|
التسامح
وطريق الحرب
الأهلية
أ.م.د.
عبد الجبار أحمد
إذا ما أريد
لأية تجربة انسانية النجاح والد يمومة، فان من الضروري لها
عدم اغفال الممارسات الايجابية في تاريخها، وبخاصة إذا كان
غنيا بها، ولا في تاريخ التجارب الانسانية الاخرى.
وقبل الولوج
في مسالة التعريف للمفاهيم نجد انه من الضروري التعريج على
بعض الممارسات الايجابية الفنية والمفيدة لنا، واولها قول
الرسول صلى الله عليه واله وسلم لاهل مكة بعد فتحها: لا
تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، اذهبوا فانتم
الطلقاء"(1).
وثانيها قول
الامام علي عليه السلام للحسن والحسين بعد استهدافه من ابن
ملجم المرادي "احبسوا هذا الاسير واطعموه واسقوه واحسنوا
اساره فان عشت فانا اولى بما صنع في وان شئت استقددت وان
شئت صالحت وان مت فذلك اليكم فان بدا لكم ان تقتلوه فلا
تمثلو به"(2).
وثالثها
موقف السيد محمد باقر الصدر حين امر خادمه الحاج "الحاج
عباس" بان يسقي الماء احد ضباط الامن الذين كانوا
يراقبونه وقوله : بانه " يجب ان نعطف حتى على هؤلاء"(3).
ورابعها
خطاب نلسون مانديلا لشعبه حين قال " نـحتفل اليوم ليس
بانتصار حزب ولكن بانتصار كل مواطني جنوب افريقيا، اننا لا
نرى انفسنا كفاتحين نـحن نخاطبكم كمواطنين معكم من اجل
تضميد جراحات الماضي وبقصد بناء نظام جديد يقوم على
العدالة للجميع"(4).
وأخيرها قول
مسعود البارزاني لصدام حسين في عام 1991: "لو كانت المسالة
شخصية لكان من الصعب ان التقي بكم لكن مصلحة العراق وشعبه
وشعب كوردستان فرضت علي ان اتجاوز كل المآسي واسبح في بحر
من الدماء وات لبغداد من اجل مصلحة العراق وشعبه"(5).
والمشترك
بين كل هذه المواقف هو الابتعاد عن الركون للماضي والنظر
للمستقبل وسمو المصلحة العامة ( مصلحة الشعب ) على ما
سواها من مصالح ضيقة وان القدرة السياسية والقوة الحقيقية
هي في البناء وبخاصة إذا امتلكت مقومات السلطة السياسية
وادواتها، والترفع عن الخطايا والاثام التي يرتكبها الخصوم
والمنافسين والاعداء واخيرا العدالة في القصاص واحقاق
الحق.
وهذه النقاط
المهمة تشجعنا على القول بانه إلى جانب أدوات الضبط
السياسي والاجتماعي التي تلجأ اليها السلطة السياسية
لتحقيق الاستقرار وتزويد النظام السياسي بسبل الديمومة فان
للتسامح، بكل أشكاله، دور أساسي في الحفاظ على الديمومة.
أهمية
التسامح
وتتآتى
اهمية التسامح من كونه فضيلة اخلاقية وضرورة سياسية
ومجتمعية وسبيلاً لضبط الاختلافات وإدارتها،والتسامح
كفضيلة أخلاقية، وللأسف الشديد، ربما كانت لتصلح على مستوى
العلاقات الفردية - الشخصية ولكنها على مستوى العلاقات ما
بعد الفردية - الشخصية هي غائبة او ضعيفة، وكثيرا ما سعى
اصحاب الطروحات المثالية لان تكون الفضيلة هي اساس كل شيء،
والسعي الافلاطوني والفارابوي وغيرهم خير مثال.
وضعف
التسامح كفضيلة اخلاقية لا يعكس الضعف في محتواها ومضمونها
القيمي بقدر ما يعكس انانية وانتهازية من يجهل الفضائل
والرذائل معا، الخير والشر سوية، والا فيكفي ان نذكر بموقف
واحد من مواقف التسامح الدينية لتكون اساس للسلوك المجتمعي
.
أما من حيث
كونه ضرورة سياسية، فهذا شيء لا يمكن تجاوزه او نكرانه،
وبخاصة إذا كانت هذه الضرورات هي التي لها الارجحية او
انها من تستطيع توظيف الفضائل الاخلاقية.
وهذه
الضرورة انما مردها ان هناك بعض المسائل وبخاصة ما يتعلق
ببناء دولة جديدة ونظام سياسي حديث ومجتمع مدني معاصر.
والضرورات
ستدخل في كل حيثية فيها، وهي هنا ليست تلك التي تبيح
المحظورات فقط بل والتي لن تكل من البحث عن كل سبيل ممكن
من شانه ان يهم في بناء المؤسسات.
والضرورة
هنا تتميز عن الحتمية، فالحتمية ربما تدفعنا للتنازل
والتساهل، والتخلي عن دورنا في ممارسة الضبط السياسي
والاجتماعي، وهنا نميز ما بين التسامح حين تكون احد
مقوماتها "الانعطاف نـحو جانب العفو وعدم التبجح بالعقوبة
وعدم المبادرة بها قبل الياس عن معالجة الامر بغيرها"(6)،
والتساهل عن الحقوق حين تكون عبارتها هي " عفا الله عما
سلف"(7).
أما التسامح
من حيث كونه سبيلا لضبط الاختلافات، فهذا نتاج اقرارنا
باننا لا نستطيع ان نركن للتسامح من دون وجود آخرين نختلف
معهم، والتسامح سيكون منا ومنهم، معنا ومعهم، ولنا واليهم،
انه سيكون ( قبول الاختلافات، في الاراء والنـحل والاديان
والمعتقدات فيما يسعد الانسان او يشقى في الدنيا والاخرة
وهو هنا بعكس الخلاف الذي يعني المضادة"(8).
وإذا كان
المقصود بالتسامح هو موقف فكري وعملي قوامه تقبل المواقف
الفكرية والعملية التي تصدر من الغير سواء كانت موافقة او
مخالفة لمواقفنا.(9).
فان هذا
ينطوي على مجموعة من الفرضيات الفكرية ومنها(10).
أ. فكرة
الخطأ والصواب، أي احتمال الخطأ والصواب للطرفين.
ب. فكرة
التفاهم والعقلانية واهمية الحوار والنقاش.
ج. فكرة
عدم العصمة من الخطأ استنادا للقول بانه اذا سدت كل أبواب
الخطأ فان الحقيقة تبقى خارجها.
وهذه
الفرضيات لكي يكتب لها التحقيق على ارض الواقع فانه ينبغي
التركيز على أن المجتمعات غير المتسامحة هي المجتمعات التي
تعاني من ازمات الربو والقلب والشلل هذا إذا ما جاز لنا
التشبيه.
وحتى نتجاوز
هذه الازمات فانه لابد من تفعيل مبدأ التعارف وكسر حواجز
الجهل المتبادل وتعزيز التماسك الاجتماعي والحوار.
منطق
التعارف وضرورة الحوار
وإذا كان
مبدأ التعارف في الاية القرانية " لتعارفوا " هو منطق
للتعامل ما بين الامم والشعوب والدول المتجاورة او
المتناظرة، فكيف والحال ما بين مكونات الشعب الواحد
واطيافه وقومياته ومذاهبه. اما الحواجز فنـحسب ان الغضب
والتطرف والانغلاق هي من صلب ذلك الجهل.
فالتطرف على
سبيل المثال، يمينا او يسارا، هو مشروع لإلغاء الخصم ومبدأ
التناوب معا(11)، وفي هذا تجاوز على السياق الديني -
الاخلاقي الذي ينص على أن " عاملوا الاخرين مثلما تريدون
ان يعاملوكم"(12) وفي ظل سيادة هذه الحواجز فانه من الصعب
الركون للحوار واهمية الحوار تكمن في انه " تعبير عن
الحالة الفكرية والحضارية لاي مجتمع من المجتمعات، والذي
معه تختصر الكثير من المسافات وتتقارب الافكار وربما تتحد
احيانا "(13).
ومع وجود
صور عديدة للحوار(14)، فان الذي يهمنا هو الحوار الوطني
والذي يقصد به التفاعل الجماعي بين قوى مجتمع ما حول
البدائل المطروحة للتعامع مع ازمة ما من خلال التقييم
الموضوعي الجاد والعرض النقدي الحر لهذه البدائل لاختيار
اصلحها ليصبح بالتالي اتفاقا وطنيا ملزما"(15) اما عن
الوئام الاجتماعي، فنـحسب ان التعدد الاجتماعي الموجود هو
حالة طبيعية، ولكن غير الطبيعي هو ادارة هذا التعدد
والتنوع الاجتماعي بالشكل غير السليم والصحيح، عبر انتهاج
الوسائل القسرية والاكراهية لوحدها من دون الآخر ولنشهد
حالة اللاتسامح التي لا تعني سوى اللجوء الى القوة والعنف
فكرا وسلوكا.
واستعمال
القوة و سيادة العنف من شانه عرقلة المساعي لبناء المواطنة
وتعزيزها كمبدأ معتمد وبديل عن أنماط العلاقات الأولية -
العشائرية - القبلية - الطائفية.
والمجتمعات
السليمة والديمقراطية، إنما هي تلك المجتمعات التي تدير
اوجه الاختلاف سلميا بدل ان تترك امورالاختلاف تفجر صراعات
مدمرة في جنباتها، وكذلك هي المجتمعات التي ترى ان
الاختلاف في العقيدة الدينية لا يحول دون الانتساب الى
مواطنة مشتركة كما لا يحول أي وجه من وجوه التنوع دون
التعايش السلمي بين الجماعات وقبول كل منها للاخر شريكا
كاملا في الوطن.(16).
وقياسا على
الحالة العراقية بوصفها الراهن، فنعتقد بأنه يمكن للتسامح
ان يدخل كعامل مهم ومبدأ أساسي في قبول صيغ التعاون
والتعايش ما بين جميع مكونات الشعب العراقي، وذلك استنادا
للمواقف والمارسات الخمسة التي ذكرناها آنفا، فمن لا يعتد
بالممارسة العراقية فلديه الممارسة الانسانية غير
العراقية، ومن لا يعتقد باصل الممارسة العلمانية فلديه
ممارسات دينية، امام من يعدها جميعا ممارسات من شانها ان
تساعد على حل مشكلة للعراقيين فذلك هو الاصوب والأجدى.
ونقول انه
من دون وجود صيغ التسامح واشكالها " مصالحة كانت ام مصارحة
" فان البلاد سائرة نـحو الكارثة والحرب الاهلية هي بخلاف
الحرب النظامية، لانها تجري داخل حدود الدولة الواحدة، ما
بين مكونات المجتمع نفسه سواء كان لاسباب سياسية " صراع
على الثروات " اما الحرب النظامية فهي التي تجري بين دول
ذات سيادة والحرب الاهلية هنا هي تعبير عن فشل السياسة
الداخلية للنخب السياسية، والاجتماعية داخل الدولة الواحدة
مثلما ان الحرب النظامية هي تعبير عن فشل السياسة الخارجية
والدبلوماسية للدولة(17).
والفشل على
المستوى الداخلي لا نـحسبه بسبب القصور في المنظومة
الفكرية - الدينية بقدر ما هو بسبب القصور في النخب
السياسية في توظيف ما في هذه المنظومة من ممارسات غنية
وحيوية تسعفنا في تقديم بعض الحلول " ولا نقول الكثير "
لمشكلاتنا الحالية.
وما نلاحظه
هو عجز هذه النخب، على اختلاف مستوياتها، في تقديم
استمرارية مع الماضي ولتؤسس لبناء المستقبل.
ولذلك لا
تستطيع ان نبني مجتمعا متسامحا اذا ما اغفلنا القيم
الماضوية الايجابية وركزنا اهتماماتنا على القيم الماضوية
التي من شأنها ان تثير السلبية وتزرع بذور الشقاق. وكذلك
الحال لا نستطيع أن نقف عند حدود الماضي الايجابية
والسلبية ولا نبحث عن صيغ في حدود الحاضر " سياسية كانت هي
او دينية ".
وهذا العجز
النخبوي، سيمارس سيطرته وسطوته في التحكم في الوعاء
الاجتماعي الذي تعاني اغلبيته من قصور في الوعي الوطني
مشفوع بحماسة متنوعة ومن ثم ارتداد سبل التسامح وقيمه إلى
الوراء ولتسود محله صيغ اللاتسامح ومالها من تأثيرات
مدمرة.
وواحدة من
التأثيرات المدمرة هذه هي إن ثقافة الإحالة إلى السلام
ستحل محلها ثقافة الاحالة الى السلاح، والمشكلة هنا هي في
توجيه فوهات هذا السلاح للهدف غير الشرعي وغير المفروض الا
وهو صدور العراقيين جميعا، وكلما مضينا يوما في طريق حمل
السلاح كلما ابتعدنا دهرا عن قيم التسامح واقتربنا نـحو
الحرب الاهلية الفعلية..
ونقول هنا
: إنه لشيء جميل عندما نسمع بدعوات الحوار بين الحضارات
والاديان جميعا كنوع من مستلزمات تقريب وجهات النظر وتفريز
المصالح المشتركة والاجمل ان نشجع هذه الدعوات بين ابناء
الدين الواحد والحضارة الواحدة.
والحوار
والتسامح سيكون من شأنه زيادة نسبة التفاهمات المتبادلة ما
بين القوى السياسية، وتقليص نسبة التعارضات ومن ثم نقل
ساحة النشاط السياسي من مجالات التصارع الى مجالات
التنافس، مع اعطاء الاولوية للغير داخل مبدا العدالة
والمساواة. وهنا من الضروري الاتفاق على الثوابت، واول هذه
الثوابت وثانيها وثالثها واخرها هو الوطن العراقي الذي
يتسع لكل المتسامحين، بالماضي والحاضر، ويضيق بكل غير
متسامح حتى وان كان فردا مجهولا.
المصادر
1.
الشيرازي، محمد الحسيني، اذا قام الاسلام في العراق، مؤسسة
المجتبى للتحقيق والنشر، بيروت، بلا تاريخ، ص27.
2. مؤسسة
البلاغ، علي بن ابي طالب، الجزء الثالث، ص80.
3.
النعماني، محمد رضا، الشهيد الصدر: سنوات المحنة والحصار،
مكتبة الصدر، ايران، ص105.
4. د.
الطيب زين العابدين، درس في التسامح السياسي، مجلة قضايا
دولية الباكستان، العدد 229، 1994، ص30.
5. جريدة
التآخي، خطاب مسعود البارزاني في مؤتمر المصالحة الوطنية
اربيل 27/2/2004، العدد 4196، 28/3/2004.
6.
المدرسي، محمد تقي، فقه الدستور واحكام الدولة الاسلامية،
دار محبي الحسين، ط1، 2004، ص9.
7.
فوزي،احمد، عبد الكريم قاسم وساعاته الاخيرة، دار الحرية
للطباعة، بغداد، 1988، ص64.
8. زيدان،
عبد الكريم، السنن الالهية في الامم والجماعات والافراد في
الشريعة الاسلامية، دار احسان، طهران، ط1، 1993ت، ص135.
9. مجلة
قضايا اسلامية معاصرة، بغداد، مركز دراسات فلسفة الدين
العدد 28 - 29، 2004، ص20.
10. ابو
حلاوة،كريم ، اشكالية مفهوم المجتمع الدني: النشأة -
التطور - التجليات. الاهالي للطباعة والنشر والتوزيع، ط1
دمشق، 1998، ص116.
11.
طرابيشي، جورج في ثقافة الديمقراطية، دار الطليعة، بيروت
ط1، 1998، ص87ت.
12. الكتاب
المقدس: العهد الجديد، لوقا: 9 - 13.
13. مؤسسة
النبراس، الحوار: اسسه ومقوماته، سلسلة مفاهيم فكرية: ط1،
2004، ص1.
14-. انظر:
المرزوقي،ابو يعرب، مستويات الحوار السوي بين الحضارات
وشروطه، مجلة المبتهاج، مركز الغدير للدراسات لااسلامية،
لبنان، العدد، 22 ن 2001، ص256.
15. مجلة
قضايا دولية، الباكستان، العدد 218، 1994، ص10.
16.
الكواري،علي، حوار من اجل الديمقراطية، دار الطليعة بيروت،
ط1، 1996، ص143.
17. احمد،
د. عبد الجبار، آليات منع الحرب الاهلية في العراق " بحث
غير منشور "، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2005،
ص4.
|