ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الطائفية في العراق

 

د. خليل مخيف الربيعي

مقدمة

أضحت الطائفية مفردة شائعة في الأدب العراقي، إذ تستعمل لوصف ظاهرة أو أداة للتحليل، وهي تحمل عند التخاطب رؤية استفزازية للطرف المقابل، ومع هذا فإنها تكاد تكون السمة الغالبة على الواقع العراقي، والتي لها انعكاساتها على الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية. وامتدت آثارها لتكون رافدا مهما من روافد صنع الموقف السياسي لدى بعض دول الجوار أو دول الإقليم، وفي هذه الورقة سنـحاول التركيز على ثلاثة محاور أساسية لها صلة بالطائفية هي :

المحور الأول: الطائفية وسماتها ومظاهرها في العراق.

المحور الثاني: الآثار المتعددة للسلوك الطائفي في العراق.

المحور الثالث: آراء بشأن كيفية معالجة أثارها أو التخفيف منها.

المحور الأول: الطائفية ومظاهرها في العراق:

تباينت الآراء بشان خاصية الانتماء لدى الإنسان، والتي تخرجه من دائرة الذات الى دائرة اشمل وأوسع منها، إذ تذهب الآراء الدينية، إلى أنها حالة فطرية أودعها الله تعالى في الإنسان بِعَدّها من مستلزمات الوجود  الإنساني وأهدافه، حتى شاع في الأدبيات الإسلامية ان الإنسان اجتماعي بالطبع(1). في حين تذهب دراسات أخرى الى ان الانتماء يمكن تفسيره في ضوء الحاجة الإنسانية، لا سيما مجال الحماية والأمن، والى هذا الرأي تذهب التحليلات الاجتماعية، بل وحتى السياسية، التي أبدعت نظريات العقد الاجتماعي في تفسير نشوء الدولة(2).

وبغض النظر عن الاختلافات، حول فطرية الانتماء أو اكتسابيته، فانه من الأمور المسلمة.

ولكن الانتماء يتضمن ركنين أساسيين هما: الفرد والجماعة، وان الجماعة تختلف طبقا لمعيار تجمعها، وان هذا المعيار يعد من الأمور المتغيرة طبقا للظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إذ قد يكون دينيا أو مذهبيا أو مناطقيا أو عشائريا أو وطنيا.

كما ان الانتماء تارة يكون طبقا للولادة، وأخرى طبقا لعوامل تدفع بالانسان الى الانتماء الى جماعة ما، وعادة ما يكون الانتماء وراثيا، كما هو الحال مع الطائفة أو الدين أو الوطن، وحالة الاستثناء هي التي تحكم عملية الانتماء طبقا لمعيار القناعة العقلية، او الظروف الأخرى، كما هو الحال في التجنس بجنسية بلد ما.

كما ان الانتماء يترتب طوليا معتمدا على درجة وعي الفرد والجماعة وحركة المجتمع، مع الاختلاف في درجة الانتماء وقوتها، ولا ضير من تعدد الانتماءات لدى الفرد إذ قد يكون الفرد من عشيرة ما ودين ما، وطائفة ما وبلد ما ؛ وربما يتلاشى شعور الإنسان بالانتماء الى جماعة ما بفعل رسوخ وقوة الانتماء الى هوية اعلى منها، كما هو الحال مع المجتمعات التي تجاوزت مرحلة العشائرية والقبلية وتعززت هوية المواطنة والانتماء الى الوطن.

وبغض النظر عن الاختلاف حول الدين وسبقه لأية هوية أخرى، فان من الثابت ان الدين كان ولا زال وسيبقى، طبقا للقراءة القرآنية لمستقبل البشرية، احد أهم معايير الانتماء أو الهوية.

ويعدّ الدين استجابة لحاجة إنسانية، وحلا لمشكلات تواجه الجماعة، أو توجيها لها نـحو حياة أكثر استقرار وتطورا، فهو فطرة وهداية ونور كما جاء في الآيات القرآنية، وان الرسل والرسالات كانت وظيفتها، توجيه الجماعة نـحو هوية إنسانية تقضي على حالة الاختلاف في الأمة " كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه"(3).

والدين عامل توحيد، إلا ان الاختلاف لازم أصحاب الديانات السماوية و الوضعية ومنها الدين الإسلامي فظهرت الطوائف والمذاهب وتيارات، وراحت أقلام كل طائفة لإثبات أنها هي الحق ووسم الطائفة الأخرى بأوصاف النفاق والارتداد والكفر والمروق عن الدين.

وبرزت الطائفية التي تعني - طبقا لأحد الباحثين - النسق أو النظام الثابت من الأفكار والتصورات والقيم والشعائر والعادات التي تختص بها جماعة معينة من أهل الدين.

فالطائفية هي سلوك ومشاعر وأفكار تقدم على مجموعة من الاعتبارات هي:

 

أولا: القداسة

تُعدّ القداسة صفة لصيقة للفكر الطائفي وحتى للسلوك، وربما جاءت من عاملين، أولهما، ان الفكر الطائفي وليد النظرة تجاه النصوص المقدسة، فحصل التدخل بين قداسة النص، وبين قراءة النص، أو ما يطلق عليه استصحاب القداسة من النص الى القراءة، والسبب الآخر هو ان القداسة توفر عامل الحماية للطائفة من الاختراف الفكري، بما يؤدي الى ضمورها وربما انتهائها، فالحماية والقداسة يعدان جوهر الفكر الطائفي.

ولم يكتف العقل الطائفي بهذا الخداع والتلبيس بين النص والقراءة، إنما حاول إيجاد المسوغات لهذا الفهم عبر اختلاف نصوص تؤكد على ان الخطأ والعيب منزه من فكر الطائفة(5).

ان القداسة بقدر ما تؤدي الى توفير الحماية للطائفة، فإنها تؤدي الى موت فكرها، لأنها تتنافى مع العقل والاجتهاد وإعادة قراءة النصوص بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة.

ومن مظاهر القداسة في الطائفية تقديم الرجال على النصوص، إذ ان المتابع للكتابات الطائفية يجدها تستلهم أفكارها وفتاواها من رجال عاشوا في الماضي وتحاول تطويع النصوص بما ينسجم مع فكر الطائفة والرجل.

 

ثانيا: امتلاك الحقيقة

وهي ثمرة من ثمار القداسة التي تعني التنزيه عن العيب والنقص، ومثل هذا التصور يجعل  الطائفة بمنأى عن أفكار الآخر، طالما أن الحقيقة واحدة وان العقل الطائفي توصل إليها.

ولذلك عادة ما تنتهي محاولات التقريب بين الطوائف بالفشل، لكون كل طائفة تعتقد ان الحقيقة معها، وعلى الأخرى ان تكون تابعة لها. وينبغي التفريق بين الطائفية والمذهبية، فالاولى قراءة متكاملة للدين بشقيه العقائدي والعملي بنوعيه العبادي والمعاملاتي، في حين ان المذهبية قراءة للأحكام والفقه من دون العقيدة، ويمكن ان يلتقوا ويتقاربوا في الاحكام والاستنباط في إطار المذاهب، ولكن يتحول الأمر الى حالة مستحيلة في مجال الطائفية.

 

ثالثا: الأخلاق الطائفية

إذا ما أدركنا أن الأخلاق تدخل في باب العقل العملي كما يحلو للفلاسفة وضعها ضمن تقسيم العقل الى نظري وعملي، فإنها تعني ما ينبغي ان يكون عليه سلوك الفرد تجاه أبناء الجماعة والآخرين، والطائفية تقوم على منظومة من القيم الأخلاقية تنضم العلاقة ما بين أفرادها وما بينها وبين الآخرين وهي:

1- التعصب:

يُعدّ التعصب سمة من سمات المجتمعات المتخلفة، ومن بقايا الثقافة الجاهلية بالمنظور الإسلامي، فان التعصب الطائفي يمثل جانبا خطيرا بالقياس الى التعصب العشائري أو القبلي أو القومي، لأنه عادة ما يوظف النص لتبريره، وقد تبرز منظومة ثقافية تؤطر السلوك الطائفي المتعصب بدءا بالتسويغ وانتهاء بتحديد الثواب والأخر على الفعل المتعصب، إذ عادة ما يطلق على التعصب " الغيرة على الطائفة والمذهب ". وأكثر أشكال التعصب خطورة التعصب الفكري، الذي يحاول سدّ الأبواب أمام أية محاولة لاختراق فكر وقيم وثقافة الطائفة.

واذا كان الاسلام قد حارب التعصب بوصفه من سمات الجاهلية، وان من يمارسه فهو خارج عن ثقافة الاسلام كما جاء في الأثر المروي عن الرسول (ص) (ليس منا من دعا الى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية). إلا ان أصحاب الفكر الطائفي حاولوا اختزاله وحصره بالجاهلية، وليس في المسلمين. وكأن الجاهلية مرحلة تاريخية في حين ان المتابع لها ولما قيل عنها واستعمالات القران لها يصل إلى استنتاج بأنها ثقافة وسلوك قد تقترن مع المسلم في فكره وعقيدته وسلوكه(6).

 

2- إلغاء الآخر

إن من مسلمات التحضر الاعتراف للآخر بالحق في الوجود وفي الاعتقاد والتعبير ولكن الطائفية، تلغي الآخر فكرا لتنتهي الى إلغائه وجودا، وإنها تضفي على هذا الإلغاء مسوغات عقلية، من خلال امتلاكها الحقيقة وأخرى نقلية من خلال وصف الآخر بأوصاف الشرك والارتداد والمروق التي تنتهي فيما بعد الى إضفاء الطابع التمجيدي لإلغاء الآخر لأنه يصب في خدمة الإسلام والدين. ولذلك تحفل كتابات الطائفيين بعبارات المخالف والمتحول، ونجد أنهم يتبادلون التهاني لأنهم استطاعوا نقل احد أبناء طائفة ما الى طائفتهم. ويستعملون في إلغاء الآخر أساليب تتنافى مع قيم الاسلام والأخلاق منها الكذب والافتراء واستصحاب الحالة التاريخية لوصف الحاضر بتلك الحالة.

وتطلق على عملية الالغاء مصطلحات إسلامية منها الهداية والجهاد، ولعل من يقرأ كتابات التكفيريين الجدد في العراق يجدها مشحونة بعبارات الجهاد لمقاومة الرافضة والكذب والدّس لإدراكهم أن مسعاهم هذا يتنافى مع ثوابت الدين الإسلامي، ففي الوقت الذي يدعي كبيرهم بان من أولويات الجهاد مقاتلة الرافضة في العراق(7) يذهب أخر(8) الى أنهم لم يبدءوا الحرب الطائفية.. بل ان الأخر ابتدأها، وهو أمر فيه من الدّس والكذب ما لم يعد خافيا على احد.

 

اختزال الأخلاق الإسلامية

إنّ من بديهيات العقل الطائفي وسلوكه، نفي الدين عن الآخر، وهذا يعني العمل على اتجاهين الأول: اختزال قيم وأخلاق الإسلام وحصرها بالطائفة من دون غيرها، فالدعوة الى التحابب في الله والتباغض فيه، والعفو وكظم الغيظ والسماحة ومداراة الناس وغيرها من مفردات المنظومة الأخلاقية الإسلامية، مجال عملها طبقا للطائفيين، أبناء الطائفة المعينة. لأنهم هم المسلمون وما عداهم ضالون أو منـحرفون عن الإسلام، وبذلك تنتفي آلية الإصلاح الداخلية " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " لتحل محلها النظرة الى الطائفة الأخرى على أنها خارجة عن الدين.

إما الاتجاه الثاني: فيقوم على نقل منظومة التعامل الإسلامي مع المشرك أو الكافر إلى الطائفة الأخرى. بل ان بعض أدبيات الطائفيين يعتقدون ان المشرك أو صاحب الدين الآخر أولى بالمعاملة الحسنة من أبناء الطائفة الأخرى، لان هؤلاء على حد زعمهم اشد خطورة من المشرك، فهم يشتركون معك في الديانة اسما ويسلكون سبل الكافرين عملا(9).

فلا غرابة ان نجد مفاهيم الجهاد تحكم العلاقة بين أبناء الطوائف، حتى اعتدنا على سماع أصوات الداعين الى جهاد طائفة ما من على منابر المساجد والجوامع، في حين انه لإجهاد بين المسلمين، وإنما قتال كما أشارت الى ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.

 

 

4- إشاعة ثقافة الاختلاف

إنّ المتابع للأدبيات الطائفية يجد ان ما يجمعها هو التركيز على الاختلاف بدلا من الالتقاء كما أنها تحاول ان تنقل الفروع الى مصاف الأصول، وتحكم على المختلف معها بالتفاصيل كما تحكم على المختلف بالضروري من الدين وزيادة على هذا، فإنها تستحضر خلافات الماضي الحاضر، فالتحريف في القران والتقية، وسبّ الصحابة والطعن في عدالة الصحابة كلها مواضيع تجترها الطائفية منذ نشأت الطوائف حتى يومنا هذا.

إنّ الاختلاف في قراءة النص ظاهرة حضارية طالما انه محكوم بضوابط الاختلاف الفكري إلا انه أصبح عقبة أمام التوحد الإسلامي في المواقف المشتركة، الأمر الذي خلق لدى قطاع كبير من المثقفين الشك في مصداقية ما نسب الى الرسول(ص) من ان اختلاف أمتي رحمة.

إذ تحول الاختلاف الى تعارض مستحكم كما يطلق على بعض أنواع التعارض في الروايات في علم الأصول، واذا كان الأصوليون يجدون مخرجا لهذا التعارض بالتساقط أو بالتخيير، فان الطائفيين مخرجهم، تكفير الآخر وإضفاء الحقيقة الكاملة على رأي طائفته.

وهكذا يمكن القول : إن الأدب الطائفي، هو ذلك الأدب الذي لا يحوي لغة مشتركة مع الأخر ويتصف بالانغلاق والتقوقع حول الذات، حتى عدنا نسمع عن بعض الطوائف بان لها طقوسها الخاصة التي لا يطلع عليها احد وسواء صح هذا أو لا، فان الأمر يشير إلى حالة الانغلاق.

وعند الحديث عن الطائفية في العراق، فانه البلد الذي شهد تاريخه الصراع الطائفي في السابق لكون التشيع نشأ فيه، ولان اغلب الحركات المعارضة للسلطتين الأموية والعباسية كانت من العراق، وحاولت أطراف السلطة ان تجمع بين الطائفية والمعارضة، في حين ان الواقع كان يشهد سياسة حكومية طائفية لعل من ابرز مظاهرها زمن المتوكل الذي أقدم على حرث قبر الحسين وإغراقه بالماء، ولذا نجد الطرف الأخر وانطلاقا من طائفيته أطلق عليه لقب محيي السنة، وكأن السنة قد تعرضت للتآكل في السابق وان المتوكل أحياها بمحاربة التشيع!.

وإذا ما انتقلنا الى الدولة العثمانية، فقد كان العراق في ذلك الوقت مسرحا للصراع السياسي بين الدولتين الصفوية والعثمانية، وغلِّف ذلك بطابع طائفي، إذ ادعى كل طرف انه حامي لطائفة ما من طوائف العراق.

 وعلى الرغم من النزعة الطائفية للعثمانيين، إلا ان شيعة العراق اتخذوا مواقف وطنية وإسلامية إبان الاحتلال البريطاني، إذ وقفوا في وجه المحتل، ولولا خيانة بعض القادة الأتراك لما استطاعوا أن يحققوا ما حققوه من احتلال لبغداد بهذه السرعة. وفي التاريخ الحديث والمعاصر للعراق يمكن الإشارة الى أن الطائفية اتخذت مسارات متعددة، ولذا فان الآراء التي رفضت وجود الطائفية قد جانبت الحقيقة، وإنها كانت محكومة بالدفاع عن طائفة معينة، إذ حصل خلط في ذهنية الرافضين بين السياسية الطائفية واتهام طائفة أخرى. إذ لا يمكن الجزم بوجود تطابق بين سياسة الحاكم الطائفية وأبناء طائفته ؛ وقد اتخذت الطائفية صورا ثلاث هي:

أولا: سياسة طائفية :

لا احد ينكر وجود سياسة طائفية في العهد الملكي والجمهوري، وان ما يتعلل به بعض الكتاب من اشتراك وجوه تابعة لطائفة معينة في الحكم دليل على عدم وجود الطائفية في سياسة الدولة أمر لا صحة له، إذ إن الطائفية تتبدى من المظاهر الآتية:

1.  إن نسبة المشاركين في السلطة من الشيعة اقل بكثير من أبناء الطائفة السنية، في حين ان الأغلبية لهم من الناحية العددية ولا يعقل ان يكون السبب عزوف الشيعة عن السياسة - كما يحلو للبعض - أن يجد تبريرا له، اذ إن الشيعة حاربوا شكلية الانتخابات والبرلمان، وإلا لماذا نفت السلطة العراقية ثلاثة من كبار علماء الشيعة الى إيران، ولم توافق على عودتهم إلا بان يتخلوا عن السياسة، كما أن الشيعة كانت لهم أحزاب شاركت في النضال الوطني واشترك آخرون منهم في أحزاب أخرى، ولعل قادة البعث الأوائل كانوا من الشيعة واحد ابرز قيادي الحزب الشيوعي " الرضي " من الشيعة.

2.  انتشار مصطلح الشعوبية الذي اخترعه في الوقت الحاضر وأخرجه من بطون الكتب ساطع الحصري ليصف به شيعة العراق وليمنع من انتشار التعليم في مناطق تواجد الشيعة، وتلقفه منه حزب البعث، وأعيد إخراجه في الوقت المعاصر في إطار وصف الشيعة في العراق، مع العلم ان الحصري لم يكن عراقيا ولم يعلم عن تركيبة الشعب العراقي شيئا. والغريب أن بعض الأحزاب الإسلامية انساقت وراء الطائفية، ففي الوقت الذي كانت فيه وجوه شيعية بارزة في حزب التحرير الإسلامي - ولاية العراق -  اتخذ الحزب قرارا بإبعاد الشيعة عن الحزب، الأمر الذي دفعهم الى تشكيل حزب خاص بطائفتهم(10)، واستمرت السياسة الطائفية للحكم السابق، والتي كشفت عن وجهها بصورة علنية من خلال المقالات التي كتبت في جريدة الثورة والتي هاجمت شيعة الجنوب بألفاظ تنم عن نظرة طائفية مقيتة. وليس غريبا عنهم مثل هذه السياسة طالما أنهم حولوا البلد الى حكم القبيلة والعائلة، إذ لم يعد لهم اي تصور وطني أو قومي كما يزعمون، لاسيما وإنهم لم يرتقوا في ثقافتهم الى مستوى ثقافة المدن، إذ ظلت البداوة تحكم رؤيتهم للحياة وللسياسة والدولة(11).

 

ثانيا: ثقافة طائفية

شهد العراق في حكم البعث انتشار ثقافة طائفية، إذ ان الكتب التي تهاجم الشيعة في العراق كان لها حضور واضح.. بل ان بعضهم كان يستعمل أسماء وهمية لتمرير كتبه خوفا من الانتقام. فكانت كتب ؛ وجاء دور المجوس، وكسر الصنم ولله والتاريخ، وغيرها كثيرة تنتشر بين الشباب وهي تحمل أفكارا طائفية وتستعمل لغة هابطة في التعبير عن أفكارها، وهذا لا يعني عدم وجود أراء طائفية لدى الشيعة، ولكن لان السلطة تمنع من نشر الكتاب الشيعي، فانه لم يكن لها أي حضور في الشارع العراقي، وزيادة على هذا كانت الرقابة في وزارة الإعلام تمنع نشر الكتب التي تتعرض بالنقد لبعض الآراء المتطرفة لدى الآخر. وربما يمكن القول : إن اغلب التيارات الدينية وصمت بالطائفية من قبل النظام البائد إذ كانت المادة 200/2 من قانون العقوبات العراقي تحكم على أساس إثارة نعرات طائفية، ولكنها في حقيقة الأمر لم تحكم على احد من الطائفة الأخرى بهذه المادة، مما جعل من تطبيق هذه المادة تطبيقا طائفيا. والغريب في الأمر أن الثقافة الطائفية الوافدة، كانت تأتي من دول نـحن في حالة عداء معها، إذ إن كتب الوهابية ذات النفس الطائفي موجودة في المكتبات، وان بعض خطباء المنابر كانوا يهاجمون الشيعة بدعوى قبوريتهم وشركهم. وما كشفته مرحلة ما بعد السقوط من وثائق تشير الى النهج الطائفي لبعض أركان النظام السابق، إذ حاولوا الاستعانة بالباحثين والأساتذة في الجامعة لتفنيد عقائد الشيعة، في حين ان المنطق العلماني يقتضي السماح لكل طائفة في التعبير عن أفكارها وعقائدها والدخول في مساجلات وحوارات مع الطوائف الأخرى.

 

ثالثا: طائفية اجتماعية

ساعدت ظروف سياسية ألمّت بالعراق على بروز الثقافة الطائفية والتي استطاعت ان تستقطب طوائف من العراقيين تحولت فيما بعد الى وعاء للنهج  الطائفي، واخذ التيار السلفي المتشدد ينتشر في أوساط أرباع المتعلمين كما يصفهم حذيفة بن عبدالله بن عزام - على مستوى العلماء - وهؤلاء بفعل سكوت النظام عن نشاطاتهم(12)، أو تشجيع بعض أطرافه لهم، واعتمادا على وسائل الدعم المالي وضعف الوعي الديني استطاعوا أن يكونوا لهم قاعدة في الوسط العراقي.

والمتابع لأداء الجوامع في أواخر عهد صدام حسين يجد أن الحلقات ذات النفس الطائفي أخذت بالاتساع، بل إن هذه الجماعات سيطرة على بعض الجوامع، ودخلوا في صراعات مع التيار المعتدل، بل إن بيوت بعضهم كانت أماكن لنشر هذه الثقافة وظلت كتب " أخطاء المصلين " وشروحات كتاب التوحيد لعبد الوهاب هي الأكثر رواجا في هذه الثقافة. كما أن النظام وفي خطوة غير مسئولة - فتح الحدود للمتطوعين العرب والذين اندفعوا الى العراق للتخلص من المضايقات الأمنية لدولهم،حيث اعترف احد أقطابهم (حذيفة عزام) بأنهم من الأفغان العرب، هؤلاء شكلوا عامل دفع باتجاه الطائفية. ومما ساعد على انتشار الثقافة الطائفية، أنها ثقافة تحارب العقل وتعتمد الأخبار، ولذلك استهوت ذوي العقول الساذجة، فضلا عن وجود وصايا بضرورة الابتعاد عن التاريخ ومحاربة كتب الكلام والتركيز على كتب معينة. وإزاء هذا الأمر فان الأرضية كانت مهيأة لزيادة الشعور الطائفي بعد السقوط.

واذا كانت السياسة في الماضي وراء تأجيج الصراع الطائفي، فإنها اليوم اشدّ وضوحا من الماضي.

إنّ القانون الذي يحكم السلوك الطائفي هو الظهور والاحتماء بالطائفة عندما يتعرض وجود الشخص او وظيفته الى الخطر، وهذا يفسر سبب عدم ظهور الطائفية في ظل النظام السابق بصورة واضحة، ولكن بروزها في هذا الشكل يؤشر على أنها كانت حالة كامنة تنتظر دواعي الظهور والبروز، ولذا فان طائفة ما لم تكن بحاجة الى الاحتماء بالطائفية طالما ان السلطة هي الحامية، في حين ان الأخرى لم تعد قادرة على الظهور، من دون أن يمنعها ذلك من خلق الشعور بالانتماء الطائفي. وإذا كانت سياسات النظام السابق دفعت طائفة معينة الى الردّ عبر الاندفاع بالمظاهر التي تدل على الانتماء لها فان الطائفة الأخرى أظهرت تكتلا اشدّ وضوحا بعد السقوط، إذ تداخل فيه الديني والسياسي. وإذ كان السلوك الطائفي ملازم للعقلية البسيطة والساذجة. فان الغريب في هذا الأمر أن السلوك قاده مثقفون ويحملون شهادات جامعية، إذ تنادى بعضهم لتشكيل تكتل ديني يضم وجوه دينية كانت الى وقت قريب محسوبة على النظام وأخرى تظهر بين الحين والأخر معارضتها للنظام، ولكن هذا التشكيل حمل نفسا طائفيا، وعشائريا وليس وطنيا، إذ اختزل الدين بهم من دون غيرهم وهذه السمة الأولى من سمات الطائفية، واخذ يغذي الثقافة الطائفية كما انه ولج  العمل السياسي، وتناغم مع مشاريع إقليمية طائفية وخدم المشروع الأمريكي في العمل على إثارة النعرة الطائفية والعمل على تفتيت الوحدة الوطنية، التي كانت هشة بفعل سياسات الأنظمة السابقة، وبفعل تركز النشاط السياسي في تلك المدة على كسب السلطة والاستحواذ عليها، وعدم الاهتمام ببناء الدولة وخلق المواطنة الصالحة، وسرعان ما انـحدر هذا التكتل - بفعل ضعف وعيه السياسي ومصالحة الضيقة  إلى الطائفية في الخطاب والسلوك عندما حاول أن يجترخطاب القاعدة في العراق من وجود حرب طائفية ضد الأقلية في العراق، قاده هذا الأمر إلى أن يفقد مصداقيته في الوسط الجماهيري ودفع الآخرين للتخندق وراء الطائفية حماية لهم وضمانا لمستقبلهم وتحت ذريعة حماية استقلال العراق من النفوذ الإيراني، تصاعد الخطاب الطائفي إلى حدّ اتهام طائفة معينة بأوصاف أجنبية عنها كالصفوية والمجوسية الأمر الذي دفع تلك الطائفة إلى اتهامهم بالنصب والعداوة لأهل البيت، ومن الواضح أن مثل هذه الاتهامات المتبادلة، لا أساس شرعي ولا تاريخي لها، إلا أنها فعلت فعلها في الذهنية العراقية، حتى أصبح الاستقطاب الطائفي له حضوره في الواقع - إن لم يكن على أساس المواقف، فهو على أساس الشعور جزما.

والغريب أيضا أن بعض القوى التي تتخذ من مقاومة النفوذ الإيراني ذريعة لإثارة الطائفية تمد يد المساعدة إلى منظمة خلق الإيرانية، والتي تصنف طبقا لمعايير الإرهاب بأنها منظمة إرهابية، وإنها مارست أفعال إجرامية ضد العراقيين إبان الانتفاضة الشعبانية، متناسية أن وجود هذه المنظمة في ارض العراق لا يتمتع بمشروعية، ففي بيان أصدرته فصائل عراقية منها الحزب الإسلامي العراقي وجبهة الحوار الوطني، ومجلس الحوار الوطني والمؤتمر العام لأهل العراق بتاريخ 4/12/2006 جاء فيه " لقد أصبح واضحا للشعب العراقي أن أي حديث عن طرد مجاهدي خلق الإيرانية من العراق ليس إلا مخططا للنظام الإيراني حيث يندرج وجود مجاهدي خلق في العراق وفي محافظة ديالى ضمن القوانين الدولية واتفاقيات جنيف ولم ير احد ـ من أبناء ديالى منهم خلال 21 عاما الماضية ما يخل بالأمن"(13).

ونـحن لا نريد أن نعلق على مضمون هذه الفقرة، لان من كتبها لا يفقه في القانون الدولي ولا في اتفاقيات جنيف شيئا، ولكن نقول : إن لغة البيان وتبريره لبقاء هذه المنظمة، لم ينطلق إلا من رؤية طائفية مريضة، إذ ترتضي وجود المنظمات الأجنبية بدون اتفاق أو تصريح من الدولة وبما يخل بالسيادة العراقية، نكاية بالعراقيين الذين يتخذون منها موقفا وهم بهذا يتساوقون مع الموقف الأمريكي الداعم لها، ولكن لكل حساباته. وأخذت الطائفية في العراق بعدا آخر عندما أصبحت العامل المؤثر في صنع سياسات الدول العربية إزاء ما يجري في العراق، إذ تنادت هذه الدول لنصرة طائفة معينة، وأصبحنا بين مدة وأخرى نرى من يشير إلى الذبح الطائفي في سياسته، كالتهديد بإرسال الجيش لنصره فئة معينة، والآخر يتخوف من هلال شيعي، وثالث يتخوف من تهديد إيراني، وأصبحت دولهم منابر للدعوة إلى الطائفية في المساجد والصحف والقنوات الفضائية، عن طريق التحشيد لدعم مكون ما، وإصدار الفتاوى، بل إنها أصبحت أماكن لإيواء الإرهابيين والقتلة، الذين يستهدفون الكل(14). إنّ جوهر هذه السياسة الطائفية يكمن في أنها لا تريد نصرة جهة على حساب جهة أخرى، بل تريد إغراق العراق في حروب أهلية طائفية وقومية، لإبعاد شبح التغيير عنها, ولذا فان من يعتقد أن هذا الحلف غير المقدس واللااخلاقي العربي لإثارة الطائفية أو دعمها سيؤدي حتما إلى تدمير العراق من كافة النواحي، وإن المتابع لتاريخ العرب المعاصر يصل إلى استنتاج أنهم لن ينصروا قضية من قضايا العرب الأساسية كالقضية الفلسطينية المركزية، وإنهم أول من حاصر إرادة الشعب الفلسطيني استجابة للضغوط الأمريكية أو الاملاءات الأجنبية؛ إن الطائفية في العراق اتخذت مديات، يصعب عندها، التكهن بالمدة التي يستطيع البلد أن يتخلص من آثارها، التي تجذرت في الذهنية العراقية وأحاطت نفسها بأسوار يمنع الوصول إليها لمواجهتها، إذ أخذت حيزا من التحليل السياسي والتفكير السياسي، والخطاب الديني والتزييف التاريخي، والبعد الاجتماعي، بل وحتى الاقتصادي. كما أنها تتطلب تحليلا عميقا لها، لوضع الخطط ذات النفس الطويل لإزالة آثارها، وإلاّ فان محاولة الاختباء وراء الاختلاف السياسي لبروزها لا يعني أن حلها يكون في إطار سياسي أيضا، بل لا بد من محاصرة تبعاتها وآثارها والتي يمكن الإشارة إلى أهمها بالآتي:

 

المحور الثاني: آثار الطائفية في العراق

إذا كان للسياسة دور في إثارة الطائفية في العراق، فان آثارها تجاوزت السياسة إلى مجالات أكثر، وإذا كان بالإمكان التوافق على حل سياسي يقلل من الأثر السياسي للطائفية، فانه من الصعب التقليل من آثارها السلوكية والشعورية و الاقتصادية والاجتماعية في مجال التنشئة والتوجيه والإعداد وان ابرز هذه الآثار هي :

 

أولاً: الآثار السياسية

لقد ساهمت الطائفية في إعاقة بناء الدولة، إذ أصبح المعيار الطائفي الأكثر حضورا في عميلة البناء، وأصبحت الدولة الحديثة تقوم على أساس المواطنة والتكافؤ في الفرص في حين،وبإيحاء من المحتل، أصبحت دوائر الدولة دوائر موزعة بين الطائفة الشيعية والسنية، وأصبحت أيضاً مجالا لاستقطاب الخاملين والمفسدين، واستشرت عمليات النهب والسلب، طالما أن الحماية الطائفية تضمن له الأمان عند المواجهة. وغابت معايير الوطنية في المراقبة والمحاسبة خوفا من الاتهام بالطائفية وأصبحنا نعتمد التوازن السياسي، بدلا من المعايير السياسية الحديثة، وباسم الطائفية، القينا وراء ظهرنا استحقاقات الانتخابات لنتحول إلى الاستحقاق الطائفي الذي أطلق عليه " الاستحقاق الوطني ".

وباسم الطائفية جرى تقنين الدفاع عن المجرمين والقتلة، إذ إن إلقاء القبض على أي إرهابي أو مجرم لا بد أن يثير الطائفة التي ينتمي إليها وعادت العصبية العشائرية لتفعل فعلها ولكن في مجال التعصب الطائفي، وغاب النفس الوطني، وعادت لغة التبرير للأخطاء، وبرزت نظرية المؤامرة الطائفية، بدلا من المؤامرة الأجنبية. وأصبح العدو داخليا وليس خارجيا وأصبحت سيادة البلد مزدوجة الاختراق، فمن ناحية المحتل الذي يعرقل بناء المشروع الوطني العراقي، ومن ناحية أخرى فتح العراق بصورة علنية وطوعية أمام الدول العربية والإسلامية بدعوى نصرة هذه الطائفة أو تلك.

 

ثانيا: الآثار الأمنية

لقد تدهور الوضع الأمني في العراق بصورة كبيرة بفعل السلوك الطائفي. إذ انتقل العنف وتغيرت أولوياته من عنف موجه ضد المحتل إلى عنف موجه ضد الشعب العراقي من خلال تدمير البنى التحتية، لمحاربة ما يطلق عليه الحكومة الطائفية. كما أن العنف الذي كان يمارس من قبل جهات محسوبة على النظام السابق، أصبح يمارس من جهات شعبية، وظهرت تسميات طائفية لميليشيات تعيث في الأرض فسادا، ومن الطائفتين معا. لقد أصبحت أخبار الجثث المجهولة والتهجير القسري تحتل المرتبة الأولى، وهي من افرازات الطائفية. ولقد حظيت هذه الظاهرة باهتمام الباحثين، إلى الحدّ الذي دفع المنصفين إلى إنكار ما يسمى بـ " المقاومة " في العراق نتيجة الخلط الواضح بين مقاومة المحتل ومقاومة العراقي لهويته الطائفية، بل إن عمليات الثأر الطائفي بلغت من القسوة التي تجاوزت كل القيم عن طريق قتل الأطفال الرضع واغتصاب النساء وحرق البيوت، حتى أصبح مفهوم الثأر القبلي هو السائد في السلوك الطائفي، إذ عادة ما يكون الضحية بريئا، ولا ذنب له إلا كونه من طائفة معينة. وأصبح استهداف المناطق على أساس هوية الأكثر فيها، كما أن الغزو المتبادل هو السمة العامة في العنف الطائفي في العراق.

وإذا كان للعنف غير الطائفي مبرراته الوضعية التي قد تدفع بالإنسان إلى إعادة النظر والتفكير بها وربما التخلي عنه، فان العنف الطائفي وبحكم القداسة التي تضفيها الثقافة الطائفية عليه، يصعب فصله عن البعد الديني والجهادي أو الدفاع عن النفس، وكلا المتصارعين يعتقدون أن ملائكة الله تعالى تسددهما في هذا الصراع، حتى أثقلت أسماعنا بأخبار روائح المسك التي تفوح من أجساد المنتحرين وسط الشعب العراقي، ليدل أن هذا الفعل مقبول من الله تعالى، في إطار حملة من التلبيس والخداع الشيطاني الذي يُمارس لاستمرار الذبح الطائفي في العراق، خدمة لمصالح دعاة الطائفية، مع العلم أن ضحايا العنف الطائفي لم يكونوا من مثيريه إلا بنسبة قليلة بالقياس بالأبرياء.

 

ثالثا: الآثار الاجتماعية

إذا كانت الطائفية في الماضي لم تتجذر اجتماعيا، ولم تأخذ مساحة كبيرة في الوسط العراقي، فإنها في الوقت المعاصر أصبحت الهوية الاجتماعية الأكثر وضوحا سواء في الثقافة والفكر أم في السلوك والعمل. وإذا كانت هناك آليات للتخفيف من العزلة الطائفية عن طريق المصاهرة والتداخل في العلاقات الاجتماعية مكانيا ووظيفيا، فان هذين الطريقين تعرضا للإعاقة عبر منع المصاهرة الاجتماعية بين الطوائف الدينية، انطلاقا من التحليل الطائفي الذي يصل إلى حدّ إخراج الطائفة من الدين، أو اختزال الإسلام بها. وعمت الثقافة الطائفية على توظيف مبادئ الإسلام العامة في مجال المصاهرة لتنقل المحرمات السببية إلى أبناء الطائفة الأخرى، فالإسلام حرم الزواج بالكافرة " ولا تمسكوا بعصم الكوافر(15). والتي تعني أنها لا تدين بدين سماوي انتقل هذا المفهوم في الثقافة الطائفية ليوسم الطائفة الأخرى بالكفر وبالامتناع عن الزواج منها أو تزويجها.

 إن بعض التحليلات الإحصائية تشير إلى أن الزواج المتبادل بين الطوائف احتل نسبة 30% من نسبة الزيجات في العراق في مرحلة ما قبل شيوع الثقافة الطائفية، فان عدم وجود إحصائيات دقيقة، لا يعني عدم القدرة على تلمس تراجع  هذه الظاهرة إلى نسب متدنية، قد لا تتجاوز 5% في الوقت الحاضر. وساهمت عملية فقدان الثقة المتبادلة بفعالية في تقليص مساحة هذا الطريق إذ أصبح الاعتقاد السائد، أن الطائفة الأخرى تريد تصفيتها، ولا يمكن الاطمئنان إليها.

كما أن عمليات القتل على الهوية، هي الأخرى خلقت بيئة طائفية لا يمكن أن تتخلى عن شعورها الطائفي طالما أن مصدر الحماية لها هو الطائفة، فضلا عن الآثار النفسية والشعورية التي خلفها الثار الطائفي المتبادل. أما الطريق الآخر وهو التجاور المناطقي في السكن والعلاقات الوظيفية، فهي الأخرى تعرضت بفعل السلوك الطائفي إلى هزة عنيفة عندما بدأت سياسة التهجير الطائفي، ومحاولة خلق ما يمكن تسميته بالعزلة الطائفية المكانية التي لا تساعد إلا على تعزيز منظومة العلاقات الاجتماعية الطائفية وإشاعة القيم الطائفية. كما أنها سوف تخلق حالة من المصداقية للثقافة الطائفية التي تقوم على تبجيل الذات والانتقاص من الآخر، طالما أن الاختلاط المكاني والوظيفي لا يساعد على خلق بيئة منفتحة على كل الطوائف. وساهمت الطائفية حتى في دوائر الدولة على محاصرة هذا الاختلاط لصالح الطائفية وأن مؤسسات الدولة تنوعت طائفيا بتنوع القائمين عليها، كما أنها أيضا أدت إلى التكتل الطائفي داخل الدائرة، طالما أن سوء الظن هو الذي يحكم العلاقة مع الطائفة الأخرى.

 

رابعا: الآثار الاقتصادية

انعكست آثار السلوك الطائفي على الواقع الاقتصادي للمواطنين، إذ لم يعد بالإمكان التحرك بحرية على وفق حاجات الإنسان الأساسية، إذ بفعل السلوك الطائفي تم تهميش مناطق معينة من الحركة التجارية، فضلا عن الخشية من الانتقام الطائفي الذي دفع الكثيرين إلى ترك أعمالهم ووظائفهم، مما انعكس سلبا على حياة المواطنين. كما أن ملاحقة بعض أصحاب المحال التجارية نتيجة -الفتاوى الطائفية -كالحلاقين والخبازين وصالونات الحلاقة للنساء، وبيع بعض المواد الأساسية هي الأخرى كان لها آثارا سلبية على الواقع الاقتصادي. وأصبح الضغط الاقتصادي عاملا ترغيبيا للتوجه إلى العصابات وجماعات القتل على الهوية الطائفية، و بالمقابل استغلت تلك العصابات حاجة الفرد لكي تجعله ينخرط في مسار الجريمة من سلب وقتل واغتصاب، و لعل اعترافات المجرمين المتكررة حول الحاجة المادية تكفي دليلا للتأثير المتبادل بين العنف الطائفي والحاجة المادية. ويبدو أن جزءاً من خطة الطائفيين التعويل على الجانب الاقتصادي لتوسيع مساحة المنتمين إلى السلوك الطائفي في هذا البلد.

 

المحور الثالث: آراء حول المعالجة

قبل أي محاولة لتصحيح الأوضاع، لابد من الاعتراف بالواقع الطائفي وتشخيص عمق تأثيره ودوافعه، والابتعاد عن التوصيف الإعلامي والسياسي للواقع العراقي، الذي يحاول القفز على الحقيقة. وتحميل أطراف معينة مسؤولية ما يجري، إذ كثيرا ما نسمع بأنه لا وجود للطائفية في العراق. وكأن هذه الأصوات صمت آذانها عن سماع جرائم العنف لطائفي.

إذ إن مساحة العنف الطائفي في العراق هي اكبر مساحات العنف، حيث تراجع مستوى العنف الموجه إلى الاحتلال والحكومة بنسبة كبيرة جدا بعد أن نجح الزرقاوي في إعادة ترتيب أولويات العنف، ليجعل من العنف الطائفي، المرتبة الأولى في سلم الاهتمام، وليعمل على خلق البيئة المؤيدة لهذه الفكرة عبر استثارة طائفة معينة واستنهاض همم رجالها غير الواعين، ودفع الطائفة الأخرى إلى الردّ، وليدخل البلد في دوامة العنف. كما أن عملية التغذية الثقافية الطائفية المتبادلة. والقتل العشوائي والاستهداف المناطقي على الهوية. والذي تجاوز كل الأطر المنظمة لعمليات القتل في الشريعة الإسلامية. ساهمت في خلق دوافع باتجاه تكريس العنف الطائفي. والذي اخذ وجودا مسلحا عبر فيالق معينة من هذه الطائفة أو تلك. وتتطلب المعالجة الخروج من دائرة التحليل الطائفي لما يجري، لان مثل هذا التحليل يفتقد الموضوعية في التقييم وفي المعالجة، فهو يقوم على تحميل طائفة معينة مسؤولية العنف الطائفي أو يحاول التركيز على مظاهر العنف الطائفي كاستهداف المساجد والجوامع. بغض النظر عن استهداف الإنسان.

 إن الرؤية الموضوعية في المعالجة تتطلب أيضا العمل الجاد على اعتماد أسلوبين؛ الأول محاصرة أسبابها وعوامل استمرارها للتخفيف من ضغطها، والثاني العمل على إيجاد ودعم البديل على مختلف الأصعدة الثقافية والاجتماعية والسياسية.

وفي ضوء هذا يمكن الإشارة إلى بعض الآراء حول التعاطي مع المستويين:

 على مستوى محاصرة السلوك الطائفي على الدولة والشعب العمل على:-

1.  تطبيق مبادئ وأحكام الدستور التي تحرم التجمع على أساس طائفي سواء أكان هذا التجمع على أساس حزبي أم منظمات مجتمع مدني، وهذا يتطلب إعادة النظر في قانون الانتخاب وقانون الصحافة والإعلام، وملاحقة من يخالف ذلك قضائيا.

2.  تطبيق قانون مكافحة الإرهاب على أية جهة كانت، وترك القضاء يمارس دوره بعيدا عن التأثيرات السياسية، ودعم السلطة القضائية في سعيها هذا، بل ومحاسبة الأجهزة الأمنية وحتى القضائية التي تعاني من فساد إداري ومالي، واستبدالها بعناصر كفوءة ونزيهة للتخلص من التأثير المالي للجهات الطائفية على هذه الأجهزة والمؤسسات. ولتوفير الحماية لهم، العمل على زيادة رواتبهم للتخفيف من الرشوة والمحسوبية في الأداء.

3.  محاسبة ومحاصرة مروجي الثقافة الطائفية في الجوامع والمساجد والحسينيات، أو عن طريق الكتب الداخلية أو المستوردة، من خلال التعاون مع ديوان الوقف الشيعي والسني في هذا المجال، وإيجاد هيئة رقابية لمتابعة حركة الكتاب داخل السوق العراقي.

4.  العمل على مقاضاة القنوات الفضائية المحلية والعربية والإسلامية التي تحاول إثارة الثقافة الطائفية أو تعمل على تمجيدها، وإلزامها في الداخل بميثاق إعلامي يقوم على أساس احترام هوية العراق ومعتقدات أبناءه.

5.  اعتماد الوسائل الدبلوماسية للضغط على الدول التي تعمل على ترويج الثقافة الطائفية في العراق،أو تكون مسرحا لحركات العصابات الإجرامية الطائفية واعتماد الأوراق الضاغطة على هذه الدول، بما يضمن مصالح البلد الوطنية وتفعيل دور العراق في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي في مجال الضغط على تلك الدول.

 

أما على مستوى البديل فيمكن اعتماد السبل الآتية :

1.  العمل على إشاعة ثقافة المواطنة وتعزيز الانتماء للوطن وجعله المرجعية في كل ما يرتبط بالحقوق والواجبات.

2.  التركيز على الخيار الديمقراطي والتعددي كأساس لنظام الحكم السياسي، لمنع محاولات احتكار السلطة أو هيمنة طائفة على طائفة أخرى، وكذلك إتاحة الفرصة للطائفة لإدارة شؤنها في المناطق التي لها الأغلبية فيها عبر اعتماد صيغة الفيدرالية أو الحكم اللامركزي.

3.  إشاعة ثقافة التسامح والاعتدال والقبول بالتعددية داخل الدين الإسلامي والعمل على نقل حالة الاختلاف من تأثيراتها السلبية إلى تأثيراتها الايجابية المتمثلة بالمشاركة العقلية في عملية التوجيه والإرشاد.

4.  السعي لاعتماد المشترك أساسا للعلاقة بين الطوائف وباقي المكونات الأخرى، وترك المختلف عليه أو تهميشه حتى يتم ترسيخ الدولة ومعاييرها الخاصة بالولاء الوطني والكفاءة والنزاهة.

5.  الدعوة إلى اعتماد القران الكريم والسنة النبوية أساسا في خلق الثقافة الدينية والابتعاد عن أقوال الرجال مهما كانوا في تقييم الآخر، واعتمادها أساسا للحكم على صحة أفعال وأقوال الرجال لان الرجال لا همّ لهم إلاّ تعزيز اعتقادهم الطائفي.

6. التخلي عن البحث في التاريخ السلبي في إطار العلاقة بين الطوائف والتركيز على النواحي الايجابية في هذه العلاقة، واعتماد الحاضر أساسا لرسمها.

7.  أن تعمل الحكومة على تعزيز آليات التواصل بين الطوائف من خلال دعم مشاريع المصاهرة المختلفة مع الطوائف، وتسهيل عودة العوائل المهجرة، والتخلص من المحاصصة الطائفية والتوازن السياسي.

8.  أن تخلق لدى المواطن الشعور بان الحاجة إلى الطائفية يمكن أن تعوض عن طريق الانتماء للدولة والولاء للوطن، عبر إشعار الإنسان انه مواطنا وعدم البحث عن خلفيته الدينية والمذهبية.

.  إشعار الدول العربية والإسلامية بان العنف الطائفي يمكن أن يطال دولهم لاسيما تلك الدول التي تتواجد فيها طوائف متعددة، ويوجد فيها احتكاك طائفي، وبالذات الدول التي ترعى وتدعم التوجه الطائفي في العراق.

 

 الخاتمة

مما تقدم اتضح أن الطائفية هي نسق معرفي وسلوكي يتميز عن غيره من الأنساق بسمات منها اعتماد المقدس وإضفاء القداسة على النتاج العقلي الإنساني، وإلغاء الآخر وامتلاك الحقيقة والتعصب لها، وعدم التفكير بإمكانية الخطأ في المنظومة الفكرية والقيمية للطائفة، وان الجدال وإفحام الخصم هو السمة الغالبة عند الالتقاء مع الآخر في حلقات نقاشية.

وان الطائفية لها جذورها الممتدة في عمق التاريخ الإسلامي، لاسيما في العراق الذي شهد مولد ونمو وانتشار بعض المذاهب الإسلامية، وعملت السياسة عملها في إذكاء الفتنة الطائفية.

كما أن الشعور الطائفي يكاد يكون كامنا في النفس الإنسانية، ويحتاج إلى عوامل لاستثارته، إذ يمكن أن يكون في ما يطلق عليه باللاوعي، وساهم الاحتلال وما سبقه من عوامل سياسية واقتصادية ودينية في تنمية الشعور الطائفي، كما أن توافد المنظمات الإرهابية " القاعدة " إلى العراق، لاسيما في خطها المتطرف، أعاد ترتيب الأولويات بصورة جعلت من الطائفية محورا للتخندق، ومعيارا للوطنية، وأصبحت سمة الواقع العراقي.

بل إن الطائفية أفرزت آليات لم تعد معروفة - على الأقل - في الواقع العراقي كالتهجير القسري وخلق كانتونات طائفية، عبر التصفية للطائفة الأقل.

وكان للطائفية أثار اجتماعية واقتصادية وثقافية وحتى على الواقع الأمني، تطلبت حلولا سريعة قبل أن تترسخ نتائجها في الذهنية العراقية ويصعب عندها معالجتها بصورة كاملة.

 

 

 الهوامش

1.  ينظر،اليزدي, محمد مصباح، دروس في العقيدة الإسلامية.

2.  د. ابدوريا، المدخل إلى العلوم السياسية، ترجمة نوري محمد حسين، بغداد 1988، ص24.

3.  سورة البقرة، آية 213.

4.  الجياعي, جاد الكريم، الطائفية، على الموقع الالكتروني  www.syria.net. 5- حول هذه المسالة ذكرت كتب الأحاديث، حديث الافتراق، الذي تمسكت كل طائفة به. وهو " ستفترق أمتي ثلاثة وسبعون فرقة كلها في النار إلا واحدة هي الفرقة الناجية " انظر كتاب عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، الدار المعدية - دون تاريخ.

6.  شمس الدين, محمد مهدي، بين الجاهلية والإسلام، بيروت دار الكتاب اللبناني، 1975، ص245.

7.  ينظر رسالة الزرقاوي إلى الأمة على موقع التوحيد والجهاد.

8.  الشامي, أبو انس، شبه وأباطيل، على موقع التوحيد والجهاد.

9.  م. ن.

10.  منهم عبد الصاحب الدخيل وهادي السبتي والشيخ عارف البصري.

11.  حول البداوة، انظر د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي، العصبية القبلية، السعودية مؤسسة الجريس 2006.

12.  لقاء مع حذيفة بن عبد الله بن عزام على موقع الجزيرة نت.

13.  ينظر نص البيان على موقع المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.

14.  ينظر نص بيان علماء السعودية في جريدة البينة الجديدة.

15.  سورة الممتحنة.من آية 9.