ألرئيسية
من نحن؟
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
مواقع مشابهة
اتصل بنا

 

الطائفية في العراق

بين إنشطار الفرد و وحدة الوطن

 

الوطن هو نقيض الطائفية،

فعندما يسود النظام الطائفي، يغيب الوطن

وعندما يفرض هذا، الوطن نفسه تتوارى الطائفية

يونان لبيب أستاذ التاريخ المصري

د. علاء جبر الموسوي

 

بات الخطر الطائفي المحيط بالعراقيين تحدّيا وجوديا خطيرا يهدد هذا الشعب ويخدم الإستراتيجية العلمية ذات القطب الواحد الهادفة إلى تفتيت مجتمعات العالم الثالث وتحويلها من مجتمعات مواطنة إلى مجتمعات مذاهب، وهي تهيء شروطا ضرورية لإدامة سطوة تلك الطائفية وترسيخ مكانتها ؛ ومن هنا تتأتى ضرورة فكرة وحدة الأرض والوطن بغية تأكيد الثوابت الوطنية والديمقراطية الأصيلة في مواجهة الطائفية، وفي هذا الاتجاه لابد وجود فكرة توحد هذا الشعب من شأنها تفكيك واحتواء هذه الظاهرة الطائفية وتبيان مخاطرها والأدوار التي تريد ممارستها في العراق.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفرق بين مفهوم الطائفة و مفهوم الطائفية فرق واضح المعالم إذ إنّ الطائفة اتجاه اجتماعي له أبعاده التاريخية المعينة ؛ أمّا الطائفية فهي في اغلب الأحوال نهج سياسي يشير إلى اعتماد الطائفة والعمل على فرض هيمنتها السياسية والتعصب ضد الطوائف الأخرى، ويمكن تشبيه الفرق بين الطائفة والطائفية بالفرق بين الدين والإيديولوجية الدينية، فالدين من حيث هو نص معطى موضوعي - له وجوده (المكتوب) الخاص به، على خلاف الأيديولوجية الدينية التي هي تأويل للنص الديني بما يوافق أوقد تنوعت آراء العلماء الدارسين لهذه الظاهرة فمنهم من يرى أنها ظاهرة جيو _ سياسية، مرتبطة بتخلف بلدان العالم الثالث، وآخر يرى أن سببها هو قلة النضج السياسي أو قصور الروح الديمقراطية ؛ وبالنسبة إلى البعض الآخر  يكمن السبب في حدوثها في الفقر وسوء الإدارة الاقتصادية أو حتى أنهم يتهمون الدين بالعجز عن استيعاب مفاهيم الحداثة فيكون سببا في حدوثها(2).

وعلى الرغم من اختلاف أراء الباحثين في تحديد الجذور التاريخية للطائفية في العراق، فان الوقائع تشير إلى أن الصراع الطائفي قد حكم تاريخ الإسلام منذ العصر الإسلامي - كما حكمه الصراع الطبقي والاجتماعي، وتفاقمت الحالة الطائفية في فترة الانـحطاط الحضاري إبان سقوط الدولة العباسية، وبحسب رأي الباحث هادي العلوي،أُطلِقَ اسم طائفة على بعض الفرق الإسلامية في عصر متأخر ليكرس تحول الفرقة في جماعة دينية خالصة بعد أن تكون قد انسحبت من ساحة العمل السياسي أو الثقافي الذي يقع في أصل تسمية فرقة وشملت التسمية الجديدة أهل السنة والشيعة بفروعها الإسماعيلي والاثنى عشري والزيدي والدرزي، كما انسحبت هذه التسمية على الفئات المسيحية المختلفة في الوقت الحاضر، فقد سعت السلطات البريطانية منذ البداية إلى إقناع السنة، بأن الحكم والمناصب المتقدمة في الدولة بمرافقها المدنية والعسكرية، هي حق لهم وحدهم، وإن أية مشاركة للشيعة ستكون على حساب السنة، وبذلك نجحت السلطات في العهدين الملكي والجمهوري في إضعاف التماسك الوطني أولاً، وإضعاف دور الأكثرية الشيعية ثانياً، وعملت على محاصرة وطنية الشيعة بتهمة الطائفية على الرغم من أنهم ضحايا الطائفية، في حين أضفت على الطائفية السياسية لبوس الوطنية(3). ومن هنا أصبح الإرهاب الطائفي شكلا من أشكال العنف السياسي، إذ لم يكن بعيداً عن التحولات التاريخية التي شكلت قسمات ذلك العصر فقد ارتبط الإرهاب في أواخر القرن الثامن عشر بالثورة الفرنسية، مثلما ارتبط في أواخر القرن التاسع عشر بالثوريين الروس، أما في القرن العشرين، فإن بروز العمل الإرهابي ربما يعود، بشكل أساسي إلى النتائج الهامة التي أسفرت عنها الحرب العالمية الثانية، قبل أي شيء آخر.

وعليه فإن التهديد يعدّ عنفاً إذا سبب ضرراً أيّاً كان نوعه، ومن هنا فان الإكراه على الرحيل أو التهديد الذي يتعرض له عدد من الناس "يعد من قبيل العنف المستوجب للعقاب متمثلاً في القصاص: من منع الطعام أو الشراب، ولو قصد بذلك التعذيب، ومن منع فضل مائه مسافراً، عالماً بأنه لا يحل منعه، أو أنه يموت إن لم يسقه، فيقتل به وإن لم يقتله بيده، فظاهره أنه يقتل به سواء قصد بمنعه قتله أو تعذيبه، كما أن من منع شخصاً فضل طعام أو شراب حتى مات، فإنه يلزمه الدية، ومن قبيل منع الطعام والشراب: الأم تمنع ولدها الرضاع حتى مات، فإن قصدت موته قتلت، وإلا فالدية"(4). إنّ التساؤل عن التمييز الطائفي كشكل من أشكال استعمال العنف، يمكن أن يكون من شقين: شق عام، يفسر اللجوء للإرهاب السياسي في أي حقبة من الزمان، وفي أي ظروف موضوعية وذاتية، وشق خاص يتعلق بتفسير الانتشار المعاصر للظاهرة، وغلبة الطابع الدولي عليها وعلى عكس النظريات والافتراضات التي حاولت تقديم تفسير للظاهرة الإرهابية بشكل عام، فإن النظريات والفرضيات الأخرى التي اقتصرت على صور محددة من الإرهاب، إنما قدّمت إسهامات أكثر دقة، وإن كانت أقل شمولاً ؛ ومن هنا فان التمييز الطائفي والإرهاب هما شكل إرهابي واحد، وان العمل الطائفي الذي يقع تحته العراق الآن الذي يقع تحته العراق الآن هو في أكثره نتيجة للمصالح بعض السياسيين الذي يرون فيه خدمة لهم لتفعيل قراراتهم داخل العمل السياسي على حساب المواطن العراقي، على أنّ هذا الشكل من أشكال الإرهاب كان دافعا مهما لظهور ظاهرة العنف الطائفي في العراق إذ ساعدت بعض (الكيانات السياسية) أو الأفراد على ازدهار الإرهاب كشكل للعنف بل أيضاً يمكن القول إن هناك ظروفاً خاصة بهذه المنطقة جعلتها أكثر خصوبة لازدهار هذه الظاهرة.

فالعراق اليوم يمر بمحنة كبيرة تكمن بقوى العنف والإرهاب، التي تشتغل من خلال رؤوس متعددة تشمل الداخل والخارج من قوى ساعد المحتل كثيرا على ظهورها بشكلها العنيف والجاهز، موسسا لوجود غير قابل إلى ترسيخ القبول المجتمعي بالتعددية ومن ثم تناول كل ما موجود من قيم وثقافات وأنظمة فكرية تشمل النبذ والتراجع عن مكتسبات المجتمع الإنساني المتمدن حيث نجد هنالك ذلك التراجع ماثلا بالطريقة التي يتعامل معها الإرهاب والقوى الفوضوية التي اتخذت من الجسد الإنساني العراقي معبرا لها أو جسرا من اجل نيل مكتسبات ومنافع مادية.

إنّ الطائفية في العراق تشتغل على وعي الأكثرية المغيبة المسجونة بهموم الحياة ولقمة العيش الأمر الذي يجعله يعيشه فراغا ثقافيا وإيديولوجيا كبيرا، الأمر الذي يجعله يسير صوب القوالب الثقافية الجاهزة بعيدا عن التمدن والتقدم وإنجاز الكثير من القطائع المعنوية والمادية مع الجاهز الاجتماعي السياسي السائد، وهي تسهم في تقييد حرية الفرد وتعطيل تفاعله مع مقتضيات العصر وكذا عزل مجتمعاته المعنية عن معطيات الحضارة الحديثة لأنها أساليب تفضي بمحصلة تطبيقاتها النهائية إلى تكبيل الإنسان وتقييد هامش حركته ومن ثم سلب إرادته وذلك بجعله ترسا في آلة تدور رغم إرادته أو بمعنى آخر دوراناً لا يتوقف على مستويات رضاه أو مقدار إنجازاته لأن دورانها غير خاضع لمعايير الجدوى وضرورات القياس والتقييم من ناحية وكون المطلوب في معظمه دوراناً يؤدي إلى ديمومة الحركة أي استمرار النظام القائم من ناحية أخرى، وان بعض رجال السياسية أعضاء الجمعية الوطنية كانوا المحرك الآخر في تحريك العنف الطائفي في العراق حيث بات عدد منهم يخرج على شاشات التلفاز ليتحدث علنا بهذا الأمر ويحرض بالرد المباشر متهما آخرين يجلسون جنبا إلى جنب معه في الجمعية الوطنية الأمر الذي ولد احتقانا سياسية وطائفيا بسبب الشد اللساني (الجدل) بين هذه الأطراف فراح عدد من هولاء يعلن وبصراحة إن فلانا من البرلمانيين هو السبب بقتل عدد من طائفته وفي الجهة الأخرى وعلى الرغم من محاولات الاحتواء ظهر الرد المتوقع الأمر الذي سهل ظهور عمليات (القتل على الهوية) و(التهجير) الحدثان الأبرز على الساحة العراقية الآن. وينبغي أن ندرك تماماً معنى أن يشعر قسم من المجتمع بالغبن والاضطهاد، ويفقد الثقة في العملية السياسية برمتها، وفي مدونة النزاعات والمنافسات السلمية، وخصوصاً حينما يكون مرجعه الثقافي عسير الانفتاح على منظومة السياسة الحديثة، فرؤية متزنة وواعية ورشيدة للكثير من نماذج العنف في الفضاء العربي تجعلنا نعتقد أن هناك أسباباً سياسية مباشرة لبروز هذه الظاهرة، وهذا بطبيعة الحال لا يسوِّغ ممارسة العنف، ولكننا بحاجة إلى تحديد دقيق لأسباب هذه الظاهرة، ولا شك أن انعدام الحياة السياسية الوطنية السليمة، وغياب أطر ومؤسسات المشاركة الشعبية في الشأن العام، ولَّد مناخاً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً يزيد من فرص الانفجار الاجتماعي، ويساهم في إقناع العديد من أفراد القطاعات الاجتماعية المختلفة بخيار العنف(5).

وعلى المستوى النظري والفكري نجد أن أغلب حالات العنف الطائفي هي ((وليدة معرفية تجريدية، على موروث ذهني جاهز، قوالب مصممة عن الآخرين: الوثن الذهني، بكل أولياته ومفاعلات ارتباطه، يحلّ أو يقترن بالوثن المادي. الآخر يوضع في القالب المجهّز، على منوال قاطع الطرق الأسطوري، بروكست، الذي كان يخطف (الآخر) من قارعة الطريق، ويضعه فوق سرير (رمز للقالب الجاهز)، فإذا كان المخطوف أطول من سريره ضغطه حتى يتناسب مع طوله، وإذا كان أقصر منه مطه ليناسبه، وفي الحالين، المخطوف ضحيّة مزودجة: ضحية خيار الفاعل العنفي (الخيار الواعي أو اللاواعي)، وضحية أدواته الجاهزة(6).

وفي ضوء هذا الأمر وأمام أصحاب القرار السياسي أخذت عمليات القتل تتصاعد بحسب الخطوط الطائفية، والنظر إلى السنة والشيعة ليس كضحايا وحسب بل كأهداف مقصودة فبعد أن كان العراق يسير تحدت ما يمكن أن يسمى بالإرهاب الطائفي المقنع أو الطائفية المستترة اخذ يتجه الآن وبشكل جلي إلى الظهور وإعلان مبدأ الطائفية المعلنة ولعل اللسان المُعلِن له هم بعض السياسيين من أعضاء الجمعية الوطنية.

كل الأمور التي مرّ ذكرها كانت السبب في الابتعاد عن العامل الايجابي الذي يدفع بالشعب العراقي نـحو اطر جديدة من التعامل الاجتماعي والثقافي المعاش، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق الآن مادامت المجتمعات العراقية تعيش ضمن سجن الطائفة التي تنتظر الإنقاذ الحاضر الإنساني المؤسس من خلال خيارات الإرادة والتحكم والاستقلال والخلاص من الهيمنة التي تبثها قوى المركز بشكل سلطوي إلى حد بعيد، وإلغاء سيادة الأقلي السلطوي داخل الطائفة أو العرق حيث ما تزال أكثر الأحزاب السياسية المنزوية تحت خطاب الطائفة أو العرق وحتى من يقع ضمن خطاب الوطن الواحد بشكل دعائي زائف، تفتقد إلى ليبرالية القرار والتعددية السائدة داخل هذه الأحزاب ومن ثم هنالك التبرج الديمقراطي بقيم التعددية والخيار، فالديمقراطية في العراق لو أريد لها أن تتحقق بشكل فاعل وأكيد لابد لها من أن تفعل مشروع الثقافة الإسلامية الواحدة بين أفراد المجتمع العراقي فضلا عن درج المجتمع العراقي ضمن خيارات المدينة غير المنصهرة ضمن حلقة الطائفة أو العرق، حيث يشكل خطاب الطائفة أو العرق مستوى ومرحلة متأخرة عن الوجود المعاشي.

إن وجود التمايز المذهبي في العراق واقع لا يمكن إنكاره ولا القفز عليه، وإن فرض صيغة واحدة قسراً لا يعالج حقيقة الاختلاف المذهبي بل يحوله إلى شعور داخلي مكبوت يبحث عن فرصة للانفجار، وبعكسهِ ينبغي الاعتراف بواقع الاختلاف والتمايز المذهبي والثقافي وإعطاء الجميع حرية التعبير والممارسة والانتماء مما يدفع الجميع للتعاون في وحدة المجتمع وسيادته واستقلاله.

وعلينا أن لا نـحل مشكلة الأكثرية المضطهدة بخلق مشكلة الأقلية المضطهدة إذ علينا السعي إلى بناء نظام يحفظ حقوق مختلف مكونات الشعب العراقي ويعامل الجميع على أساس المساواة، "فالفعل العنفي هو نتاج لحالات من التوتر الفارد أو الجامع، وفي كل فعل يتلازم الخير والشر، اللاعنف والعنف، إذا أخذنا بالاعتبار وضع الفاعل والقابل، ونسبة الفعل وتفسيره. وحتى لا نخفض السلوك العنفي إلى مجرد مقولة أو مصادرة فلسفية، نقول: إنه ظاهرة اجتماعية واقعة، تجد تفسيرها في التاريخ الإنساني ذاته، وفي تواجه الطاقات النفسانية والاجتماعية والاقتصادية، أي طاقات القوة نـحو تنازع الوجود وتغالب الإرادات ومما لا ريب فيه أن الفرد أو الجماعة يكتسبان السلوك العنفي/ اللاعنفي من خلال الثقافة التي توجه المجتمع ، وتحكمه  أو لا تحكمه من خلال أدوات الضبط العنفي ومعايير السلوك وقيم السياسة"(7).

الهوامش والمصادر :

1. ينظر مجلة النهج عدد 22 ، ص25 بيروت، لبنان .

2. ينظر: جرثومة العنف: د. عدنان حب الله، ص 10 بيروت، لبنان.

3. العلوي، هادي و اللامي، علاء، الجذور التاريخية للطائفية، كتاب في موقع (كتب على الانترنيت).

4. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج4 ص 242 مطبعة عيسى البابي الحلبي.

5 . ينظر: العراق بين مطرقة الإرهاب وسندان الطائفية قراءة في الواقع السياسي، ضمن أعمال مؤتمر الإرهاب والطائفية في العراق، مركز الشهيدين الصدرين 2006.

6. مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 27- 28 ص 19، خريف 1983م مركز الإنماء القومي - بيروت.

7 . م. ن، ص 25 .غراض السلطة وأهدافها ويؤمن لها وجودا شرعيا هي بحاجة إليه(1).