ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الطوطمية والصنمية:

التباعد والتقارب

 

رؤية سوسيولوجية

 

مازن مرسول محمد

في دوامة من دوامات التناقض الفكري التي ما تلبث ان تعيد نفسها في كل مرة بأطوارٍ جديدة لا تنفك عن زيادة ضبابية وظلامية موقفنا الفكري من تناقضاتنا. ما زلنا لا نكاد نفك طلاسم بعض الامور التي عُدت قديمة لكنها جديدة بل مواكبة في آليتها. اننا اليوم في مأزق فكري حقيقي قد بنينا عليه جل حياتنا بأوهامها وخيالاتها.

لماذا نعيش التمزق الفكري الذي بات يشكل نسيج حياتنا؟

كيف نستطيع فك الالتباس بين ما نعيه وما نغفل عنه، عند تحديد مواقفنا من بعض القضايا؟

كيف ننقل أفكارنا إلى خارطة الواقع لنتحكم به منطقياً؟

تكاد أن تكون فكرة الطوطمية وما بُني عليها وما لحق بها، بجذور غاية في التأثير، بل هي تعدت المحافظة على الجذور الى بناء جديد ومتطور داخل وعينا نغفل عن الشك فيه. لقد اجمعت الافكار الانسانية القديمة على أتخاذ الطوطم رمزٍا للتقديس يستمر مع الحياة، لغرض استمداد القوة والعون والتبرك منه، وكإرث تحرص الثقافة على المحافظة عليه، وقد درجت العديد من التكوينات الانسانية على ذلك، كأن يتم تقديس الجد الاعلى او رمز معين وجعله طوطماً خاصاً لتلك المجموعة او تقديس شيءٍ معين قد نسجت هذه التكوينات خيالاً حوله بما يعود عليها بالفائدة.

عندما نسمع عن الطوطم قد نعتقد بأن ذلك التكوين قد تلاشى بتلاشي العقليات القديمة، ولم يعد يتلاءم مع العقلانية والعلمانية والعولمة والحداثة وما بعدها وغيرها، وربما بعض من هذا التفكير صحيح، فالتلاشي قد تم فقط في عدم تداول مصطلح الطوطمية على الاغلب، الا ان الطوطم ـ ومع شديد الاسف ـ حاضر ومتواجد ومتأصل في كثيراً من مناحي حياتنا، بل هو الدافع الى كثير من امور حياتنا ومسير لها ايضا.

الشيء الآخر الذي نعتقد باننا بعيدون عنه هو استفحال ما يسمى بالصنمية دون أن ندرك ذلك. وقد يتبادر الى الذهن اننا بعيدون عن عنها. اما الطوطمية فقد تلاشت واما الصنمية فهي تظهر في اوقات محددة، الا ان الواقع يقول ان هناك تلاقيا وتباعدا بين هذين التكوينين، فلا الطوطمية قد زالت من ترسبات افكارنا الآنية، ولا الصنمية ضيف دخيل على افكارنا بل هي من اركان تفكيرنا وممارسات حياتنا.

يقول الدكتور عبد الجليل الطاهر: »ان الاصنام وظاهرتها هو شيوع بعض الاوهام والاساطير والافكار المغلوطة التي لاتخضع للبحث العلمي والمنطق، يتعصب لها الانسان وتؤثر به ويتحيز لها؛ الامر الذي يشمل كل مناحي حياته الفكرية، فتقيد عقله وعلاقاته وصلاته، مع الناس كماً وكيفاً وتقوى وتضعف بحسب الظروف المواتية لها«(1).

فما مدى التقارب بين الطوطمية والصنمية؟ وكيف تتلاقى؟ وهل انفصلت الواحدة عن الأخرى؟

يمكن ان تكون الطوطمية قد نشأت في الاصل من ترسب افكار ضيقة قد حصرت مساحة تفكيرها في التركيز على شخص او شيء معين، واسبغت صفة التقديس عليه، وما ذلك إلا بسبب من تخلف الوعي الناشئ عن ظروف قد تتشابه مع ظروفنا الحالية وقد تكون ربما اسوأ منها نحن الآن. ولا نبالغ ان قلنا باننا اليوم لدينا طوطم متمثلة باشياء عديدة، فقد نقدّس شخصا لمجرد اننا لم نراه، وقد جاء ذلك التقديس عن طريق افكار خاطئة قد لا تنم عن توفر ميزات صحيحة في ذلك الشخص او ذلك الشيء، وبطبيعة الحال ما ضعف ولجوء هذه العقليات الى هذا المنحى المتمثل  بالاتكالية وحصر المصير في شيء مختلق، الا متأتي من تركيبة قد تشظت حياتها وارغمتها ظروف وتنشئة حياتها وجدرانها المحيطة بها على ان تفعل ذلك. في كثير من امور حياتنا اليومية وبدافع البدوية المتعصبة نوعاً ما، قد نخلق لانفسنا طوطما تقوم عليه حياتنا، بل نمضي وفق مقاسات ما يريده لنا ذلك الطوطم حسب تفكيرنا. ولا يختلف عن ذلك اليوم ايضاً في الصنمية، فنحن نعتقد ان الطوطمية اختفت وربما توجد الصنمية الا انهما متجذران بقوةٍ في حياتنا الحاضرة. ان الناس يلجؤون الى التمسك بالاصنام حين يعيشون واقعا مريراً وبغيضاً، إذ يضطرون تحت ضغط وبؤس الواقع ان يضحوا بكل قيمة تجعل من الحيوان انساناً في سبيل البقاء - أي انهم يرون ان عبادتهم لهذه الاصنام هو المخرج الوحيد لازماتهم(2).

وحقيقة لا تتسبب في عبادة الاصنام ظروف المجتمع القاهرة فقط، فالعقلية البسيطة والتربية الروحية لهما كبير الاثر في وضع هذا الانسان لنفسه في دائرة مغلقة لا يطل منها الا على افكاره المتعصبة والمنطوية على اللجوء الى بعض ما يراه هو مناسباً .

 

طوطمية أفكارنا

لما كانت حياتنا تمر بتناقضات كثيرة حقيقية قد تعرض مستقبلنا الفكري للخراب وما ذلك الا نتيجة لترسبات القت بظلالها على ما نفكر به ونحاول ان نميزه. كثيرا ما اشك في اننا نبني كثيراً من افكارنا على وفق رؤى متناغمة مع اجيال أجدادنا القدماء وهي غير مناسبة للكثير من مجالات حياتنا اليوم. ورغم دخولنا الالفية الثالثة فنحن نسيّر حياتنا وفق طوطم خاص قد يكون بُني على اوهام السابقين وتخيلاتهم، وما زلنا نتعلق بأمور تعود الى سالف العهود القديمة. ولكن لماذا نلجأ لها؟

حقيقة ان ضغوط الحياة التي لا تفسح المجال للتفكير العقلاني قد تؤدي الى رجوع  الانسان القهقرى، فهو يحاول الخلاص من كل ظروفه بطوطم قد يحقق له ذلك، ومن ذلك يتمسك ويتعصب لافكار وتقاليد ذلك الطوطم والتي قد تفيده حيناً ولا تفعل أحيناً آخرى. ولما كانت الوضعية بهذا التشابك فانه ينشأ جدل فكري لدى ذلك الانسان نفسه في مدى بقائه ملازماً لذلك الطوطم، وهل عليه ان يغيره ام لا. قد نلجأ الى افكار وآراء غيرنا التي تعود الى حوادث الدهر لمجرد انها لائمت كيانات انسانية في وقت ما ونظل متمسكين بها لعلنا نحاول الظفر بما ظفرت به واعادة عقارب الساعة الى الوراء. ومن ذلك جاء تأزمنا وحياتنا المشلولة وعقم تفكيرنا.

 

صنمية افكارنا

وهنا تلتقي الطوطمية التي عُدت قديمة وهي متواجدة بقوةٍ مع الصنمية الحاضرة. فكما يبني الانسان المنغلق لنفسه طوطماً لظروف معينة، قد يلجأ لعبادة اصنام، ويخلق افكارا يريدها هو وقد تنافي واقعه ولكن هو يطمئن لها. ان عبادة الاصنام والركض وراء الاوهام والتسليم والايمان بالخرافات والاساطير والتعصب لفكرةٍ معينة والتحيز غير المنطقي لافكار مغلوطة، شروط اساسية لضمان الكفاح من اجل البقاء ـ من اجل القوت ـ وذلك من جانب الضعفاء في مجتمعٍ لم يقم على اسس احترام الفرد وتقديره(3).

لماذا يلجأ هذا المحروم والمضغوط عليه والمضيّقة حياته لذلك؟ من البديهي القول ان السبب هو الهروب والبحث عن شيء اسهل واكثر قرباً من متناول اليد، فنخلق افكارا جديدة تؤيد حياة الانسان بصنمية يقرها هو ويحترمها ويسلّم لها، فهي قادرة على جعله على الاقل في حلبة المنافسة والصراع مع الحياة. الا ان ذلك قد يعود الى تقهقر فكري ناجم عن عدم وعي بأمور الحياة التي قد جعلت ظروف ذلك الانسان قاسية. ان القصور الفكري له اثر شديد في نشوء الصنمية التي قد تُحاط بهالةٍ من التقديس والاحترام، وذلك ليس لحالة الصنمية نفسها وانما بما قد تقدمه من خدمات لمفتعل الصنمية، حقيقة لم يكن هناك تهذيب لتفكيرنا من الجذور المتعلقة بالطوطمية الى وقتنا الصنمي هذا. فلم يتم وأد الطوطمية في مهدها وانما مُهد السبيل لها لتتلاقى مع صنمية الحاضر والتي قد جاءت عن طريق فكر مشوش قد لبّسته اوهام الماضي ما تسبب بقطيعة بينه وبين الافكار المنطقية، ومد جسور التواصل بينه خرافات الماضي ولا منطقية أفكاره. فكيف يتحرر ذلك العقل من اوهام تكاد تكون قد نخرت فيه كثيراً واحالته الى بقايا عقل؟ ربما يكون الطريق الصحيح لتفادي الطروحات والاوهام المبنية على انقاض الماضي، هو تطهير العقل من كل قصور قد يلحقه ونبذ مقولات الطوطمية، بعدم الرجوع اليها، فالانسان ابن يومه يصنع ما يريد وعليه ان يستند الى جذور ماضوية اصيلة وليست الواقعة في قيعان الخطيئة، والحذر الشديد من تنمية الاصنام بافكارنا واللجوء الى الفكر المنطقي الذي يأبى ان يدخل الزيف والاوهام له. ورغم اننا نتحدث عن تفكير اجيال قد ترسبت في عقولها مثل هذه الافعال غير المنوه عنها، وهؤلاء انفسهم لا يعرفون ان لهم طوطمية وصنمية فكرية، الا ان ذلك هو الواقع، فالامر يبدو سهل التغيير الا انه صعب ومع ذلك فهو ليس بمستحيل لذا قد تلاقت الطوطمية والفكرة في تقديس الشيء بأفكاره وافعاله بالصنمية النتأتية بخلق اوهام وافكار لا تمت للواقع بشيء، وانما لرغبة في الخلاص من الواقع المؤلم، والقصور العقلي الحالي خير دليل لتوافق هذين الاتجاهين.

 

الطوطمية والتراث

لما كنا شديدي التمسك بتراثنا التقليدي، فربما نكون قد اشركناه واخذنا بكل محاسنه ومساوئه في حياتنا. فهل يجوز ان نرضى بذلك لمجرد انه نابع من التراث؟ ان تجليات وتقلبات حياتنا قد جاءت من هذه الالتباسات، فلا نكاد نقبل بفكرة رفض التراث ولا نقبل بتغييره ولا نقبل بتعديله، فأصبحنا في تخبطٍ كبير لا نُحسد عليه ومن ذلك فقد استمرت طوطمية افكارنا وافعالنا وامورنا بسبب الاحتفاظ بالتراث بما فيه دون التغيير فيه والتسليم بصحة ما فيه دائماً. ان التراث ثروة لنا وقد حفل بالكثير من المعطيات والمنجزات التي لو استندنا عليها بشكلٍ صحيح لما كان ذلك وضعنا، فالمشكلة تكمن في اننا لم نحافظ على تراثنا، فبقينا في طور ادعاء الحفاظ عليه. لكننا دائماً متمسكون بالأسرع والاسهل فنلجأ الى امور اكل عليها الدهر وشرب ونضعها من ضمن تراثنا التليد. فلا عبادة وتقديس الارواح والاشياء لاضفاء نوع من القوة وتحسين الظروف شيء مقبول، ولكنها قد أُسيء فهمها بحيث باتت تشل حياتنا بشكلٍ كبير. عقولنا لا تحاول الخروج الى حيز التفكير المنطقي وتخشى ذلك. ان هذه الطوطمية قد تعاملت مع هذه العقول من علاقة الهيمنة وممارسة السلطة فذلك الانسان لم يبدع وبرزت فيه الاتكالية في كل شيء، فقد القى باموره على ما خصصه لنفسه من طوطم. فلماذا يفكر ولماذا يبدع ولماذا يجازف وقد استمرت تلك العقول بهذا المحتوى وزيف الاوهام ما انهكها ؛ الامر الذي ادى الى قوقعة تلك العقول ونزولها الى ادراك التخلف وعدم المواكبة، فلا هي تستطيع التقدم لخوفها ولا تعرف كيف تتقدم وتقاوم، ان حدوث خلل في منظومة التفكير الانسانية معناه قصور فكري يلازم فشل المجتمعات التي تنعم بهذا القصور. وربما مسألة تغيير وتعويد الفكر الخاضع لمثل هذه الاوهام هي مسألة شاقة وتحتاج الى حقب صقل طويلة.

 

الصنمية والعقلانية

ما دمنا نعيش في زمانٍ ربما تطغى عليه صيحات العقلانية، فلماذا هذه الصنمية التي ترفض الواقع وتحاول اتخاذ واقع لها مناقض؟ ان بناء الاوهام والتفسيرات الغائبة عن العقل قد تكون ناشئة من عقم التفكير والاتيان بالجديد؛ الامر الذي يؤدي الى اللجوء الى كل ما هو سهل لا يكلف افكاراً جادة، لا يمكن التقوقع في زنازين الخرافة وبناء الافكار غير المنطقية، فالحياة تسير نحو العقلانية ورؤية الاشياء بعينٍ فاحصة، فأن بقينا نتخبط بين الطوطمية والصنمية دون ان نشعر بها، ربما سيقع تفكيرنا تحت مسميات اخرى لها تأثيرات اخطر، وان حاولنا قدر الامكان تهذيب عقولنا ونزع كل الاوهام التي رسخت فيها، فربما قد نحقق الجدية في توازن منظومتنا الفكرية المدمرة. فالمضي يجب ان يكون ليس بمعاهدة انفسنا على عدم التفوه بهذه المصطلحات، فهي غائبة عن الوعي ولا يشعر بها أحدا وإنما يجب نزع جذورها من تفكيرنا وعاداتنا وتقاليدنا. فمادامت العقلية الإنسانية هي التي صنعت هذه المسميات بامكانها ايضاً ان تغض النظر عنها وتتلافاها.

 

الهوامش

1. الطاهر، د. عبد الجليل اصنام المجتمع : بحث في التحيز والتعصب والنفاق الاجتماعي، مطبعة الرابطة، بغداد، 1956م، ص6.

2. م. ن، ص10.

3. م. ن، ص6-7.