الثقافات الريفية.
ويتعرض السكان شبه الحضر القاطنون في ضواحي المدن إلى التأثيرات الفكرية والأكاديمية الجامعية المتمثلة في البحوث الميدانية التي يجريها طلبة الجامعات عن الأحياء والتجمعات الفقيرة التي تتألف عموما من الريفيين حديثي التحضر. ويتخذ الأساتذة الجامعيون من تلك البحوث أداة للكشف عن المستويات المتوسطة للتحضر التي تقع بين الحضر والأرياف النائية. ولا يغفل الأكاديميون العراقيون عن الاتجاهات المعبرة عن تناقض القيم العشائرية المترسبة مع المعايير الحضرية المتجددة، ورصد تباين هذه التناقضات في واقع الحياة والسلوك العراقي. ولعل دراسات(الوردي) الكاشفة عن صراعات الحضارة والبداوة هي خير مثال على هذا الدور الأكاديمي الكبير في إنارة الازدواجية العراقية بين المدنية المعاصرة والقبلية غير المنسجمة معها.
وتمثل التعددية في مختلف إشكالها وسياقاتها في المجتمع المدني ابرز التحديات التي يواجهها المفكرون والمنضرون العراقيون ويطرحون حولها مختلف الفرضيات كما تمكنهم من استقراء الظواهر التي تغني ثقافتهم التخصصية. أن مثل هذه الدراسات فضلا عن كونها مصدرا غنيا لإنماء الفكر الاجتماعي والثقافي والسياسي عن نماذج الشخصية العراقية فإنها تسلط المزيد من الضوء على البنى الفرعية المتفاعلة في حياة المجتمع المدني ومدى تداخلها أو تكاملها في النسيج المجتمعي. وعلى هذا فالمجتمع المدني يصبح مصدرا إيحاء والهام للأكاديميين العراقيين وغيرهم نتيجة لطبيعته الاجتماعية والثقافية ذات الأطياف الكثيرة والتي نادرا ما يعثر عليها الباحثون في البلدان العربية الأخرى.
ولعل دراسات الوردي (النوري1997) عن ازدواجية وتناشز الشخصية العراقية هي مثل على هذا الإلهام المستمد من المجتمع المدني العراقي الزاخر بالمفارقات.
ويلاحظ أن ألأكاديميين الجامعيين المهتمين بدراسات المجتمع المدني قد كيفوا دراساتهم التطبيقية والميدانية إلى نموذج يعتمد على أداة الاستبيان (Questionnaire) الذي يجيب فيه الباحثون عما يتضمنه من أسئلة. وهكذا مكن الاستبيان الباحثين الاجتماعيين من اجتناب المشكلات المرتبطة بالبحوث الريفية التي تستوجب اقامة الباحثين مع سكان القرى أشهرا طويلة لملاحظة ما يجري من ظواهر وإحداث واعتمادها في جمع المعلومات الميدانية. لكن الاستبيان يصطدم بإشكالية ضعف المصداقية في المعلومات نتيجة لاختيار الأفراد المبحوثين الإجابات المثالية وترك الإجابات التي تظهر التناقض، ما يجعل هذه الدراسات عرضة للشك خصوصا في مؤشراتها الإحصائية التي تبتعد قليلا أو كثيرا عن الواقع.
يتوقع أن ينشط الأكاديميون في إنعاش المجتمع المدني بعد أن اعتراه الصدأ والركود في ظل العهود العسكرية التي حكمت العراق خلال نصف القرن الماضي. ومن المؤمل أتساع مشاركة الأكاديميين خصوصا في نهوض المنظمات اللا حكومية المهتمة بحقوق الإنسان، والمرأة، والحرية الفردية، والمساواة، وإعادة بناء المواطنة. غير أن جدة؟ الإنعاش تجعل من المبكر تحديد أدوار الأكاديميين والمنظمات التي ينشطون فيها وطبيعة مشاركتهم التنظيمية، وعمق آثارها المجتمعية.

التطلعات المستقبلية
يبدو أن مسلسل الأحداث السياسية والاجتماعية الذي اجتاح العراق خلال العقود الخمسة الماضية يتهيأ للرسو في شواطئ الديمقراطية.
قد يصح هذا القول على الأقل في ضوء المحطات الانتقالية المتعاقبة التي تم عبورها وقد أفضت إلى تشكيل حكومة وبرلمان منتخبين شعبيا. إنها بدايات النظام الديمقراطي الذي يرنو العراقيون إلى جني ثماره بعد قرابة قرن من القهر والفقر والتخلف.
ويتحمل الأكاديميون العراقيون تداعيات الصيرورة الديمقراطية ويقرأونها على أساس ما يظهر فيها وما يبطن. وبتنوع مد ى تفكيرهم حول تلك التداعيات نتيجة لتنوع اختصاصاتهم وما يختزن فيها من تجارب ورؤى ونظريات، وفي هذا آثرا للرؤى السياسية والثقافية والاجتماعية المصاحبة للعملية الديمقراطية.
في الوقت نفسه يطالب الأكاديميون بتبسيط قراءاتهم وتفسيراتهم للأحداث السياسية وما يتمخض عنها من أثار لكي يقربوها من الرؤى المتداولة (Current views). ومن الطبيعي أن ذلك يستدعي تبسيط المفردات اللغوية من جهة وتقريب الشواهد من الحالات الاجتماعية والإنسانية المعاشة شعبيا.
ولو نظرنا إلى هذا الأمر برؤية أنثروبلوجيه واقعية تبرز ضرورة الرجوع إلى الأنماط الثقافية التقليدية المعبرة عن أزمة الديمقراطية في العراق وسائر الأقطار العربية (Hilsum, 1985).
قد يسهل تشخيص دور النمط الأبوي البطرياركي (Patriarchal) الذي يعطي الوصايا للذكور على الإناث. ولا شك أن تنشئة الأطفال على هذا المنوال يجعل الأولاد يتعودون عليه ويمارسونه في صيغة الهيمنة على الإناث بينما تكون الأخيرات متعودات على قبول هذا التفاوت في الحقوق.
وتأسيسا على هذه الممارسة خصوصا في الأرياف العراقية أو العربية يصبح المناخ الأسري محبطا وعائقا للديمقراطية ما دامت توجهاته تعلن صراحة انـحيازها للذكور بوضعهم في منزلة المتبوع بينما تضع الأنثى في منزلة التابع. وهكذا تتخذ الأسرة العراقية خطوتها الأولى على طريق تضخيم"ذات" الذكور وحقوق سيطرتهم على الإناث، بينما هي تعمل على تقزيم وتهميش ذات الفتاة وتقبلها للمرتبة الأدنى.
واضح أن هذا النمط الثقافي العشائري كان منسجما وطبيعة البناء الاجتماعي وما رافقه من معايير وقيم كانت قد تبلورت في إطار ذلك النمط . ومع ذلك فقد تغيرت الدنيا ولم يعد ذلك النمط مناسبا أو منسجما مع الواقع السياسي والاقتصادي والأخلاقي والتعليمي والصناعي. فضلا عن تقاطعه مع شعار الديمقراطية المرفوع الآن وهو رافض لكل أشكال التفريق والتمييز بين مختلف الفئات الاجتماعية بضمنها الإناث والذكور. وهكذا يبدو أن دعاة الديمقراطية والمتحمسين لها مطالبون بتدارك هذا التقاطع الذي يعرقل ازدهار التيار الديمقراطي ويحد من زخم التلاؤم والتكامل.
ولا تفوتنا الاشارة إلى ضرورة أنماء الحس الوطني من خلال تنوير(خارطة المواطنة) وتوضيح مرتكزاتها السياسية والثقافية والتاريخية والنفسية، وتوظيف وسائل الأعلام في إعادة تعريف وتشكيل الاتجاهات الوطنية المشتركة. إلى جانب القيام بتحييد الميول التجزيئية المتقاطعة مع الوحدة الوطنية. فضلا عن تطعيم المناهج التربوية بالحقائق والمبادئ الداعمة للمجتمع المدني ودور منظماته في تقوية هذه الوحدة.

الدروس المستفادة
قد لا نغالي بالقول أن النخبة الأكاديمية العراقية قد تصدرت نظيراتها العربية في مدى الإجحاف والإهمال والتهميش الذي أحاط بها خصوصا في النصف الثاني من القرن العشرين وما تخلله من حروب وحصار وعزلة. ويتصدر ضعف الحافز أو التشجيع الأكاديمي الرسمي والشعبي مجمل الاحباطات التي واجهت هذه النخبة. فقد ظل الأستاذ الجامعي العراقي محاصرا بالقيود والتعليمات البيروقراطية التي عرقلت مشاركته في المؤتمرات العربية والعالمية، خصوصا كثرة الاجراءات الشكلية التي تطلبت مراجعة العديد من الدوائر وضرورة الحصول على موافقات كثيرة، ما يؤدي إلى تخلف الأكاديمي عن إتمام المعاملات قبل بدء تلك المؤتمرات. بعكس التسهيلات الممنوحة لأكاديميي الأقطار العربية الأخرى الخاصة بتبسيط وتسريع معاملات سفرهم لضمان مشاركتهم العلمية الخارجية. ناهيك عن ضآلة المبالغ المخصصة للمشاركة الخارجية للعراقيين مقارنة بما يخصص لمعظم نظرائهم العرب.
والأغرب من ذلك أن الأكاديميين العراقيين عبر عقود طويلة لم يستفيدوا من"الاتفاقات" الثنائية مع جامعات العالم حيث تأتي وفود تلك الجامعات وتحسن ضيافتها في ارقي فنادقنا، بينما يندر ذهاب وفودنا إلى تلك الجامعات بسبب العوائق الشكلية والأمنية، ولهذا تكون تلك الاتفاقات نافعة لأكاديميي العالم وليس العراقيين الذين تعودوا على العطاء بسخاء فحسب.
وغالبا ما تضيع على الأكاديميين العراقيين فرص الدعوات العلمية الآتية من جامعات عربية وأجنبية لتمضية عام أو نصف عام دراسي لتقديم البحوث أو المحاضرات العلمية أو جمع معلومات أكاديمية أخرى.
وبغض النظر عن الأسباب، فأن هذا الحق نادرا ما يتحقق بحجج وذرائع مختلفة، بالرغم من أن قانون الجامعة يتيح للأكاديمي أن يتفرغ في أحدى الجامعات الأجنبية مرة كل خمس سنوات. أما تعاون الباحثين العراقيين مع غير العراقيين في مشاريع بحوث مشتركة فلم يكن يلقى تشجيعا يذكر في ظل الهواجس والمحاذير الأمنية، واضح أن دخول الانترنت إلى العراق سيحدث انفراجا في هذا الخصوص وذلك لانفتاح فرص هذا الصنف من تعاون علماء وباحثي العالم بضمنهم أكاديميي العراق الذين ضاقوا ذرعا بالعزلة العلمية التي أحاطت بهم عقودا عديدة.
لكن أصلاح الوضع الأكاديمي العراقي سيتطلب إحياء الطموح العلمي الذي تراجع وأنكمش في ظل عزلة الأكاديميين العراقيين التي تجلت في فترة الحصار وما سبقها وأعقبها من حروب و دمار. ومن الطبيعي أن الخروج من عتمة تلك الإحداث المأساوية سيضع الأكاديميين العراقيين أمام التحديات الكبرى المتمثلة في العولمة وتداعياتها. فضلا عن تفاقم المشكلات الوطنية البيئية والاقتصادية والصحية والتعليمية التي تقادم عليها الإهمال واقتربت حلولها من قنوط الخبراء والحكماء.
لا تفوتنا الإشارة إلى انكماش مساحة الإسهام الأكاديمي العراقي في النشر العلمي في المجلات والدوريات الأكاديمية المحكمة ذات الانتشار العالمي الواسع. ولعل غياب الباحثين العراقيين، مثلما بقية الكتاب العرب، يرجع إلى عقبات متعددة أبرزها ضعف إلمامهم باللغات العالمية(خصوصا الانجليزية) التي تنشر بها تلك الدوريات. إضافة إلى سهولة النشر المحلي في مجلات عامة غير متخصصة. وقد ترتب على ضعف الاهتمام بالدوريات العالمية من قبل الإدارات المكتبية عدم الاشتراك السنوي فيها وحرمان الباحثين المحليين من مواصلة الإطلاع على ما يستجد من نظريات ومناهج ومعلومات في مختلف الاختصاصات. لا شك أن هذا النمط من لإهمال(إذا ما استمر) سيلحق أفدح الضرر بالمسيرة الأكاديمية العراقية خصوصا وان كثيرا من دول العالم المتطورة لا تكتفي بالاهتمام بالحداثة بل تجاوزتها إلى سبر أغوار ما بعد الحداثة.
ما يدعوا إلى القلق استقطاب معظم الاهتمام العراقي الراهن حول معالجة الأمن والبطالة والفقر، وهي اقرب إلى المفارقات لكونها تحدث في بلد بالغ الغنى وهو من أقدم الدول المستقلة في المنطقة حيث تأسست دولته عام1921. ومع أن الأكاديميين لم يكونوا مسئولين عن تفاقم هذه المشكلات، ألا أنهم يشاركون المواطنين في ما تسببه من معاناة. وهم سيتحملون الجزء الأكبر من وزر علاجها أجلا أم عاجلا بحكم ما يكتنفها من تعقيدات تحتاج إلى زج مختلف الاختصاصات في قراءتها وفهمها وبغض النظر عما يساور الأكاديميين من تباين في المواقف، ألا أنهم بدافع من مسؤولياتهم العلمية والعملية والإنسانية لن يترددوا في طرح ما يناسب من رؤى ومقترحات يقتضيها علاج الوضع العراقي الراهن.
ولعل من اعقد التحديات التي تواجه الأكاديميين وجود لاعبين غير أكاديميين في الساحة السياسية العراقية. واضح أن هذا يعني أتساع مدى تنوع الطيف العراقي ليشمل حزمة من الأدوار السياسية، والدينية، والعشائرية، والمذهبية، والعرقية على جانب الدور الأكاديمي. المؤمل أن يتألق الدور الأكاديمي بحكم قوة التزامه بالموضوعية والواقعية وبتبني البراغماتية التي تعطي أهمية اكبر للمشتركات، ما يدعم نقاط التوافق ويقلص هامش الخلاف والتقاطع في العملية السياسية لاشك أن ذلك يتطلب كثيرا من الحكمة والحذر في التعامل مع المبادئ والحقائق الأيدلوجية والثقافية الحساسة، ومنها موضوع الهوية المذهبية والقومية والعشائرية وغيرها من المفاهيم والقيم الاجتماعية المحاطة بقدر كبير من التعصب.
وتزداد أهمية الدور الأكاديمي في المشهد السياسي العراقي ما دام الأخير يعاني من هيمنة النزعة الجدلية التي ورثها من العهود التاريخية والحضارية المتعاقبة، خصوصا العصر العباسي الذي تعددت فيه الفرق والتيارات الفكرية. ومما يعزز هذه الأهمية أن الدور الأكاديمي يحترم الاختلافات في الرأي باعتبارها تشكل منطلقات وأن تباينت مواقعها على محيط الدائرة ألا أنها تلتقي في مركزها. وهكذا يوفر العلم للأكاديميين العديد من الأدوات التي تحيل الاختلافات في الرأي إلى خيارات بديلة يمكن الإفادة منها في سياقات الواقع المتحرك.