ألرئيسية
من نحن؟
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
مواقع مشابهة
اتصل بنا

 

الطائفية

ومشروع الدولة العراقية الحديثة

 

محمد قاسم لعيبي

 

انطلقت الطائفية كباقي المؤسسات التقليدية والولاءات دون الوطنية كالعشائرية والقومية في العراق بعد التاسع من نيسان 2003 بسبب الفراغ الأمني والسياسي الذي ولده انهيار الدولة التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى والشروع بقيام الدولة العراقية الحديثة.

وجاء نشاط التشظي الطائفي موازيا  لضعف مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني, على الرغم مما شهده العراق من التطورات السياسية والاجتماعية التي أعقبت سقوط النظام وعودة الكثير من الأحزاب السياسية التاريخية إلى ممارسة نشاطها العلني إلى جانب منظمات حقوق الإنسان والمنظمات النقابية والمهنية غير الحكومية.

كمنت الجذور التاريخية للطائفية السياسية في نظام (الملة) العثماني الذي قضى بان ينظم جميع الرعايا العثمانيين من غير المسلمين في طوائف مستقلة يرعى شئنها رجال دين وتخضع لسلطتهم في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية.

لقد شجع الاحتلال الولاءات دون الوطنية وحفز حراك المجتمع الأهلي كسياسة ثابتة معتمدة لبناء المؤسسات السياسية التي أقامها وفق الأفكار الطائفية.ولم تلق الطائفية في العراق الأذان الصاغية بعد ثورة 14 تموز 1958, لإنهاك المجتمع ببناء قواعد الحياة الجديدة التي تعتمد على المؤسسات السياسية والاجتماعية البعيدة عن نفوذ الولاءات لاسيما المتخلفة منها بعد تشريع قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة1958, وإلغاء قانون دعاوى العشائر ونزوح إعداد كبيرة من سكان الريف إلى بغداد لتغيير التركيبة السكانية والاجتماعية لصالح الطبقات الفقيرة.لكن الظروف التي رافقت مسيرة الثورة،لاسيما الصراعات الاجتماعية والسياسية الكثيرة أسهمت في خلق مجموعة من الولاءات دون الوطنية الأمر الذي أدى إلى انتعاش الطائفية وبشكل ملحوظ بعد انقلاب شباط عام1963. فقد جاهر عبد السلام عارف بعداوته للتشيع بداعي انتساب بعض القيادات الشيوعية إلى المذهب الشيعي وبهدف كسر شوكة المرجعيات الدينية الشيعية وتهميش دور الشيعة في الإحداث السياسية في العراق وإبعادهم عن المناصب الحكومية العليا في الدولة، وهي سياسة طالما انتفض عليها الشعب العراقي.وكان غياب أية مشاركة فعلية للشيعة في العملية السياسية في العراق عاقبة من عواقب النظام البعثي البائد الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لانتعاش الحركات السياسية الدينية (1).

ويؤشر تنامي الطائفية اليوم إلى عمق الأزمة الشاملة التي يعيشها العراق وبكل مؤسساته نتيجة الدمار الذي خلفته حروب النظام السابق والعقوبات الاقتصادية والاحتلال الأمريكي فيما بعد.وعزز الدور الطائفي سياسة المناورة التي انتهجتها سلطات الاحتلال لإضعاف الوحدة الوطنية وتهميش دورها السياسي ومنـح المؤسسات الطائفية الدور الكبير في مؤسسات الدولة التي كونتها بعد السقوط. وبعد إن استعادت المؤسسة الطائفية الإمكانات التي توافرت لها في ظل النظام السابق ونهوض الطائفية الاجتماعية الجديدة فإنها تستغل اليوم بقاء حالة الفوضى في مؤسسات الدولة وعدم الاستقرار الأمني القائم على الارهاب والقرصنة والجريمة المنظمة لتظهر النشاط السياسي حيث استطاعت تنظيم نفسها.

 

الطائفية بين التأييد والمعارضة

إن عمل بعض الكتل السياسية القائم على الطائفية يدل على أنها تلاقي استجابة وقبولا لدى البعض ولعل ما يدفع يعظهم إلى قبول هذا الواقع إقناع هؤلاء بضرورة النظام الطائفي وان كان شراً لابد منه أو عن سؤ تقدير للنتائج وممارستها أو عن خطأ في قراءة الإحداث وتفسيرها وارتباط مصالح بعض أولي الأمر بهذا النظام كان احد الأسباب الأخرى لديمومته.

وتقوم نظرية مؤيدو الطائفية على فلسفة اجتماعية تتعمد الذرائعية وتنادي بعدم إنكار الواقع الطائفي في العراق وهو بحسب رأيهم ذو أصول تاريخية, وتستند هذه النظريات إلى الأهداف المعلنة والخفية, وتعمل على الغرز الطائفي وإعطاء الطوائف شخصية مميزة تكون ذات اتجاه وثقافة خاصة بها.

ويذهب هؤلاء إلى تأكيد إن التعددية الطوائفية في العراق هي التي تميز هذا البلد عن سائر البلدان وتعطيه سمة خاصة وشخصية فريدة, وان العراق بتشعب  طوائفه وقيام تناسق فيما بينها يعد الأنموذج للبلدان الأخرى التي تعيش فيها أقليات دينية أو عرقية أو الاثنان معا.

ويبدي مؤيدو النظام الطائفي حججا أخرى لتسويغ موقفهم بالقول إن التعددية الطوائفية على مساوئها تعد صماما لسلامة البلاد لتحمي المواطنين من سلطة طائفة على أخرى أو الاستئثار بالسلطة, وهي التي تحول دون وقوع البلاد في تجربة نظام الحزب الواحد وفريسة الانقلابات العسكرية التي عرفتها البلاد العربية وبلدان العا لم الثالث بوجه عام بعد الحرب العالمية الثانية ويعزز هؤلاء وجهات نظرهم بالقول إن النظام الطائفي اليوم يعد درع النظام السياسي الذي يحمي المؤسسات ويشترطون لنجاح هذا النظام وتجاوز سلبياته إن يقوم على أساس توافقي واضح وبتناسق تام.

ويدعي أصحاب هذه النظرية إن النظام الطائفي يؤمن مشاركة الطوائف في الحكم بقدر أو بأخر استنادا إلى وزن كل منها وعلى أهمية دورها في رعاية شؤون البلاد ويعلنون إن هذه المشاركة تضمن من وجهة أخرى الاعتدال في الحكم والتسامح المتبادل والوعي المشترك بين الطوائف متناسين ان الواقع اليومي اثبت عكس ذلك وجعل المشاركة في الحكم غير متوازنة وتشبه على حد قول بسمارك المشاركة بين الفارس والحصان.

ويطيب لأصحاب هذا التوجه توضيحا لمفاهيمهم هذه مقابلة التعددية الطوائفية في العراق بجوقة موسيقية تقوم على تعدد آلاتها الوترية والنـحاسية التي تستطيع على اختلاف أنواعها وطبيعة عملها إن تعطي بفعل التنسيق فيما بنها نغما جميلا.

إن هذه المعطيات تقوم على نظرية طوباوية إلى الأمور ولا تتميز بها الممارسة اليومية, فإذا كانت الجوقة الموسيقية المتنوعة قادرة على إعطاء نغم جميل فذلك لا يعود إلى الآلات وحدها وإنما أيضا وبالدرجة الأولى إلى العازفين أنفسهم والى التنسيق الكامل والدقيق القائم بينهم عبر رئيس الفرقة وهذا متوافر في البعد الطائفي.

والملاحظ من نظرية الطائفيين أنهم يعتمدون بالدرجة الأساس على تسويات بين قيادات الطوائف أنفسهم فجاء تعبيرا عن سياسة التوافق والتسويات التي انطلقت من مسارين متساويين من حيث البعد السياسي وطبيعة الوضع الاجتماعي والفكري في العراق.

وإن ظهر هذا الحل التوافقي مقبولا من الناحية النظرية إلا إنه اثبت عدم فاعليته, كما إن فشل مثل هذا الحل التوافقي يعود أيضا إلى أسباب أخرى قد يكون أبرزها تشعب الوضع الطائفي وتعقيداته الفكرية والاجتماعية العميقة والخلاف الذي استحكم بين الطوائف على تقاسم المغانم والمكاسب سواء على صعيد المناصب أو في تحديد صلاحيات الحكم وتوزيعها بين المسئولين وقد أدى هذا الوضع إلى تجاذبات اتسمت أحيانا بالعنف وأصاب مؤسسات الدولة بالشلل وعطل مقوماتها العامة.

ويصر الطائفيون على تسويغ موقفهم بما يدلون به من شواهد منها إن الأزمات الطائفية ليست وقفا على العراق وإنما تمر فيها أيضا مجتمعات راقية متقدمة في مضمار الحضارة وذات مؤسسات ديمقراطية عريقة ويذكر هؤلاء تأكيدا لأطروحتهم هذه ما يجري بين الكاثوليك والبروتستانت في ايرلندا وبين الأرثوذكس والصرب وبين هؤلاء والكاثوليك في كرواتيا.

إن المعركة بين دعاة الطائفية ومناهضيها معركة بين القديم والحديث بين التمسك بالجمود القائم على الخوف وعدم الثقة بالمستقبل والانعتاق العقلاني الشامل من مخلفات الماضي التي أصبحت تناقض معطيات العصر.

ومن ابرز وجهات النظر المناهضة للطائفية هي إن النظام بتركيبته الفكرية والاجتماعية غير مؤهل بل لا يستطيع إن يتماشى ومقومات الدولة الحديثة ,بل انه سبب بارز من أسباب تعطيل عملها وشل مؤسساتها ويقدمون دلالات عدة على ذلك منها تكاثر المعضلات السياسية والاجتماعية في البلاد وتعقيداتها.

ويخلص المناهضون للطائفية إلى الاستنتاج إن هذا النظام غير قادر على ضمان الأمن والاستقرار في البلاد بفعل تعارضه مع القواعد الديمقراطية وأسس بناء الدولة الحديثة وان مقولة الطائفيين انه يضمن المشاركة في الحكم لجميع الفئات ويؤمن التوازن فيما بينها هوضرب من الوهم كون هذا التوازن معرض باستمرار إلى الخلل بفعل طغيان فئة على فئة أخرى أو بسبب مركزها الراسخ في مؤسسات الدولة.

والواقع الذي لا يمكن لأحد إنكاره إن الطوائف في العراق بارتباطها فيما وراء الحدود أصبحت أداة فاعلة للتدخل الخارجي ,ما يجر من عواقب وخيمة ليس على صعيد العراق فحسب بل على المنطقة بأسرها وهذا الوضع عزز انقسامات العراقيين وجعلهم شيعا مختلفة باسم الطائفية.

ومن الخطأ في هذا المجال تصنيف العراقيين في انتماءاتهم الفكرية وحصرهم في فئتين رئيسيتين (سنة وشيعة) بحيث ينعت الشيعة بانتمائهم إلى إيران وولائهم لها وينعت السنة بانتمائهم إلى السعودية وولائهم لها ولبعض الدول الأخرى.

إن شان هذا النفي المتبادل إن يؤدي بالطوائف إلى الجفاء والرفض ثم الرفض المقابل والانقلاب على الذات والى نشوء عقدة نفسية خطيرة لدى الطوائف تقوم على الخوف والحذر والريبة فيما بينها وهي أمور من شانها إن تعطل الحياة في البلاد وتشل حركتها.

وكثيرا ما يحدث الخلط بين حقوق المجموعات المذهبية وحقوق الفرد الذي ينتمي إليها فالشرائع الإلهية والبشرية وشرعة حقوق الإنسان تحدد حقوق المواطن الاساسية في الحياة وممارستها قولا وكتابة والمساواة بين الإفراد إمام القانون والعيش الكريم وحق العمل والتعليم وسلام الملكية الخاصة... الخ(2).

ويضيف (مايور) مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (الاونسكو) حقا لا يقل أهمية عن الحقوق الأخرى وهوحق المواطن بالسلام القائم على الحق والعدالة وكرامة الإنسان(3).

إما حقوق الطوائف فهي بدعة تخفي وراءها معطيات متعددة ومتشابكة تتعارض بداخلها مع بنية الدولة المدنية الحديثة ومع حقوق الإنسان الاساسية بل تحد من تلك الحقوق وكثيرا ما تعطل عملها وجوهرها الإنساني وهذا التناقض كان من أسباب عدم الاستقرار وقيام فوضى اجتماعية وفكرية وعدم استقرار امني.

إن الواقع اليومي يدل على ان ممارسة النظام الطائفي تتنافى مع مفهوم الدولة الحديثة ومضمون انضمتها الديمقراطية وتخالف بالتالي إحكام الدستور ولعل ابرز هذه المخالفات ما يعود إلى مبدأ المساواة بين المواطنين لا سيما ما يتعلق بمبداتكافؤ الفرص هذا المبدأ الذي يضعه الدستور في رأس مقوماته ويجعله النظام الديمقراطي الذي تنضوي الدولة في طليعة مبادئه الاساسية.

 

رؤية ورأي

يجدر بنا الاعتراف بان الطائفية قد أعاقت البلاد من دون مزيد من التقدم وأصبحت من الثوابت في حياتنا السياسية وجزءاً من النشاط الفكري والاجتماعي في العراق.

والملاحظ إن الطائفية تسير في تصاعد  فهي تمر اليوم في عهدها الذهبي بفعل الدعم الذي يغدق عليها من الداخل والخارج وبقدر ما تصب عليها من اللعنات ويوجه إليها النقد الشديد بقدر ما تترسخ جذورها وتتفرع أغصانها وتورق وتزهر.

وعلينا الاعتراف من جهة أخرى بأننا في العراق لم نعتمد الوسائل الكفيلة لمعالجة الطائفية برؤية واضحة وتحليل علمي دقيق لخلق وعي عام ومناخ ثقافي وفكري وسياسي مدعوم بإرادة حقيقية للتغيير والحل يجب إن يتم على مراحل عدة إذا اعتمدنا الواقعية في هذا الأمر والسؤال ألان كيف يتم ذلك؟وما هي الخطوة الأولى ؟ويمكن في هذا المجال اعتماد احد الحلين الآتيين:

1.  قيام نظام توتاليتاري مستبد على غرار نظام البعث الذي أقصى كل ما يمت بصلة إلى الدين وانتهى إلى الفشل الذريع ولم يستطع هذا النظام بما كان يمثل من ايديولوجيةتعتمد على القوة والقهر الوصول إلى حل نهائي ودائم لهذا الموضوع ولا احد من العراقيين يتصور إن مثل هذا الحل يعاد في العراق الذي يتمسك أبناؤه بالنظام الديمقراطي البرلماني والمؤسسات الدستورية وبالحرية.

2.  اعتماد مبدأ الحوار المتجدد القائم على ثقافة غير طائفية وتربية وطنية سليمة ويستلزم نجاح هذا الحوار زمنا طويلا ويبقى مع ذلك هذا الحل هو الأقرب منالا والأكثر واقعية والقادر على معالجة هذه المشكلة بروح علمية من شانها إن تبدد عنصر الخوف من المجهول ويحل الاطمئنان  والمحافظة على التعايش السلمي التاريخي القائم في العراق منذ أماد بعيدة.

وتقوم قواعد هذا الحل على أساس اعتبار الطائفية حقيقية مرحلية من تاريخ العراق على غرار حقب أخرى مر بها وزالت بزوال أسبابها.

ويجب الاعتراف في هذا المجال إن المشكلة الطائفية ليست مشكلة أديان ومذاهب وذلك إن المذهبين (السني والشيعي) رافدان لنهر واحد هو الدين الإسلامي الذي يدعو إلى الخير والمحبة والتسامح والإخوة ,وهذه القيم السامية تغني المجتمع مهما تعددت مذاهبه لكن الخطر الأخر في الأمر انخراط الطائفية في السياسة وإعطاؤها بعداً دستورياً وشخصية معنوية تعنى بالشأن العام باسم الدين.

ونجاح هذا الحل لن يكون إلا باتجاه الوفاق, وفاق كل مواطن مع نفسه ومع جاره وإخلاص كل مواطن لذاته ويأخذ هذا الحل فاعليته لا على مستوى التيارات الدينية فحسب وإنما على مستوى أبناء الشعب بكل فروعه وفئاته المختلفة عند ذلك يكون الوفاق الناجع.

المصادر

1. ينظر العلوي, حسن, الشيعة والدولة القومية ص120 وما بعدها.

2. ينظر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1948. وللمزيد ينظر محمد, عبد العزيز حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية وقواعد القانون الدولي مطابع الخط باريس 1985.

3. ينظر الأمم المتحدة ,أعمال الأمم المتحدة في ميدان حقوق الإنسان ,المجلد الأول ,والمجلد الثاني نيويورك 1990.

4. ناصر, عبد الغفار, العلمانية بديل الطائفية, جريدة النور 12/10/2006 صفحة الرأي.