|
الثقافة والحضارة...
تواصل ام قطيعة
د. عباس رحيم عزيز
يستخدم مصطلحا الثقافة والحضارة في كثير من الاحيان
استخداما متداخلا غير ان الدراسات الحديثة ولاسيما
الاميركية تفرق بين المصطلحين تفريقا حاسما، ليدل كل واحد
منهما على جانب من (المدنية) التي هي في الواقع، حصيلة
لتفاعل كل منهما، اذ يشير المصطلح الثقافة الى كل ما هو
عقلي ومعنوي في حين يشير مصطلح الحضارة الى كل ما هو مادي
او صناعي. فالثقافة بهذا المعنى هي مجموع القيم والافكار
والعلاقات والمعايير والتقاليد داخل المجتمع، أما الحضارة:
فهي مجموع الوسائل العلمية والتقنية والصناعية لهذا
المجتمع، واعتمادا على هذا التمييز الذي ساد الدراسات
الانثروبولوجية الاميركية ترتبت عدة نتائج منها: ان كل
جماعة بشرية مهما كانت صغيرة تمتلك ثقافة خاصّة بها، وانه
لايوجد ثمة فرق في القيمة بين ثقافة واخرى وان الحضارة هي
حصيلة تراكم الانجاز الثقافي للمجتمعات التاريخية، وانه
ليس بالضرورة ان تكون لكل جماعة حضارة، لان الحضارات هي
صفات المجتمعات المتطورة(1)، وعلى هذا الاساس يمكن القول
ان لكل الحضارات ثقافات خاصة بها، ولكن ليس بالضرورة ان
تكون لكل ثقافة حضارة. وقد وجدت عبر تاريخ البشرية اكثر من
عشرين حضارة كما يقول توينبي وقد (قامت الحضارات القديمة
الخمس الرئيسة نتيجة للتحدي والاستجابة او للفعل ورد الفعل
على صور تختلف بعض الشيء من حضارة لاخرى)(1).
وبينما كان بامكان العالم قديما ان يسع اكثر من حضارة في
آن واحد، اصبح الآن بعد ان تحول هذا العالم الواسع بفعل
وسائل الاتصال الى قرية صغيرة اصبح من الصعب تعايش اكثر من
حضارة، اذ تشير كل الدلائل الى ان العالم يتجه نحو توحيد
الحضارة، وذلك عبر هيمنة نموذج حضاري واحد على امم وشعوب
مختلفة تنتمي الى اصول حضارية ـ ثقافية متباينة، وهذا ما
دفع بعض الباحثين لان يفترض بان ما سيشهده العالم من
صراعات في المستقبل ليست نتيجة خلافات سياسية او
ايديولوجية او مصلحية، وانما هو نتيجة الاختلاف في التوجه
الحضاري والثقافي (ان المصدر الجوهري للصراعات في هذا
العالم الجديد لن يكون بالدرجة الاولى ايديولوجيا او
اقتصاديا، فالانقسامات الكبيرة بين الجنس البشري، والمصدر
المهيمن للصراعات سيكون ثقافيا... لكن الصراعات الرئيسية
للسياسات الكونية ستحدث بين المجموعات المنتمية لحضارات
مختلفة وسيهيمن صدام الحضارات على السياسات الكونية،
وستكون خطوط الصراع بين الحضارات هي خطوط معارك المستقبل
وسيكون النزاع بين الحضارات احدث مرحلة في تطور النزاعات
في العالم الحديث)(2).
ان العالم وقع اكثر من اي وقت مضى تحت وطأة نزعتين:
الاولى تسعى نحو توحيده في ظل قوة مهيمنة، والاخرى تحاول
تعميق وترسيخ التنوع والتمايز، والصراع بين هاتين النزعتين
هو ما سيكون المصدر المهيمن للصراعات في المستقبل، وعلى
هذا الاساس ينصح هؤلاء الباحثون مؤسساتهم (من الواضح انه
من مصلحة الغرب تعزيز التعاون الاكبر والتماسك الاشد ضمن
اطار حضارته وبخاصة بين عناصره الاوربية والاميركية
الشمالية، واحتواء المجتمعات الغربية في اوربا الشرقية
وامريكا اللاتينية التي تعدحضارتها قريبة من الحضارات
الغربية، وتعزيز علاقات التعاون مع روسيا واليابان والحفاظ
عليهما، ومنع تصعيد الصراعات المحلية ضمن الحضارة الواحدة،
وكذلك وضع حد لاتساع القوة العسكرية الاسلامية
والكونفوشية، وتوخي الاعتدال في خفض القدرات العسكرية
الغربية والحفاظ على التفوق العسكري في شرق وجنوب غرب
اسيا، واستغلال الخلافات والصراعات التي تنشب في الدول
الاسلامية والكونفوشية، ودعم فئات في حضارات اخرى تبدي
تعاطفا مع القيم والمصالح الغربية وتعزيز المؤسسات الدولية
التي تعكس مصالح وقيم الغرب وتعتبرها مشروعة والعمل على
تشجيع وترويج مشاركة الدول غير الغربية في تلك
المؤسسات)(3). هذا هو بروتكول العمل الذي يقترحه احد ممثلي
ومنظري الغرب الامبريالي على المؤسسات الغربية من اجل
الحفاظ على التفوق الحضاري. ماذا يعني هذا بالنسبة إلينا؟
انه يعني تاصل القلق على الغرب وحضارته في جهة وتشاؤمية
النظرة الى المستقبل البشري من جهة اخرى، فهل يجوز لنا نحن
الذين نشكل هدفا للتخطيط من قبل الآخر، رفض هذه النظرية
لسبب او لآخر؟ نحن مطالبون في الواقع لابفرض هذه النظرية
او تفنيدها كما فعل البعض(4)، وانما تبنيها وخاصة بعد ان
سبق التطبيق العملي التنظير لهذه الفرضية من قبل الدوائر
الامبريالية وهو ما يؤكد واقعيتها.
ففي هذا العالم الذي لايمكن فيه الانعزال لانه يتقلص
باستمرار نحن امام خيارين لا ثالث لهما: اما السير في ركاب
الغرب والانضمام اليه والقبول بقيمه ومفاهيمه او خلق حالة
من التوازن معه عن طريق مشروع تحديثي حضاري شامل، ولن يحصل
هذا ما لم نتخلص من كل ما يقف في وجه تحقيق هذا المشروع من
عناصر لا معقولة تحاول الحفاظ على الوضع الراهن.
والحضارة العالمية لا يمكن ان تحصل عن طريق فرض أنموذج
حضاري ـ ثقافي على العالم، انما هي حصيلة تعايش نماذج
حضارية ـ ثقافية متنوعة، فعن طريق تازر هذه النماذج مع
احتفاظ كل واحد منها بمكانة خاصة ومستفيدا من نتاج
وأسهامات النماذج الاخرى تولد الحضارة العالمية، فهذا
التازر يؤتي ثماره على نحو افضل كما كانت هذه النماذج
يحكمها تنوع اشد(5). كما انه لا يرجع تنوع الثقافات
البشرية الى انعزال هذه الثقافات بعضها عن البعض الاخر،
وانما الى تجاورها واحتكاكها مما يولد الرغبة في المناواة
والتميز وتاكيد الذات، فهذا التنوع ((ليس وليد تباعد
الجماعات بمقدار ما هو وليد العلاقات التي تجمعها))(6). ثم
ان الحضارة لا يمكن ان تتحقق ((خارج اطار الزمان والمكان
ولا بمعزل عن الدول والجماعات والثقافات القائمة. وان ما
تستطيع كل جماعة ان تاخذه من هذه الحضارة راجع الى قوة
عناصرها الذاتية والمادية والبشرية والعقلية
والروحية))(7). من هنا يكون التعبير عن حضارة الغرب بانها
حضارة عالمية تعبيرا ايديولوجيا اكثر منه تعبيرا عالميا،
فهو تعبير خال من اي مضمون علمي، وغالبا ما يتخذ ذريعة
لبسط النفوذ الثقافي الغربي او الدعاية له، لان هذه
الحضارة بالاساس هي وليدة الثقافة الغربية.
والحضارة التي نشهد ازدهارها هي في الحقيقة حضارة الغرب
لانها ثمرة ثقافته وحصيلة ابداعها، ولهذا من الخطأ الفاحش
عدها حضارة عالمية او هي الصيغة الوحيدة الممكنة، ومن ثم
عدها مقياسا لغيرها من انجازات بقية الحضارات، فليست
انجازات هذه الحضارة هي الاكثر تعبيرا عن القيم الانسانية،
وما مرت به البشرية من كوارث خلال التاريخ القصير الذي
هيمنت فيه هذه الحضارة على العالم، خير دليل على عدم
صلاحية نموذجها الثقافي (فهي وان وصفت نفسها بانها ثقافة
الحرية، ترفض كل استقلالية للاخر وتتحول الى ثقافة شمولية
لا تعترف من بين العلاقات الاجتماعية العديدة المعقولة
والممكنة.. الا علاقة الفرد بالدولةن وبقدر ما تردد تمسكها
بالنظرة الانسانية تخلق وتبرر كل صنوف التمييز العنصري
وتضاعف اشكال النفي والاستبعاد)(8). لذلك اصبح التبشير
بسقوط هذه الحضارة سمة لدى مفكري الغرب، وبان هذه الحضارة
محكوم عليها بالانهيار اذا ما استمر نمط الثقافة على ما هو
عليه.
فالحضارة العالمية هي نتاج عبقرية عصر معين تشارك فيها
اجناس مختلفة، وليست نتاج عبقرية جنس معين، وهذا يفترض منا
رفض التفسيرات والتاويلات العنصرية والعرقية المتحيزة
لنشوء الحضارة، فلا تكون الحضارة عالمية الا عندما تكون
حضارة الانسان من حيث انها وريثة كل ما انتجته الحضارات
السابقة، وهي تكون عالمية انسانية عندما تكون كلية لا وطن
لها ولا تتلون بلون ثقافة معينة. وهي لا تكون كذلك الا
عندما تكون علمية، لان العلم ميدان محايد للمشاركة
الانسانية او ((كنموذج لعقلانية كونية او عالمية مستقلة عن
المجتمعات والشعوب والثقافات الخاصة))(9)، وليس من الصواب
عد الثقافة الغربية الثقافة الوحيدة القادرة على انتاج
العلم. وعلى كل حال لسنا هنا في معرض الحديث عن عوامل
قيام الحضارة وشروطهابقدر ما نريد ان نشير الى أثر الثقافة
في قيامها.
والثقافة خاصية انسانية اجتماعية، بمعنى انها ظاهرة
ملازمة للانسان، وبما ان هذا الانسان لايبقى على حال
واحدة، فان ثقافته بالتاكيد لن تكون ثابتة، وانما متحولة
متطورة بحسب الحقب والمراحل التاريخية، ومهمة الثقافة
التحول بالانسان من وضع الى اخر يواجه فيه تحديات العصر،
لانها المواجهة المستمرة للتحديات ومن هنا ندرك ألاثر الذي
تقدمه الثقافة في توجيه سلوك الانسان.
وقد حظيت الثقافة بتعريفات متعددة سواء تلك التي قدمها
علماء الانثربولوجية أو تلك التي قدمها علماء اختصاصات
اخرى، تتردد هذه التعاريف بين المفهوم الضيق الذي يجعلها
مقتصرة على النتاج الذهني العالي، وبين مفهوم اكثر شمولا
رابطا الثقافة بكل النشاطات العقلية والبدنية التي تخلق
طريقة مميزة في التفكير والسلوك لدى جماعة ما(10). فان ما
يهمنا في هذه التعاريف جميعا هو الجانب الحركي الفاعل في
الثقافة، اذ تفسر لنا بوضوح التمايز الحاصل بين جماعة
واخرى، وكذلك السلوك المميز لجماعة ما. فجميع هذه التعاريف
تشترك في نقطة اساسية هي جعل الثقافة: منظومة من المعارف
والقيم والاخلاق والعادات والاعتقادات التي يكتسبها الفرد
جراء انتمائه الى مجموعة بشرية.
فموضوع الثقافة هو: نظام القيم والمعايير الذي ينظم حياة
الجماعة ويتحكم بسلوك افرادها فضلا عن سلوكها الجماعي.
وتفترض النظرة الانثروبولوجية، ان النسق الثقافي نسق
متكامل لا يمكن تجزئته، وان له انسجاما داخليا يجعل من غير
الممكن احداث تغيير في عنصر منه دون ان يتبعه رد فعل او
استجابة على صعيد توازن النسق كله. وبهذا فأن تحول في سلوك
الجماعة لابد ان يواجه بمقاومة عنيفة . لكن السؤال الذي
يطرحه علم اجتماع المعرفة (ما الشروط التي تؤدي في نطاق
جماعة ما الى انبثاق نظام قيم معين ينظم ممارسة هذه
الجماعة ويخلق عندها حقل دلالات خاصة روحية وعقلية تصوغ من
خلالها الاسئلة والاجابات التي تسمح لها بالتكيف مع البيئة
المحيطة بها وادارة وتسيير تاريخها؟)(11). وهنا يأتي
الجواب؛ لا شك أن الثقافة لا تفهم الا بوصفها مظهرا للوعي
الذي يستوعب الانسان من خلاله فردا او جماعة العالم ويفهمه
ويجعله شفافا اي قابلا للتمثل في الذهن ، ولا تفهم الا
بوصفها استجابة لواقع موضوعي قائم خارج الذهن للغرض نفسه
بصرف النظر عن الفكرة والصورة التي يصنعها له الوعي، بيد
ان هذا الوعي وذاك الواقع لايخلقان ثقافة الا عبر المجتمع
والجماعة بوصفها صيرورة تاريخية اي كيانا متبدلا ومتغيرا
ومستقرا في الوقت نفسه . فتولد الثقافة بوصفها بنية
موضوعية تؤثر في عمل الوعي كفعل ادراك وفي طبيعة الواقع
الخارجي ، ومن العلاقة الاجتماعية والتاريخية بين الوعي
والواقع، بين الذات والموضوع ، لهذا يجب ان تفهم الثقافة
بوصفها مظهرا للوعي الانساني الذي يدرك من خلاله العالم
ويتمثله من جهة وبوصفها استجابة لواقع موضوعي خارجي من جهة
اخرى(12).
فاذا كانت الثقافة ليست ثابتة ، ولا هي كتلة جامدة او
عقلية متحجرة ، وانما صيرورة تاريخية مستمرة ، فاين يكمن
المصدر الاساسي لنمو الثقافة وتطورها؟ انه يكمن في الصراع
بين وعي الفرد الذي يحاول ان يستوعب العالم وان ينفذ اليه
مباشرة خارج الاطر الاجتماعية المفروضة عليه من قبل
الثقافة ، وبين قيم الجماعة ومبادئها التي تعدها شروطا
لوجودها ، على ان كيفية الصراع تلك لايمكن ان تحصل مالم
يتوافر المناخ الابداعي الذي يتيح للفرد امكانية الابداع .
فعندما تكون الثقافة مستبدة بشكل يكاد يكون مطلقا بحيث لا
تتيح لافرادها امكانية الخروج عليها بما تفرضه عليهم من
قيم وقواعد ملزمة وبما ترسخه من اليات تفكير تعتمد على
النسخ والتكرار، انما تقوم في الواقع بالغاء المناخ
الابداعي ، بحيث تنعدم او تكاد اي عملية خلق جديدة، وعندما
تحكم ثقافة ما على نفسها وافرادها بالتكرار فانما تحكم على
نفسها وعليهم بالجمود واالتحجر.
هنا يعني ان الثقافة كوعي جماعي منظم من صميم الواقع
ولاتنفصل عنه ، وهي لاتفقد القدرة على التعامل معه الا
عندما يتقدم الواقع الخارجي بخطوات متسارعة بفعل عوامل
خارجية مع بقاء الوعي حبيس الاطر الثقافية الموروثة .
فمصدر وجود الثقافة ونموها اذن هو علاقة التوتر بين الوعي
والواقع، وتموت الثقافة او تذبل متى ما تعمق الانفصام بين
الوعي والواقع وزالت امكانية التوتر بينهما(13). وحينذاك
فقط يصبح المجتمع فاقدَ القدرة على التحكم بمصيره
وبتاريخه.
فالثقافة هي مصدر كل النظم المعرفية والاخلاقية والفنية
والجمالية بمعنى انها هي التي تقوم بخلق هذه النظم ، في
الوقت الذي تقوم فيه هذه النظم بتكوين بنية ثقافية جديدة،
فهي اذن (جملة الانماط والقيم والقواعد والاعراف والتقاليد
والخطط الي تبدع وتنظم لدى جماعة ما حقل الدلالات العقلية
والروحية والحسية، وتحدد بالتالي لدى هذه الجماعة اسلوب
استخدامها لامكانياتها البشرية والمادية ونوعية استملاكها
لبيئتها)(14).
فالثقافة بوصفها تجاوزا للطبيعة يجعلها استجابة وحلولا
لمشاكل الطبيعة ، وعلم الانثروبولوجيا يعد الثقافة بنية
اساسية تخضع لها جميع البنى الاخرى فتجعل من النظام
الثقافي المدخل الى فهم نظام المجتمع العام على عكس
الماركسية التي تعدها بنية عليا نابعة من بنية تحتية تحدد
لها شكلها ووظائفها، ان المجتمع هو النتيجة المشتركة
للتفاعل المتبادل بين مختلف النشاطات والفعاليات العقلية
والروحية ، فهو كل واحد لاتنفصل فيه الثقافة عن السياسة او
الاقتصاد، لتشكل الثقافة ضمن النسق الاجتماعي العام نسقا
فرعيا متميزا ومستقلا لكنه في الوقت نفسه يتفاعل مع بقية
الانساق الفرعية الاخرى داخل هذا الكل المتكامل ، يتطور
معها ويستجيب لاي تغير يحصل في اي نسق اخر ليعيد مع
الانساق الاخرى حالة التوازن للنسق العام.
وليست الثقافة في الحقيقة الا المجتمع نفسه وقد اصبح
مظهرا للوعي او وعيا، وهذا الوعي هو في الوقت ذاته وعي
للذات بقدر ما هو وعي لاجزائها ومظاهرها المختلفة السياسية
والاقتصادية، واول درجات الوعي هو تحويل العالم الى حقول
دلالية، وبدون هذا التحول لايمكن فهم العالم ولا استيعابه،
فالثقافة هي اصل فاعلية الذات لانها القابلية على الربط
بين التجربة التاريخية والقضايا الراهنة ومن ثم القابلية
على حل التناقضات الداخلية(15). وان نفيها او انكار دورها
يعني نفي الذات ونفي الارادة الحرة التي هي اساس المبادرة
التاريخية، هذا النفي الذي يتم باسم التراث مرة وباسم
مواكبة الغرب اخرى .
ان الخلط الدارج بين الحضارة والثقافة احد اكبر مصادر
الفهم الخاطئ للثقافة ودورها ويعود الفضل للدراسات
الانثربولوجية في الفصل بين المفهومين، وبذلك تصبح الحضارة
امتدادا للثقافة وتجسيدا تاريخيا لها ، لان (عمل الثقافة
الاساس... هو تنظيم العالم حول البشر بنائيا ، والثقافة
تلد فعل البناء والحركة، وبهذه الطريقة تخلق محيطا
اجتماعيا حول البشر، هذا المحيط الاجتماعي مثل المحيط
البايولوجي هو الذي يجعل الحياة ممكنة، لا من حيث هي حياة
عضوية، وانما من حيث هي حياة اجتماعية)(16). وتتضمن
الثقافة الية بناء ذاتية هي اللغة اللازمة لبناء هذا
المحيط (هكذا يمكن للمرء ان يدرك تماما اهمية ان النظام
الثقافي يتضمن في القلب منه مصدر بناء قوي هو اللغة)(17).
والحضارة ظاهرة انسانية بمعنى ان الانسان وحده قادر على
صنعها، وهي مرتبة من مراتب التطور، وان الانسان يسير نحوها
بفعل التقدم المستمر، وان ليس هناك جنس بشري غير قادر على
تكوينها اذا ما توافرت الشروط اللازمة لقيامها. واهم هذه
الشروط: الابداع وتراكم الانجاز. والثقافة وحدها القادرة
على توفير هذين الشرطين الضروريين لقيام الحضارة.
فالابداع مرتبط بآليات عمل الثقافة ككل وعلاقتها
بالمجتمع والبيئة التي تعيش فيها. وتصبح الثقافة عن طريق
الابداع قدرة خلاقة على انتاج الوسائل التي يستعين بها
الانسان لمواجهة التحديات وللوصول الى الكمال، وان انتاج
هذه الوسائل وتراكمها عبر ذاكرة المجتمع غير الموروثة(18)،
هو ما يؤدي الى خلق الحضارة لان الحضارة هي النمو المضطرد
في المنظومات المادية والفعلية التي تنتقل بالمجتمع من
البدائية الى التحضر، وهو ما يؤدي الى تقدم وسائل الانتاج
وخلق تكنولوجيا متطورة، فالحضارة اذن هي ثمرة الثقافة
ونتيجتها ولكنها على اية حال ليست نتيجة حتمية لها.
فالثقافة كما قدمنا لا تعدو وان تكون نسقا فرعيا من نسق
كلي وشامل لايستقيم امرها بدونه تتاثر به وتؤثر فيه، وتقوم
بين هذه الانساق الفرعية داخل النسق العام علاقات تبادل
دائرية ومن غير الممكن تحقيق اي تقدم في اي نسق ما لم
ينعكس ذلك على النسق العام كله. وهكذا تنعكس مرة اخرى
نتائج العلم والفن والتكنلوجيا وتسهم في صياغة نظام ثقافي
جديد، اذ تتغير بنية الثقافة وتوازناتها العميقة وتتحول
على مر التاريخ تحت وطاة تأثير التبدلات الاجتماعية
والاقتصادية.
وبذلك تكون الثقافة وقيمتها عاملا من عوامل او شروط
التحول والتغيير الاجتماعي، وكذلك تضفي الحضارة على
الثقافة طاقات جديدة، تعيد توليدها وتجهيزها، وهذه العلاقة
الجدلية بين الثقافة والحضارة هي مفصل التقدم والتجدد.
والثقافة لا تقوم بهذا الدور ما لم تكن ثقافة حية مركبة
تسمح بالمرونة في التفكير وبالتناقض والصراع والجدل، بحيث
تصبح حقلا حضاريا لازدهار وتعايش وتفاعل اراء وافكار
متعددة، لا الثقافة الميتة التي فقدت كل صلة لها مع الواقع
الاجتماعي، فالثقافة الحية هي الثقافة التي تؤمن بان
التناقض والصراع هو اساس التقدم، وبهذا فقط تستطيع الثقافة
ان تتقدم خطوة نحو العالمية. ويمكن القول بشكل عام، ان
الثقافة التي لا تتمتع بنظرة انسانية عالمية ولا تتفاعل
ولا تتصارع مع غيرها من الثقافات ولا تطمح الى معرفة
انجازات غيرها ما هي الا ثقافة تعيش خارج التاريخ متقوقعة
في محليتها، وهي غير قادرة على الاطلاق ـ بسبب محدوديتها
وانغلاقها على نفسها ـ على انتاج الحضارة والمدنية .
فالثقافة الحية تتعامل مع الواقع وتؤثر فيه ، وهي لا
تكون عالمية الا اذا كانت عامة شاملة لكل مظاهر النشاط
البشري، متجاوزة المجتمعات التي انتجتها والحقب التي ظهرت
فيها لتشمل الانسانية جمعاء والتاريخ كله . ومتى ما نجحت
ثقافة ما في اظهار نفسها على انها ثقافة كونية تنظر الى
الانسان على انه أنموذج انساني وليس واقعا قوميا او محليا
ضيقا. وان تبرز قيمها على انها قيم انسانية عامة لا ترتبط
بخصائصها القومية، تصبح هذه الثقافة مؤهلة لانتاج الحضارة.
غير ان هذا لايعني التخلي عن هويتها، ذلك ان هذه الهوية
نابعة من الداخل وليس من الخارج او تندمج مع غيرها من
الثقافات، كما ان الحفاظ على الهوية لا يعني الانسحاب من
العالم ،وان تاكيد الذات لا يعني رفض الحضارة العالمية.
ذلك ان مشكلة الذات او الهوية الان هي الفاعلية الحضارية
او المشاركة في هذه الفاعلية.
فاذا كانت الثقافة تعبر عن الهوية عن طريق نظام قيم معين
ينظم ممارسة الجماعة ضمن حقول دلالية خاصة فانها تعبر عن
هذا النظام اي عن الاعراف والافكار والمعاني بواسطة الرمز،
والانسان الكائن الوحيد القادر على الترميز وخلق الرموز،
والثقافة في حقيقتها اصطناع الرموز ومن ثم استخدامها. وذلك
بان يعطيها الانسان من الدلالات والمعاني ويحملها من
المفاهيم والافكار ما ليس فيها او ما لم تكن تحملها.
وخصوصية الثقافة راجعة بالدرجة الاولى الى الاختلاف في
دلالات رموزها، فالرمز (هو البديل التعبيري المادي للاشياء
والظواهر والمفاهيم التي يستخدمها مجتمع من المجتمعات في
عملية تبادل المعلومات)(19). وسواء كان الرمز لفظة أو حركة
فانه يقوم بدور البديل عن المعاني وبذلك تسهل عملية
التواصل بين افراد الجماعة الواحدة، ولكل ثقافة نظام رمزي
خاص، ومن هنا تكتسب الثقافة جنسيتها، والحديث عن الاختلاف
بين الثقافات هو في الواقع حديث عن الاختلاف في انظمتها
الرمزية، وللنظام الرمزي يرجع الفضل في ابتعاد او اقتراب
الثقافات بعضها عن البعض الاخر، ان هيمنة ثقافة ما على
اخرى يعني انها تفرض نظام رموزها او بعض دلالاته على تلك
الثقافة.
والبيئة الرمزية اللاواعية والاعتباطية التي تدرك
بمضامينها النفسية المباشرة هي التي تقرب بين افراد
الجماعة وتجعلهم يخضعون لنفس المؤثرات ويشتركون بنفس
المشاعر، ويستجيبون بطرائق متشابهة ويتمتعون بمواقف واحدة
ويعيشون الصراعات والتحديات ذاتها. هذه البنية هي الاساس
الراسخ لكل ثقافة وهي ما تجعل عملية التواصل بين افراد
الجماعة عملية ممكنة فيصبح النظام الرمزي المتحكم الاول في
سلوك الافراد وفي تفكيرهم، والعامل الاساس في تشكيل وعيهم
الاجتماعي والسياسي ومن ثم تشكيل عقل خاص بهم.
والعقل بوصفه نظام التفكير هو من نتاج الثقافة ، فكل
ثقافة قادرة على تكوين عقل خاص عن طريق فرض طريقة معينة في
التفكير، وهذه الطريقة هي مجموعة اليات او (جملة الطرائق
والمعايير التي تحكم رؤية الانسان للواقع .. وتحدد كيفية
استيعابه لهذا الواقع)(20). فاذا كانت الثقافة هي التي
تكّون العقل كفاعلية وتشكّله وتطبعه بطابعها، فان العقل
العربي هو من نتاج الثقافة العربية فاالعقل العربي (هو
الذي تكّون وتشكّل داخل الثقافة العربية في الوقت نفسه
الذي عمل هو نفسه على انتاجها واعادة انتاجها)(21)، فهذا
العقل هو الذي يقوم بتحديد القيم الاجتماعية والفنية
والجمالية التي اسهمت في تحقيق بناء جديد للثقافة ، وقيمة
كل ثقافة تنبع بالضبط من قدرتها على بناء عقلية وشخصية
مستقلة ومبدعة.
والنهضة الحضارية بالتأكيد مسألة متعلقة بشروط كثيرة
تاريخية واجتماعية واقتصادية وما يهمنا هنا الشروط
الثقافية اللازمة لتحقيق نهضة ثقافية وهي شرط اساسي لقيام
النهضة الشاملة، ونحن عندما نطرح المسألة الثقافية، وان
النهضة الثقافية شرط لازم للنهضة الحضارية، فانما نؤكد
بذلك دور الوعي في توجيه الممارسة العامة. فغالبا ما تطرح
المسالة الثقافية من زواية صلاحية أو عدم صلاحية الثقافة
العربية للحياة العصرية، بمعنى مدى نجاعة منظومة القيم
التي تحملها بالمقارنة مع الثقافة الغربية ، وبذلك تكون
المطالبة بالنهضة الثقافية تعني شيئا واحدا لا غير. انها
تعني أن ثقافتنا غير قادرة على استيعاب الحضارة الحديثة .
فهل ثقافتنا بما هي عليه الان، قادرة على رد التحدي
الثقافي الغربي الذي يحاول فرض التراجع عليها وذلك
بحرمانها من مكانتها ودورها في المجتمع والاحلال محلها في
ميادين العمل والانتاج والممارسة العامة ؟ وهل الثقافة
العربية الان قادرة على انتاج الحضارة مرة اخرى؟ ومن ثم
التحول الى مركز استقطاب حضاري. بمعنى كيف يمكن بعث الحياة
العربية واعادة الاستقلال التاريخي للذات العربية؟ وكيف
يمكن تجاوز ازمة العقل العربي والثقافة العربية؟ وكيف يمكن
جعل الفكر العربي قادرا على الابداع وانتاج ما يتصف بالجدة
والفاعلية؟ كل هذه التساؤلات مشروعة في ظل الوضع الراهن
للعالم العربي.
ان المهمة الاساسية التي يجب ان يطرحها العقل العربي على
نفسه قبل كل شيء في مسالة النهضة هي تطوير الثقافة والنهوض
بها، وكما هو معلوم لدى الجميع ان ثقافتنا: كاية ثقافة
اخرى تحمل الشيء الكثير من عناصر المعقول الى جانب عناصر
اللامعقول، وهي قائمة على مجموعة من الثنائيات التقابلية
بين الداخل والخارج، بين المحسوس واللامحسوس بين الواجب
والممكن، بين الذات والموضوع. فالروح والجسد في نظام
الانسان والسماء والارض في نظام الكون، والدنيا والاخرة في
نظام الدين، والحسن والقبيح في نظام الاخلاق. وهي تفصل
فصلا حادا يصل حد التناقض بين طرفي كل ثنائية، فلا يمكن
امتلاك طرف الا بالتخلي عن الطرف الاخر . وان مهمتنا هي
الفصل بين المعقول واللامعقول ، داخل هذه الثنائيات وهو ما
قام به الدارسون العرب خلال الربع الاخير من هذا القرن ،
فجاءت اعمال (ادونيس) و (حسن حنفي) و(محمد عابد الجابري)
وغيرهم تجسيدا لهذه المهمة . جاءت هذه الاعمال في سبيل
بلورة رؤية ومنهج لاهتماماتنا الفكرية المعاصرة ، وتكوين
ثقافة تنمي قوى الابداع لدى الفرد، ثقافة تكون عناصرها
ومقوماتها الاساسية: التراث وقد نقد وفهم فهما سليما،
والواقع العربي وقد حلل ودروس، والواقع العالمي وقد توضحت
معالمه، والمستقبل العربي وقد حددت اهدافه ومنطلقاته(22).
بحيث تتحول ثقافتنا من (دعوة الى العلم والعقل والحداثة)
الى ثقافة (العلم والعقل والحداثة).
وكنا فيما مضى قد ركزنا على محاولات تحديث الفكر العربي
وكانت هذه المحاولات في جملتها علمية عقلنة من الخارج ،
ونحن الان سنحاول تناول مشاريع ودراسات حاولت عقلنة هذا
الفكر من الداخل(23). وذلك عبر محاولات تجديد بناه
التقليدية من الداخل بقراءة التراث قراءة علمية وموضوعية ،
وتفسير التراث تفسيرا تقدميا، لان كل (تاسيس لمشروع
مستقبلي لابد ان يناقش الاسس والمبادئ اي المفاهيم العقلية
التي توجه العمل وتبلور معالم المبادرة والممارسة)(24).
يقدم علي احمد سعيد دراسته (الثابت والمتحول) وكان قد
خرج في كتابه (مقدمة للشعر العربي) بنتيجة مفادها ان
الاتباعية توجه الذائقة العربية وتسود النظرة العربية
للادب وللشعر فجاءت دراسته مشروعا (لوصف الثقافة العربية
كما هي في ثابتها ومتحولها بغية فهمها كما هي من اجل
تغييرها كما يجب أن تكون )(25). فقاده البحث الى دراسة
جوانب الفكر العربي، وتشخيص قيم الثبات والتحول ومحاولة
فهم العلاقة القائمة بينهما. فعرض مظاهر الثبات والتحول
منذ مجيء الاسلام وحتى منتصف القرن الثاني للهجرة ، اذ
استقرت اصول كل منهما . والنتيجة التي خرج بها ان ثمة
منحنيين داخل الثقافة العربية هما: منحى الاتباع ، ومنحى
الابداع. وان العلاقة بين المنحنيين ليست علاقة جدلية، بل
علاقة تناقضية يسودها العنف، وهو ما سيؤدي الى تغليب احد
المنحنيين (ان الاسلام يحمل في كيانه امكانيات الابداع
والاتباع معا وان تاريخه سار على طريقين: طريق التحول ،
وطريق الثبات ، وان ماساة الثقافة العربية جاءت من لقاء
هذين التيارين، لقاءً جدليا بل التقيا لقاء تناقض، وكيف
قضى احدهما على الاخر ولقد شاءت الظروف ان يكتب النصر
للاخذين بالاتباع والمنتصرين للثبوت)(26)، وقد ادى تغليب
منحى الاتباع على المنحى الاخر الى ترسيخ جملة خصائص في
الذهنية العربية السائدة منها اللاهوتانية التي تغالي في
الفصل بين الواجب والممكن ومنها الماضوية التي ترسخ التعلق
بالمعلوم ورفض المجهول(27).
ومنحى الثبات كما يعتقد اودنيس مرتبط بالنظام وسلطته
والقيم التي حاول ان يرسخها هذا النظام ، كما ان منحى
التحول مرتبط برفض النظام ومحاولة الانسلاخ عنه وبالقيم
التي يطرحها هذا الرفض. ولكي تنهض الحياة العربية ، ولكي
يبدع الانسان العربي لابد من تهديم البنية التقلدية بنية
الثبات للذهن العربي ، فاذا كان هذا النهوض يتطلب اولا
(الهدم) فان هذا الهدم يجب ان لا يكون (بآلة من خارج
التراث العربي ، وانما يجب ان يكون بآلة من داخله ، ان هدم
الاصل يجب ان يمارس بالاصل نفسه)(28). فكل تفسير يجب ان
ينطلق من الايمان بان اصل الثقافة العربية ليس واحدا،
وانما اصول متعددة تتراوح بين منتهى التقدمية ومنتهى
الرجعية. وبذلك يكون اودونيس قد وضع ايدينا على امكانيات
التحول الكامنة في الثقافات العربية . ولهذا علينا ان
نختار من هذه الاصول ما يؤكد حرية الارادة لا التي تسلبها
، وما تشجع على صنعه الحقيقة لا التي تستهلكها، وما يدعم
الابداع والتحول لا ما يرسخ التقليد والثبات ، لان من لا
يتحول لا يتقدم ، ومن لا يتقدم يسقط في دائرة التخلف ومن
يتخلف عن الركب يخرج من القافلة ومن ثم يخرج من التاريخ.
اما حسن حنفي فانه يطرح في مشروعه النهضوي التحليلي
(التراث والتجديد) قضية في غاية الاهمية الا وهي اعادة
الاختيار بين بدائل مطروحة من داخل التراث طبقا لحاجات
العصر. ان مهمة (التراث والتجديد اذن اعادة كل الاحتمالات
القديمة بل ووضع احتمالات جديدة واختيار انسبها لحاجات
العصر، اذ لا يوجد مقياس صواب او خطا نظري للحكم عليه بل
لا يوجد مقياس علمي... ان الاختيار المنتج الفعال المجيب
لمطالب العصر هو الاختيار المطلوب)(29). والان بعد ان تغير
الوضع كثيرا اصبح الاختيار القديم المفروض مرفوضا فمطلبنا
هو ما رفضناه قديما ، فالفكر الذي ساد عشرة قرون والذي كان
يعطي الاولوية في (الفعل والعلم والحكم والتقييم) لغير
الانسان ويسلبه حرية الارادة ويجعله يعاني من الضياع، اخذ
زمام المبادرة ، ليجعل حسن حنفي من سيادة هذه الرؤيا احدى
معوقات النهوض وسببا من اسباب الانحطاط ، ومن ثم فان
الاختيار البديل موجود في صلب التراث وهو البديل الذي لم
يسد لسوء الحظ كما يقول الا قرنا او قرنين من الزمان
لماذا؟ لان هذا البديل يضفي على الانسان زمام المبادرة
التاريخية ويجعله قوة فاعلة، وذلك باعطائه الاولوية في
العقل والعلم والحكم والتقويم ، وبهذا يعود الانسان الى
الطبيعة منظرا اياها وفاعلا فيها ومكتشفا لقوانينها(30).
ولا يهمنا هنا نجاح او عدم نجاح هذا الاختيار او البديل
، بقدر ما يهمنا هذا الوعي الجديد والتحول في عملية تحديث
الفكر العربي وعقلنته من الخارج إلى الداخل ، بمعنى ان
العملية لن تتم من الان فصاعدا بوساطة اثر خارجي او مركبات
ذهنية مجلوبة من الخارج، بل بوساطة البحث عن عوامل القوة
من داخل التراث نفسه . وهو ما يشكل نقطة تحول كبيرة في
الوعي بالتراث ومن ثم بالموقف منه.
ثم ياتي دور الدكتور محمد عابد الجابري الذي قام بتحليل
ابيستمولوجي نقدي للخطاب العربي المعاصر ، فوجد ان هذا
الخطاب لم يسجل اي تقدم في اية قضية من قضاياه . وهو في
مجمله سجين بدائل مطروحة سلفا مما اوقعه في (ازمة ابداع)
بمعنى انه غير قادر على ايجاد حلول جديدة وفعالة
لقضاياه(31). مما جعله يحاول ان يكشف النقاب عن الالية
الذهنية المنتجة التي جعلت الفكر العربي يعاني من هذه
الازمة فادى به التحليل الى رصد ثلاثة نظم معرفية متمايزة
ومتعارضة داخل الثقافة العربية التي حدد بدايتها في عصر
التدوين والترجمة . ومهمة مشروع الجابري (نقد العقل
العربي) كما يصرح هو (استئناف النظر في الثقافة العربية
الاسلامية من جهة اولى وبدء النظر في كيان العقل العربي
والياته من جهة ثانية)(32). وهو عندما يؤكد ان كلا من
النظامين المعرفيين العرفاني والبرهاني كانا قد دخلا دائرة
الثقافة العربية الاسلامية من الموروث الثقافي القديم
فانما يؤكد ان النظام المعرفي البياني هو النظام الوحيد
الذي نبع من داخل هذه الثقافة ، فهو نظام ولد من دائرة
البيان العربي كما قننته ورسخته علوم اللغة ، وعلى هذا
الاساس يمكن القول بحسب رايه ان العقل العربي توافر على
امكانية واحدة او قاعدة ابيستمولوجية واحدة تؤسس للانتاج
النظري قوامها ربط الفرع بالاصل لمناسبة بينهما ، واستخدام
هذه القاعدة على انها آلية ذهنية معرفية في جميع العلوم
العربية والاسلامية(33). وهذا يعني ان العقلية العربية لم
تبدع غير (القياس) آلية منهجية لانتاج المعرفة ، وان هذه
الالية كانت مفروضة على العقل العربي بواسطة اساليب البيان
العربية المتوفراة عليها اللغة ، وما ترسخه هذه الاساليب
من تصورات ، ونحن وان كنا لا ننكر دور اللغة في الفكر
لكننا لا نستطيع تصور ان القياس كان مفروضا على العقل
العربي من قبل اللغة وان الانسان العربي لا يستطيع ان يفكر
الا بوساطة هذه الالية ، بينما الحقيقة ان هذه الالية كانت
اختيارا استنبطها البعض من اساليب البيان العربية، لان
جمهورا كبيرا من العلماء والمفكرين الناطقين باللغة
العربية والتي تمارس عليهم التاثير نفسه في التصورات
ينكرون حجية (القياس) ويرفضون العمل به سواء في علوم اللغة
ام علوم الدين .
ولتجاوز ازمة الابداع في العقل العربي والخروج منها يطرح
ضرورة اعادة بناء الذات العربية بالشكل الذي يجعلها قادرة
على مواجهة تحديات العصر والاستجابة لمتطلباته وان ذلك لن
يتم الا باعادة بناء الماضي من جديد عبر تفكيك عناصره
وقرائته قراءة عقلانية وموضوعية بحيث يصبح كلا جديدا
قادراً على تاسيس نهضة جديدة . لان اي انطلاقة لا يمكن ان
تحصل الا من التراث كما لا يمكن ان يحصل الابداع الا من
داخل الثقافة(34).
تلك ثلاثة نماذج من المشاريع الفكرية التي حفل بها القرن
العشرين والتي حاولت تحديث العقل العربي والثقافة العربية
من الداخل ، وذلك بالبحث عن عوامل القوة في التراث نفسه.
فاذا كانت مسالة النهضة الحضارية والتقدم التاريخي هي
التعبير عن علاقة الجماعة بالتاريخ ومكانتها وموقعها فيه ،
فان تيارات الفكر العربي الحديث والمعاصر كانت بمجملها
محاولات للبحث عن توازنات حضارية جديدة منذ ان تغلب الغرب
الاوربي على الشرق العربي. ولهذا كانت الحاجة الى ثقافة
حية قادرة على زرع روح المبادرة والابداع واضعاف روح
التقليد والاتباع ، بحيث يمكن ان تنجح هذه الثقافة في
التغلب على تناقضاتها الداخلية وفي السيطرة على بيئتها
الخارجية ومن ثم تجاوز أزمتها ، تلك الازمة التي تجعلها
تراوح بين الاتباع والتبعية .
واذا كان نظام الثقافة لجماعة ما يتحدد بحسب التصور الذي
ترسمه تلك الجماعة لكل من (الكون) و (الانسان) و (الطبيعة)
وللعلاقة فيما بين هذه العناصر الثلاثة، فان في داخل
الثقافة العربية هناك تصوران لهذه العناصر ولطبيعة العلاقة
بينهما وهذان التصوران يقتسمان اوساط (العامة) واوساط
(الخاصة) ويؤسسان لنمطين ثقافيين متباينتين ، ويتحدد كل
واحد منهما بعلاقته بالاخر هما: نمط ثقافة (المركز) ونمط
ثقافة (الهامش) على اساس ان الاول ساد اوساط واسعة من
المجتمع ، وهو نمط محافظ يدعم التقليد ويرسخ الاتباع عبر
تبنيه اليات تفكير نمطية اجترارية ، وفي هذا النمط لا توجد
حدود بين ارادة الواجب وارادة الممكن ، اذ يغيب الممكن
ويلغى تماما ، فلا وجود لحريته وارادته ، والوقائع جميعا
مصدرها ارادة الواجب . والنمط الاخر تقهقر الى الخلف
وتراجع الى منطقة الظل ، هو نمط الثقافة المتمردة الذي
حاول الخروج على العلاقات السائدة ويدعو الى التحول
والتغيير عبر خلق علاقات جديدة .
وان مصير النهضة العربية الحديثة متعلق بدعم النمط الذي
يمكّن للعقل العربي من استيعاب الحضارة ومنجزاتها ويعينه
على الخروج من ازمته ومواجهة التحديات ، ويرد للمجتمع
العربي قدرته على التجدد ذاتيا واخذ زمام المبادرة
التاريخية مرة اخرى.
الهوامش
1. ينظر، زيادة، د. معن، معالم على طريقة تحديث الفكر
العربي، عالم المعرفة، الكويت: 1987، ص44.
2. مؤنس، د. حسين، الحضارة، دراسة في أصول وعوامل قيامها
وتدهورها، عالم المعرفة الكويت: 1987، ص19.
3. الدايني، واثق، (التحليل النقدي في مواجهة مرتكزات
فرضية صموئيل هنتغتن وتناقض استنتاجاته). الموقف الثقافي،
تصدر عن دار الشؤون الثقافية العامة، العدد 17، السنة 3،
1998، ص15.
4. م، ن، ص24.
5. ينظر، م، ن، ص15.
6. م، ن، ص166.
7. غليون، د. برهان، اغتيال العقل، محنة الثقافد العربية
بين السلفية والتبعية، دار التنوير، بيروت، ط2، 1987،
ص307.
8. م، ن، ص132.
9. م، ن، ص189.
10.عرف تايلور الثقافة بأنها »ذلك المركب الكلي الذي
يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأدب والأخلاق
والقانون والعرف والعادات والقدرات الأخرى التي
يكتسبهاالإنسان بوصفه عضواً في مجتمع«. وعرفها مالينوفسكي
بأنها: »جهاز فعال ينتقل بالإنسان في هذا المجتمع أو ذاك
في بنية أو في سياق تلبية لحاجاته الأساسية«. وعرفها
غوستاف فون غربناوم بأنها: »نظام مغلق من الأسئلة
والأجوبة المتعلقة بالكون والسلوك الإنساني« وعرفها
رايموند ويليامز »بأنها طريقة شاملة للحياة«.
11. اغتيال العقل ص85.
12. ينظر، م، ن، ص86.
13. ينظر، م، ن، ص87.
14. م، ن، ص88.
15. ينظر، م، ن، ص94.
16. مدخل إلى السيميوطيقا، مقالات مترجمة ودراسات، إشراف
سيزار قاسم ونصر حامد أبو زيد، دار الياس العصرية، بيروت،
ج2، ص133.
17. م، ن، ص133.
18. إذ يعرف بوريس أوسبينسكي الثقافة بأنها »الذاكرة غير
الموروثة للجماعة« م، ن، ص134.
19. مدخل إلى السيميوطيقا، ص103.
20. اغتيال العقل ص96.
21. تكوين العقل العربي، ص5.
22. ينظر عبد الدايم، د. عبد الله، في سبيل ثقافة عربية
ذاتية، ددار الآداب بيروت، ط1، 1983، ص16.
23. العقلنة من الخارج، ومن الداخل، تعبيران للدكتور عبد
الله العروي، في العرب والفكر التاريخي.
24. اغتيال العقل، ص21.
25. سعيد، علي أحمد، الثابت والمتحول بحث في الاتباع
والإبداع عند العرب، ج1، الأصول دار العوددة بيروت، 1974،
ص32.
26. م، ن، ص16.
27. ينظر، م، ن، ص27.
28. م، ن، ص22.
29. حنفي، د. حسن، التراث والتجديد موقفنا من التراث
القديم، دار التنوير، بيروت، ط1، 1981، ص18.
30. ينظر، م، ن، ص18 وما بعدها.
31. ينظر، الخطاب العربي المعاصر، ص5-20-39.
32. تكوين العقل العربي، ص6.
33. ينظر، م، ن، ص131.
34. ينظر، م، ن، ص131.
|