ألرئيسية
من نحن؟
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
مواقع مشابهة
اتصل بنا

 

تفاحة آدم

نبش العمق الانثروبولوجي للتمييز والإقصاء

 

سعدون محسن ضمد

 

الطفولة والهوية

كنت في الطريق إلى البيت عندما شعرت فجأة بان العلكة التي في فمي قد استهلكت، وأصبحت لا تطاق. وقبل أن أتخلص منها، لمحت طفلاً كان يسير بمحاذاتي، بينما وعلى مسافة ليست بعيدة عني كان هناك باب مفتوح تتحدث عنده امرأتان، انتظرت وأنا أسير، اللحظة التي تنتقل بها عيون المرأتين عني كي أتخلص من العلكة، وعندما حانت اللحظة، تخلصت بحركة سريعة من تلك المادة. بعد ثلاث أو أربع خطوات لمحت الصبي وهو يتحرك باتجاهها، ما دفعني للتوقف ومراقبته، وتوقف هو بدوره خائفاً.. بقي بلا حراك ينظر إلي، ما أكد لي أنه يريد التهامها من على التراب، كنت بصدد زجره لولا أن وقوفي بوسط الزقاق قريبا من الصبي صار محط اهتمام وتوجس المرأتين، لم يكن أمامي حينها غير أن ازجر الصبي بنظرة متوعدة، وأكمل سيري على أمل أن يخاف ويبتعد. بعد ذلك كان علي التصرف بطريقة تعيد الهدوء للمرأتين، وهذا ما جعلني استمر بالسير وما جعل اللَّعين بذات الوقت يغتنم الفرصة ويهجم على الأرض وبحركة خاطفة يلتهم تلك القذارة.

فجأة شعرت بالغثيان والحزن، فأنا أعاني من التسوس والأرض قذرة بشكل لا يطاق، وهذا الصغير بدا عليه الشعور بالسعادة وهو يمضغ كل تلك الأوساخ. عندها هجم علي وبشكل مباغت كم هائل من الأسئلة.

تربية الطفل؟ أم الفقر؟ أم إهمال الأبوين؟ أم مجموعة الصدف التي جمعتني وإياه على طريق واحد؟ أم قلة الوعي الصحي؟ أم كل هذه الأسباب اجتمعت فقط من أجل أن تجمع أقذار فمي مع أقذار الأرض لتدخلها بذلك الفم البريء؟ أم أن الأمر برمته عبارة عن فوضى عارمة، وعشوائية بلا حدود؟

 

متى تبدأ الأزمة؟

لم أعد متأكداً إن كانت الأشياء تحدث من حولنا بشكل عشوائي، أم أنها تحصل بتقدير قوة تخطط لكل صغيرة وكبيرة. أنا لا أعرف في الحقيقة.. كما أنني متأكد بأن لا أحد يمكنه أن يعرف حل هذه الأحجية.. فللكثير من التفاصيل الصغيرة التي تحصل خلال حياتنا اليومية أهمية بالغة في تحديد ملامح شخصيتنا، وقد يمر حدث عابر يجعل من شخص ما مجرماً، أو ملاكاً، أو قد تؤثر التفاتة أو ابتسامة أو صيحة غضب بإنتاج فعل أو ظاهرة تؤثر بحياة الكثير من الناس.

إن حادثة التهام الطفل للعلكة أوقفتني أمام تفاهة المؤثرات التي تحيط بنا، وتصنع بالنتيجة شخصيتنا الاجتماعية، الشخصية التي ستترجم في نهاية الأمر هويتنا الاجتماعية وولائنا الطائفي أو العرقي. ألا يقتل العراقي العراقي الآن بدافع من الولاء والانتماء؟ ألا تؤثر الشخصية الاجتماعية التي ينقلها المجتمع لذهنية الفرد بما يحدث حولنا الآن من قتل وتدمير؟ طبعاً هي تفعل ذلك، ولكن من جهة أخرى ألا يكون أمراً مثيراً للخوف أن نكتشف بأن معظم المفردات التي تشترك بصنع هذه النتيجة هي مؤثرات تافهة وتحدث بشكل عشوائي واتفاقي؟

أيام الطفولة البريئة تتحدد أهم معالم الشخصية، يكتب في ذهن الشيعي أنه شيعي وفي ذهن السني أنه كذلك، في السنوات العشر الأولى من حياته، وفي سنوات البراءة هذه لا يتمتع الأطفال ـ على الأقل في عالمنا العربي ـ بالكثير من الامتيازات التربوية. وحادثة الطفل والعلكة خير شاهد على هذا الموضوع. فالبيئة الاجتماعية التي بلغت بها بدائيتها حدَّ أنها لم تُعَلِّم هذا الطفل الفرق بين الطعام والقذارة، هي التي تنتقي له ولائه بنهاية الأمر وتحدد له الشرعي واللاشرعي، وهي التي سيكون لها الأثر البالغ في تحديد خياراته المستقبلية.

إذن ومن جديد هل تحدث الأشياء المؤثرة بحياتنا، بشكل عشوائي أم لا؟

أعتقد بأن اختيار إحدى الإجابتين سيمثل لي تعبيراً عن ثقة مبالغ بها بـ(المخ)؛ الذي هو أداة غير كفؤة بشؤون الطبيعة فضلاً عما وراء الطبيعة.

التهام العلكة من قبل الطفل فعل (إرادي) بمعنى أنه نابع عن إرادة، غير أن هذه الإرادة ليست متكاملة، فهي إرادة طفل في نهاية الأمر. إذن فهذا الفعل يثير إشكالية المسؤول الحقيقي عن هذا الخطأ الذي قام به الطفل ناقص الإرادة؟

البحث عن المسؤول سيثير إشكالية غاية في التعقيد، فحتى أنا سأكون مشترك بهذه المسؤولية. المرأتين في الزقاق، الأبوين كذلك، البيئة الاجتماعية، المدرسة، التلفزيون، أطفال المحلة، العائلة. كل هؤلاء مسؤول بشكل أو بآخر عن هذا الموضوع. هذا بالإضافة إلى أن مسؤولية كل من هؤلاء تتفرع بدورها إلى مسؤوليات أخرى؛ ذلك أن الأبوين (مثلاً) ضحية من ضحايا نفس الإشكالية؛ أي أنهما بنهاية الأمر نتاج مباشر للتربية والظروف والملابسات المرتبطة بالتنشئة الاجتماعية.

مع أن الفعل الإنساني ينطلق دائماً عن إرادة، الأمر الذي يوجب تحمل الإنسان للمسؤولية الكاملة المترتبة على فعله، لكن نفس الإرادة يبدو أنها مفهوم غير واضح، فمثل الطفل لا يقال عن إرادته أنها كاملة، وربما لا تعتبر إرادة، فالإنسان يتحمل مسؤولية أفعاله بعد بلوغه، وهذا يساوي أن إرادته تبدأ عند هذه السن. ولذلك فالمجتمع ومن خلال الأديان والقوانين لا يحاسب إلا الإنسان كامل الإرادة. أما الإنسان الذي لا يكون كذلك فيبقى خارج إطار المسائلة القانونية والشرعية.

لكن من جهة أخرى ألا يمكن اعتبار جميع أفراد المجتمع بإرادة ناقصة؟ ذلك أن المجتمع عبارة عن كيان مبني على أساس عقد يقضي بتخلي الفرد عن جزء من حريته لصالح حرية الجماعة. وكلما كان الفرد اجتماعياً أكثر، كان بالمقابل أكثر تفريطاً بحريته لصالح حرية الآخرين، أو بكلمة أدق، إزاء تدخل الآخرين بحريته، وعندما يوصف فرد ما، بأنه غير اجتماعي، فإن المقصود من وراء ذلك بأنه لا ينضبط وفق مقررات الجماعة، ويتصرف على هواه.

القبول بالقانون الاجتماعي، يعتبر أيضاً ترجمة أخرى لنفس الموضوع، فقبول الفرد بالقانون يساوي التخلي عن جزء كبير من حريته. فعّاليات الفرد داخل إطار الجماعة لا تنبع عن إرادته بالمعنى الحرفي للإرادة. بل تشترك مع إرادته فيها إرادة المجموعة، وهذ الموضوع يبدأ من أدق خصوصيات الإنسان ولا ينتهي عند أي من عموميات المجتمع. اختيار الملابس، دخول أو عدم دخول المدرسة، طراز بناء البيت، اختيار شريك الحياة... وهكذا. حتى الإنسان الذي يتصور أنه يقود دفَّة حياته بحرية كاملة، لا يفعل ذلك بالكامل، فعملية قيادة الدفة تابعة لشخصيته، وهذه الشخصية صنعت من قبل الجماعة ومؤسسات الجماعة وعقائد الجماعة وضبط الجماعة... الخ.

إذن في إطار تقييمنا للسلوك الفردي من جهة، وللسلوك الـ(مجموعي) من جهة أخرى لا بد لنا من أن نأخذ بنظر الاعتبار هذا التداخل والاشتراك بإنتاج الفعل، فالفعل الجماعي مقسَّم على الأفراد، والفعل الفردي مدفوع بإرادة وضغط وإملاء الجماعة. وهذا الموضوع يوصلنا لعتبة الهوية، هوية الفعل، وهوية الفاعل. فما هي الهوية أولاً وأخيراً؟ الهوية التي تحولت في العراق لوحش ينشر الرعب داخل الأزقة ويسحل خلفه جثث الآلاف المؤلفة من الأبرياء.

ملف هذا العدد من مدارك معقود لموضوع الطائفية الحسّاس جداً في العراق، الطائفية التي تجد أساسها في الهوية، وانبعاثها من الهوية، وغايتها الهوية. والسؤال المهم بهذا الصدد هو من أين نبدأ بعملية البحث عن جذر الطائفية، باعتبارها سلوك فردي، وهمٌّ جماعي.

الطائفية في العراق تجاوزت حدود الكلام، والاتهام، والتمييز والإقصاء، ووصلت لحدود الجبهوية. صارت لدينا سواتر وأراض حرام تفصل بين مدن العراق. ومدينتي الصدر والأعظمية خير مثال على ذلك. فقد استخدمت شتى أنواع الأسلحة في صراع هاتين المدينتين مع بعضهما. وإزاء هذا الحجم من التورط بموضوع الطائفية، لا بد لنا من وقفة تأمل، قد تكون مغرقة بالتحليل الفكري، النظري، المتعالي، لكنها ضرورية للوصول لعمق من أعماق الأزمة.

 

تساؤلات انثروبولوجية

(الهوية تنطلق من رغبة الجماعة في التملك)

إشكالية الطائفية تنبع وتتأسس على إشكالية أخرى هي إشكالية الهوية، هذه الإشكالية التي يمكن استثمارها لفتح باب واسع على المجهول.. ليس المجهول الميتافيزيقي، بل الفيزيقي. أي الضياع الحاضر (اللحضوي) الذي نعيشه وليس الغائب الذي نتخيله.

نـحن العراقيون الآن نغرق بحمى القتل وجنون التصفية ونتلبس روح القطيع ونعود لعصور ما قبل التاريخ. وهذا الباب يفضي للتساؤل عن اللحظة المدمرة الأولى التي وصل فيها الإنسان لشرعية القتل على الهوية، أي اللحظات التاريخية الأولى للتمييز (الطائفي أو العرقي).

متى.. ولماذا ميَّز الإنسان بني جنسه على أساس الفكرة التي يؤمنون بها، أو العرق الذي ينتمون إليه؟

هذا السؤال يحيلنا أو يوقفنا على ضرورة البحث عن الأسباب التي وقفت خلف تشكُّل أولى الجماعات البشرية، ثم طبيعة تطور هذا التشكل، وأيضاً طبيعة المؤثرات التي دفعت بهذه الجماعات نـحو التمييز، والإقصاء.

من الواضح أن  (نـحن) التي هي الذات الاجتماعية، تتأسس على المصلحة التي تجمع أفراد الجنس البشري داخل كيان اجتماعي يعضد بعضه بعضاً. وهذا الكيان متأسس على حاجات بشرية، بعضها بايلوجي، وبعضها سايكولوجي. فالحاجات البايولوجية، مثلاً، حاجة الصغير للرعاية حتى يصل سن الاستقلال. ما يحتم ضرورة وجود المؤسسات الراعية (العائلة والمؤسسات التي تتقاسم معها عملية التنشئة الاجتماعية). حاجات كبار السن للرعاية أيضاً حاجات بايولوجية، وهي أيضاً تنتج مؤسسات اجتماعية مناسبة. أما الحاجات السايكولوجية فمثل العواطف والمشاعر، فالإنسان لا يتحمل الشعور بالوحدة، ما يضطره للبحث عن الاجتماع ببني جنسه. هذا مضافاً إلى الحاجات (البايوسايكولوجية) المتعلقة بالحاجة للمعاشرة بين النوعين (ذكر/ أنثى) فمن الواضح أنها مركبة من حاجتين، بايولوجية وسايكولوجية.

وهنا وبعد التأكيد على أن الحاجة لوجود الذات المجتمعية ليست حاجة طارئة لا بد من التساؤل عن العلاقة بين صيغة وجود هذه الذات وبين حتمية تحولها لذات إقصائية أنانية.

لكن قبل التحول لموضوع الإقصاء أجد أننا بحاجة لمعرفة أكثر فيما يتعلق بظروف نشأة الجماعة البشرية، خاصّة فيما يتعلق بنشوء العائلة على النمط البشري. فمن الواضح بأن الحاجات الجسدية والنفسية لا تبرر وحدها تكون العائلة على النمط البشري؛ إذ الحاجتان موجودتان عند بعض الحيوانات، ومع ذلك لم تتكون (العائلة) ذات التركيب المعقد لديها  كما هو الحال عند البشر . فما هو السبب وراء تميز الجنس البشري؟

يتميز البشر عن سائر الحيوانات، وكما يبدو من مراقبة سلوك الكائنين، بأن البشر يدرك ذاته بشكل مغاير لإدراك سائر الحيوانات ذواتها. وهذه المغايرة ليست ذات بعد فلسفي أو تأملي، بمعنى أن تميز إدراك البشر لذاته تأتي من كونه بالإضافة لإدراكه ذاته، يدرك العلاقة بينها وبين المحيط الذي ترتبط به، إلى درجة تسمح له بأن يتحكم بهذا المحيط لصالح هذه الذات، بخلاف سائر الحيوانات.

لقد كشفت التنقيبات الآثاريةبأن الإنسان القديم كان يحتفظ بالأدوات التي تكفل له التحكم بالبيئة المحيطة به ، مثل العصي والأحجار القاطعة. ومع أن بعض القردة وحسب ما كشفت بعض الأبحاث تستطيع أن تستخدم العصي في أداء بعض الأنشطة، كجلب أصبع الموز أو ضرب الخصم، إلا أنها لا تحمل هذه العصي معها حيث تذهب لتكرار الاستفادة منها،

هذا الفرق نستطيع أن نستثمره في الاستدلال على أن إدراك الذات (أنا) لدى البشر تطور بما يكفي للربط بينها (أنا) وبين ضمير التملك (لي) فاصطحابه للأسلحة معه دليل على تشكّل ضمير التملك (لي) داخل وعيه، وارتباطه بالضمير (أنا)، وتأثيره من ثم على سلوكه الفردي والجماعي. فالتملك تعبير عن علاقة حميمة بين الإنسان وبين الأدوات التي يشعر بأنه بحاجة ماسة لها، وأنها تمكنه من تجاوز مأزق وصعوبات حياته.

إن تبلور مفهوم التملك خطوة ضرورية على صعيد تشكيل العائلة بشكلها البشري، وباعتبارها شكل الجماعة الأولي، فلا بد أن الرجل الأول وخلال اشتراكه بعملية الصيد مع أبنائه، كان يسمح لهم باستخدام أسلحته، أو يشاركهم باستخدام أسلحتهم، الأمر الذي ساعد على تبلور مفهم ضمير التملك (لنا) الذي لا بد أن يرتبط بالضمير (نـحن) لصنع جماعة بشرية تتماسك بشكل أكثر متانة وقوة.

إذن هناك ارتباط ضروري بين الضميرين (نـحن، لنا)؛ وهذا الارتباط يمكن أن يجد فعّالية له أو استدعاء من خلال شعور أفراد الجماعة الواحدة بملكية بعضهم للبعض الآخر فتنظم الزوجة لملكية الزوج والعكس صحيح، فأحساس كل من الذكر والأنثى باللذة والطمأنينة مع بعضهما يجعلهما حريصان على البقاء معاً، وهذا الحرص الذي تتفرع عنه مشاعر الغيرة هو تعبير مباشر عن الملكية، وفي هذا السياق نستطيع أن نعتبر أن الحرص على التثبت من النسب من خلال الأب أو الأم هو نـحو آخر، وأيضاً مباشر، من أنـحاء الملكية، حيث تتطور الملكية لتشمل الأطفال وهكذا وصولاً لأبناء الأخوة والأخوات وصولاً للعائلة الكبيرة ثم الفخذ والعشيرة.

إذن فـالضمير (نـحن) يتأسس على ضميري التملك (لي، لنا)؛ وهذا يعني أن إدراك عملية التملك، والملكية هو الخطوة الأولى على طريق بناء الجماعة البشرية.

لا بد أن رحلة الانتقال من تبلور الذات الفردية (أنا، لي) إلى تبلور الذات الجماعية (نـحن، لنا) كانت طويلة جداً، ولا بد أنها أيضاً اتخذت مسارات عدَّة، لكنها وعلى كل حال مثَّلت البذرة الأولى للهوية وسواء كانت طائفية أو عنصرية، فمن فردانية الملكية المحصورة بـالحدود الضيقة للضمير (أنا)، انتقل الإنسان لبوابة أوسع وأبشع، عندما تضخم الضمير (أنا) وتحول للضمير (نـحن) (ما لنا) و(ما لهم)..

الأساطير التي تتحدث لنا عن الجريمة الأولى التي ارتكبها الضمير (أنا) وهو يدافع عن ملكيته (لي) في أسطورة (قابيل وهابيل) لا تخبرنا بأن هذا الضمير تاب وقرر عدم تكرار جريمته، بل تُحْجِم عن ذلك لتخبرنا بطريق غير مباشر بأنه اتجه إلى البوابة الثانية البوابة التي تنفتح على القتل الأكثر وحشية.. الجريمة الأكثر بشاعة.. الإبادة الجماعية. الحروب التي تُعبِّر عن دفاع الجماعة (نـحن) عن ملكيتها (لنا) ضد تهديدات (هم). هذه الحروب التي تجد صداها الآن في القتل العشوائي الذي يحدث الآن في العراق بعد تهشم هويته الجماعية لمجموعة هويات فرعية متناحرة.

 

تفشي اللعنة

من الجدير ذكره أن تضخم الميل نـحو التملك لم يقتصر فقط على الطعام والأسلحة والأزواج والأولاد. بل تفشى لجميع مناحي الحياة، حتى الأفكار صارت مملوكة لجماعة (نـحن). الدين نفسه كان ضحية لشراهة التملك. بل وحتى الآلهة أُدخلوا إلى هذا الجحيم، ودخلوا بالتالي لمنطقة الصراع فصارت آلهة (نا) تلعن آلهة (هم) وتتهمها بأنها ليست آلهة وأنها تؤدي إلى الظلال والشقاء الأبدي.

كل تجارب الإنسان الإصلاحية وسواء كانت ذات بعد ماورائي أم أنها لم تكن كذلك، تعرضت لهذا التشويه، فهي جميعها وفي مرحلة ما من مراحل تطورها، أخذت تتشظى وتتقسم بدافع من جنون الامتلاك، أو جنون تقسيم الحصص بين الـ(نـحن) والـ(هم).

 

إسقاط الدين بفخ الملكية

يأتي الدين أول ما يأتي بحدود عامة شاملة لكل البشر. فهو فكرة فردية يأتي بها النبي، والنبي شخصية غير منتمية للجماعة، أو أنها شخصية متمردة على المألوف، ولو لم يكن النبي كذلك لما سعى للتغيير. وهذا يعني أن النبي لا يأتي بدين ينطلق من بيئة (نـحن)، التي غالباً ما تمارس معه نوعاً من أنواع الاضطهاد والمطاردة، وهذه المطاردة تكرس عند النبي الحاجة لتعميم فكرته وإخراجها من أفق  الجماعة الضيق، هذا ما تؤكده غالبية النصوص المقدسة التي تعبر عن أفكار الأنبياء والمصلحين (وما أرسلناك إلا كافَّة للناس بشيراً ونذيراً ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون)(سبأ 28). (تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا)(الفرقان1).

لكن بعد أن ينجح الدين وينتشر وتبدأ مرحلة جني الفوائد، تتحول إليه أنظار الجماعة التي اضطهدته أولاً، وتسعى لالتهامه داخل ملكيتها، من أجل الاستحواذ على خيراته كلها، وهكذا يتحول الدين دائماً من كونه مبرر التقاء بين الإنسان وأخيه، إلى كونه مبرر عداء بينهم.

من الجدير بالملاحظة أن الجماعة وباعتبارها مؤسسة حاضنة لمجموعة أفراد، تكون دائماً بحاجة ماسَّة لحدود تفصل بين مصالحها ومصالح الجماعات الأخرى، في سياق همّ تنافسي على موارد البيئة. الميل نـحو الملكية يمثِّل أكثر تجليات هذه الحدود وضوحاً وأهمية بنفس الآن. وهذه الحدود تكون ضرورية لحماية مصالح الجماعة وضمان بقائها. لكنها من جهة أخرى تمنع من وجود أشياء مشتركة تكون ملكيتها مشاعة بين جماعتين أو أكثر. وهذا ما يجعل الملكية مبرر هدم أيضاً وليس بناء فقط. وعندما يوجد نوع من  الاشتراك فإن الجماعتين المشتركتين ستسعيان للاندماج مع بعضهما، وتقتربان إلى أن يحصل الاندماج. أما إذا لم يحصل ذلك فلا بد من تعارض هذا المشترك مع الملكية مما يحول دون تلاحم الجماعتين. بعبارة أخرى فإن ميل الجماعة لحصر الملكية بالضمير (نـحن) يحول بينها وبين القبول بالملكية المشتركة بينها وبين جماعة أخرى والمتعلقة بموضوع ما. والسبب أن الميل للتملك يحول بين الجماعات وبين الحالة المشاعية. ونستطيع أن نستشهد (مثلاً) على هذا الموضوع باندماج الثقافتين الأفغانية والعربية داخل إطار الإسلام المتطرف في أفغانستان من خلال ظاهرة تنظيم القاعدة، وعدم نجاح سنة العراق من عربه وكورده في الاندراج داخل جماعة واضحة المعالم، حيث شكَّل الإسلام المتطرِّف عامل اشتراك بين الأفغان والعرب المسلمين، فتشاركت به الجماعتان ثم اندمجتا في سياق تشكيل ثقافة واحدة متَّحدة، حيث كان العدو مشتركاً ولم تكن هناك عوامل صراع وتنافس تمنع الاندماج. أما بالنسبة للحالة الثانية فإن الإسلام لم يصمد أمام التعارض بين مصالح السنة من الكورد والعرب العراقيين، ولذلك فقد انفصلت الجماعتان وذهبت كل جماعة منهما بإسلامها بعيداً، وصارت كل منهما تعمل باتجاه مختلف دون أن يبدو للإسلام أي دور فاعل في تقريب وجهات النظر بينهما.

إذن فالملكية حدٌّ ضروري من حدود الجماعة، وهو يتعارض مع الأفكار المشاعية، كفكرة الدين أول ما تأتي، ولذلك فهو يسعى لإدخالها بإطار هذه الملكية،

إن هذا العامل أو ميّزة التملك هذه هي حجر الزاوية في تشكل الهوية الجماعية، كمرحلة أولى في سياق بناء التوجه الطائفي لدى الجماعات البشرية.

الدين أو الآيديولوجيا بصورة عامة ينتقل بين الجماعات البشرية، غير أنه يتعرض أثناء انتقاله لعمليات تملك متعددة، الأمر الذي يتسبب بظهور المذاهب المختلفة. ومن الواضح أن المذاهب لا تظهر بسبب الميل نـحو التملك الموجود عند الجماعات فقط، إذ يأتي هنا دور الثقافات المختلفة والتي تؤدي أو تتسبب باختلاف وجهات النظر المتعاملة مع الدين، ما يؤدي حتماً لوجود تنويعات على الفكرة الواحدة الأمر الذي، يجعل منها فكرة واحدة بوجوه مختلفة ثم تأخذ هذه الوجوه بالاختلاف التدريجي عن الفكرة الأصل، وهنا تبدأ آثار التملك بزحزحة الدين عن مساره الأصلي باتجاه المسار الجديد الذي يجعل منه حقاً مقصوراً على الجماعة.

لكن ما السبب الذي دفع بالمجتمعات الإنسانية إلى الانتقال من المشاعية البدائية، التي أكدت الأبحاث الاثنوكرافية انتشارها بين الشعوب (البدائية)، إلى الملكية؟

 

الغنم والغرم بين الهوية والدين

مع أن شحة الموارد الطبيعية قد تبدوا السبب المباشر وراء استدعاء الإنسان لفكرة التملك خلال تجربته التاريخية، بمعنى أن يكون المجتمع أو الكائن البشري قد تعرض بشكل ما للجوع بسبب بيئة قليلة الموارد، ما جعله يصارع الآخر على امتلاك تلك الموارد. غير أن شحة الموارد كعامل أو دافع لا يكفي وحده لتبرير الملكية، كما أنه من جهة أهم، لا يفسر أو يبرر طبيعة التطور الذي سارت على أساسه فكرة الملكية هذه. فمثلاً إن شحة الموارد لا تدفع بالإنسان باتجاه حرمان أبناءه من الطعام مثلاً، بمعنى أن العائلة لا تكون ميداناً مناسباً للصراع حول الملكية، الأمر الذي يؤكد بأن الشحَّة لا تكفي وحدها مبرراً للموضوع.

إذن نـحن بحاجة لعوامل وأسباب أخرى تفسر لنا بداية ظهور الملكية من جهة، وطبيعة التطور الذي لحق بها من جهة أهم.

لو تخيلنا بأن مجموعة من الصيادين كانوا يلهثون وراء طريدة، فأننا يمكن أن نجزم بأن لحظات اللهاث والتعب التي تتخلل ساعات المطاردة لا تُعَدُّ الوقت المناسب للتفكير بعملية التقسيم، في لحظات التعب والنصب تختفي الأنانية، وتعم، ربما، روح الجماعة. لأن الذي يريد حصّة أكبر، عليه أن يدفع جهد أكثر، لكن، بعد أن تقع الطريدة بالشباك، أو تتساقط تحت وطأة الأسلحة، تبدأ الضمائر بالحركة والتساؤل عن الحصص. إذن فعند الغنيمة تتحرك ضمائر التملك.

عندما يتحول الصيد من كونه (غُرْم)، إلى كونه (غُنْم)، ينطلق سؤال التملك، وتبدأ عملية البحث عن الحصَّة. عندما تلهث مجموعة الصيادين خلف الثور الوحشي فإنهم لا يفكرون بمشروع تحصيصه، بل فقط باصطياده، لكن ما أن يسقط أرضاً حتى يتحول لمشروع تقسيم ومحاصصة. وهذا الهم التنافسي على الحصص ليس مطلقاً في قوته، فبين أفراد العائلة الواحدة يكون ضعيفاً جداً والسبب هو وجود علاقة بين الحاجة للحصول على الحصّة الأكبر وبين الحاجة لحماية ودعم العائلة، الأمر الذي يؤدي للتفريط بالحصّة مقابل نوع آخر من أنواع الحصص، هو الحصّة بالحماية أو الدعم العائلي.

الدين وعندما كان غرماً لم يتقسَّم بين أتباع محمد(ص). ولا بين أتباع موسى(ع)، أو عيسى(ع)، وحتى لو تقسَّم الغُرم، فإن تقسيمه سيكون سلبي؛ بمعنى أن المتقاسمين سيحاول كل منهم أن يأخذ الحصة الأقل، وليس الأكبر. ولكن عندما تحول الدين من كونه طريدة لعظماء قريش وتهمة بينهم، أو بين الإسرائيليين أو المصريين، إلى كونه دولة وحكومة، سال له اللعاب، وبدأت تتصارع حوله ضمائر التملك. وهكذا تحول هذا الدين من كونه سُبَّة وعار يلحق بالعشيرة والعائلة، ما يدفع بها للبراءة من معتنقيه من الأبناء والأقرباء، إلى كونه ملك للعشيرة وحدها، وأرث تطالب به الآخرين، بل وتجلدهم بسببه.

هكذا تحول الإسلام، فصارت عائلة محمد تطالب قريش بأرثه كما أن قريش صارت تجلد غيرها من قبائل العرب بقرابتها من محمد وهكذا فعل العرب بالنسبة لغيرهم من أمم الأرض، وإلى الآن ما يزال الشيعة يدفعون ضريبة تمتعهم بالدين لأهل الدين من عائلة الرسول محمد(ص) وهم ذريته أو من يُطْلِق عليهم الشيعة تسمية (السادة) وهذه الضريبة تدفع على شكل أموال تسمى بـ(خمس السادة)، ومع أن محمد(ص) نفسه لم يطالب الآخرين بأي خصوصية: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى)، إلا أن جماعته أبت إلا أن تحول دينه العام، لملك خاصٍّ جداً.

إن خطورة انتقال العقيدة من كونها غُرْم إلى كونها غُنْم لا تكمن فقط بتحولها إلى حاجة قابلة للتملك والاستحواذ، بل أيضاً بتحولها إلى أداة للقتل والإقصاء. إذ الدين مكمن الشرعية، وعندما يتحول إلى ملك، فهذا يعني أن جماعة ما، أصبحت تحتكر الشرعية، ما يحجب هذه الشرعية عن الآخرين، ويجعلهم خلواً منها. وربما حتى من الأهلية.

كل صراع على الملكية يبقى هيناً حتى لو كان صراعاً دموياً، لأنه في النهاية سيكون صراع غير شرعي أو على الأقل صراع متهم في شرعيته (مزعزع الشرعية). إلا الصراع على الملكية الشرعية. ففي هذا الصراع وحده، تتحد (غريزة) التملك بالشرعية، فتصبح عملية إشباع (الغريزة) هي الشرعية ذاتها. وعندما تتطابق الشرعية بالغريزة فان شلال الدم يكون هادراً بشكل مخيف.

 

نـحن والآخرون

لا بد من العودة للميل نـحو التملك ودراسة حرص الإنسان فرداً وجماعة على حصر الأشياء في إطار بغيض من الامتلاك. حيث يتراءى للباحث أن جنون الملكية لا يتوقف عند حدٍّ معين، بل يستمر وتتضخم الملكية بسببه حدَّ استحوذها على الشرعية نفسها، من خلال استحواذها على الدين. لكن ومن جهة أخرى سرعان ما يتبادر للباحث أن ليس هناك أي مبرر ماورائي ـ لا في الدين ولا في غيره ـ لاحتكار الشرعية. وسواء كانت الأديان منتج بشري، أم ما فوق بشري، فإن حكر الشرعية بدائرة معينة لا بد أن تكون بشرية، إذ لا معنى يبقى للدين، ولا للقيمة الإصلاحية فيه، في حال أنه تبنى هذا الاحتكار وشرعن له.

الشرعية ليس لها أي معيار خارجي: لأن ليس لها وجود خارجي، حالها حال أي قيمة أخلاقية، فهذه المعايير ذات أبعاد ذاتية وليست موضوعية. بمعنى آخر أن الشرعية لا تفرض على الإنسان من خارجه؛ أي ليس هناك معنى لأن نقول للإنسان بأن الحق هنا ويجب عليك إتباعه إلا من باب الإشارة والتعليم. وهذا الباب له حدود واضحة ليس فيها أي منحى قسري أو إجباري.

ليس للحق وجود خارجي، إذ هو فكرة والفكرة تصنع داخل الذات المفكرة. نعم عملية الصنع هذه تحتاج إلى مواد خام، وهذه يتم استيرادها من المحيط الخارجي. ولكن الفكرة تصنع داخليا؛ أي ذاتياً. وعند ذاك لا يكون هناك معنى للحق، على مستوى العقاب والثواب، إلا المعنى الذاتي. فالإنسان لا يعاقب إذا اتبع إيماناته، ويجب أن لا يثاب في حال انه خالف هذه الإيمانات واتبع إيمانات الآخرين. فهو في هذه الحالة يخالف الحق والقيم الجمالية التي يؤمن بها، وبحسب المصطلحات الإسلامية سيكون كافرا، إذ لا يكون مؤمنا إلا ذلك الذي ينسجم مع متبنياته هو، لا متبنيات الآخرين، لأن الإنسان إذا خالف ما يؤمن به لصالح ما يؤمن به الآخرون، سيكون كافراً بالحقيقة التي يصدق بها هو، وهي الحقيقة الوحيدة، فما يؤمن به الآخرون لا يعبر عن الحقيقة.

 

التطبيق على الحالة العراقية

لا يدرك الإنسان حاجته للانتماء إلا بعد أن يتعرض للتهديد الذي يُلْجِئُه إلى الجماعة التي تكفيه هذا التهديد، وسواء كانت هذه الجماعة هي العائلة أم كانت الدولة فسيعرف بأن عليه القبول باشتراطاتها، وهكذا تتحول الهوية إلى عقد مضمر بين المنتمي والبيئة الحاضنة، ما يشكل مركب (وعي الهوية)، هذا المركب الذي يتكون من (منتمي وبيئة وعقد بينهما).

في العائلة يبدأ الصغير بعملية (وعي الهوية) كلما كبر سنه وازدادت عمليات التعارض ما بين رغبته ورغبات السلطة في العائلة، وبما أنه لا يتنازل عن ميوله لصالح ميول غيره، إلا نتيجة ضغط، وبما أنه يقبل بالتنازل ويرضخ للضغط، فهذا يعني بأنه أخذ يدرك معنى الانتماء للجماعة. ويقبل بالتالي بعقد غير مرئي بينه وبينها، ذلك أنه يعلم حتماً بأن التهديد الذي سيتعرض له حال تمرده على العائلة لا يمكن له أن يتحمله، الأمر الذي يجعل حرصه على التمتع بامتيازات الانتماء يغلب على حرصه على التمرد لتلبية الحاجات الطارئة.

ومن خلاصة ما تقدم نفهم بأن الطائفية تتأسس على الطائفة، التي هي إحدى أوجه الهوية الجماعية (نـحن). من خلال حركة ضمير التملك نـحو فكرة الشرعة وحرصه على الاستحواذ عليها وإبقائها داخل إطار جماعته. ثم ومن جهة أخرى نفهم بأن الجماعة هذه تجد جذرها في الميل نـحو الملكية. فهي بحاجة دائماً لحماية ذاتها من سطو الآخرين، أي أنها بحاجة دائمية لمعرفة حدودها وتشخيص هذه الحدود للآخرين ليتسنى لهم تجنب المساس بها، ثم وبمرحلة لاحقة يمكن تشخيص المعتدي من خلال تجاوزه على هذه الحدود وهو يعرف عائديتها للجماعة. هذا من جهة، ومن جهة أهم، فأن حدود الجماعة مرنة، أي أنها تشخص من قبل  الجماعة نفسها، ويتم استبدالها أيضاً أو التحول عنها وتركها، بحسب الظروف المحيطة ذات العلاقة بالموضوع.

بعد 9-4-2003، دفعت الأحداث المتسارعة في العراق بالهويات الفرعية نـحو عملية محمومة لرسم الحدود فيما بينها. وكما قلنا بحسب الظروف المؤثرة. فكركوك صارت إحدى حدود الهويتين التركمانية والكوردية. الحكم صار حدٌّ بالنسبة للهويتين الشيعية والسنية. فكل من هاتين الهويتين يرى في حكم العراق حداً مميزاً لهويته، ويعدُّ الاعتداء على هذا الحد بسلبه، اعتداء على حدود الهوية. الكورد بالنتيجة لا يعلِّقون آمالاً كثيرة على حكم عموم العراق، فهم في نهاية المطاف يمكن أن يقتنعوا بالاستقلال عن العراق. هذا الأمر جنبهم الوقوع بصراع مباشر مع العرب من الشيعة والسنة، إلا أنه أوقعهم بصراع مباشر مع التركمان، باعتبار اشتراك التركمان مع الكورد بجعل كركوك حدٌّ في هوية كل منهما.

الشيعة والسنة اشتركوا بحدود واحدة، حكم البلاد، ولذلك صار استحواذ الشيعة على حكم البلاد بمثابة اعتداءاً صارخاً على الذات السنية والعكس صحيح تماماً.

 

الخلاصة

حتى الآن نستطيع أن نستخلص عدة صفات تميز الهوية أو الطائفة أو القومية أو الذات الاجتماعية، يمكن استثمارها في فهم ما يجري في العراق الآن:

أولاً: إن الذات الجماعية ليست جسداً محدداً لا يتغير، بل هي مجموعة ولاءات لمجموعة أفكار، منها فكرة الملكية، فالذات تجد حدودها داخل وعي الإنسان ومن خلال مفردات وعيه تتشكل معالمها.

ثانياً: أن سعي الذات الاجتماعية للحفاظ على حدودها قد يصل حدَّ ارتكاب جرائم الإبادة، وحروب البشر عبر التاريخ لم تكن غير ترجمة لهذا الموضوع.

ثالثاً: الإنسان ينتمي لعدة هويات، ولكنه آنياً يشعر بولاء واحد، أو أن المؤثرات الخارجية تستطيع أن تثير لديه على الأغلب ذات واحدة لتبقي الذوات الأخرى ضامرة. بالنتيجة تتغير حدود الذات ومعالمها تبعاً لتغير القناعات الفكرية التي ترسمها، فبالنسبة للعراقي وعندما يستثار المدرك الديني الإسلامي لديه، كأن يتعرض الدين الإسلامي لتهديد معين، فإن الذات التي تستيقظ لديه تكون أكبر حتى من العراق فهو سينتمي للهوية الإسلامية ويتحد داخل ذات كبيرة تضم جميع مسلمي العالم، لكن عندما يستثار ولائه المناطقي بسبب تهديد ربما يوجه لمنطقته التي يسكنها فإن الهوية التي تكون مسيطرة عليه هي الهوية المناطقية الضيقة، البلدة أو المحافظة. وبالتالي فيمكن أن يخوض صراع دامي مع مسلمي المنطقة المجاورة لمنطقة سكناه.

على هذا الأساس نستطيع أن نفهم بأن الهوية بعد إدراكي معرفي. أو هي بعبارة أدق: ظاهرة تجد تجلياتها في السلوك الجماعي، ومؤثراتها وكوامنها في الوعي الجمعي،. بالنتيجة نستطيع أن نخرج بتوصية بسيطة ومهمة هي أن التمييز وسواء كان طائفي أو عرقي يجب أن لا يعالج على أنه ظاهرة سلوكية فقط. بل إدراكية أيضاً، لا بل يجب أن لا يصار لمعاملته على أنه سلوك إلا بعد استنفاذ كل إمكانيات معالجته باعتباره عملية إدراكية. بمعنى أن القتل على الهوية يجب أن لا يواجه بالسلاح إلا من أجل تحجيمه والسيطرة عليه، أما معالجته النهائية فيجب أن لا تتوجه إلى الأجساد بل إلى الكوامن الإدراكية التي حركته.

في مدينة الصدر حدثت معارك لمرات متكررة داخل نفس (الذات/ الهوية) الشيعية بين أتباع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وبين أتباع التيار الصدري، الطرفين من سكنة نفس المنطقة وهم مسلمون شيعة، لكن بعض المثيرات جعلت هذه الهوية العامة (مسلمون شيعة من سكنة مدينة الصدر) تتقسم إلى هويتين (مسلمون شيعة صدريون ومسلمون شيعة مجلس أعلى) وهكذا حصلت المعارك، لكن ما أن هدأ الموقف وبدأت وتيرة الحراك السياسي تتصاعد وانظم التيار الصدري لقائمة الإئتلاف التي يترأسها المجلس الأعلى حتى عادت الهوية الواحدة للتلاحم، بعد أن هدأت المثيرات التي شطرتها داخل وعي الجماعة الواحدة.

إذا المثير الإدراكي شطر الهوية وعاد لتجميعها من جديد، وهذه التجربة تستطيع أن تختصر معظم ما حدث ويحدث على صعيد التمييز والإقصاء.