ألرئيسية
من نحن؟
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
مواقع مشابهة
اتصل بنا

 

الشخصية العراقية

(من منطق التفكيك والتكامل)

 

أ‌.       د. قيس النوري

 

تمهيد:

نريد في هذه المحاولة استقراء بعض الملامح الثقافية والسلوكية للشخصية العراقية مستعملين أداتي التفكيك والتكامل(Kuper 1985, pp835 - 38)، لان هذه المنهجية المزدوجة مناسبة للكشف عمّا يكمن في البنى الاجتماعية والثقافية من حركة وتساند، وهكذا يؤمل أن تتم الإفادة من هاتين الاداتين في تعميق الرؤية التفكيكية إلى الشخصية العراقية في وضعها التنظيمي المتحرك الذي ينير فاعلية عناصرها المتعددة في سياقات الدفع والجذب والتصادم والانسجام كما نتوقع من المنظور التكاملي تسليط الضوء على بناء الشخصية الكلي في حالاتها المستقرة والمتوازنة نسبيا.

إنّ تفكيك هذه الشخصية في سياقات واقعها التنظيمي الفاعل يعد بإظهار صورها المتعددة التي تتيحها هذه الاداة التحليلية، ومن الطبيعي ربط الشخصية بالوحدات المجتمعية التي تشمل في العادة الاسرة والمجتمع المحلي والمدرسة والمجتمع المدني والعشيرة والتنشئة وانتهاء بالدولة، لكننا نصطدم بافتقار الساحة العراقية الفكرية والعلمية للمعلومات التفصيلية المتعلقة بهذه الشخصية،ويبدو أن ما كتبه الاستاذ الوردي يشكل احد أهم المصادر العلمية عن هذا الموضوع، حيث انه استعمل التوجه النمطي الذي اوحى له بالازدواجية النفسية والثقافية التي عدّها السمة الثقافية الكبرى المؤدية إلى تأرجح العراقي بين قيم البداوة والريف من جهة وقيم المدينة من جهة اخرى، ما يقحمه في دوامة مستمرة من التناقضات والمفارقات الفكرية والسلوكية، ومع اعتزازنا وتثميننا لما قدمه استاذنا الكبير، الا أن المنهجية التي اتبعها تبتعد عن التوجه التفكيكي والبنوي بحكم حصرها في النمط الثقافي المغلق الذي لا يتسع لذلك التوجه الاشمل، إضافة إلى الطابع التاريخي الذي تتسم به رؤيته العامة.

ومما يعقد دراسة الشخصية العراقية تقلب أوضاع وظروف الحياة عبر الستة عقود الماضية. وواضح أن عدم الاستقرار يعني وقتية الاحداث وتعذر انغراسها في الشخصية الوطنية على المستويين النفسي والثقافي، ويتضح ذلك من التقلبات الإيديولوجية العابرة التي صاحبت الاحداث ولم تتجذر في الشخصية، لكن العشائرية والمذهبية والثقافية المجتمعية التقليدية كانت من اهم ثوابت هذه الشخصية بالرغم من كثرة الشعارات الفكرية المستوردة التي اتت وتلاشت.

 

إطلالة تاريخية:

لعل أهم ما يميز العراق عمقه التاريخي الذي يتجاوز السبعة الاف عاما، وقد تعاقبت فيه الحضارات السومرية والاكدية والبابلية والاشورية والاسلامية العباسية التي زخرت كلها بالعطاء الحضاري الغزير والمبتكر، وما زال العالم المعاصر يعزو جزءا من تقدمه ونمائه إلى الحضارة العراقية القديمة والوسيطة، لكن تلك الصفحة الزاهرة من تاريخ العراق قد طويت، وأعقبتها موجات عاتية من الاحتلال التي اندرست وتوارت فيها معالم الشموخ الحضاري ليصبح العراق دولة تعاني من الامية والفقر ولينضم إلى ركب الاقطار الفقيرة. انه " نكوص " قلّ مثيله في تاريخ الشعوب والأمم، ولعل من اعجب مفارقات هذا الارتداد عودة الاحتلال الاجنبي بعد ان عاش العراق حياة حضارات مستقلة عقوداً طويلة(Huntington1959, P202 ).

وبالرغم من هول ما يجري في ارض الرافدين، ظل الشعب العراقي صامدا متماسكا في وجه التيارات الغربية الغازية التي تهدد نسيج وحدته الثقافية والاجتماعية وما تبقى من بناه الانسانية والحضارية.

ولا يخفى أن العراق يدخل مرحلة حساسة تعدّ اختبارا وتحديا بالغ الصعوبة والتعقيد لثقافته ومجتمعه وشخصيته، ومن الطبيعي أن هذه الأركان الثلاثة تسهم سوية في تعزيز روح الصمود امام التداعيات الراهنة وما يكمن فيها من مخاطر وتهديدات، ومن باب الاختزال نرى أن الشخصية العراقية هي الرابط المحوري الذي ينظم عملية التفاعل بين محوري الثقافة والمجتمع بشكل يتناسب وسياقات هذه التحديات.

 

مغزى التفكيك:

عندما تفكك الثقافة ونجزئها إلى عادات وتقاليد وقيم ومعايير ونصف ونـحلل كلا منها بانفراد، فان المؤمل من ذلك تحقيق قدراً اكبر من الدقة في التحليل والتفسير، فضلا عمّا يتسم به هذا الاجراء من واقعية واقتراب من السلوك الانساني النابع من الدوافع الثقافية كلها كقوة مسيرة للافعال الصادرة من شخصية الفاعل بدلا من تشخيص جوانب او بواعث تسببت في تلك الأفعال، من حسنات التفكيك ايضا انه يمكننا من التفريق بين الشعارات المثالية الموروثة التي تتردد على ألسنة الناس لغرض التشبيه او التذكير ببعض المثل الاخلاقية المنقرضة، وبين المصالح التي تمارس دورا اكبر على سلوك الناس في المجتمعات الحضرية الراهنة.

والشخص العراقي يعيش يومه وهو يتحرك في اطار حالات محددة ترتبط كل منها بنشاط ما يرمي إلى غرض معين،ناهيك عن عوامل التغيير التي تستوجب تعديل وملاءمة بعض الاتجاهات لتنسجم مع الوضع الراهن المتبدل.

ومن مزايا التفكيك الثقافي والقيمي الاخرى تعزيزه لعملية المواءمة (Accommodation) المطلوبة في سياقات التعددية والتنوع السلوكي بمعنى ان اعادة تشكيل وتحديد القيم والمعايير يوسع مدى التكييف الذي تخضع له القيم المشتركة حسب.

ولا ننسى ان تبدل الاحتياجات وسياقات العلم واشكال الاتصال تجعل مدى التكييف الثقافي والنفسي الجديد اوسع مما اتسمت به حياة القرى الريفية العراقية وشخصياتها المحافظة.

 

التفكيك القيمي والشخصية:

بالرغم من وحدة وتكامل الثقافة الا أنها - كما سلف - تخضع للتفكيك حينما نـحاول عزل اهم قيمها ومعاييرها التي تشكل الشخصية فكريا وعاطفيا واخلاقيا، وعلى وفق ذلك تصبح (الشخصية العراقية الاساس) (Basic Personality) وليدة تفاعل القيم العراقية المركزية ومن الطبيعي ان المهمة تستدعي اختبار تباين قوة القيم من حيث عمق تحفيزها وتوجيهها لسلوك الفرد العراقي في سياقات الحياة المحدودة، فالشرف مثلا يعد قيمة مركزية تتجلى اهميته في كثرة سياقات حدوثة او بروزه وفي قوة حرص الفرد على شرفه حتى انه يقسم بشرفه كضمانة قصوى لدعم مصداقية الالتزامات وهناك تكرار واقعي عال لقيم عراقية اخرى تهيمن ذهنيا واخلاقيا على الشخصية العراقية ومنها الشجاعة والكرم والنخوة والصدق والوفاء والمروءة والإيثار وغيرها، وبالرغم من بساطة استعراض هذه القيم وغيرها الا ان الصعوبة تكمن في تحليل مضامين كل منها يصاحب ذلك من مؤشرات ايديولوجية وعاطفية واخلاقية وروحية وذوقية وجمالية ومن التحديات الاخرى ان القيم التي نسميها بمصطلحات شكلية لا تأتي دائما في سياقات اصطلاحية او في عناوين محدودة بل ترد كمضامين واتجهاهات تستقر تحليليا وتفكيكيا من عمليات التفاعل الاجتماعي اليومي فنـحن نـحس مثلا بان بعض التصرفات السلوكية تعبر عن الكرم من دون أن تذكر بالاسم أو عن المروءة والعفة والصراحة والجراة والتواضع والإيثار التي تستقر هي الاخرى من حالات سلوكية تتضمن هذه القيم والمعايير اضافة إلى اشكالية التنوع الذي تغلب على هذه القيم وانعكاساتها على سلوك الاثنيات والفئات الاخرى،يواجه الباحث المعني بهذا الموضوع صعوبة تنبثق من الاختلافات اللغوية والثقافية لكن المشتركات الموجودة بين هذه الاثنيات تسمح بربط القيم بعد تفكيكها في اطار التكامل الوطني.

ومما يسهل تأطير الاثنيات العراقية في مصفوفة ثقافية متناغمة هو ما حصل ويحصل بينها من تثاقف نشيط بحكم تجاورها وتواصلها الاجتماعي والثقافي عبر قرون طويلة باعتبارها جزءا من ثقافة وحضارة وادي الرافدين بعكس اثنيات " العالم الجديد" الامريكيتين الوافدة من الخارج وهكذا تتيح الاثنيات العراقية استعمال المنهج التفكيكي للتحقق من الوشائج الثقافية الفاعلة القائمة بينها عبر التاريخ من جهة وفي الزمن الراهن من جهة اخرى فضلا عن سنوح الفرصة لنا كباحثين انثروبولوجيين وسوسيولوجيين لاستقراء التركيب الثقافي العراقي المشترك في مجمل استقراره البنيوي وديناميكيته وانعكاساتها على الشخصية.

 

التفكيك البنيوي:

يقصد بهذا التعبير الأسلوب الهادف إلى تجزئة او تفكيك البناء الاجتماعي وتحليل انساقه الاجتماعية وشبكة علاقاته المتبادلة وما تتضمنه من مراكز اجتماعية فالحياة الاجتماعية في ضوء هذا التعريف تستند إلى الانساق الدينية والقرابية والسياسية والاقتصادية والتربوية والترفيهية، وبالرغم من تجاهل الشكلية وما تركز عليه من مراكز وحقوق وواجبات، إلا أننا نتجاوز ذلك إلى الأدوار المنمطة التي ينهض بها الافراد وما تسلطه من ضوء على شخصيتهم.

وانسجاما مع التوجه الانثروبولوجي الراهن، لا بد من تفعيل او تحريك الرؤية البنيوية الكلاسيكية باضافة مفهوم التنظيم الذي يشدد على الانشطة الحياتية اليومية بما تحمله من نقاط تناغم او صراع(Bock,1980,P,P32,37).

الشخصية العراقية من هذا المنظور البنيوي التنظيمي تبدو حائرة بين التقليد والحداثة فهي عشائرية حضرية من حيث تذبذب اتجاهاتها بين قيم العشيرة وقيم المدينة فحينما يفاخر العراقي بنسبه العشائري يكاد ينسى ارتباطاته المدنية لكنه في مناسبات اخرى قد يتبنى اتجاهات حضرية  تنأى به عن نسبه وانتمائه القبلي. فهو تارة يدافع عن تقليد الزواج ببنت العم وبعد زمن وجيز نراه يتصدى بالنقد لهذا الزواج اذ يعده رجعيا أو متخلفا مفضلا عليه الزواج بالغرباء، وكثيرا ما يندفع في اعتناقه لبعض الاتجاهات اليسارية المتطرفة ثم لا يلبث أن يبدي حماسته في الدفاع عن بعض المواقف اليمينية الرافضة لليسار وقد حدث ذلك مع تقلب الأوضاع السياسية في العراق حيث انتشرت النازية بين كثير من الشباب في الاربعينيات واعقبتها الماركسية في الخمسينيات ثم تلاها التيار القومي والديني والعلماني, قد لا تعبر هذه التحولات عن تغييرات جوهرية حقيقية بقدر ما تظهر استعداد الشخصية العراقية لمناقلة المواقف بين النماذج الفكرية المختلفة ,وهذا ما ينطبق بشكل خاص على تارجح الشخصية العراقية بين القيم البدوية والقيم الحضرية بشكل ما فيه تناقض او تناشز كما يدعوه الاستاذ الوردي، أو انه تعبير عن " ازدواجية " المواقف بحسب تعبير هذا المفكر.

ما نريد الوصول اليه ان الشخصية العراقية في تذبذب مواقفها انما تظهر تاثرها بعدد من " البنى " الفرعية التي تشمل العشيرة والطائفة والاسرة والمدرسة والوطن والمجتمع والدولة.

ويبدو أن عقدة ازدواجية هذه الشخصية انما تعبر عن اختلافات هذه التنظيمات المرجعية وتعذر تحقيق التوافق بينها بشكل متزامن.

ولا ندعي بان الازدواجية داء مزمن لا مجال للبرء منه فهو ظاهرة سلوكية تقوى مع الريفيين قليلي التحضر وتتنافس تحت تأثير التعليم والحداثة والتحضر واستنادا إلى هذه العوامل المؤثرة تتعرض ظاهرة الازدواجية إلى الانكماش ما دام تكيف الانسان العراقي يسير نـحو مزيد من التحضر والتعليم الذي يقلص هامش التريف.

ولا شك أن الأسرة والعشيرة يمثلان جوهر التقليد الثقافي والاجتماعي القبلي وهما يسعيان للحفاظ عليه بينما تسعى المدرسة والمجتمع المدني والدولة إلى التخلص من الامية والتخلف والخرافة وإلى نشر التعليم الاجتماعي والفكري والتقني والانساني مما يوسع هامش تاثيرها الايجابي في الشخصية الريفية والحضرية معا ويؤدي إلى تضاؤل النفوذ القبلي في العراق.

 

التفكيك النفسي:

إنّ جزءا كبيرا من الادبيات الانثروبولوجية تنطوي على كثير من المضامين النفسية ويرجع ذلك إلى تأكيدهم على علاقة الفرد بالظواهر الاجتماعية والثقافية وهي تؤدي بالضرورة إلى الارهاصات النفسية الكامنة في تلك العلاقة وتشتت الهوية.(Argyle,1980,P193) وانسجاما مع هذا الاهتمام لا بد من التفكيك النفسي والثقافي للشخصية العراقية والتعرف على بعض ملامحها الذهنية والعاطفية والايديولوجية التي تتفاعل داخل الذات العراقية وتكون لها انعكاسات نفسية على اتجاهاتها السلوكية.

ومن المنطق أن تشمل رؤيتنا إلى الشخصية البعد النفسي لكي يضاف إلى البعدين الثقافي والاجتماعي فضلا عن دور التحليل النفسي في انارة طبيعة الادراك والشعور والدافع والتعليم التي تمثل قوى مركزية لها حضور مهم في تفاعلات العراقيين مع عالمهم الاجتماعي  والثقافي، ومن المؤكد ان جذب المدن واستقطابها لاعداد متزايدة من الريفيين العراقيين ينتج من مزايا الحياة الحضرية التي تتصدرها الحرية الفردية الاوسع وانسيابية الحراك الاجتماعي وسنوح الفرص للارتقاء إلى مراكز ومراتب أعلى وسهولة الحصول على الثروة عندما تقوى الادارة، بعكس الحياة الريفية التي تفتقد معظم هذه الفرص والتسهيلات(Gellner,1993,PP.16-20).

هناك اساليب وادوات نفسية شائعة الاستعمال في بحوث الشخصية الانسانية ومنها المقابلات الهادفة لمعرفة دورة الحياة (Lifecycle) ومن الطبيعي ان عينة الاشخاص العراقيين الذين نقابلهم يعطوننا صورة نفسية عن شخصية الفرد العراقي عموما نتيجة لما يجمعهم من مشتركات واوجه تشابه تنطبق على دورة حياة العراقيين بشكل عام.

إلى جانب معرفة نقاط التنوع في شخصياتهم والتي تتصل بالمهنة والتعليم والانتماء الديني والمذهبي والجنس والفارق الحضري.

أما المؤشرات النفسية المستخلصة من تفاعلات الشخصية العراقية فتنبع من سياقات ثقافية واجتماعية لا نغفلها بالرغم من التركيز الشديد على تلك المؤشرات وهكذا فاننا لا ننكر ارتباط العوامل النفسية الكامنة في الشخصية العراقية بالعوامل الثقافية والاجتماعية لكننا نـحاول عزلها عن بعضها لاسباب تقنية ومنهجية تفرضها ضرورات التفكيك.

قد نختار الاثر النفسي للمركز الاجتماعي على الشخصية العراقية ويؤدي ذلك بالضرورة إلى تحليل درجة الجاه الاجتماعي التي تتباين عموديا بحسب ما تحظى به مراكز الافراد من تقدير قليل او كثير وبسبب التناقض المتبقي بين الرؤية العشائرية والرؤية الحضرية للمهن فان بعض الاعمال ما تزال محاطة بالعقد النفسية التي تفرضها على ممارسيها. ويلاحظ ان الشرف يشكل المقياس الاهم في تحديد مدى وجاهة المركز المهنية سواء كانت حكومية ام أهلية، لكن شحة الوظائف وفرص العمل وركود الاقتصاد الراهن خلف فقرا شموليا دفع كثيرا من العراقيين لقبول بعض الاعمال (غير المحترمة) لا ندري إن كان القبول المحدود لتلك المهن والاعمال سيستمر بعد ما تزول ظروف الفقر وتنفرج ازمة البطالة الخانقة.

ويلاحظ أن الرفض النفسي العراقي لبعض الاعمال والمهن لا يرجع لقلة راتب الوظيفة او العمل فقط بل يعود لاعتبارات اجتماعية وثقافية بالخصوص تقاطعه المتخيل مع الشرف والسمعة، أي تعارضه مع ثقافة " العيب " السائدة في البلاد بالرغم من تغيرهما النسبي يوجد مثلا رفض ممارسة النساء للأعمال الفنية بالخصوص الرقص والغناء ومهنة التمريض او الاعمال الخدمية في البيوت وقد خفت معارضة مهنة التمريض بالخصوص بعد أن أصبحت مهنة علمية تستند إلى دراسة تستغرق سنوات عدة في الجامعة والحصول علي شهادة جامعية من ناحية اخرى كان العراقيون لا يرغبون في بعض الاعمال الصغيرة كصبغ الاحذية او تصليحها او اعمال التنظيف (الكنس وجمع القمامة) او كصناع في المقاهي والمطاعم والفنادق او حتى حرفة الحدادة والفخار والنجارة وغيرها مما لا مجال لذكره.

الشيء اللافت في تباين مستويات الاحترام للمهن والحرف والاعمال المعيشية هو اختلاف مقدار ما فيها من كسب مالي وسلطة ومراعاة للشرف ويبدو أن الشرف يمثل العامل والمعيار الاهم بدليل أن كثيرا من الاعمال المغرية ماليا لا تجتذب الكثير من الناس بسبب تقاطعها مع مفهوم او قيمة الشرف كما في الرقص والغناء بالمقارنة مع بعض البلدان العربية (كمصر وتونس) او في استثمار الاموال في دور ومنتديات اللهو وما شابه.

اضافة إلى مقدار السلطة في المركز المهني اذ عندما يتساوى عملان في الاجر او الراتب يفضل الذي يمنـح صاحبه سلطة اكبر. واضح أن العراقي يبدي ميلا اقوى نسبيا إلى العمل الذي يرفع من مقامة من ميله إلى عمل اكثر اجرا واقل نفوذا وجاها.

قد يساعد التفكيك النفسي الثقافي على تشخيص الملامح الطبقية للشخصية العراقية، وهذا ما يستنتج من مؤشرات اولها التزاوج الطبقي المتجانس او المتكافئ وكذلك الجوار الطبقي في السكن،لكن عامل التعليم الجامعي الذي انتشر بين افراد الطبقة الفقيرة قد قلص المسافة النفسية والثقافية والاجتماعية بين الطبقة شبه المتحضرة والطبقة الوسطى مما وسع فرص التزاوج بينهما، لكن هذا التحول لم يلق اهتماما يذكر من قبل الباحثين الاجتماعيين والنفسيين العراقيين بالرغم مما يحمله من تحديات التكيف المركب للشخصية العراقية، ويزداد الأمر تعقيدا حينما يضاف فارق التحضر بين شريكي هذا التزاوج عبر الطبقتين المذكورتين.

من المؤكد ان هذه التحولات وغيرها تتيح فرصا كبيرة لاستعمال التفكيك النفسي الثقافي للشخصية العراقية على اساس التغيرات المذكورة وكثير غيرها، نـحن نسمع ونقرا عن تدني مستوى السعادة الزوجية في الاسر العراقية وتصاعد الصراعات التي تنغص حياة الزوجين لكن ذلك لم يحفز المختصين الاجتماعيين لدراستها تفكيكيا او تكامليا.

كما لا يمكن الاستغناء عن اداة التفكيك في التصدي لجدلية الانتماء العشائري والاستقلالية الفردية المتنامية في التحضر، من الملاحظ ان الفرد العراقي مازال يتجاوب مع الانغام العشائرية التي تعزف على اوتار الرجولة والشرف والشجاعة والنسب، لكنه يميل عفويا إلى الاستقلال والحرية الفردية وما يقترن بهما من تحدث ووعي حضري رافض لتبعية التقاليد القديمة، ويبدو أن معادلة التأرجح أو الازدواجية بين العشيرة والمدينة ظلت مهملة ولم تجتذب الباحثين العراقيين، ربما بسبب تعقيداتها والتواءاتها الكامنة التي لا بد من تسليط الضوء عليها وتفكيك خفاياها.

وتتصاعد الحاجة للتفكيك النفسي والاجتماعي في دراسة موضوع الاغتراب (Alienation) (الثوري: عالم الفكر) الذي يطال العراقين داخل وخارج العراق، ومن الغريب وغير المنطقي أن يشيح الباحثون العراقيون بوجوههم عن دراسة هذا الموضوع الخطير والمعقد، وهو يعني الاستلاب المادي والنفسي الذي يتعرض له الفرد والذي يصادر احساسه الذاتي بالتفاعل مع الحياة المادية والذهنية والعاطفية(Bock 1980, P.188)؛ فالإنسان المغترب يفقد الشعور بالانتماء إلى مجتمعه وثقافته. كما يفقد الرغبة في المشاركة العفوية في ما يثير ويحرك مشاعر واهتمامات الناس، ومن الطبيعي ان اغتراب المواطنين في اوطانهم يزداد تفاقما وانتشارا مع اشتداد الازمات الوطنية،وهو اشد  خطورة من اغتراب المهجرين الذين يعانون الغربة واشكاليات التكيف النفسي وهو بهذه الخطورة،لعل الجواب هو حتمية استعمال التفكيك في فرز مؤشراته وضرورة التعمق في الذات العراقية المظلومة الطافحة بالبؤس والحرمان وغموض المستقبل.

إنّ بحث الاغتراب يضع الباحثين في مواجهة بالغة التعقيد والالتواء مع مفارقات وصراعات هذه الظاهرة التي تعجز المناهج والرؤى الشكلية عن اختراقها، لعل في مقدمة اسباب اغتراب الشخصية العراقية ميل الحكومات المتعاقبة والناس إلى تثمين الوافدين الاجانب وتفضيلهم على نظرائهم ابناء الوطن،يلاحظ هذا التفضيل من الرواتب الاعلى الممنوحة للاجانب حتى حينما تتساوى شهاداتهم وخبراتهم مع نظرائهم العراقيين، ويعكس الفولكلور والخطاب العراقي الشعبي الشعور بالغبن المنتشر بين العراقيين نتيجة هذا التبخيس الذي يعاملون به مقابل الاكرام الذي يغدق على الوافدين بعكس معظم الدول العربية التي تمنـح مواطنيها امتيازات اعلى مما تمنـح الخبراء الاجانب.

ولا يقل الأنموذج البيروقراطي أهمية عما سبقه من موضوعات تستوجب اسلوب التفكيك في معالجتها بالخصوص وان البيروقراطية تطرح مركبا حضاريا احتذاه العالم الصناعي الذي اوغل في اعماق الادارة والاقتصاد، وهي في بداياتها الخجولة في العراق، لكنها تتأقلم ببطء  لمزاج الشخصية العراقية التي تضايقها شدة الضبط البيروقراطي ودقة الاداء وصرامة المتابعة وموضوعية التقييم.

 ما زلنا نلاحظ بعض الناس وهم يهاجمون البيروقراطية ويذمون المتمسكين بها وهذا ما حدث في اوربا وامريكا قبل اربعة قرون (بفعل الثورة الصناعية) وتداعياتها الاجتماعية والثقافية. لكن مواقف العراقيين السلبية من البيروقراطية ترجع إلى حداثتها وعدم تعود المواطنين عليها. ومن حسناتها انها تحارب الشخصنة، والارتجال وضعف الانتاجية، وتجاهل هيراركية المراكز وضعف الالتزام بما يصدر عن القيادات من تعليمات واوامر وقرارات.

من هنا تبرز الحاجة لتفكيك الشخصية العراقية لتحديد احتمالات التوافق والتقاطع بينها وبين النمط البيروقراطي، ومع أننا لم نطور الشكل العسكري البيروقراطي العراقي المتشدد والصارم في ممارساته الانضباطية، إلا أنّه من المستبعد نجاح هذا النمط في المنظمات الصناعية والتعليمية والخدمية والادارية والصحية.

قد يصح القول ؛ إنّ أهم الاتجاهات التي لا يستغني عنها الشخص العراقي لكي ينسجم مع التنظيم البيروقراطي هو اكتساب مهارات العمل الجماعي، وروح الفريق، والشعور العال بالمسؤولية ودقة الاداء والتكيف لاهداف ومصالح المنظمة. وطاعة القرارات، والاعتزاز بالانتماء المهني، ومن المتوقع مع اطراد التقدم المستقبلي أن يتنامى الحسّ البيروقراطي لدى الشخصية العراقية بالخصوص حينما تحل الهوية المهنية محل الهوية العشائرية.

واضح أن الشخصية العراقية في هذا التكييف المعقد لمتطلبات واستحقاقات البيروقراطية تبتعد تدريجيا عن الأنموذج شبه العشائري التقليدي وهي مضطرة لتبني سياسة المرونة لكي تستوعب اللياقات التنظيمية، ونظرا لبدء تغلغل النمط البيروقراطي في كل مجالات حياتنا فإن القادم من التحولات سيطرح المزيد من التحديات التي ستضاعف من احتياجات مجتمعنا المتبدل للاساليب التفكيكية الاقدر على تحليل تلك التحولات.

 

التفكيك المعرفي:

من المتوقع أن يتخذ هذا الصنف الابستمولوجي (Epistemology) التفكيكي طابعا تمتزج وتتفاعل فيه اتجاهات منهجية فلسفية وسوسيولوجية ونفسية وانثروبولوجية، لكن هذا الميدان الفسيح يدور في الاساس حول شكل الخصائص والظواهر وعملية التفكير فيها واستخلاص معانيها وتقريبها للحياة المعاشة،وباختصار إنه يتناول ميدان الادراك والمعرفة الوجودية والسعي إلى تحديد مدى تفسير الاختلافات الثقافية من خلال العمليات الفكرية للشعوب في المجتمعات المتعددة. وإذا كانت الاختلافات الادراكية والمعرفية موجودة هل هي حصيلة العوامل البايولوجية ام البيئية ؟، وإلى أي مدى يمكن خضوع  هذه الاختلافات إلى التغيير من خلال تجارب الحياة ؟ وما هي الدروس المستفادة من الدراسات الابستمولوجية عبر الثقافات والمتعلقة بميولنا الفكرية ؟ هذه الأسئلة وأمثالها قد طرحت عبر مسيرة الانثروبولوجيا كما يلاحظ في كتابات تايلر وفريزر وفوندت وليفي برول وبواس حول " العقلية البدائية " أي كيف يفكر الانسان البدائي (التقليدي) وما علاقة ذلك بالحياة والعالم الذي يتفاعل معه ويتصوره وفقا لتلك العقلية ؟.

وقبل دراسة الشعوب الاخرى علينا البدء بدراسة العقلية العراقية التقليدية، ويبدو أنّ اللغة التي تشكل اساس الخطاب العراقي تمثل المنطلق الأهم، ويتوقع أن يؤدي التفكيك الخطابي والاتصالي إلى الكشف عن كثير من ملامح الثقافة الوطنية ومنها الحس بالنفس (Sense of Self)، والزمن، والسببية، والجماعة المرجعية، والآخر، والحياة السعيدة، والطموح، والنجاح وغيرها من المفاهيم التي تتكرر في الخطاب اليومي الشعبي.

ويتم التركيز على الكلمات ومعانيها المتداولة من دون الانجراف مع الشكليات التي يتصدرها النـحو وفنون التعبير البلاغية التابعة للفصحى، وتفضي هذه الطريقة إلى توضيح انساق الثقافة الشعبية المشتركة ودورها في تنظيم شبكة الاتصال.

ولو أخذنا مفهوم الإحساس بالنفس في سياقات الخطاب العراقي نلاحظ أن هذا الإحساس يشغل مساحة كبيرة في تخاطب العراقيين، ويلاحظ انه يؤكد الانا إلى مدى ابعد من تاكيده " النـحن " على الرغم من ان النفس ترتبط عضويا ونفسيا بالاثنين.

مما يثير الانتباه ايضا ان الفرد العراقي بشكل عام يقدم الانا على النـحن في كثير من العبارات التي تشمل هاتين الكلمتين، فهو يقول مثلا " جئت انا واصدقائي بدلا من جاء اصدقائي وانا " ويتكرر تقديم الانا حتى عندما يكون برفقة واحد اي مثلا " جئت انا وصديقي " بدلا من جئنا صديقي وأنا، وهكذا توحي هذه العبارات بقوة الانوية لدى الفرد العراقي وهي تفوق قوة الإحساس بالنـحن وبالهو، يلاحظ في الاتصال الشعبي في المجتمعات الغربية ان ضمير" هو " يتقدم على (الانا) في احاديث الشخص العفوية مما يدل على ارتباط هذا النمط من الخطاب بعوامل لا شعورية يمكن التنقيب عنها في بحوث تكفيكية متخصصة.

النفس العراقية يمكن تفكيكها انفعاليا وهذا ينكشف عبر بعض السياقات اللغوية العاطفية، ومن ملامح هذا الوجه للنفس العراقية ضعف سيطرتها على النوبات العاطفية المصاحبة لسورة الغضب والتي تغلب عليها خشونة الخطاب الذي يمتزج فيه العتاب مع السخط واللوم والتقريع، وحينما يبلغ الغضب مداه قد يصل إلى التهديد وذمّ الآخر ومهاجمته بعبارات أشدّ قسوة، لكن حالة الغضب سرعان ما تخف وتنتهي بندم الغاضب واعتذاره، إلا إذا كانت أسبابها مبدئية تمس الشرف والعرض وخيانة حقوق الصداقة الرئيسة.

وهناك قدر ملحوظ من التسرع في صدور احكام الفرد العراقي وعدم ثباتها قليلا او كثيرا وجنوحها للغلو والتطرف والوقتية، وهكذا قد يتقلب الحكم على الفرد نفسه بين المدح لبعض الوقت والذم في وقت لاحق، قد يبرز ذم الفرد الممدوح سابقا بظهور صفات " سلبية " لم يتم كشفها قبلا ويقال في هذا المعنى (طلع على حقيقته) وفي مثل هذه الحالة ربما تتحول الصداقة إلى عداوة، ولعل هذه السمة شديدة الارتباط بالخلفية البدوية وهي أيضا حصيلة التسرع بتكوين الصداقات ومنـح الثقة للاخرين ومن المتوقع ان تتغير سمة حسن الظن تحت ظروف الارتياب اذا استمرت طويلا لما تحمله من اثار تدميرية للذات العراقية.

ولو طرحنا الزمن كمنظور ادراكي معرفي تفكيكي للشخصية العراقية نجدها ذات حسّ ماضوي قوي وتفاعل خافت مع المستقبل، ومن مؤشرات الماضوية التقليدية ذكر الاموات وزيارة القبور وتقديم الاضاحي والصدقات للتكفير عن ذنوبهم ومواصلة الحزن عليهم فترات طويلة نسبيا، إلى جانب نبش الماضي وتفعيل بعض احداثه التي يستذكرها الاشخاص ويتفاعلون معها مجددا كما لو أنها بعثت من مهدها، وكثيرا ما يعبر الاشخاص عن حسرتهم على ما مضى وكان التاريخ يزداد حرمانا وبؤسا وليس تقدما ورخاء.

بهذا يظهر التفاعل العراقي مع الزمن قدرا كبيرا من التشاؤم والتطهير من المستقبل، وتستقر هذه النزعة التشاؤمية من شيوع القول :(إنّ اليوم أحسن من باجر) واضح أن تدهور الأوضاع في العراق خلال العقود الاخيرة اطاح بروح التفاؤل لتحل محلها المالينكوليا والقنوط  وتصل حدّة عدم الاطمئنان من الغد إلى القول :من أبو بكرة ؟(منو أبو باجر؟) بالعامية.

اما هدر الوقت واضاعته فتتجلى في كثير من المؤشرات الفكرية والسلوكية، ومما يشجع على التفريط بالوقت البطالة الواسعة، ومن المؤكد أن كثيرا من الوظائف الحكومية لا تتعدى الحدّ الأدنى من الإنتاجية بسبب التأكيد حصرا على الدوام وتجاهل وضع سقف زمني محدد للمهام الوظيفية القائمة، وتنطبق (البطالة المقنعة) على معظم الوظائف الحكومية وشاغليها وكذلك على كثيرا من اصحاب الاعمال الحرة الذين يمضون معظم الوقت جالسين في دكاكينهم او مكاتبهم الخاملة، وينعكس هدر الوقت حتى على الفلاحين العراقيين (والعرب بالطبع) لهبوط انتاجيتهم الزراعية مقارنة بفلاحي اقطار الدول المتقدمة، ويتعزز هدر الوقت في ظاهرة كثرة المناسبات الدينية والسياسية الموسمية والسنوية التي يتعطل فيها العمل على كل الاصعدة الرسمية والشعبية.

في جميع الأحوال يكاد العراقيون عموما يفتقرون للهويات الترويحية والرياضية والفنية والعلمية، ما يجعل اوقات فراغهم ثقيلة ورتيبة، ولعل كثرة المقاهي التقليدية هي افصح دليل على ضياع الوقت بدون انتاج يذكر.

وهناك اسفاف وافراط في استعمال مفهومي التخطيط والتنمية في كل المناسبات وبشكل سطحي ومصطنع ومن الطبيعي ان مفهوم التخطيط ينبثق اصلا من التراث الثقافي والاستعداد النفسي للمواطنين، وكذلك التنمية التي لا مجال لتفعيلها بدون ذلك الاستعداد، وهكذا تحولت الطموحات التنموية إلى ندوات وحلقات دراسية غير منتجة ما ابقى البلاد غارقة في ازماتها الاقتصادية والثقافية والسياسية، وهكذا تصاعد حدّة البطالة والفقر والأمية وتراجع العراق عن مرتبته المتقدمة بين الدول العربية ليحتل موقعا متاخرا تماما، ومن المؤكد ان العوامل الثقافية والاجتماعية مسؤولة بالخصوص عن هذا التدهور التنموي إلى جانب التدخلات الخارجية التي اطاحت بالامن والاستقرار.

ولا يعفى الأنموذج العراقي من الذنب لتمادية في إضاعة الوقت التي تشكل اخطر عوائق التنمية، ويمتد داء ضعف تقدير الوقت المنتج حتى إلى الجامعات التي لا يكون عطاؤها العلمي والفكري بمستوى الطموح.

ويقود تفكيك السببية إلى طرائق فيها وعورة اداركية اكبر مما طرح من مفاهيم، ولعل ابرز ما يثير اهتمامنا أنّ الشخصية العراقية تنتقي الظاهر من الاسباب بحكم سهولة تشخيصها وربطها بالحدث، ويميل الفرد العراقي إلى استعمال مبدأ (السبب الوحيد) في تفسير الظواهر المختلفة او المشكلات القائمة، وهو بهذا يخالف مبدأ تعدد الاسباب الذي تتبناه العلوم الانسانية والاجتماعية وحتى الطبيعية بدرجة ما، وقد يحتدم الجدل بين العراقيين حول ما اذا كان الفقر العامل المسؤول عن انـحراف السلوك ام الجهل وهم قد ينقسمون إلى فريقين يعطي احدهما الأهمية للفقر بينما يعزو الفريق الآخر التأثير إلى الجهل، ويظل الجدل مستعرا من دون الاتفاق على اشتراك السببين بدرجات متفاوتة يمكن قياسها حسب المنهجيات الاحصائية الحديثة.

ويؤدي تبني السبب الواحد (بين أمور أخرى) إلى التطرف والقطبية الأحادية، وارتكاب أخطاء علمية وعملية لا يعيها الناس خصوصا حينما تنسجم مع الفكر الفولكلوري او التقليدي. ناهيك عن الاساب الخرافية التي لا وجود لها اصلا لكنها تصمد في عقول غير المتعلمين، من هذه التصورات الخاطئة اعتقاد البعض أن الجنون ينتج من دخول الجنّ إلى الرأس، واضح أنّ العلوم الطبية والنفسية ترفض هذا الاعتقاد الخرافي.

ولا تقتصر اثار السببية الواحدة على النواحي الايدولوجية بل تتخطاها إلى المجالات الاقتصادية والصحية والتربوية والسياسية، ولتحييد الآثار السلبية لفكر السبب الوحيد او الواحد لابد من طرح الاسباب الاخرى غير المعروفة في الاوساط الشعبية لا كبدائل بل كخيارات تكمل الاسباب المتوارثة.

وتضم الخارطة الادراكية(Cognitive MapBock, 1980, p.239) للشخصية العراقية مفهوم الجماعة المرجعية التي تشمل الأسرة والعشيرة، وهما يمثلان الاطار القرابي والتربوي لكن الاسرة هي المشترك الاهم الذي تتأسس عليه الشخصية وفيه يتم غرس التقاليد والقيم والعقائد، ولعل التفكيك القرابي يضمن الكشف عن الالتزامات القرابية الكثيرة التي تتوزع على شبكة روابط الدم والمصاهرة والجوار والتحالف وغيرها.

لابد للتفكيك القرابي أن يركز على التصورات الذهنية للشخص العراقي فيصنفها إلى اشكالها واختلافاتها ونمطيتها. هل العراقي - مثلا - يدرك فروق الالتزامات تجاه أقارب الأم  وأقارب الأب وما هي المجالات التي تتوزع عليها تلك الفروق؟ والمؤمل ان يفضي تفكيك روابط الفرد العراقي إلى توضيح ولاءاته والاسس والمبادئ التي تدعمها.

من المناسب أن يتناول التفكيك مفهوم " الآخر " (The other) والحيز المعرفي والانساني الذي يشغله لدى المواطن الاعتيادي، ومن المهم أن تستقر الصورة الشمولية للآخر بأقصى امتداداتها للتحقق من انها تشمل كل ابناء الوطن الذين يؤلفون الشعب بكل فئاته، لا أن تقتصر على بعضهم، وهكذا يتراوح الاخر بين المجرد الذي يمتد مع حدود الوطن، والمحدد الذي لا يتخطى الدوائر المعرفية الضيقة المحاصرة قرابيا وطائفيا واثنيا وإقليميا.، ومن المعلوم أن الآخر الشامل هو المواطن العراقي الذي نرى فيه الدولة بكل رموزها الوطنية وفئاتها ومؤسساتها وتاريخها، لكن الآفاق الادراكية للشخصية العراقية ما زالت تحث خطى التقدم نـحو تخوم التجريد المجتمعي الذي يحتضن الوطنية بديلا عن العرقية والاثنية والطائفية والعشائرية البالية.

لا يفوتنا ادراج مفهوم " الحياة السعيدة " التي يحلم بها الناس ولكننا لا نعلم شيئا عن صورتها الذهنية كما يراها العراقيون.

من الممكن استهداف التفكيك لكشف المكونات المركزية للحياة السعيدة بهدف تحديد مدى شموليتها المجتمعية والثقافية، وانطلاقا من الثقافة العراقية المالوفة السائدة في الاوساط الشعبية من المتوقع ان تشمل الحياة السعيدة الصحة الجيدة  والانجاب والمال والسمعة الحسنة كأهم ثوابتها، إذا كان الأمر كذلك لابد من تحديد أسباب اختيار هذه العناصر ومبررات تفضيلها على العناصر المستبعدة والاهم أن نتأكد من نظام مراتبها المتباينة بنظام القيم، وبالعقائد الدينية والوضع الاقتصادي والطبقة الاجتماعية ومستوى التعليم ودرجة التحضر والعلمنة إلى غير ذلك من عوامل التأثير في هذه الخيارات المرتبية المتباينة.

حينما يتقدم الانجاب على المال في تفضيلات الاكثرية هل يتم تفسير ذلك وفقا للرؤية الغربية التي تعده موقفا غير عقلاني يؤدي عادة إلى انخفاض مستوى المعيشة ؟ ومن الواضح ان تقديم الانجاب على المال لا يصح منطقيا لان الزوجين يحتاجان إلى دخل ثابت لكي يستطيعان تربية واعالة من ينجبون. أما تقدم الشرف والاحترام الاجتماعي على جميع المتغيرات لو حصل فهو يؤكد السر الكامن في تحكم الاتجاه القبلي في مجمل فلسفة الاشخاص الذين يهمهم ان ينجبوا حتى لو كانو مفلسين.

أما قصة السمعة فهي اكثر تعقيدا بحكم انفتاحها على ارجاء الحياة، من المؤكد أن الصيت الحسن لاي عراقي يتوقف ابتداء على رضا الاقارب والاصدقاء والجيران والمعارف عنه. ويبدو أن هؤلاء يشكلون ركائز السمعة للاشخاص خصوصا في المجتمع المحلي الريفي وشبه الريفي، لكن الحراك الاجتماعي واتساع الاختلاط السكاني المجتمعي وازدياد اهمية المهن والحرف غيرت بيئة السمعة ونقلتها من محيطها القرابي والقروي إلى محيط المدينة والمجتمع المدني، وصارت السمعة تتخذ اشكالا متعددة في هذا المحيط المعقد، هناك السمعة المهنية والحرفية والسمعة العلمية والسمعة السياسية والسمعة الاجتماعية والفكرية وغيرها، ونظرا لغياب الادبيات السوسيولوجية والانثروبولوجية عن هذا الموضوع لا بد من الاستيطان لتفكيك الانطباعات والتصورات المعرفية عن السمعة، نـحن نتساءل عن مدى حرص العراقيين على بعض سياقات السمعة التقليدية بالخصوص علاقاتها بالشرف والكرامة والبعد القرابي وما إذا أصبحت السمعة شأنا شخصيا لا يؤثر على اقارب الشخص.

من الممكن أن يؤدي التفكيك الادراكي المعرفي إلى إيضاح هذه التساؤلات كما يجيب عليها المواطنون بشكل مباشر أو غير مباشر، بهذه الطريقة قد تكتشف أن كثيرا من المفاهيم التي تتشكل منها السمعة وترتكز عليها قد خضعت تحت تاثير المجتمع المدني والتحضر والتعليم إلى إعادة تعريف وتعديل اسقط بعض سياقاتها وأضاف لها سياقات ومعان جديدة نتيجة لهذه التحولات التي تعاقبت في مسيرة المجتمع العراقي الحديث اصبحت جودة الخدمات المهنية مصدرا للشرف والسمعة بدلا من اللقب والنسب، لكن وبالرغم من هذا التحول ربما يعاني العراقيون ازمة الصدمة الناتجة من عدم انسجام صيغة الشرف القبلي المعتمد على الانـحدار القرابي مع الشرف المهني القائم على الخدمات والانجازات المهنية، ومن المؤكد ان تكون الشهادة الجامعية قد اضحت ركيزة اساس تستمد منها الشخصية العراقية اهميتها وسمعتها وتقيم عليها مركزها واحترامها ورفاهها النفسي، ومن الملاحظ أن الأطباء العراقيين يبدون اهتاما استثنائيا بتكبير حجم يافطات اختصاصهم وتزويقها في ضوء الديكورات الالكترونية الجذابة، مع ذكر تخصصاتهم الدقيقة والجامعات التي تخرجوا منها، ويبدو أن الجامعات البريطانية والامريكية تمثل قمة الوجاهة والتقدير بين الناس، بعكس الأطباء الحاصلين على شهادة عربية واسيوية التي تحتل المراكز الأدنى في هرم السمعة المهنية.

نضيف إلى ما تقدم أن المفاهيم الأخيرة التي طرحتها عن التفكيك الاداري والمهني والامثلة التوضيحية التي اوردناها تؤكد تنامي الصعوبات الثقافية والنفسية والفكرية التي تواجه الشخص العراقي في حالات الصراع الناتجة من تبدل سياقات التفاعل بين العملية في واقع وحياة المدينة، والمطلوب من الباحثين التعمق في هذه الصراعات والوصول إلى جذورها والتأكد من مدى وعي او عدم وعي الافراد بحدوثها، وتفضل في هذا الخصوص أدوات التفكيك البسيطة التي يسهل استعمالها ميدانيا في الاوساط الاجتماعية والثقافية التقليدية.

 

أداة التكامل:

بعد التجوال مع افاق التفكيك نتوقف عند مقاربة (التكامل) (Integration) مستعينين بها لتوضيح الوجه الاخر الذي تلوح فيه معالم التوازن والاستقرار والترابط بين اجزاء الثقافة والشخصية، على أن التكامل لا يكون مطلقا، بل هو اقرب إلى الالتحام والانسجام النسبي بين عناصر البناء، ومن المعلوم أنّ الشخصية العراقية، (والعربية عموما) تولد وتترعرع في بيئتها المحددة التي لا تخلو من المشاكل والازمات الطبيعية والاقتصادية التي تتسرب إلى الشخصية وتهدد تكاملها وانسجامها.

وكما سبق أن المحنا فإنّ المدرسة البنيوية الاجتماعية التي تبناها العالم الانجليزي (رادكلف براون) تتجاهل الشخصية وهي لهذا تحصر اهتمامها بتكامل البناء الاجتماعي الذي يشمل المؤسسات الاجتماعية التي يحذف منها الفرد وتصادر فيها الثقافة (Culture) لكننا لا نستغني عن المنظور الثقافي في بحث الشخصية بغض النظر عن مدى تكاملها واستقرارها.

وقد ادرك الانتروبولوجيون الثقافيون والنفسيون أن اختلال وارتباك توازن وتماسك الثقافة ينعكس سلبا على توازن واستقرار الشخصية، وهكذا تشمل الرؤية الانثروبولوجية المعاصرة كلا من الحالات الثقافية المضطربة التي تعجز عن توفير عناصر التكامل والاستقرار الذهني والاجتماعي لشخصية افرادها ما قد يحيلها إلى شخصية عدوانية أو عصابية، بعكس الحالات الثقافية المستقرة المنتجة لأنموذج الشخصية المسالمة والمتعاونة، بهذا الانفتاح العلمي والانساني جاءت البحوث الانثروبولوجية زاخرة بتنوع اشكال الثقافة والشخصية وسعة التباين في قدراتهما المكتسبة على التكيف وتحقيق درجات شديدة التفاوت من التكامل والتماسك.

قد توحي هذه التباينات الثقافية في العالم بصور انطباعية تجسد سعة التباين بين نسبية السلامة والاستقرار النفسيين والعقليين للشخصيات البشريةومن الطريف ان المعلومات  الانثروبولوجية الغزيرة المفتوحة على كل شعوب وثقافات العالم دفعت المحللين والاطباء النفسيين وعلماء النفس إلى اعادة النظر في كثير من الامراض النفسية والثقافية التي اكتشفت بين شعوب العالم الثالث، واهم ما قدمته تلك المعلومات تعديل الكثير من المفاهيم المرضية العيادية الكلاسيكية الغربية لتشمل البشرية كلها بدلا من اقتصارها على سكان الغرب الاوربي والامريكي.

 

الشخصية الريفية التقليدية:

من المنطق والواقع ان يمثل هذا الأنموذج الأصل الثقافي الذي انـحدر منه العراقيون في مجمل سماتهم وخصوصياتهم التي ورثوها من ثقافتهم التاريخية العتيدة، ومن البديهي ان سمات هذا الأنموذج هي تجسيد لثقافة المجتمع المحلي الريفي الذي ظل عقودا طويلة يمثل الواقع الثقافي العراقي.

ولا مبالغة في القول ؛إن ثقافة المجتمع المحلي التقليدية كانت على درجة كبيرة من التكامل، ومما عزز تكاملها الارتباط القرابي بين افراد ذلك المجتمع، وقد استمد قوته من وحدة الاصل والمصالح وتشابه التقاليد والقيم المنظمة لحياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ومثلت الأسرة الريفية حجر الاساس في تكوين الشخصية العراقية لا سيما في مجال التنشئة التي هيمنت على صيرورة الاطفال في غياب المدرسة حتى مطلع القرن الماضي مما جعلها موحدة ومنسجمة مع الواقع فضلا عن التعارف  بين الاعضاء وما رافقه من تفاعل مباشر مما قوى الروابط واغناها وجدانيا.

وكان البناء الاجتماعي يستند إلى وحدة النسب والمصالح خصوصا في ظل غياب الطبقية وصراعاتها المفككة للشخصية، وكان انتماء الافراد للمجتمع المحلي عفويا مما أدى إلى التزامهم الشديد بقيمه وتقاليده ولم يكن هناك صراع يذكر بين الاجيال ما دامت التقاليد نفسها تغرس في شخصية كل منها في ظل الاستقرار وبساطة حركة التغيير، وقد سادت روح الجماعة واندمجت فيها روح الفرد، الأمر الذي قوى وعزز تكامل وارتباط الاثنين، ونظرا لقوة الذات الجماعية " الذات الجماعية " واحساس الاعضاء بها خفت روح التغالب والتنافس بين الافراد بينما قويت نزعة التعاون والايثار، إلى جانب قوة الغرس الروحي التي ضاعفت قدسية التقاليد.

في ضوء هذه الخصائص والظروف الحياتية المميزة للمجتمع المحلي يبدو واضحا الانسجام العالي بين الشخصية وتلك الثقافة المتوازنة، ومن الطبيعي تحقيق الفرد قدرا مناسبا من الرضا العاطفي والنفسي لما احاطة به مجتمعه من عطف ودعم وحماية، هذا إلى جانب تسهيل حصوله على زوجة من خلال قواعد الزواج القرابي ويظهر هذا المجتمع قوة اعتزازه باعضائه من خلال مظاهر الحزن التي يعلنها في مجالس التأبين التي تعقد لموتاه وهي طقوس لا تقتصر دلالالتها الاجتماعية والعاطفية على الموتى بل وتظهر للاحياء أيضا مدى تثمين الجماعة لهم وهو ما يتجلى في عمق التأبين.

وينبغي عدم إغفال دور (الاخذ والعطاء) السائد في المجتمع القرابي المحلي الذي يمتن روابط الاعضاء ببعضهم لما يحمله ذلك من تعاطف وتآخي ومن شراكة تحد من الانانية التي تتفشى في المجتمع المدني.

وهكذا تؤدي قراءتنا لثقافة المجتمع المحلي إلى الاقتناع بقوة ارتباطها وتناغمها مع شخصية الأعضاء إلى جانب تلبيتها للميول والحاجات النفسية والعاطفية لكل من الجماعة والفرد، مما يضعف النزوات الفردية ويوائمها مع الروح الجماعية والبناء الاجتماعي.

في ضوء ما تقدم لا مجال للشك أنّ تكامل وتوازن الشخصية التقليدية يبدو أكثر وضوحا في المجتمع المحلي وذلك نتيجة لوجود عوالم موضوعية تدعم هذا التكامل وهي تتلخص في الارتباط القرابي وروح التضامن وهيمنة التربية الاسرية وسيطرة القيم وعدم الازدواجية والتعارف الشخصي والتفاعل المباشر، ووحدة المصالح وغياب الطبقية. والانتماء والولاء العفوي وانسجام الاجيال، وتبلور روح الجماعة، وغياب المنافسة والتغالب، والاخذ والعطاء. وقدسية التقاليد.

لكن المجتمع المحلي الكلاسيكي السابق لحركة التغيير والتمدن المعاصر لم يظل محتفظا بتلك الخصائص الثقافية والنفسية الساكنة نسبيا، وذلك نتيجة لتيار العصرنة والتقدم والتحضر والتحولات السياسية الكبيرة التي اجتاحت المجتمع العراقي مع بدء تشكيل الدولة العراقية في عام 1921 وانبثاق المجتمع المدني وما رافقه من النمو السريع، بالرغم من الهزات الزلزالية التي زعزعت ركائز الاستقرار فيه كما ابطأت سرعة تقدمه ونمائه الحضاري.

 

 

التكامل في المجتمع المدني:

لا بد أن نتهيأ لمواجهة صعوبات البحث في عملية تكامل الثقافة والشخصية في المجتمع المدني العراقي، بالرغم من وجود بعض الوشائج المتبادلة بين الثقافتين الريفية والحضرية، مما يحتم التأني والاعتدال في تحليل الفروق التي قد يختلف بعضها شكلا ويتشابه مضمونا من حيث وحدة الأصول، ومع ذلك يبدو جليا تعاظم هذه الفروق خصوصا في المجالات المهنية التي تزدهر في المدن بسرعة كبيرة مما يوسع التباين الاقتصادي والاجتماعي بين المجتمعين، ولا جدال فان حركة تدفق المهاجرين الريفيين الفقراء إلى المدن يؤدي إلى اختلاط السكان وقد يعرقل مهمة رسم الخطوط الفاصلة بين الأنموذجين الريفي والمدني.

من جهة أخرى فإن المجتمع المدني العراقي قديم نسبيا وقد تطورت مؤسساته ومنظماته إلى مستويات تشكلت معها الطبقات الاجتماعية والنخب الثقافية والسياسية والفئات المهنية والتعليمية، إلى جانب وسائل الرخاء وفرص الحراك الاجتماعي وتنامي العلمنة ووسائل الاتصال الجماهيري وتطور الوعي السياسي ودخول بعض الايديولوجيات الغربية وتفكك الاسرة الممتدة وانكماش الروابط القرابية القائمة على التنظيم العشائري.

في ضوء هذه التحولات الحضرية المهمة ازدادت الحياة في المدينة ابتعادا عن انماط وبنى حياة الارياف وصارت الاختلافات تنعكس على شخصية المدينة، وهي اختلافات لابد من توصيفها وتحديد مصادرها وانعكاساتها على الشخصية الحضرية.

لعل أهم التحولات الحضرية المؤثرة في تكامل الشخصية هو تفكك عرى القرابة الذي تشهده العشيرة والاسرة الممتدة، ومن الطبيعي أن يكون لهذا التحول تأثيران على الشخصية ؛ الأول يكون سلبيا، حيث يؤدي ضعف الروابط إلى ضعف الضمانات التي كانت توفرها قوة تلك الروابط للشخص،. اما التأثير الثاني فهو ازدياد حرية الشخص بعدما ضعفت العلاقات بين افراد العشائر وتضائل تدخلهم في شؤون من ينتمون إلى عشائرهم , وهذا ما يلاحظ في المدن في الوقت الراهن وتتعرض الشخصية في المجتمع المدني إلى تحدّ آخر ينتج من ازدياد اهمية المنافسة في ميادين الحياة واضطرار الأفراد إلى بذل مزيد من الجهود لتحقيق النجاح في خضم الاعمال ليسبقوا الاخرين من منافسيهم(Henry,J,P.P.12,42)، لكن اتساع دور المنافسة لابد أن يؤدي إلى ارتفاع وتائر القلق الذي ينجم من تعقيدات تحديد لياقة الاشخاص لاشغال المراكز التي يتنافسون عليها بعد ان كانت تورث جيلا بعد جيل عبر الاجيال المتعاقبة، ومن الطبيعي ان الانجاز يكمل المنافسة حيث يؤدي اتحادهما إلى تحفيز الاشخاص لبلوغ المراكز الاجتماعية التي يستحقونها، ولا شك أن ذلك ينعش طموح الاشخاص لاثبات قدراتهم وجني ثمار اعمالهم وابداعاتهم. غير انه يبقيهم في حالة من التشنج وعدم الارتياح بالنظر إلى احتمال تخلفهم عن الاخرين في حلبات العمل.

وتبرز الطبقات في المجتمع المدني حيث تتباين مستويات المعيشة وتظهر الطبقة الغنية إلى جانب الطبقة الفقيرة، ومع أن هذه الطبقات لم تتأصل في الواقع الحضري العراقي لتقلب الأوضاع السياسية إلا أن فقراء المدن العراقية صاروا يشكلون ظاهرة متنامية، ولم تكن موجودة في المجتمع المحلي القرابي بسبب المسؤولية الجماعية المتمثلة في الاسرة الممتدة التي رعت اقارب من درجات بعيدة، وقد جلب انتشار الطبقات أوضاعا اجتماعية قلصت فرص التقارب بين الناس بعد أن كانت المجتمعات المحلية توفرها لهم وهكذا اتسعت المسافات الاجتماعية بين تلك الفئات،ومن المتوقع أن تسترجع الطبقات عافيتها بعد استتباب الامن والاستقرار وحينها ربما تتشكل ملامح (السايكولوجيا الطبقية) (Class Psychology) التي تجسد طموحات وميول وعقد الطبقات العراقية المتفاوتة.

أما الفقر العراقي فلم يوثق او يطرح ادبيا او سوسيولوجيا او ثقافيا بالرغم من غنى محتواه الواسع، بعكس الفقر في المجتمعات الغربية الذي استقطب الكتاب من مختلف الايديولوجيات والاتجاهات، خصوصا الكتاب الرومانسيين والوجوديين.

المهم أن غياب الطبقية والتفاوت الاقتصادي في المجتمع المحلي اسهم في تدعيم الضمان الاجتماعي بينما اثر التباين الطبقي في المجتمع المدني سلبا على وحدة المجتمع وتكامل الشخصية، ومع ذلك فإن الطبقية فرضت وتفرض وجودها كونيا مما يدعم الادعاء بانها جزء من الطبيعة البشرية، أما عدم ظهورها في المجتمع المحلي القرابي البسيط فيرجع إلى فقر ذلك المجتمع وعدم سنوح الفرص لاكتناز الثروات والاموال، إلى جانب دور الكرم الذي يسهم في تسوية سطح الواقع الاقتصادي من خلال عملية الاخذ والعطاء وتقديم المساعدة ممن يملك إلى من لا يملك، وبهذا تزول التضاريس الاقتصادية ويتساوى الناس في الفقر. لكن شمول الفقر في المجتمع المحلي يعني تساوي الناس في مواجهة اثاره المدمرة بهذا يصبح اثر الفقر الريفي أقل تدميرا لشخصية الفرد من الفقر الحضري الذي يقتصر على بعض سكان المدينة فيشعرهم بالضغينة وبالحسد إزاء الأثرياء، وهذا يؤدي حتما إلى تعرية وتآكل روح الجماعة وتضاؤل التماسك والاندماج بين سكان الدولة.

وينطوي المشهد الحضري على التعدديات الاثنية والقوية والدينية والمهنية التي لم يكن لها وجود في المجتمع المحلي الريفي، من الطبيعي ان التكيف لهذه التعدديات يكون مركبا وهو بالتالي يستغرق وقتا طويل نسبيا، ولاشك أن التعايش مع هذه التعدديات يفرز تدريجيا روح الانسجام مع الاخر، وقياسا على الدول الراقية المتنوعة، فإن التعددية الثقافية والاثنية تغني الشخصية وتزيد في قدرتها على التكيف الاجتماعي، كما توسع افاقها الانسانية، ما يثري ويعزز تكاملها النفسي والمعرفي والسلوكي.

ومن اثار تطور المجتمع المدني مقاربة التعدديات في بوتقة المنظمات الحضرية والسياسية والمهنية والنقابية والانسانية والترفيهية. وغالبا ما تركز هذه المنظمات على المجتمع المدني كقاعدة عريضة تلتقي فيه هذه التعدديات.

وهكذا تتحول التعدديات بفضل منظمات المجتمع المدني إلى عناصر تكامل بنيوي يدعم وحدة المجتمع والشخصية معا، وبالخصوص أن هذه المنظمات بحكم معاصرتها ترفض الانتماء الطائفي والعشائري والعنصري ما دامت هذه الكيانات القديمة تتعارض مع أهداف التقدم الحضاري الذي يدعم وحدة الدولة والمجتمع، وقد أدرك العالم الفرنسي دوركايم(Kluckhohn,1957,P.193) هذه الحقيقة حيث اطلق على ترابط المجتمع المدني عبارة (التظامن العضوي) (Organic Solidarity) وهو يعتمد على التناغم والتكامل البنيوي النابع من تساند المهن والحرف الحضرية المتنوعة التي تشكل المجرى الاساس للحياة المدنية في المجتمع المحلي، من هنا تظهر اهمية منظمات المجتمع المدني في تعضيد وحدة المجتمع وتكامله إلى جانب تكامل الشخصية الوطنية.

لكن تكامل الشخصية العراقية تحت تأثير التحضر والحداثة والعولمة ما زال في مرحلة انتقالية تتوسط بين الانتماء العشائري والانتماء المهني غير أن هذا التأرجح بين قطبي التقليد والحداثة، وهو ما اسماه عالم الاجتماع الوردي (بالازدواجية) يزداد ميلا نـحو الحداثة والمهنة التي تلعب دورا في تحديد جاه الفرد ورفاهه في المجتمع المدني، بعكس الانتماء العشائري والطائفي الذي انكمش دوره في تعزيز مكانة الفرد في سياقات الحياة المدنية التي تشدد على المؤهلات العلمية والمهنية، وبعيدا عن الشعارات المجردة، نستطيع القول ؛ إن إغراءات الحياة الحضرية التي تحركها مردودات الوظيفة والمهنة وضماناتها المستقبلية تتصدر العوامل المؤثرة بمستوى تكامل الشخصية، ومن المؤكد ان الشخصية المدنية العراقية قطعت اشواطا بعيدة نسبيا على الاصعدة المهنية والاقتصادية والثقافية والسياسية مقارنة بالشخصية الريفية غير المتعلمة والمفتقرة للمهارات المهنية والفقيرة عموما.

 

الخلاصة :

 إنّ واقع المجتمع المدني يشكل الارضية العامة التي تنبع منها الشخصية العراقية الحديثة، لاسيما وان الريف العراقي يكاد يخلو من عناصر الحداثة والعولمة التي يوفرها المجتمع المدني.

 ويمكن القول ؛ إن تراجع الثقافة الريفية وازدهار ثقافة المجتمع المدني يعبران عن صيرورة مزدوجة تسهم في تسريع عملية التحضر والحداثة وبداية العولمة، وأسوة بدول العالم الاخرى فان المجتمع المدني العراقي مقبل على التفاعل مع تداعيات العولمة التي ستضيف بعدا جديدا للمجتمع المدني، ذلك هو الطابع (الكوزموبوليتاني) (Cosmopolitan)  الذي تتسم به المدن العالمية المتطورة ذات العلاقات الوطيدة مع كثير من ثقافات العالم، وهكذا يتوقع للشخصية العراقية التي حرمت من التواصل مع تيارات الفكر والعلم الجديدة أن تتاح لها فرص التثاقف مجددا لتستعيد مكانتها الرفيعة بين الأمم.

 

 المراجع

1.  النوري، قيس، 1979، مجلة عالم الفكر، الكويت.