وويدعي شتراوس انه تمكن من قراءة الفلاسفة الكبار
الذين يشكلون الإرث الفكري للحضارة الغربية، وان تلك
القراءة أكدت له ان الفلاسفة العظام يعتقدون انه لا
يوجد آلهة لمعاقبة الخاطئين، وليس هنالك نظام أخلاقي
يحدد ما هو خير وما هو شر، ولا يوجد حق طبيعي غير حق
تحكم القوي في الضعيف ، وان الحقيقة الوحيدة في العالم
هي عدم وجود حقيقة.
ولا:المحافظون الجدد:البداية
إذا كان لكل شي بداية وجذر يشكل الأساس والمنطلق
لأصوله، فان المحافظين الجدد ،كتيار أو مدرسة فكرية في
السياسة الأمريكية لهم جذور فكرية وفلسفية تؤطر
حركتهم، وترسم الإطار الفكري لمن هو في السلطة في
الولايات المتحدة الأمريكية . فتعبير "المحافظ" يشير
إلى معاني كثيرة منها ما له دلالات سلبية ، ومنها ما
له دلالات ايجابية ،فمن الممكن أن يشير إلى السلوك
الحذر أو المعتدل ،أو أسلوب للعيش محافظ أخلاقيا ،أو
يضيف اتجاهاً يميل إلى الخوف من كل ما هو جديد أو يرفض
التغير والتغيير؛ ولكن في مجال الأيديولوجيات ودراسة
المذاهب السياسية يعدّ الفكر المحافظ مدرسة فكرية
بارزة على خريطة الفكر الغربي ، وقد استعمل مصطلح
"الفكر المحافظ" للتعبير عن أيديولوجية سياسية مميزة
في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي ، وقد ظهرت هذه
الفكرة نتيجة للتغير السريع في الاقتصاد والسياسة الذي
تزامن مع الثورة الفرنسية عام 1789 ، والتي أثارت ردود
أفعال لدى العديد من القوى الفكرية والاجتماعية التي
وجدت في هذا التحول السريع تهديداً للاستقرار السياسي
والنظام الثقافي الأوربي( 2) ولعل كتاب" أدموند بيرك
"*تأملات في للنظام القديم"،الصادر في القرن الثامن
عشر،هو مرجع للكثير من أفكار تيار المحافظة(3)؛
والمحافظة اليوم هي مدرسة فكرية ذات أطياف في السياسة
الأمريكية بعضها معتدل، وأخرمتطرف، والمحافظون الجدد
يقفون في أقصى يمين هذه الحركة(4) ومصطلح المحافظين
الجدد يشير الى حركة سياسية وأيديولوجية وأهداف سياسية
عامة لتيار فكري وسياسي فاعل في الولايات المتحدة
الأمريكية(5).
أما أول من استعمل مصطلح المحافظين الجدد ، فهو((ايرفينغ
كريستوفر)) حيث استعمل تشبيهاً مجازياً حينما عرف
المحافظ بـ(الليبرالي الذي وقع ضحية الواقع)( 6) فتقدم
بشكوى الى البوليس ،في حين الليبرالي هو الذي وقع ضحية
اعتداء من الواقع ورفض ان يتقدم بشكوى الى البوليس(7)
وكريستوفر يعد الأب المؤسس لهذا التيار في الولايات
المتحدة الأمريكية ، حيث نشر مقالة بعنوان (المحافظون
الجدد: قصة الأفكار)، استعمل فيها هذا المصطلح لتمييز
أرائه عن أراء المحافظين التقليديين(8) ولكريستوفر
كذلك كتاب بعنوان (انعكاسات المحافظون الجدد ) ألفه في
عام 1983 تناول فيه أراء وأفكار المحافظون الجدد
وانعكاساتها في السياسة الأمريكية(9) .
والمحافظون الجدد اليوم هم الصورة الأخرى للمحافظين
التقليديين في الولايات المتحدة الأمريكية ، فإذا كان
تيار التقليديين قد ظهر منذ زمن فـــي* الولايات
المتحدة ورسم الكثير من السياسات في الولايات المتحدة
الأمريكية وكان يطلق عليه (تيار ولسن) نسبة إلى الرئيس
الأمريكي الأسبق ((ودروويلسون)) الذي يؤمن بأن (القيم
الديمقراطية ) تحتاج إلى قوة قادرة على فرضها ونشرها ،
والضرب بقوة على يد من يقف ضدها في أي مكان من العالم،
باعتبار أن أمريكا لا يمكن لها أن تعيش آمنة
وديمقراطية ومتمتعة بالرخاء الاقتصادي ،الا اذا كان
العالم آمناً وديمقراطياً ، فان هذا التيار تعزز بقوة
في عهد الرئيس الجمهوري الأسبق( رونالد ريغان) ، وقد
برزت في عهده ملامح توجهات المحافظة الجديدة، مثل
:تفضيل اللجوء الى القوة، والمثابرة على ذلك لتحقيق
الأهداف الكبرى، عقائدية كانت أو سياسية أو اقتصادية ،
وقد ترجم ذلك بالفعل في سلوكه متخذاً منـحى
استراتيجياً متصلباً تجاه الاتحاد السوفيتي السابق، من
خلال ما عرف ببرنامج (حرب النجوم) الذي اجبر الاتحاد
السوفيتي في النهاية على الركوع والتسليم بالهزيمة
أمام الولايات المتحدة الأمريكية، وانتهت بذلك الحرب
الباردة نهاية نصر بلا حرب(10).
الفارق الأساسي بين المحافظين الجدد والمحافظين
الجمهوريين التقليديين يكمن في ان المحافظين
التقليديين يتمسكون بفكرة تقليل الانغماس الأمريكي في
الشؤون العالمية ، والتخلي عن طموحات الهيمنة على
العالم، لدرجة ان بعضهم اقترح ان تنسحب الولايات
المتحدة الأمريكية من حلف الناتو، وتستعيض عنه في
حماية أمنها بمشروع الدرع الصاروخي . بينما يتميز
المحافظون الجدد بالنزوع الى الانهماك في السياسات
الخارجية ، ويميلون الى عدم التقييد بقيود السلطة
التشريعية ممثلة في مجلسي النواب والشيوخ(11) كذلك
هنالك اختلافات أخرى بين الطرفين في مسائل على الصعيد
الداخلي الأمريكي وبالأخص ما يتعلق بموضوع تدخل الدولة
في النشاط الاقتصادي ،ومسألة الحقوق المدنية والهجرة
وغيرها(12) .
والمحافظون الجدد يشكلون اليوم في الولايات المتحدة
مجموعة مؤثرة في رسم السياسية الأمريكية،مثل نائب وزير
الدفاع السابق (ولفويتز) والذي أصبح الآن رئيس البنك
الدولي ، و(دوغلاس فايث) وكيل الوزارة للشؤون
السياسية، ومن المنتمين لتيار المحافظين الجدد(جون
بولتون) الذي يشغل منصب سفير الولايات المتحدة
الأمريكية في الأمم المتحدة ، وريشيرد بيلر،وديفيد
،وليم كريتسول ابن ايرفينغ كريستول، وخليل زلماي زادا
سفير الولايات المتحدة في العراق وآخرون(13).
هذا بالإضافة الى عدد كبير من صنّاع الفكر والأعلام
والمجلات المتخصصة ومراكز الأبحاث التي تسهم في تقديم
الاستشارات السياسية ورسم السياسات والاستراتيجية
العليا للولايات المتحدة الأمريكية منها(معهد أمريكا
انترابرايز) ومعهد هيرتج،ومنتدى الشرق الأوسط-و مؤسسة
برادلي-و مركز سياسة الأمن- ومكتب المهمات الخاصة-
ومجلس سياسة الدفاع ، ومشروع القرن الأمريكي الجديد ،
ومجلة المصالح القومية،ومجلة تعليق ، ومجلة
السياسة،-الخ(14).
ثانياً:المرجعية الفلسفية للمحافظين الجدد:
لابد لكل حركة سياسية من مرجعية فكرية أو فلسفية ترسم
الأطر العامة لحركتها، والمحافظون الجدد لهم منظومة
فلسفية ترسم الأطر العامة لحركتهم في المجال السياسي.
ويرجع المحافظون الجدد في أفكارهم الى المفكر الأمريكي
- الألماني الأصل (ليوشتراوس) المولود في عام 1899 في
مقاطعة هيس الألمانية ، والذي غادر ألمانيا الى
بريطانيا مع وصول هتلر للسلطة ، ثم غادر بريطانيا إلى
فرنسا، التي غادرها في عام 1938 الى الولايات المتحدة
الأمريكية، حيث أقام في نيويورك ، ودرس في معهد للبحوث
الاجتماعية بها، ثم استقر في مدينة شيكاغو، ودرس في
جامعتها من1949-1967واسس هناك(رابطة الفكر الاجتماعي).
ولشتراوس خمسة عشر كتابا منها (ما هي الفلسفة
السياسية،والحقوق الطبيعية والتاريخ،والليبرالية
القديمة والحديثة،ودراسات في الفلسفة السياسية
لأفلاطون)(15).
بدأ شتراوس نشاطه بمائة من طلبة الدكتوراه الذين
تتلمذوا على يده ثم حملوا فلسفته، وقد أصبحت هذه
الرابطة فيما بعد نواة لمذهب فكري يعرف بـ(الشتراوسية)
والذي يقوم على خدمته ونشره سبعة وسبعين من تلامذته ،
كذلك وجدت هذه الأفكار لها صدى عند مجموعة من
اليساريين والليبراليين المنشقين على الحزب
الديمقراطي.من امثال (ايرفينغ كريستول) او(نورمان
بودرهورتز-وميج ديكتر-وناثان كلزير،دانيل بيل ،جيمس
ويلسون،سيمور مارتن ليبسيت ) وغيرهم(16). ويركز مذهب
شتراوس على نقطتين؛
الأولى : إنّ الديمقراطية لا تستطيع فرض نفسها اذا
بقيت ضعيفة وعاجزة عن مواجهة الطغيان ، وان النزعة
النسبية الأخلاقية تفسد كل شي وتسمح بالانزلاق الى
الفاشية والشيوعية(17) ومن خلال تجربته في (جمهورية
فايمار) ** 1923 رفض الأنموذج الديمقراطي الليبرالي
الذي كان قائماً فيها ورأى بان هذه الجمهورية في
مجملها عبارة عن عدالة من دون قوة أو عدالة عاجزة عن
اللجوء للقوة،اذ لابد للديمقراطية من أنياب ومخالب.
ثانياً:يرى شتراوس إن الديمقراطية تمثل الفضيلة
وبالتالي أي فكر رافض لها يعدّ رفضاً للديمقراطية -مثل
الفكر الشيوعي- وعلى ضوء ذلك تقسم الأنظمة الى قسمين
جيدة وسيئة ،وهذا ما تولّد عنه مصطلح (محور الشر)
المناهض للتوجه الديمقراطي في مقابل -محور الخير- الذي
يمثله الفكر الغربي الديمقراطي. ورأي شتراوس ان من حق
أنظمة الحكم الصالحة ، بل من واجبها ان توجه (الأنظمة
السيئة)وكان شتراوس معجبا كثيراً بالإمبراطورية
البريطانية كنظام ، كونها فرضت هيمنتها بالقوة والضم
والسيطرة وكان معجب بشخصية الزعيم البريطاني (ونستنون
تشرشل) باعتباره زعيماً يمثل رجل الدولة ذا الإرادة
الصلبة ،أما أهم الأفكار التي تشكل فلسفة المحافظين
الجدد فتمثلت بـ :( 18).
1. رفض الحداثة وتفضيل المنطق على التقليد
إن الشتراوسيين يعتقدون بفلسفة ما قبل الحداثة، فهم
ضمن التيار الذي يؤمن بفلسفة ما قبل الحداثة وفي الوقت
نفسه هم بالضد من فلسفة الحداثة، ولكن موقفهم هذا من
الحداثة ليس باسم الدين (كما في العديد من أشكال
الأصولية الدينية في أنـحاء العالم) أو باسم
التقليد(مثل المحافظين منذ ادموند بيرك-1729-1797)
ولكن باسم المنطق، وباسم الفلسفة ، ففهمهم للمنطق
والفلسفة .
مختلف عن ذلك في عصر التنوير ، وان لذلك تأثيرين ،
الأول: ان هذه الطريقة في التفكير هي ابتعاد عن
المحافظة السائدة في الولايات المتحدة الأمريكية والتي
لها تأثير واضح في المجتمع الأمريكي ، بينما على العكس
من ذلك ، يعد الشتراوسيون المنطق الشكل الصحيح والوحيد
للتفكير، وهم يحتقرون الفكر الإمبريالي، وبشكل اقل
التقليد. والثاني:ان ذلك يضع الشتراوسيون في مواجهة
مباشرة مع فلاسفة ما بعد الحداثة ، الذين يعتقدون ان
فلاسفة ما قبل الحداثة قد عفا عليهم الزمن، وانهم
ليسوا بذي أهمية ، ولذلك فان الشتراوسيين يعتمدون
كثيراً على فلاسفة من أمثال بلاتو ، هوبز،ولوك....(19).
2. الفلاسفة هم الحكام الطبيعيون للمجتمع
ان تعاليم شتراوس تركز كثيراً،على طبع المجتمع
بالأفكار الفلسفية،في الجوهر، يمكن فقط وصف تعاليمه
بأنها فلسفة سياسية، حيث القوة ضرورية لتطبيق الأفكار
على المجتمع كما شدد شتراوس على الحاجة إلى أعادة فهم
الأفكار الفلسفية للفلاسفة الكلاسيكيين ، ففي رأيه، لم
يكن فلاسفة ما قبل الحداثة قادرين على التعبير عن
أرائهم بحرية،خوفاً من الاضطهاد، وعمدوا إلى كتابات
كانت تتضمن معاني خفية، ولقد اعتقد انه لوحده من لديه
القدرة على كشف تلك المعاني أو الحقائق، وتطبيقها في
العالم الحديث.لقد كان يكره فلاسفة العصر الحديث الذين
اتهمهم بفتح أبواب المعرفة للناس العاديين،وبذلك
يكونوا قد قللوا من منصب الفلاسفة،(20) ، بل وأسهموا
كذلك ـ في عملهم هذا ـ في تشويش عقول الناس وتحميلهم
هموم لم يكونوا قادرين على حملها، وبالتالي فهو مضر
بالمصلحة العامة، فعندما خرج سقراط عن ذلك التقليد
،وراح يناقش عامة الناس ويحاورهم ،فلقد اعدّه شتراوس
مذنباً، والتهمة التي وجهت إليه صحيحة ،وعقاب الموت
الذي حل به كان عقاباً عادلاً.ويدعي شتراوس انه تمكن
من قراءة الفلاسفة الكبار الذين يشكلون الإرث الفكري
للحضارة الغربية، وان تلك القراءة أكدت له ان الفلاسفة
العظام يعتقدون انه لا يوجد آلهة لمعاقبة الخاطئين،
وليس هنالك نظام أخلاقي يحدد ما هو خير وما هو شر، ولا
يوجد حق طبيعي غير حق تحكم القوي في الضعيف ، وان
الحقيقة الوحيدة في العالم هي عدم وجود حقيقة، وان هذا
الأسلوب أدى إلى الخروج عن تقاليد استمرت مئات السنين
وقد اضر بالحضارة الغربية ، انه خلق في رحم الحداثة
ميلاً نـحو الفوضى والعدمية .وهو يرى ان الاستمرار في
أسلوب الحداثة الليبرالية ،الذي يلتزم به جزء كبير من
المثقفين الأمريكيين والدولة الأمريكية سيقود إلى
أضعاف المجتمع الأمريكي والدولة الأمريكية .ولهذا ،فان
واجب النخبة الأمريكية أن تتوقف عن ممارسة الأسلوب
الليبرالي في النقاش والحوار، بل عليها العودة إلى
أسلوب الفلاسفة التقليدين في حجب الحقيقة عن عامة
الناس وتزويدهم ،فقط، بما يحتاجون إليه في حياتهم
العملية(21) وبهذا، فان أتباع شتراوس، اعتقدوا بان
المبادئ العالمية بشأن الحق موجودة ويمكن الوصول إليها
ومعرفتها من خلال دراسة الفلاسفة الذين يؤمنون بهذه
المبدأ ، وبالأخص أفلاطون وأرسطو، لذلك فهم رفضوا
التوجه الحديث لتفسير الفلاسفة القدماء في سياق العصر
الذي يعيشون فيه(22) وهذا ما دفعهم الى اكتشاف معان،او
حقائق جديدة،والعمل على احتكارها ، لذلك أصبح لديهم
نهم شديد للسلطة،حتى يستطيعون تطبيق نسختهم هم للحقيقة
في المجتمع.
3. الكذب والخداع ضرورة للمحافظة على السلطة
اعتقد شتراوس ان البعض قادرون على القيادة ، بينما
الآخرون يجب ان يقادوا ، ولكن على خلاف المفكر( بلاتو)،الذي
اعتقد ان القادة يجب ان يكونوا أشخاصا ذوي مقاييس
أخلاقية عالية، حتى يستطيعوا ان يقاوموا إغراءات
السلطة، فان شتراوس كان يعتقد، ان أولئك الذين يصلحون
للقيادة هم الذين يعلمون انه ليس هنالك أخلاقيات،
وانما هناك فقط، حق طبيعي واحد، حق القوي ان يحكم
الضعيف،بعبارة أخرى، إن ذلك يتطلب خداعاً مستمراً من
قبل الحكام،من اجل رعاياهم.في هذا النوع من
المجتمع،يتم إعلام الجموع بما يجب ان يعملوا،وليس ما
هي الحقيقة.ان فهم الحقيقة هو مسؤولية النخبة
الحاكمة،ويعلق (مايكل لادين)،وهو محافظ جديد
ومشهور،حول الحاجة إلى الكذب ،قائلاً:(من اجل ان ننجز
أنبل الإنجازات،يمكن ان يجبر القائد على القيام بعمل
شرير)(23) وفي السياق نفسه يعلق (وليم بفاف) بان عقيدة
المحافظين الجدد تقوم على الكذب حيث من الضروري إخبار
الناس الأكاذيب حول طبيعة الواقع السياسي.. وتبقى
النخبة الحقيقة لنفسها ، وهذا يمنـح النخبة تبصرا وقوة
لا تتوافر للآخرين(24) ،وفي الدراسة التي قدمتها
الأكاديمية الأمريكية حول علاقة تيار المحافظين الجدد
بالفلسفة الشتراوسية ، رأت إن تلك الفلسفة هي الأساس
الفكري لعملية الخداع التي يمارسها المحافظون الجدد
بالنسبة لموضوعي الدين والقومية(25).
4. استعمال الدين للسيطرة على الجموع
يختلف موقف المحافظون من الدين عن موقف الاتجاهات
السياسية الأخرى التي تركز على الدور الاجتماعي للدين
، فهو ليس فقط ظاهرة روحانية ولكنه أيضا الدعامة
الأساسية للمجتمعات التي يجب أن تقوم على مجموعة من
الأسس والقواعد الأخلاقية التي يوفرها الدين(26).
والدين،بالنسبة لشتراوس،هو الصمغ الذي يبقي على
المجتمع موحداً، والمحافظون الجدد يرفضون فصل الدين عن
الدولة ويدعون إلى ضرورة أحياء القيم الدينية في
المجتمع الأمريكي(27).
وحول الموضوع نفسه ، قال مايكل لا دين (إن الموت من
اجل بلدك لاياتي طبيعياً،ان الجيوش الحديثة التي تتشكل
من الجماهير،يجب ان تلهم وتشجع ويتم أعدادها بالعقائد.ان
الدين أساسي للمشروع العسكري،لان الرجال قد يجازفون
بأرواحهم،اذا ما اعتقدوا بأنهم سوف يكافئون بحياة
أبدية على خدمة بلدهم)،وان السبب وراء تأييد المحافظين
الجدد للدين هو ان شتراوس اعتقد بأهمية الدين من اجل
فرض القانون الأخلاقي على الجماهير، التي بدونه تكون
خارجة عن السيطرة . وفي الوقت نفسه ، شدد على أن الدين
هو فقط للجماهير،وليس على الحكام ان يكونوا ملزمين به.
(المجتمع العلماني في نظرهم،هو أسوا الأشياء الممكنة)
لانه يقود الى الفردية، والليبرالية قد تشجع على
المعارضة، وبالتالي سوف يضعف ذلك،وبشكل خطير، قدرة
المجتمع على التعامل مع التهديدات الخارجية. ويعمد
المحافظون الجدد إلى إضفاء المسحة الدينية العامة على
شعاراتهم الفكرية والسياسية ، فهم يتحدثون عن ان
الحرية الأمريكية بوصفها(خطة الله للإنسانية) ويصفون
أمريكا بأنها ( إمبراطورية الرحمة) ويعتبرون (الويلسنية)
-أنها رسالة الأمة الخالدة(28).
وفي الإطار العملي نجد أن هناك توجه لدى المحافظين
الجدد نـحو تقوية المؤسسات الدينية في المجتمع
الأمريكي ،على أساس ان ذلك يساعد الإنسان العادي على
العيش وفق مفاهيم واضحة من الخير والشر ، والحق
والباطل ،وبالوقت نفسه ، فإنهم يرون أن من الضروري
التزام النخبة الحاكمة بتلك المفاهيم ،فهي في الحقيقة
مفاهيم كاذبة ليس لها أساس حقيقي، ولكنها مفيدة فقط في
توجيه عامة الناس لأبعادهم عن الفوضى والعدمية ،
ونتيجة لذلك ،نرى ان (ايرفنج كريستول)، يوجه انتقاد
الى الآباء المؤسسين الذين صاغوا الدستور الأمريكي
لأنهم كرسوا فكرة فصل الدين عن الدولة ، ونتيجة لذلك
ايضاً نرى ان المحافظين الجدد يعقدون تحالفاً مع
التيار المسيحي الأصولي في الولايات المتحدة ،مع ان
اغلبهم من العلمانيين ،وبذلك تكون نظرة المحافظين
الجدد للدين عاملاً مهماً ومساعداً في تحقيق ما يصبون
إليه،من توظيف الدين خدمةً لأهدافهم السياسية(29)،ولعل
تأثيرهم الواضح اليوم في السياسة الأمريكية يمكن تلمسه
من خلال الخطاب السياسي للرئيسي الأمريكي جورج دبليو
بوش حيث تغلب عليه المسحة الدينية.
5. الوطنية والقومية
لقد تأثر شتراوس كثيراً بتوماس هوبز.ومثل هوبز، اعتقد
شتراوس ان العدائية الأصيلة ،في الطبيعة البشرية،لايمكن
ضبطها الا عن طريق دولة قوية تقوم على الوطنية،لأن
الجنس البشري، بفطرته شرير،اذاً ،كان لابد من
حكمة.وكتب مرة: ،ان هكذا حكم لايمكن أقامته الا حينما
يكون الناس متحدين،ولا يمكنهم ان يتحدوا الا ضد أناس
آخرين.ومسلطاً مزيداً من الضوء على الموضوع،كتب
ايرفينغ كريستول ،في مقالة بعنوان((قناعة المحافظين
الجدد))، ان الوطنية هي شعور طبيعي وصحي،ويجب ان يشجع
من قبل المؤسسات الخاصة والعامة.وبالتحديد نـحن أمة من
المهاجرين،ان هذا شعور أمريكي قوي وان كل ذلك يعني ان
أميركا بحاجة الى تهديد مستمر،او عدو دائم،من اجل
تسعير أتون المشاعر الوطنية والقومية.في أعين
المحافظين الجدد،كان يجب استبدال سقوط،الاتحاد
السوفياتي بعدو أخر.ويدخل الولع بالقومية الأمريكية ،
في أطار ما يتردد في أوساط المحافظين الجدد بتعابير
مختلفة عن فكرة (اللاامريكانية)،التي يراد لها ان ترفع
شعاراً رافضاً لكل معارضة لتفرد أمريكا وهيمنتها
وسيطرتها(30).
6. الحرب الدائمة تولد الاستقرار
اعتقد شتراوس ان النظام السياسي يمكن ان يكون مستقراً
فقط،اذا ما جوبه بتهديد خارجي.فعلى نهج ميكافيلي،الذي
يقول : إن لم يكن هناك خطر خارجي،فانه يجب صنع واحد.في
نظر شتراوس،يجب عليك ان تقاتل دائماً لكي تبقى، وهذا
بدوره سيؤدي الى ظهور سياسة خارجية مقاتلة(31).
إنّ الحرب الدائمة هي ما يؤمن به شتراوس،وليس السلم
الدائم ، وان الحرب كما يقول (ايليون كوهين) : هي اخطر
من ان يخطط لها العسكريون ،وانما هم أداة لتنفيذها ،
وان هكذا وجهات نظر،من الطبيعي ان تؤدي إلى سياسة
خارجية عدائية،وتهديدية، تعتمد الحرب الاستباقية
كوسيلة لمواجهة أي خطر تعتقد انه سوف يظهر في
المستقبل، والى سياسة داخلية حيث لا تتهاون مع
المعارضة ولا تتسامح معها،وان تلامذة شتراوس المحافظون
الجدد،يرون السياسة الخارجية كوسيلة لتحقيق((القدر
القومي))كما عرفه سابقاً ايرفينغ كريستول سنة
1983،الذي يتجاوز الحدود الضيقة((أمن قومي قصير
النظر))(32).
إنّ أي شيْ قد يؤدي الى الاستقرار العالمي،من مثل
الأمم المتحدة او الحكومة العالمية،هو أمر مكروه،من
قبل أتباع شتراوس،ففي مقالته(قناعة المحافظين
الجدد)كتب ايرفينغ كريستول(ان الحكومة العالمية هي
فكرة رهيبة،لأنها قد تؤدي إلى الطغيان العالمي وان
المؤسسات الدولية،التي تشير الى حكومة عالمية في المدى
النهائي،يجب ان ينظر إليها بشكلِ عميق)(33) كونها تؤسس
لمشاركة دولية في إدارة العالم ، وهذا له انعكاسات
سلبية تحد من طموح المحافظين الجدد في تحقيق الانفراد
والهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم.
إنّ شتراوس لم يكتب حول الريادة الأمريكية،ولكن
تلاميذه قد كتبوا باستفاضة حول هذا الموضوع.فالمحافظان
الجديدان،وليم كريستول وربيرت كايغن،أعلنا هذا
النفير،في مجلة الشؤون الخارجية (فورين افيرز)،في
تموز-اب سنة 1996 بعنوان (نـحو سياسة خارجية ريغنية
جديدة): (الآن،وبما ان الإمبراطورية الشريرة قد
هزمت،فانه يجب على أميركا ان تطمح كي تمارس ريادة
اميركية خيرة.لانه لم يحدث سابقاً،ان كان لأميركا فرصة
ذهبية ،من اجل الترويج للديمقراطية والأسواق الحرة في
الخارج،في الوقت الذي لم يكن وضع الأمريكيين فيه من
قبل على أفضل ما يكون عليه الآن)(34) وبذلك فان الهدف
المناسب للولايات المتحدة يجب ان يكون المحافظة على
تلك السيادة،قدر المستطاع ، أطول فترة ممكنة في
المستقبل ، كما ان الكاتبين قد قللا من شأن أولئك
المتشائمين الذين يحذرون من التوسع الإمبريالي،او خطر
استقطاب الأعداء ودعوا،بدل ذلك، إلى زيادة كبيرة في
الميزانية العسكرية (للمحافظة على دور أميركا كسند
عالمي) ، كما دعوا إلى إجراءات لزيادة حماس الشعب
الأمريكي ، ربما عن طريق أشكال من الانخراط العسكري ،
وسياسة خارجية أخلاقية سافرة تهدف الى الدعوة الفاعلة
للمبادئ الأمريكية للحكم في الخارج(35).
ان نظرية السيادة لا تستطيع العمل بوجود عالم متعدد
الأقطاب،عوضاً عن ذلك، انها تدعم فكرة كون الدولة
قوية، تملك سلطة ،لا مثيل لها،ويجب أن تعيد تشكيل
العالم الحالي بحسب مصالحها.فعن طريق فرض القوانين،فان
القوة السائدة تستطيع ان تحافظ على موقفها المسيطر على
العالم ، ومن خلال تبني هذه النظرة ، فقد قام
المحافظون الجدد بإحداث شقّ في الحزب الجمهوري وأقسام
الحكومة،اذ ان العديد من الجمهوريين لا يزالون يعتقدون
ان أميركا تستطيع ان تحافظ على منصب القوة العظمى،عن
طريق ممارسة سلطتها في عالم متعدد الأقطاب(36).
هذه بعض أفكار مدرسة ليوشتراوس، والتي تجسد بدقة معظم
التفكير لدى المحافظين الجدد حيث ان بعض هذه الأفكار
متجذرة في وجهة النظر التي يتبناها المحافظون عن
العالم،من مثل دور الدين في المجتمع أو توسيع السلطة
الأمريكية، وبغض النظر فان الميزة المعبرة للفلسفة
الشتراوسية هي انها حتى بمقاييس المحافظين هي فلسفة
متطرفة على اقل التقدير.
7. المحافظون الجدد وقضايا الحروب والتسليح
لخص الرمز الكبير في المحافظين الجدد (مايكل لادين)
موقف مجموعته من قضايا الحرب والسلام بعبارة مختصرة
قال فيها: (( الأمريكيون يعتقدون ان السلام امر
طبيعي..هذا ليس صحيحاً، الحياة ليست هكذا، السلام شيْ
غير طبيعي)) وان العنف يجب ان يكون في خدمة
الديمقراطية(37) لذلك دعا (لادين) الى ما أسماه بالحرب
الشاملة ،التي رأى بها الطريقة لبلوغ الأهداف
الأمريكية في أحداث تغيير في العالم ، لذلك ،فان
التغيير في العراق،وسوريا ، وإيران ، ينبغي ان يتم عن
طريق العنف فقط(38) وهذه الروح الحربية عند المحافظين
الجدد،تؤشر التحول في السياسة الأمريكية نـحو
الاستعمال المباشر للقوة لأحداث التغيير المطلوب(39)
كذلك يصر ايرفينغ كريستوفر بان هنالك مهمة تاريخية
وهدف سياسي للمحافظون الجدد في الولايات المتحدة
الأمريكية هو العمل على أنشاء والمحافظة على الحكومات
الديمقراطية الحديثة(40 ).
8. المحافظون الجدد والموقف من قضايا (الإرهاب)
يعدّ المحافظون الجدد الحرب على ما يسمى(الإرهاب)من
القضايا التي تخصهم هدفاً ووسيلة ،فبعد تسعة أيام فقط
من إحداث سبتمبر 2001 بعث وليام كريستول،ابن مؤسس تجمع
المحافظين الجدد خطاباً الى جورج بوش،جاء فيه: ((لا
يكفي تحطيم شبكات الإرهاب في أفغانستان،بل من الضروري
إسقاط صدام حسين ،والقصاص من سوريا،وإيران،وحزب الله
في لبنان))(41).
أما الاستراتيجية التي يقترحها ((المحافظون الجدد))
على الإدارة الأمريكية في حربها ضد (الإرهاب)،فقد
حددها(دوغلاس فايث) وكيل وزارة الدفاع الأمريكية
للشؤون السياسية، والمنفذ الفاعل في مجموعة المحافظين
الجدد،حيث حددها بثلاثة محاور:
المحور الأول:هو تعطيل نشاط (الإرهابيين) ثم تدميرهم
مع بنيتهم الأساسية.
المحور الثاني: يتمثل في خوض (معركة أفكار) معهم ،
تستهدف تجنيد بعضهم وتحويلهم إلى المبادئ الصحيحة ،
واستعمالهم في تلك المعركة التي تعدّ معركة
(أيديولوجية) ، يتوجب على أمريكا أن تكسبها أيضا، لان
الإرهاب ظاهرة سياسية تحركها أيديولوجية،
والأيديولوجيات يمكن ان تهزم مثلما هزمت الشيوعية في
الاتحاد السوفيتي السابق.
المحور الثالث:فيتمثل في عمل المزيد لحماية الأمن
القومي الأمريكي الذي أنشت من أجله وزارة جديدة، وهي
وزارة الأمن الوطني، كما أنشأت وزارة الدفاع قيادة
جديدة يتولى فيها للمرة الأولى قائد عسكري
مقاتل،الإشراف الأمني على جميع أراضي الولايات المتحدة
القارية، ثم خلص (فايث)إلى القول بان احد مكونات
المحور الثالث من استراتيجية أمريكا في حربها ضد
الإرهاب، هو استعمال الصواريخ الاستراتيجية لمواجهة
الإرهاب عندما يقتضي الأمر(42).
ثالثا: المحافظون الجدد: المشاريع الاستراتيجية:
يعتمد المحافظون الجدد مجموعة من المشاريع
الاستراتيجية التي تهدف الى تحقيق اطروحاتهم الفكرية
والسياسية ولعل ابرز تلك المشاريع والتي تم صياغتها في
شكل تقرير قدم للإدارة الأمريكية هما مشروع
الإمبراطورية ومشروع القرن الأمريكي الجديد.
مشروع الإمبراطورية
تكونت هذه المجموعة برئاسة (ريتشار تشيني) وبول
ولفتويز،وفايث، وجيمس ووسلي،وارمتاج ، وفرانك كالوتش
ودونالد رامسفيلد ، وكانت كوندوليزارايس سكرتيرة هذه
الفريق.
وقد بدأ هذا الفريق ورشة عمله في مركز (جيمس بيكر)لدراسات
البترول بتكساس عام 1992،وتوجه أعضاؤه الى بوش الأب
الذي أصبح راعي هذه المجموعة مستغلين رغبته في استئناف
العمل في مشروع الهيمنة الأمريكية.بعد سنة من العمل في
بيت بوش الأب،توصل هذا الفريق الى تقرير نهائي وقع
عليه ريتشار تشيني، وابرز ملامح هذا التقرير مايلي:
الحزب الجمهوري لابد ان يمسك زمام السلطة من جديد،
لأنه الحزب صاحب الرؤية الكاملة للقرن القادم.
الرئاسة القادمة-بعد كلنتون-عليها ان تستغل الفرصة
التاريخية التي تنفرد فيها أمريكا بموقع القطب الوحيد
في العالم لتمكن لمبادئ أمريكا وسطوتها في
العالم.ينبغي البناء على ما أنجزه ريغان وبوش
الأب(الجمهوريين)لاستكمال بناء الإمبراطورية التي وضعا
أساسها.
على الإدارة الجمهورية عندما تعود للسلطة ان تمارس
دورها في التمكين لمصالح أمريكا بدون قيود من أي جهة
في العالم.
الولايات المتحدة - تحت حكم الجمهوريين - من واجبها ان
تشاور حلفائها ولكن من حقها ان تخالفهم وتتصرف
بمفردها.
الحرب ضد الإرهاب هي الدعوة التي يمكن توحيد العالم
كله حولها، سواء القوى الكبرى او الصغرى، وتلك هي اقدر
الدعوات على حشد العالم خلف أمريكا، لان كل دولة في
العالم يمكن ان تصبح معرضة للإرهاب حقيقة ،والولايات
المتحدة من حقها قيادة تلك الحرب من باب الدفاع عن
النفس.
نزع فتيل الصراعات الإقليمية.
منع أعدائنا من تهديدنا.
تدشين عهد اقتصادي جديد.
توسيع دائرة التنمية.
تطوير مؤسسات الأمن القومي الأمريكي.
تعاون المؤسسات المركزية (كحلف شمال الأطلسي،والاتحاد
الأوربي)(43).
مشروع (القرن الأمريكي الجديد)
تأسسى هذا المشروع عام 1997م تحت رعاية مؤسسة
المواطنة،ومولته مؤسسة (برادلي)،وقد ارتبط أيضا بمؤسسة
(أمريكا انترابرايز)، وهدفه المعلن هو :((تعزيز
القيادة الأمريكية للعالم))،ويتراس المشروع (وليام
كريستول)زعيم المحافظين الجدد،والمدير التنفيذي له هو
(جاري شميت)المحافظ الجديد المستميت في الاحتفاء بفكر
((ليوشتراوس)).
ولهذا المشروع مبادئ وغايات معلنة ،صدر بشأنها بيان في
3/6/1997،جاء في ديباجته)): لمواجهة السياستين
الخارجية والدفاعية التائهتين خلال الغرب المتقدم،تظهر
أهمية صياغة الظروف قبل بروز الأزمات،ومواجهة الأخطار
قبل ان تستفحل ،ولتحقيق ذلك يتطلب مايلي:
زيادة الأنفاق الدفاعي لتحمل مسؤولياتنا حول العالم.
تعزيز العلاقات مع الحلفاء الديمقراطيين ، وتحدي
الأنظمة المعادية لمصالح أمريكا وقيمها.
تعزيز الحرية السياسية والاقتصادية حول العالم بنشر
الديمقراطية واقتصاد السوق.
فهم الدور الأمريكي المميز، ومسؤوليته تجاه حفظ نظام
دولي جديد يفيد أمن أمريكا ورفاهيتها ومبادئها.
الدفاع عن الوطن الأمريكي
إحداث ثورة عسكرية في إمكانيات القوات الأمريكية.
وقد وقع 25 شخصا من رموز المحافظين الجدد على هذا
المشروع(44).
وتحول هذا المشروع الى مركز للأبحاث تحت تسمية
(PANC)(مشروع من اجل عصر أمريكي جديد)،يقوم بإعداد
الدراسات والمشاريع السياسية والاستراتيجية التي
يسترشد بها صناع القرار في الولايات المتحدة ، فمشروع
تحرير العراق كان في الأصل مشروع تم أعدداه في عام
1998من قبل مركز (PANC) ليقدم للإدارة الأمريكية
لتحوله من ثمة الى سلوك سياسي في الواقع(45).
رابعاً:الانتقادات:
تعرض المحافظون الجدد كغيرهم من التيارات الفكرية
والسياسية لجملة من الانتقادات،ولعل ابرز تلك
الانتقادات التي وجهت لهم من قبل خصومهم قد تمثلت
بالاتي(46).
1. تأكيد المحافظون الجدد على المكاسب الفردية على
حساب مصالح المجتمع أو الأمة،كما في حالة رجال الأعمال
الذين يسعون لأضعاف القوانين الخاصة بالائتمان
،وقوانين البيئة، والقوانين الخاصة بزيادة الأجور
المنخفضة.
2.عدم المبالاة أو العداء تجاه حرية اختيار الآراء
بشأن الدين والجنس ،والسلوكيات التي تختلف عن الأنموذج
الاجتماعي التقليدي، كما في حالة دعم المحافظين الجدد
للقوانين أو التعديلات الدستورية بالضد من
الإجهاض،والزواج المثلي، والإباحية.
3.معارضة المحافظون الجدد للمعالجة الحكومية التي
تتعلق بعقود طويلة من العنصرية والتمييز تجاه السود
والأقليات الأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية والتي
حدثت خلال قرونها الأولى،وكذلك المعارضة للرفاه
الاجتماعي.
4.عدم الاهتمام بالضحايا الذين يسقطون نتيجة ممارسات
السلطات الحكومية غير المقيدة،كما في حالة تحديد
القيود على حقوق أولئك المتهمين بالجرائم.
الخاتمة:
تشهد الساحة الفكرية والسياسية بين التيارات والأحزاب
والمؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية في الولايات
المتحدة الأمريكية عملية تصارع حاد حول الفوز بالتأثير
الأكبر في رسم السياسة والاستراتيجية العليا للولايات
المتحدة، حيث يسعى كل طرف من تلك الأطراف ان تكون
أفكاره ومرجعياته الفلسفية أساس تلك السياسة، واذا كان
المحافظون الجدد هم الأكثر حظاً ، وبالأخص مع وصول بوش
الابن الى السلطة متآزراً بفريق ينتمي الكثير منه
فكريا أو سياسيا لتيار المحافظون الجدد، مما جعل
السياسة الخارجية الأمريكية تصطبغ بصبغة الطروحات
الفكرية للمحافظين الجدد ،حيث الانغماس الشديد في
السياسة العالمية وولوج القوة العسكرية كأداة في
التغيير وعدِّ كل من يعارضها او لا يقف الى جانبها
عدواً يجب التخلص منه او على الأقل أضعافه ،من هنا كان
وصف الفيلسوف الألماني هابرماس للمحافظين الجدد
((بثوريي واشنطن أصحاب المشروع الكوني))(47) إلى جانب
السعي إلى الانفراد في القرار والإدارة الدولية بعيداً
عن السماح للآخرين صغاراً أو كباراً المشاركة في ذلك.
حيث تكشف القراءة للسياسة الأمريكية على الصعيد الدولي
، ذلك بوضوح كبير حيث اللجوء الى القوة لأحداث التغيير
كما حصل في أفغانستان والعراق ،وتبني استراتيجية الحرب
الاستباقية(48) التي تقوم على ضرب الخصم عسكرياً لمجرد
الشعور بأنه قد يشكل تهديداً في المستقبل(49)،كذلك
تبني أطروحة دمقرطة العالم بالقوة من خلال ممارسة
الضغط على النظم الاستبدادية لأحداث التغيير
الديمقراطي وألا سوف يتم اللجوء الى القوة لأحداث ذلك
التغيير(50).
هذا سعي من قبل المحافظين الجدد للتأثير في السياسة
الأمريكية نجده قد وجه بحركة مقابلة للحد من تأثيره
سواء في داخل الولايات المتحدة أو خارجها ،ففي داخل
الولايات المتحدة هنالك مواجهة شديدة بين المحافظين
الجدد وخصومهم ،بالأخص حول موضوع الحرب عموماً وموضوع
الحرب في العراق خصوصاً حيث هنالك رفض من قبل التيارات
الأخرى لهذه الحرب ، والذي لا يفسر في عمومه رفض
أنساني بقدر ما هو رفض سياسي ، الهدف منه الحدّ من
انفراد المحافظين الجدد في السياسة الأمريكية وتهميش
التيارات الأخرى، وخارجياً من خلال العمل على وضع
العصي في المشروع الأمريكي القائم على الانفراد في
عملية تفكيك وبناء العالم بالشكل الذي ينسجم مع
المصالح الأمريكية من دون أن يكون للآخرين دوراً في
عملية إعادة التشكيل تلك مما يفقد المعارضين جزءاً من
مغانم التغيير. هذه المعارضة الشديد التي تعرض لها
مشروع المحافظين الجدد دفع بالنخبة السياسية في
الولايات المتحدة الأمريكية الى إجراء بعض المراجعات
،بحيث تعطي للتيارات الفكرية والسياسية في الداخل
الأمريكي دوراً في رسم السياسية الأمريكية من جهة ،
ومن جهة أخرى على الصعيد الدولي أصبح هنالك قبول أكثر
لمشاركة الأطراف الدولية في عملية إدارة السياسة
العالمية ،كما هو حاصل في أفغانستان والعراق،او
الاستعانة بالشراكة الدولية للضغط نـحو التغيير كما
يحدث في لبنان وسوريا وإيران.
الهوامش
*ادمون بيرك:ولد عام 1729 في دبلن وغادرها إلى لندن
1750 واهتم بالدراسات القانونية والسياسية،أهم أعمال
بيرك كتابه المناهض للثورة الفرنسية (تأملات في الثورة
الفرنسية) والذي هجما به الثورة الفرنسية توفي في عام
1797.
**جمهورية أسست بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية
الأولى 1918 واستمرأت حتى عام 1933 يوم وصول هتلر
للحكم.
المصادر
1.Neoconservatism(united
states)http://en.wikipedia.org/wiki/Neocoservatusm.
2.هبة رؤف عزت،المحافظون.. من رؤى المجتمع الى العولمة
والإمبراطورية، أسلام اون لاين.نت،6/11/2003.
3.د.علي عبد المعطي محمد، الفكر السياسي الغربي،
مصر،دار الجامعات المصرية، 1970،ص324-336.
4 د.عبد العزيز كامل،المحافظون الجدد والمستقبل
الامريكي،2004،ص ص(329-366).
5.Neoconservatism in the unitrd
states,http://en.wikipedia.org/wiki/Meoconservatism(united
states).
6.Ibid.
7.فضل مصطفى النقيب،الستالينية الامريكية، مصر:مجلة
وجهات نظر، العدد 84،يناير 2006،ص54.
8. Gary north,An Introduction to
Neoconservatism,http://www.lewrockwell.com/north/north180.html.
9-Ibid.
10. د.عبد العزيز كامل،المحافظون الجدد والمستقبل
الامريكي،مصدر سبق ذكره،ص ص(329-366).
11. المصدر نفسه. والصفحات نفسها.
12.Neo-conservative,http://www.disinfopedia.org/wiki.phtml?.
13.James Nuee\chterlein,fihe://H:/the%20end%20of%20
Neoconservatism.htm.
14.Ibid.
15.Neoconning the meda:Avery Short History of
Neoconservatism,File://H:/political%20administration%20
ofIndua_files/New%20Folder/Neoconning%...
16. Gary north,An Introduction to
Neoconservatism,op.cit.
17. Who is Leo Strauss?Straussian.net.
18.http://www.albayan.co.ae/albayan/2003.05/18/tar/5.htm.
19. د.عبد العزيز كامل، مصدر سبق ذكره،(329-366).
20.م. ن، ص(329-366).
21.م. ن، ص(329-366).
22. فضل مصطفى النقيب،الستالينية الأمريكية، مصدر سبق
ذكره، الصفحة نفسها.
23. د.عبد العزيز كامل،المحافظون الجدد والمستقبل
الأمريكي،2004،(329-
24.م. ن.
25.كيف يعمل المحافظون
جدد،ttp://www.alwatan.com/grahgics/2003/06jun/30.6/heads/oot13.htm
26. د.عبد العزيز كامل، المصدر السابق،الصفحات نفسها.
27. هبة رؤف عزت،المحافظون.. من رؤى المجتمع الى
العولمة والإمبراطورية،مصدر سبق ذكره.
28. فضل مصطفى النقيب،ا مصدر سبق ذكره، الصفحة نفسها.
29.عبد العزيز كامل، المصدر السابق، الصفحات نفسها.
30. كيف يعمل المحافظون الجدد،مصدر سبق ذكره.
31..عبد العزيز كامل،المحافظون الجدد والمستقبل
الأمريكي المصدر السابق، الصفحات نفسها.
32. المصدر نفسه، الصفحات نفسها.
33. المصدر نفسه، الصفحات نفسها.
34.،وليم كريستول وربيرت كايغن، نـحو سياسة خارجية
ريغنية جديدة، (فورين افيرز)، تموز-اب سنة 1996،نقلاً
عن عبد العزيز كامل،نفس المصدر، الصفحات نفسها.
35.عبد العزيز كامل،المصدر السابق، الصفحات نفسها.
36. Neo-conservative,op.cit.
37.Lbid.
38. Gary north,An Introduction to
Neoconservatism.Op.cit.
39.Kevin macdonsld,Thinking about
Neoconservatism,http;//www.vdare.com/misc/macdonald_neoconservatism.htm.
40. د.عبد العزيز كامل،المحافظون الجدد والمستقبل
الأمريكي،2004،(329-366).
41. المصدر نفسه، الصفحات نفسها.
42.الإعلان الإمبراطوري الأمريكي،ترجمة شيرين حامد
فهمي،أسلام اون لاين.نت.5/10/2002.
43.Rebuilding Americas Defenses:Strategy,Forces and
Resources for a new century,Areport of the project
for the new American Century ,september200,p1-2.
44. Gary north,An Introduction to
Neoconservatism,Op.cit.
45.برينو ترترية،أربعة أعوام لتغيير استراتيجية بوش
2005-2008،Http://www.google.com.
46.American conservatism:from Wikipedia ,the free
encyclopedia,www.google.com.
47.سعد سلوم، المحافظون الجدد وترسيخ بنية العنف في
العلاقات الدولية،مجلة النبأ،العدد78،اب 2005،
http://www.annabaa.org/nbahome/nba78/020.htm
48.Hamoud Shalhi,Syria s threat to America s
national interest,strategic Insights ,center for
contemporary conflict ,volume,issue 4(April 2005).
49.William A.Galston,the perils of
preemptive,philosophy &public policy
Quarterly,vol.22,no.4,2002,p2.4.
50.Report of the president study
group:Security,Reform,Peace:The Three pillars of
U.S.A.Strategy in the middle East ,the washington
institute fpr near East Policy,2005.
للمزيد انظر1.،لآروش:المحافظون الجدد وإدارة بوش لم
يفشلوا في العراق خطتهم هي التدمير والفوضى وإزالة
معالم الدولة
القومية،http://www.nysol.se/arabic/alert-winsider/wwiv.html
2.ليوشتراوس وجوزيف كروبسى،تاريخ الفلسفة السياسية،ج2،
ترجمة محمود سيد احمد،مصر:المشروع القومي
للترجمة،2005،ص611-649.