|
مشوار الطائفية في العراق
"دراسة
في تغييب مجتمع الدولة"
عمار ألكعبي
أهم
التقديرات التي اخطأ العراقيون بها، بعد تغيير النظام،
أنهم اعتمدوا على التعايش السابق بين الطوائف للتقليل من
خطر الشرخ الطائفي الذي بدت ملامحه منذ اللحظة الأولى
للتغيير بالتزامن مع اللجوء لنظام المحاصصة الطائفية في
تشكيلة الحكم وانقسام الصف العراقي بين شيعي وكردي مؤيد
لإسقاط نظام البعث وسني معارض، وبروز تنظيم القاعدة قوة
ميدانية مارست القتل الطائفي ودفعت مجاميع سنية للقيام
بالدور نفسه، وردود فعل المسلحين الشيعة. ولم يكن انتشار
الشعارات الوحدوية "سنة وشيعة هذا الوطن منبيعه" إلا
تعبيرا عن استشعار حجم الخطر وتعلق بالشعارات لدرء الخطر،
أو أنها كانت تخفي وراءها خطوات طائفية.
إن
العراقيين راهنوا، مخطئين، على أكثر المناطق رخاوة في
الجسد العراقي، فلم يكن بين العراقيين إلا وضع ينطوي على
العديد من النقاط الحساسة التي يؤدي إثارتها أو التلاعب
بها إلى انفجار خطير ها نـحن نعيش شكلا من أشكاله.
التعايش
السابق بين مكونات العراق الطائفية إما لم يكن موجودا
بالمستوى الذي يدعو إلى الاطمئنان، أو انه كان مفروضا
أجبرت العراقيين عليه القبضة الحديدية، أو انه كان مغلف
بركام التاريخ. فالتاريخ غلف جميع أشكال الصراع الطائفي
غير المعلن بصراع بين الدولة والأمة، وتعودت الطبقات
الشعبية منذ أمد بعيد على هذا الشكل من الصراع، وأضحى
الشرخ جزء من طبيعة الواقع الذي لم يفكر إلا القلائل بأنه
أمر غير طبيعي، ولكن الحقيقة كانت أيضا تعبر عن أن الطرف
السني استخدم السلطة لقمع الطرف الشيعي، وان الشيعة عدوا
السلطة باعتبارها ملكا سنيا. إن العراق البريطاني ـ البلد
الذي وضعت حدوده وأسست دولته وجيشه بريطانيا مطلع القرن
العشرين ـ انطوى على مجموعة من نقاط الضعف التي اتسعت
مساحتها وازدادت عمقا بمرور الوقت.والضعف الأهم ناجم عن
عدم إيجاد صيغة تعايش تعالج جميع الهزات التي يمكن أن
يتعرض لها هذا البلد. وبتعبير أدق إن تأسيس الدولة
العراقية بني على خطأين جسيمين هما، القطيعة بين الدولة
وغالبية المجتمع، وافتقار قاعدة الدولة الشعبية لجامع
مشترك عميق يمنع من التفتت والفرقة، ويحول دون فقئ الجروح
واستحضار روح الشقاق التاريخي المتجذر بين السنة والشيعة.
وقلما نجد
في تاريخ العراق الحديث محاولات لتوثيق بنية الدولة
انطلاقا من وعي كامل بوجود شرخ في البنية الاجتماعية
المكونة للدولة، وتجذير الوحدة انطلاقا من الاستحقاقات
الداخلية الحاضرة وليس وفق الاستحقاقات الإقليمية، وليس
أيضا اعتمادا على الإرث التاريخي. إن اغلب المحاولات سعت
إلى بناء الدولة والاستمرار بتكوينها بمعزل عن جوهر
التكوينة العراقية، وأكثر اعتمادها كان على أساس إيجاد
انسجام مع البنية الاجتماعية للمحيط الإقليمي العربي من
جهة وعلى أساس الحفاظ على جوهر الخريطة "السياسية"
التقليدية، ما جعل هذا الانسجام هدف دائم الحضور في عقلية
بناة الحكم العراقي، وهكذا أصبحت الأولوية لهذا الانسجام
اعتمادا على الإرث التاريخي وليس لتكوينة البنية
الاجتماعية المعاصرة للداخل. فمعالجة المشكلات ومداواة
الجروح لن تكون ممكنة إذا لم يتوافر الوعي بتلك المشكلات
وتشخيص لطبيعة الجروح. لذلك لم يكن متاحا لجميع الساسة
ورجال الدولة أن يتعاملوا مع جوهر الخطر القائم، لأنهم
افتقروا للوعي المطلوب، وغير مدركين لخطره على مستقبل
العراق. وحتى عند إدراك بعض جوانب المشاكل، كان العلاج
وقتيا، يراد منه امتصاص الأزمات. وبمجرد انتهاء أي أزمة
تعود الأمور إلى وضعها المعمول به مسبقا. من هنا لم يكن
بناء الدولة العراقية كاملا. انه بناء افتقر إلى العدالة،
ولم يتمكن من تغييب الطائفية في سلوكه، ولم يضمن توزيعا
سليما للسلطة. لقد ولدت الدولة العراقية مشوهة وفاقدة
للقدرة على الاستمرار كدولة موحدة. وهي في الوقت نفسه لم
تكن قادرة على إيجاد التوازن الذي يكفل للمجتمع وحدته
المستمرة وعدم بروز خطر الشقاق في أي من مراحله. وكي أكون
أكثر وضوحا، يمكنني القول إن الدولة افتقرت منذ اللحظة
الأولى إلى رؤية عادلة لتكوينة شعبها، فلا هي وزعت ذاتها
بشكل عادل، ولم تتساوى، مصادر القرار فيها على الأقل، ولا
هي تحررت وحررت شعبها من الطائفية. بل انطبعت، رغم كل
التغييرات المستمرة فيها في غضون ما يقارب القرن، بطابع
لمكون واحد تتراوح نسبته الشعبية بين العشرين والثلاثين
بالمائة.. ما أدى إلى ترك المجال مفتوحا للأحقاد الطائفية
والقومية، وانفصال بين بقية المكونات, والمفروض ان الدولة
راعية للجميع بالتساوي.
فلم يتساو
أفراد المجتمع بالحقوق والواجبات، ما جعل الشعور بالمواطنة
منقوصا بين طبقات اجتماعية كبيرة. فكان هنالك هم ببناء
الدولة وغاب عن اغلب ساسة البلد الإحساس بأهمية بناء مجتمع
الدولة. فالدولة المؤسسة افتقرت إلى تحويل المجتمع، من
مجتمع يدور في فضاءات مبعثرة لا يجمعها إلا إطار جغرافي
موحد وتتلاعب به الانتماءات والولاءات إلى مجتمع دولة
يواليها، ويتوحد بها رغم كل اختلافاته، ويشعر بالأمان لها،
ويجد لتعدد ألوانه صدى في رجالاتها. وهذا ما ميز المفهوم
الحديث للدولة عن المفاهيم القديمة. لكن ضاعت الدولة عندما
وجدت نفسها بعد ثمانين سنة من تأسيسها فاقدة لمجتمعها،
ووجدت أنها صدى لجزء منه فقط،من دون أن تكون راع للشعب
بأجمعه. فلم يكن للشيعة (60% تقريبا) والكرد (15% تقريبا)
حضور يذكر في القرار السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي
الرسمي للدولة، وافتقروا إلى المساواة في الحقوق السياسية
والاجتماعية والاقتصادية، فهيمنت ألقاب محددة تنتمي إلى
مكون واحد على اغلب المفاصل الهامة في البلاد، وما كان
حضورهم في الوزارات العراقية منذ التأسيس حتى سقوط النظام
إلا بحدود (20%) من الوزراء ورؤساء الوزارة. والشيعة الذين
كانوا الأكثر حضورا وتأثيرا في الأحزاب الشعبية كالشيوعي
والبعث في بدايات التأسيس غابوا عن الحضور الواضح والتأثير
الصريح في حزب البعث، تحديدا، عندما استلم السلطة، ولا
يوجد في تاريخ العراق رئيس واحد للجمهورية من الشيعة، وكان
كل أعضاء مجلس قيادة الثورة في مطلع حكم البعث من السنة،
فقد تم تغييب الشيعة والكرد عنه بالكامل. التهميش السياسي،
وغياب المساواة الاجتماعية والاقتصادية على المستوى
الشعبي، لن ينتج اقل مما أنتجه اليوم، إذ نرى الدولة فاقدة
لمقومات بقائها.
السنة لم
يسمحوا بمشاركة حقيقية من الآخرين:
أهم أسباب
هذا الغياب والتغييب هو أن هناك سعيا طائفيا من قبل النخب
السنية باستبعاد الشيعة والكرد باستمرار، اعتمادا على
الإرث التاريخي والامتدادات الإقليمية، والاكتفاء بشخصيات
شيعية ليس لها حضور شعبي حقيقي، لضمان عدم قدرتها على
القيام بدور ما في إيجاد التوازن المطلوب. ليس هنالك أي
تفسير معقول لهذا الخلل سوى القول: إن السعي كان دؤوبا
للإبقاء على واقع التهميش. كما لا يمكن الدفاع بأي شكل من
الأشكال عن السلوك التقليدي للنخب السنية منذ عشرينيات
القرن الماضي، لقد أخفى ذلك السلوك مزيدا من الاندفاعات
الطائفية والقومية، رغم أنها كانت في الغالب نخبا علمانية.
وإذا صح
القول: إن الواجهات الدينية المهمة للمجتمع الشيعي العراقي
انسحبت من أي مشاركة في الدولة وساهمت في سحب الحضور
الشعبي في مؤسسات الدولة، فان الصحيح أيضا أن الكثير من
الشخصيات الشيعية البارزة دخلت معترك الحياة السياسية منذ
اللحظات الأولى لتأسيس الدولة، فقد كان حضور الشيعة
السياسي صريحا منذ دخول القوات البريطانية إلى العراق،
فاللجان المتحاورة مع القوات المستعمرة بعد دخولها كانت
مكونة من شخصيات شيعية وسنية، وكان لأعيان المدن الجنوبية
مكاتبات موثقة مع القوات البريطانية على الرغم من رفض
المراجع الدينية لأي شكل من أشكال التقارب مع المستعمرين.
وان الشيعة منذ نهايات الثلاثينيات من القرن العشرين بدؤوا
بمشاركة أكثر فعالية في الأحزاب الحاكمة والمعارضة لدرجة
أنهم كانوا الأكثرية في الحزبين الشيوعي والبعث، بل إن
الأعضاء الشيعة في حزب نوري السعيد رئيس الوزراء الأهم في
العهد الملكي "حزب الاتحاد الدستوري" عام 1949 كانوا 24
عضوا من بين 46 عضو أساسيا ضمهم الحزب(1). لكن المشاركة
الواسعة في الأحزاب والعمل السياسي لم تنعكس بشكل سليم على
المشاركة في الحكومة خلال العهد الملكي. فمن بين 58 وزارة
تم تشكيلها بين عامي 1921-1958 لم يترأس الشيعة إلا خمس
وزارات منها(2)، على الرغم من ان حضور الشيعة في ذلك العهد
كان أفضل من حضورهم في العقود اللاحقة لعام 1963. فالحضور
الشيعي بعد مجيء البعث في عام 1963 بدأ بالتراجع بشكل
تدريجي ما أدى إلى فصل كامل بين الدولة وتكوينة البلد
الشعبية، إذ بدأ الميل الطائفي الصريح للنظام الرسمي
بالاكتمال، ما أدى إلى مأسسة الطائفية. فمجلس قيادة الثورة
الأول في حكومة انقلاب 1968 كان بكامله من السنة، فقد تم
تصفية جميع الشخصيات الشيعية البارزة في حزب البعث
وإقصاؤها من المشاركة الفعالة في الحكومة، وهمش الشيعة
بالكامل عن شغل مناصب حساسة حتى على مستوى إدارة المحافظات
الشيعية. وكان المسؤولون الشيعة في الحكومة يستعملون فقط
للمساهمة في قمع إي نشاط شيعي مضاد، أو في امتصاص الأزمات
الحادثة بسبب رغبة، واعية أو غير واعية، للشيعة بمشاركة
فعالة عبرت نخبهم عنها من خلال نشاطات الحزب الشيوعي أو من
خلال تيارات الإسلام السياسي التي نشطت منذ سبعينيات القرن
الماضي، وهذا ما حدث بعد قمع انتفاضة عام 1991 عندما عين
صدام حسين البعثيين المقربين إليه من الشيعة( سعدون حمادي
ومحمد حمزة الزبيدي) رئيسين للوزراء لأشهر قليلة.
الشيعة
واستمرار العداء للدولة السنية
واذا كانت
النخب السنية قد قامت بتهميش القوى الشيعية، وساهمت بصناعة
شعب مهشم وساعدت على تطور الكراهية بين المكونات العراقية.
فان البنية الثقافية الدينية الشيعية ساعدت هي الأخرى على
تهشيم العلائق بين مكونات البلاد من خلال اتخاذها موقف
العداء المستمر والتقليدي للسلطة السنية. قد لا يكون
العداء مباشرا لسنية الدولة، إنما ينطلق من خلال مقولة
دينية تاريخية تستند إلى عدم الطاعة للحاكم الغاصب، وهو
سوى الأئمة "المعصومين" في الفكر الشيعي. ولم يتمكن الشيعة
إلا في وقت قريب من الوصول إلى تصور سياسي ينهي التناقض
الموجود بين غياب الإمام "المعصوم" وضرورة وجود تصور عن
الدولة تفرضه الحاجة إليها.
على الرغم
من ذلك فان النتيجة الطبيعية كانت العداء للسلطة السنية،
ما اوجد هوة حقيقية بين الدولة والمكون الشيعي. ولا يمكن
أن نتصور مثل هذه الهوة من دون أن يحدث شرخ اجتماعي،لا
سيما إذا كان المكون الآخر تعده الدولة امتدادا لها،
وتتبنى أكثر مقولاته. وعلى الرغم من اتساع رقعة المشاركة
السياسية للنخب الشيعية، وانخراطها في العمل الحزبي وفي
مؤسسات الدولة، إلا أن تأثير الرؤية الدينية الشيعية انعكس
على اختيار مستمر للشيعة بالوقوف في المعارضة بمعزل عن
طموح حقيقي لمشاركة عادلة في الحكم. ولم يستهدف الشيعة
الوصول إلى قيادة البلد إلا عندما برز تيار الإسلام
السياسي بين الستينيات والثمانينيات من القرن الماضي، إذ
بدأت رؤية سياسية جديدة تتبلور، تجمع بين غياب الإمام
وضرورة وجود الدولة. فظهرت بعض التصورات المتصلة بهذا
الإطار، إلى أن تمكنت نظرية ولاية الفقيه من الهيمنة
المطلقة على أيدلوجيا الإسلام السياسي الشيعي.
الإسلام
السياسي عمق الشرخ الاجتماعي:
لكن رؤية
الإسلام السياسي كانت عاجزة، عند الشيعة كما هو الأمر عند
السنة، الى الوصول لصيغة توحد بين الطوائف فهي، مهما كان
اعتدالها، رؤية طائفية تساهم في التعميق من الانقسام
الشعبي. وهذا ما حدث بالتحديد بعد تغيير نظام البعث. فقد
عجزت قوى الإسلام السياسي الشيعية والسنية، وهي الممثل
الأول للمكونات العراقية في كل مؤسسات الدولة، عن تقديم
خطاب غير مذهبي. فإذا كان بعث السبعينيات حزبا سنيا،
والشيوعي حزبا تقف وراءه الأغلبية الشيعية المسحوقة، فان
هذه المتبنيات بقيت غير معلنة ولا يتبناها الخطاب الرسمي
لتلك الأحزاب وتتناقض مع المرجعية الفكرية والأيدلوجية
المحركة لها، فبقيت الطائفية سلوكا يختفي وراء شعارات
علمانية. لكن الأحزاب في مرحلة ما بعد صدام ما عادت تخفي
اندفاعاتها الطائفية، فقد أضحت الأحزاب رسميا، وجودات
سياسية تمثل نمطا طائفيا محددا ولا تعبر عن كافة المشارب
ولا ينتمي إليها إلا لون طائفي، وهنا تكمن كبرى المآزق
المعرقلة لوطنية الأحزاب الدينية. وإذا أمكن الحديث عن
أحزاب دينية مختلفة الطوائف قادرة على التعايش والشراكة
فقد ظهرت بالتزامن معها قوى دينية دخلت عالم السياسة عنوة
تفتقر حتى للقدرة على التعايش، ما يشير إلى خطر أكثر عمقا.
فقد دخلت العراق الوهابية العربية، لتصنع في البلاد وهابية
عراقية، والتيارات السلفية لتجذر الفكر الفاقد لأي من سمات
الحضارة العالمية الحديثة. فاستفحلت الفتنة باستخدام،
الوهابية والسلفية الجهادية، معيار تكفير أتباع الطوائف
الإسلامية، إي تكفير أغلبية العراقيين. فلم يكن في صالح
إنهاء الصراع الطائفي الخفي في العراق بروز قوى التيار
الديني المعتدل كحزب الدعوة والمجلس الأعلى والحزب
الإسلامي، كونها تفتقر إلى معيار وطني يساوي بين الجميع في
مرجعيتها الفكرية والأيدلوجية. وأولى من ذلك كان انتشار
المد المتطرف، في الشارع السني تحديدا، كتنظيم القاعدة
وأشباهه خطرا اكبر، لأنه مد يقضي حتى على إمكانية التعايش.
والحديث عن الأحزاب الإسلامية غير المقيدة بمذهب تبدو
مثالية في المرحلة "الإسلامية" الحالية، كونها تصطدم بدءا
بالاختلاف التاريخي في العقائد والكلام والخطاب. لذلك ما
كان بالإمكان تجاوز المأزق الطائفي المستشري في البلاد من
دون إيجاد ما يوازن هذه الأحزاب سياسيا وشعبيا.
لكن
الطائفية كانت موجودة
غير أن
الحديث عن الطائفية كوضع فرضته مرحلة ما بعد سقوط صدام
وهيمنة التيارات الإسلامية حديث غير دقيق. فالطائفية كانت
وما زالت واقعا تتحكم بالتصورات والرؤى السياسية
والاجتماعية والفكرية في العراق منذ بدايات وجود دولته
ألحديثه، فتلبست بلباس ديني تارة وقومي تارة واجتماعي تارة
أخرى، بل تخفت الطوائف أحيانا خلف الأحزاب الأيدلوجية، فقد
كان الحزب الشيوعي، من وجهة نظر العديدين، واجهة للطبقات
الشيعية الفقيرة، في حين تحول حزب البعث، في مراحل حكمه،
إلى واجهة للنخب السنية تحت شعار التصدي للشعوبيين
والأمميين وأعداء الأمة العربية. وأضحي أستخدام بعض
المصطلحات الغامزة بين الطوائف شائعا. فمصطلح "الشر وكية"
كان شائع الاستخدام ضد الشيعة القادمين من مناطق الريف
الجنوبي، في الوقت الذي لم تقتصر فيه الهجرة إلى بغداد على
القادمين من الريف الشيعي "قرى العمارة والكوت "بل أن هناك
أعدادا كبيرة قدمت من الريف السني "قرى المناطق الغربية
وتكريت". وكان شائعا بين الشيعة عرف اجتماعي يسيء إلى رموز
سنية.
ولم يكن
التقادم في عمر الدولة العراقية مدعاة لتخفيف الشرخ
الاجتماعي، بل ما حدث هو العكس تماما، فكلما مر الوقت كلما
ازدادت الطائفية. فالعداء السني الشيعي والحساسية بين
المكونات، في العهد الملكي، لم يكونا بالمستوى الحاصل مع
مجيء القوميين إلى السلطة. وعهد عارف كان اخف وطأة في
السلوك الطائفي الشعبي والرسمي مما حدث منذ السبعينات، وهو
العهد الذي أضحى الحكم في العراق سنيا صرفا مع استخدام
لشخصيات شيعية في مواقع غير حساسة. فليس بين إي من
الشخصيات الأساسية منذ أواسط السبعينيات وحتى سقوط نظام
صدام شيعي واحد شغل موقعا حساسا باستثناء حالات قليلة حدثت
مطلع تسعينيات القرن الماضي.
وبعد سقوط
النظام دخل عنصران جديدان إلى الواجهة وهما عنصران لم
يكونا موجودين سابقا، ما أدى إلى انفجار الوضع الطائفي
المحتقن أصلا، هذان العنصران هما: أولا؛ وصول القوى
الشيعية إلى الحكم، والحديث العلني المباشر عن المطالبة
بحقوق الشيعة السياسية، وثانيا؛ بروز الظاهرة التكفيرية
القادمة من دول عربية مجاورة بين صفوف السنة. وهنا برز
المكنون الطائفي لدى الجميع وتناثرت أوصال مجتمع هو
بالأساس كان بحاجة إلى جهود مضنية لجعله مجتمعا موحدا. فقد
انطلقت اغلب القوى السياسية والدينية السنية لتقف بحزم
ودموية ضد المشروع الأمريكي، ولم يكن الهدف، بكل صراحة،
المشروع لكونه أمريكيا بل لأنه ينهي الهيمنة التقليدية
السنية على مؤسسات الدولة وحكم البلاد، وإلا فما هو سبب
اختيار التقارب مع الأمريكان بعدما بدت المكاسب السياسية
ممكنة. واندفعت القوى السياسية الشيعية، مستخدمة كل مقولات
التراجيديا الشيعية، لتطرح المحاصصة الطائفية كآلية
استخدمت في ترتيب الخريطة السياسية العراقية، واهمين إن
ذلك سيعيد الحقوق السياسية المسلوبة للشيعة، وغير واعين
بالخطر الذي تستبطنه هذه المحاصصة، خصوصا انه سيستفز إلى
حد كبير العامل العربي الفاعل منذ عقود في العراق. هذا
إضافة إلى بروز قوى الإسلام السياسي، وهي بالنتيجة قوى ذات
صبغة مذهبية واحدة، وهيمنتها على المشهد السياسي والشعبي،
ما أدى إلى التعميق من الشرخ الطائفي، وخلق أجواء مناسبة
لاستمرار الكراهية. التجاذب أو الشرخ أو الصراع أو الكره
الطائفي والقومي المنتشر في العراق لم يكن وليد لحظة
محددة، أو جاء بقرار ما، بل انه يعود إلى مشكلات تاريخية
لم تعالج بالشكل المطلوب، بل تم تجاهلها، ما جعل الدولة
العراقية عرجاء، وعاجزة عن التطور والتجدد، وبقيت معرضة
للانهيار، والانهيار بات الآن اقرب لان حاضر الطائفية بات
صارخا لدرجة تتجاوز قدرة مجتمع غير موحد، كالمجتمع
العراقي، على التحمل.
صراع له
أسباب تاريخية:
ثمة تبرير
للسؤال عن سبب القول بان المجتمع العراقي لم يكن موحدا،
رغم حالة التعايش السائدة قبل عام 2003؟ ورغم المرارة التي
يتضمنها طرح هذا السؤال أصلا، لان الحديث عن وحدة وطن
جميعنا يعتز بالانتماء إليه أمر قد يعده الكثير في حكم
المسلمات، إلا إن أي دراسة متأنية لوضع البلاد، وتركيبة
شعبها تاريخيا تجعلنا واثقين من أن التعايش لا يعبر
بالضرورة عن الوحدة الاجتماعية، ويدفعنا إلى طرح ألف سؤال
وسؤال عن مصير العراق ومصير وحدته ومدى دقة كون جذره
التاريخي الموحد مسلمة لا نقاش فيها. لقد مر العراق في
إطار تكونه الجغرافي بمراحل عديدة، مرة تتسع جغرافيته
السياسية وأخرى تنحسر، واذا كان العراق اليوم يشمل أراضي
السهل الرسوبي وهضاب الموصل وصحراء الانبار وجبال كردستان
فان مصطلح العراق الغالب تاريخيا "كان يشير، وبصورة مبهمة،
إلى السهل الرسوبي جنوب عراق اليوم، إي المنطقة الممتدة من
بغداد إلى البصرة فالخليج تقريبا" (3).
كذلك مرت
عملية تأسيس الدولة العراقية الحديثة بتداخلات عديدة،
أهمها الجدل الذي أثير بعد احتلال بلاد ما بين النهرين حول
ولاية الموصل التي انتظرت موقف عصبة الأمم لاستصدار قرار
بإلحاقها بالعراق مقابل الدعوات التركية بإلحاقها
بأراضيها. ومن ثم فان العراق مختلف عن اغلب البلدان
العربية بأنه ذو أغلبية شيعية، مع وجود لا يستهان به
لقوميات غير عربية. في حين أن البلدان العربية الأخرى
لاسيما مصر ودول المشرق العربي، ما عدا لبنان، كانت ذات
أغلبية سنية وأسست دولها بإشراف ورعاية النخب المنتمية إلى
تلك الأغلبية، كما أن سكانها كانوا من العرب، وبقيت
القوميات الأخرى فيها إما غير موجودة أصلا كبلدان الخليج
العربية، أو أنها كانت بنسب قليلة لا يثير تهميشها مشكلات
كبيرة.
من هنا فان
عملية تأسيس الدولة كانت بحاجة بالتزامن إلى علاج جذري
لمشكلات ثلاثة أساسية:
1. مشكلة
عدم وحدته الجغرافية تاريخيا.
2. مشكلة
الأكثرية الطائفية المهمشة تاريخيا وبإرادة إقليمية.
3. مشكلة
الصراع القومي العربي الكردي الذي اخذ أبعادا دموية في وقت
مبكر من تأسيس الدولة.
واذا ما
صدقنا إن عدم الوحدة الجغرافية تاريخيا تمت معالجتها من
خلال عملية تربوية تثقيفية مورست في مناهج التعليم
والإعلام، فان هذه العملية بقيت تعاني من أنها افتقرت
للمصداقية ولم تقم بمعالجة صريحة للمشكلة، بل استندت إلى
حديث مسهب عن عراق موحد جغرافيا منسجم تاريخيا منذ 6 آلاف
سنة، وبالتالي كانت المعالجة تفتقر إلى المصداقية ما يترك
ثغرة خطيرة فيها قد تتسع إن حدث إي متغير، وهذا ما حصل
فعلا. وفي الوقت الذي افتقرت معالجة الشرخ التاريخي
للجغرافية للمصداقية، فان مشكلة الأكثرية الطائفية المهمشة
بقيت عالقة على اختلاف مراحل الدولة العراقية باستثناء بعض
المحاولات مطلع تأسيس الدولة وخلال حكم عبد الكريم قاسم.
فالاعتبارات الإقليمية والتاريخية ظلت تتحكم بالخريطة
السياسية حتى الآن، لدرجة أن مصير العراق بات مجهولا بفعل
تداخلات إقليمية طائفية صريحة ما كانت لتحصل لو اتخذ ضدها
موقف صريح وحازم يخفف من تأثيرها، ويجعل من الاستحقاقات
الداخلية في أولوية بناء الحياة السياسية ومؤسسات الدولة
العراقية. وكان الاعتماد على الإرث التاريخي لحكم السنة
على جميع الطوائف الأخرى أمرا غير مفهوم في ظل التغييرات
الطارئة على الحياة السياسية في المنطقة وبروز العلمانية
كعنصر أساس في السباق السياسي المحموم على المستوى
الإقليمي والعالمي.
أما القضية
الكردية، التي هددت باستمرار وحدة الأرض العراقية ودفع
العراقيون عربا وكردا بسببها ثمنا غاليا من دمائهم
واستقلال بلدهم، فلم يقم الساسة ورجالات الدولة إلا
بالتحايل عليها ولم يعالجوها، كلما انفجرت، إلا بحلول
مؤقتة بانتظار الجديد فيها، كي تصبح مشكلة عراق القرن
العشرين المزمنة التي كلفته الكثير، واهم ما كلفته عمليات
الإبادة التي قلصت كثيرا من إمكانية التعايش. ليس معنى هذا
إن الأكراد لم يشتركوا بالمسؤلية لما جرى، على العكس كانوا
شركاء في الإبقاء على الصراع القومي مستعرا، وهم مسؤولون
عن قتل الكثير من أفراد الجيش العراقي، وغالبا ما كانوا
ورقة ضغط بيد الدول الإقليمية.
احتمالات
الحرب الأهلية لم تكن وليدة الاحتلال الأمريكي
لذلك ما كان
ممكنا الاستناد على وحدة العراق التاريخية واتحاد شعبه
لتجاوز احتمالات بروز حرب أهلية في العراق، لأنها هي
الأخرى احتمالات كانت موجودة حتى في الفترات الأولى من عمر
الدولة. وهذا ما تنبه له مبكرا أبو الدولة العراقية
الحديثة "أقول وقلبي ملآن أسى انه في اعتقادي لا يوجد في
العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية خالية
من إي فكرة وطنية متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع
بينهم جامعة، سماعون للسوء وميالون للفوضى" كلام للملك
فيصل الأول(4) لا يمكن أن يمر المراقب بهذا الوصف المختصر
لشعب العراق دون أن يدرك أهميته، لقد اختصر المرحوم فيصل
الأول فوضى العراق وشتاته في اسطر قليلة عبرت عن دقة
الحالة العراقية والسبل الضرورية المفترض أتباعها بالتزامن
مع تكوين الدولة.
لذلك سعى
فيصل إلى إيجاد بعض العلاجات الممكنة لأجل توحيد المجتمع
وإيجاد شيء من العدالة الاجتماعية "الملك فيصل كان يعرف
إلى إي مدى يعتمد الأمر على استرضاء الشيعة. ولأنه شعر
بالضيق من نصف الحقيقة الذي يقول: الضرائب للشيعة والموت
للشيعة والمناصب للسنة، فقد خرج عن مساره ليشرك الشيعة في
الدولة الجديدة وليسهل دخولهم في الدوائر الحكومية... ونظر
أيضا في أن يحصل الأكراد على حصة ملائمة من التعيينات"(5).
لكن سرعان
ما توقف هذا السعي الواعي لضرورة إيجاد توازن داخل مؤسسات
الدولة بموت الرجل، وتوقفت عملية توسيع الإشراك المدروسة
للكرد والشيعة في المؤسسات الوطنية لتقوية شعورهم
بالانتماء إلى الدولة بدلا من الانتماءات والولاءات
الدينية والطائفية. وبقيت متعثرة بل متوقفة حتى وصول عبد
الكريم قاسم لحكم العراق فقام بالعمل نفسه "أبدى قاسم نظرة
أكثر تقدما من جميع أسلافه وخلفائه بإدخاله نسبة كبيرة من
الشيعة الى المراكز الهامة، ولا شك إن نظرته هذه تأثرت
بظروفه في مستهل حياته وكانت أعماله تنسجم مع دعوته
المتكررة والملحة إلى ضرورة الوحدة الداخلية في
العراق"(6). فهذه المحاولات تبقى حالة استثنائية في العراق
إذا ما قورنت بسياسات الفترات الأخرى التي شهد بعضها
إقصاءا متعمدا ومخجلا للمكونات العراقية من غير السنة
العرب. فكان عصر حزب البعث، خصوصا بعد انقلاب عام 1968
مليئا بعمليات التهميش الصريحة المعبرة عن انعدام للثقة أو
عن كراهية مستندة للخلفيات المذهبية والعرقية. صحيح إن
صدام والبكر وعبد السلام عارف وغيرهم لا يمثلون الطائفة
السنية بالمعنى الدقيق لكلمة التمثيل، لكنهم في نهاية
الأمر فضلوا طائفتهم على بقية الطوائف، وأصبح هذا التفضيل
معيارا أوليا تتم من خلاله إسناد المهام وتقديم التسهيلات،
وبقيت طوائفهم تدافع عنهم كلما اتصل الأمر بعداء من قبل
مكونات أخرى. ورغم خطورة كل تلك السياسات غير المتزنة، إلا
أن اللحظة الأخطر طائفيا في تاريخ العراق كانت في عام 1991
عندما حصلت عمليات إبادة بحق الشيعة في الجنوب والفرات
الأوسط، عندها اكتملت اللمسات الأخيرة للشرخ الطائفي الذي
انفجر نهائيا لحظة سقوط نظام صدام. وكان الشرخ القومي بين
العرب والأكراد قد حدث قبل ذلك بسنوات. فأصبح العراق
معرضا، بشكل غير مسبوق، لاندلاع حرب أهلية، فجميع الظروف
باتت مؤهلة والأمر بحاجة إلى حدوث فوضى. لكن لم تكن
احتمالات نشوب حرب أهلية في العراق وليدة هذه المرحلة أو
وليدة مرحلة ما بعد انهيار نظام صدام، وتأسيس العراق
الأمريكي، بل انه كان احتمالا مفتوحا منذ اللحظة الأولى
لتأسيس الدولة العراقية الحديثة. فالصراع الكردي العربي من
جهة، والكراهية المتبادلة بين الطبقات الاجتماعية
والاقتصادية من جهة ثانية، والمشكلة الطائفية المتزامنة مع
هيمنة لطائفة على حساب أخرى، والتي أخذت في كثير من
الأحيان شكل صراعات سياسية بين اليسار الماركسي واليمين
القومي "إن هوى الشيعة يكاد يميل إلى اليسار السياسي في
حين يميل هوى أهل السنة إلى اليمين"(7) وانعدام مشروع وطني
حقيقي يجمع بين الشتات العراقي في اغلب المراحل، كلها أمور
كانت تهدد بانهيار بناء الدولة، وتدفع باتجاه انقسام شعبي
مسلح. لذلك كان احتمال قيام حرب أهلية بين الكرد والعرب
ممكنا في المناطق المختلطة بين القوميتين ككركوك والموصل
وديالى. ولم تغب احتمالات الحرب الأهلية عن بغداد لا سيما
عندما اشتد الدور الإقليمي العربي في العراق، بعدما جند
جمال عبد الناصر كل ما لديه من أدوات لإنهاء حكم قاسم
فتحولت التوجهات السياسية إلى أحياء بغداد تخفي وراءها
شعورا بالعداء المتبادل بين مكونات العاصمة "كانت أحياء
معينة تخضع لسيطرة فئات سياسية معينة لا يجوز لأفراد
الفئات الأخرى دخولها، ولذلك كانت الاشتباكات تحدث وخاصة
في المساء حين يحاول أفراد فئة معينة من حي ما التسلل إلى
حي فئة أخرى"(8)، هذه الحادثة تشابه إلى حد كبير ما يجري
اليوم في العراق إذ تكون بعض الأحياء صعبة الدخول على هذا
المواطن أو ذاك لسبب طائفي أو لموقف سياسي أو لأنه يعمل في
مؤسسة ما.
تكرار الخطأ
نفسه:
إذا كان
الشيعة قد تعرضوا للتهميش المرير والمريع لفترات طويلة،
فان هذا لا يبرر قيام نخبهم بالدور الذي قامت به القوى
السنية سابقا. فكونهم أكثرية لا يعطيهم الحق، بان تكون
دولة العراق شيعية، بل أن شيعة العراق هم الشيعة فقط. ما
حصل منذ سقوط نظام صدام كان يخفي إرادة شيعية بان يكون
العراق شيعيا، وهنا برز الخطأ مجددا، خطأ الُُسنة في عام
1921 يكاد يصبح اليوم خطأ شيعيا، و عزوف المؤسسة الدينية
المؤثرة على الشيعة عن دفع جماهيرها للمشاركة آنذاك، أصبح
اليوم عزوفا لدى التيارات السنية المهمة عن دفع السنة
للمشاركة بفاعلية تنسجم مع حجمهم في العراق. وكأنه قدر على
العراق أن تفقد الدولة فيه جزء من محكوميها، ليتحولوا من
مجتمع دولة إلى مجتمع اللادولة. فقدت في الماضي الشيعة
والكرد فكان الشيعة مجتمعا للمرجعية الدينية والولاءات
المتعددة، واستهوت الأكراد قضيتهم الكردية فنسوا أنهم
عراقيون. وها هي اليوم تفقد السنة، الذين تحول ولاؤهم
لسلطة دكتاتورية أصبحت جزء من الماضي، ولعالم عربي لا يمكن
أن يقدم إليهم أكثر مما قدمه للفلسطينيين. وعليه فان بناء
الدولة وتكوين مجتمعها غير المنقوص يلزم الشيعة اليوم قبل
سواهم بفسح المجال أمام الجميع بمشاركة حقيقية في بناء
الدولة، ويدفع السنة بان لا يتركوا الدولة منجزا شيعيا،
ولا أن يسعوا مجددا لجعلها سنية. فإذا كانت الدولة سابقا
فاقدة لمجتمعها الشيعي، بفعل التهميش من القوى السنية،
وعزوف المؤسسات الدينية المهمة للشيعة، فإنها اليوم باتت
فاقدة لمجتمعها السني، بفعل وهم سني بالعودة إلى الوراء،
واستثمار شيعي لنتائج هذا الوهم. وبناء الدولة لا يمكن أن
يكتمل بمقاطعة أو تهميش إي من أجزاء مجتمعها. هذا إذا أراد
العراقيون بناء وطن واحد ودولة راعية للجميع وشعب منسجم.
المواطن
البسيط ودور النخب الطائفية:
طبعا هذا لا
يعني أن المواطن البسيط هو المطالب بالقيام بهذا العمل
المعقد، وتفعيل دوره وتحويل ذاته إلى جزء من مجتمع الدولة.
فليس من شك إن المواطن العراقي البسيط من الشيعة أو السنة
أو الكرد أو من بقية المكونات والطبقات لا تعنيه طائفة
الحاكم أو انتماءاته، بقدر ما يعنيه ما سيوفر له المسؤول
والسياسي ورجل الدولة من احتياجات ضرورية ورفاهية اقتصادية
وامن وسلامة. ورغم ان الكثير من الثورات والانتفاضات
وعمليات التمرد والعصيان كان وقودها البسطاء من الناس، إلا
إني اجزم بان هذه الطبقات ما كانت لتقوم بما يحصل لو توفرت
لها سبل العيش الكريم، فقد اختلطت في هذا البلد السياسة
بالجوع، والتخندقات بالأمل!!. إنها تتبنى المشاريع
السياسية والشعارات الكبرى وتخفي وراءها، بعلم أو من دون
علم، آهات الجوع والقهر والحرمان والظلم.
لكن الأمر
لدى النخب والطبقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
المتنفذة كان مختلفا جدا. فشعارات السياسة ودعوات الإصلاح
السياسي والاقتصادي والاجتماعي والزراعي... اخفت وراءها
دائما مشاريع وأجندة ذات توجه شخصي أو أيدلوجي أو طائفي...
غير أن هذا التمييز بين الناس الاعتياديين والنخب، لا يعني
إلقاء المسؤولية بالكامل عن كاهل الفرد العادي وتحميلها
فقط للنخب. فان الارتباط بين الطرفين كان وثيقا، فذوي
الطموحات أو الاندفاعات أو الأجندات من النخب كانوا
يستخدمون بساطة الناس لفرض ما يريدون وتحريكه باتجاه أهداف
معينة. لذلك يبقى المواطنون عرضة لتأثير نخب تستخدم ما
يحرك ضميرهم ويؤلبه، وهذا لن يتم تجاوزه إلا بتغيير ما
يتحكم بانفعالات الناس ويجعلهم أسرى لنخب لا يهمها إلا
خدمة أهدافها وأجندتها سواء كانت طائفية أو شخصية أو
أيدلوجية. من هنا يستدعي الأمر إيجاد فضاءات مناسبة كي
يتحمل الفرد العادي مسؤوليته. إن هذه النخب تستخدم شعارات
اقتصادية، لذلك لابد من العمل على تجاوز المأزق الاقتصادي
للمواطن. والنخب تستخدم ما يثير العواطف الدينية، لذلك
يحتاج الأمر إلى السعي لتحديد دور تلك النخب الدينية
السياسي كي لا تستخدم السياسة لتمرير شعاراتها المثيرة
دينيا. والنخب قد تفعل العكس، وتخوف الناس من خطورة
الإسلاميين لتبقي نفسها دائما في موقع المدافع عن حريات
الناس مقابل كبت الإسلام السياسي، لذلك يجب وضع قوانين
ومؤسسات تدافع عن حريات الناس ولا تتركها عرضة لابتزاز
الساسة. وتلك النخب قد تستخدم شعارات أيدلوجية قومية أو
فكرية لتكوين رأي شعبي تمر من خلاله إرادة ما، لذلك يبدو
ضروريا أن يحدث سعي دؤوب لتعليم الناس على أن الإرادة
الوطنية مقدمة على كل وهم لأمة عربية أو كردية... وان
الأفكار والتوجهات تبقى دائما جزءا من تضاريس هذه الأرض
المختلفة، وتاريخه المليء بالمفارقات والمتناقضات، وشعبه
المختلط الدماء. لابد من جعل الشعارات اقل تأثيرا من أن
تؤجج عواطف الناس، هذا هو الخيار المثالي والحلم الجميل
لمستقبل العراق المشتت. لكنه خيار يبدو بعيدا على المستوى
الزمني، كما نقراه في حالة العراق الآن والظروف التي يمر
بها ومر بها، والوعي الشعبي المتدني. فإذا كان مثل هذا
الخيار مثاليا فان هنالك اضعف الإيمان لمواجهة الطائفية
المسلحة، كمرحلة أولى للتدرج بتجاوز المأزق الطائفي، فعدم
استئصال المرض ذهب بالعراق إلى منحدرات تزداد عمقا كل
مرحلة وحقبة إلى أن بلغت الحد الذي يعيشه العراق اليوم
ونحن في مطلع العام 2007. فالمشكلة بحاجة إلى خطوة أولية
تتمثل في إنهاء استخدام السلاح في الصراع الطائفي. ولن
تنتهي الكارثة الدموية إن لم يوضع أولا حد للدور الإقليمي
العربي والإيراني في الداخل، وان لم يتم تجاوز المأزق من
خلال اعتراف واضح وصريح بوجود ظلم فرض على جميع المكونات
بالتناوب مع فارق بين حصة كل طائفة من الظلم، والإقرار
بوجود استحقاقات تفرضها التكوينة الداخلية، مع الاتفاق على
نظام يضمن للجميع قدرا معقولا من الشراكة في القرار
السياسي الوطني، وإلا فالبلد يسير باتجاهات لا يمكن معرفة
حجم خطرها.لا سيما وان خطر الطائفية السياسي يتزامن مع
وجود قوى سياسية أخرى تستخدم شعار نبذ الطائفية للوصول إلى
مآرب ليست اقل خطرا من الطائفية السياسية. فالعراق، ليس
بلدا منزلا من السماء، لنعتمد على قداسة وحدته المزعومة في
الحاضر والماضي. العراق يمكن إن لا يكون عراقا، إذا بقيت
الأمور كما كانت عليه منذ لحظة تأسيس الدولة، أو كما أصبحت
عليه بعد سقوط البعث. العراق لن يبقى عراقا إلا عندما تصلح
الأخطاء التأسيسية فيه، وتستكمل مقومات دولته، ويتم البحث
عن جامع حقيقي يوحد شعبه. بتأسيس مجتمعه كله على انه مجتمع
دولة.
الهوامش
1. بطاطو،
حنا، العراق، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت ط2، ج1 ص388.
2. م ن، ج1
ص219.
3. من
مقدمة كتبها عبد المجيد القيسي لكتاب العراق: دراسة في
علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية بين عامي 1915-1975
للمؤلفين اديث وفرانسيس بينروز ج1 ص5.
4. العراق
م. س، ج1 ص44.
5. م. ن،
ج1، ص44.
6. العراق:
دراسة في علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية، اديث
وفرانسيس بينروز، الدار العربية للموسوعات ط1، ج1 ص456.
7. م. ن،
ج1. ص256.
8. م. ن،
ج1، ص352.
|