ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

جدل الدولة والمجتمع في العراق

 

دراسة تحليلية

سوسيولوجيا السياسة في عراق الدولة الحديثة

د.علي وتوت

لاشك في أن هنالك حدّاً فاصلاً بين الدولة والمجتمع. ويمكن أن يكون هذا الحدّ بين الدولة والمجتمع خيطاً رفيعاً شفافاً بحيث لا تراه إلا عين الباحث المقمش، مثلما يمكن أن يصبح هذا الحدّ جداراً عالياً يفصل بينهما في بعض الأحوال، وذلك بحسب النسق السياسي في المجتمع »ويشير هذا المصطلح إلى تأسـيس أنماط السـلوك السياسي في المجتمع، على أنها لا تُعدُّ ممثلةً لنظامٍ قيمّي. وطبقاً لهذا التحديد تمثل المؤسـسة السـياسـية وحدة ذات أهمية عامة متداخلة تقوم على مجموعةٍ من الأدوار التي تؤدي نشاطاتها بشكلٍ تعاوني، والمصطلح بالتالي يضّم مفهومات عدة«. فإذا ما كان النسق السياسي للمجتمع منبثقاً من المجتمع ممثلاًًً لهمومه وطموحاته، صارت الدولة مجتمعاً بمعظم أطيافه، وصار المجتمع دولةً بانتمائه للهوية الوطنية، فيدافع أفراده وجماعاته عن الدولة، ويحمونها، ويحرصون على أموالها، لأنها تمثلهم. والعكس بالعكس. وفي العلاقة القائمة بين المجتمع والدولة، نفترض وجود مستويين:

الأول: عناصر القوة والضعف في الدولة والمجتمع.

الثاني: جدل العلاقة بين المجتمع والدولة.

وسوف نحاول في هذه المادة أن نستعرض كلاً من هذين المستويين من مستويات العلاقة.

المستوى الأول  : عناصر القوة والضعف في الدولة والمجتمع: ويتمثل بعناصر القوة والضعف في طرفي العلاقة، أي الدولة والمجتمع. وهو يتضمن وجود ثلاثة أنواع من العلاقات بحسب عناصر القوة والضعف بين طرفي العلاقة، وهذه الأنواع هي:

دولة ضعيفة ومجتمع قوي.

دولة قوية ومجتمع ضعيف.

توازن قائم على دولة فاعلة ومجتمع مدني مؤثر

وكما هو واضح فإن العلاقة بين الدولة الحديثة و»المجتمع في العراق«(1) قد مرت بجميع هذه الأنواع في مرحلة من مراحل عمر هذه العلاقة. إذ وصلت في بعض السنوات إلى حدود التوازن بين الدولة والمجتمع. كما أنها مرت بأسوأ أنواع العلاقة، كما تجسد واضحاً في سنواتٍ عدة، وذلك عندما وصل التناقض بين الدولة الشمولية والمجتمع المدني في العراق حداً لم يعد ممكناً معها سوى قضاء أحدهما على الآخر!. ولنا أن نستذكر هنا ما حدث بأعقاب انتفاضة مارس (آذار) 1991، وأيضاً ما حدث بعد احتلال بغداد في أبريل (نيسان) 2003، ولم يدرك المجتمع أن اختفاء الدولة سيقود إلى ضياعه بالتأكيد، هذا فيما يخص المجتمع ومحاولته التخلص من الدولة القاهرة القامعة. أما الدولة العراقية الراحلة فقد عملت جاهدة طوال سني عمرها على قهر المجتمع في العراق (وهذه أولى وظائفها، إذ إن واحداً من تعريفات الدولة هي أنها الجهة المحتكرة للعنف بموافقة أفراد المجتمع) لكنها عملت على قمع المجتمع، بل إنها قد حاولت مرات عدة، القضاء عليه بشكلٍ شبه تام، وكما حدث في سنوات الثمانينيات والتسعينيات في القرن الماضي، حينما سحقت الدولة المجتمع المدني بعسكرته في الثمانينيات، من رياض الأطفال حتى الجامعات في المؤسسة التربوية، وهكذا بقية مؤسسات المجتمع، فالموظفون المدنيون يشاركون في الخدمة العسكرية بمليشيات ما يدعى (الجيش الشعبي)، أو ما يدعى بنظام (المعايشة) مثلاً، هذا فضلاً عن الجيش النظامي الذي بلغ تعداده قبل احتلال الكويت أكثر من مليون، هذا أولاً.

وبتجويعه واستغلال آليات الحصار في التسعينيات، للعودة بـه إلى أشكال التنظيم القبلي شبكات القرابة، وشبكات التضامن المحلي في صورة إعادة تنظيم للدين الشعبي حول الجوامع والشخصيات الدينية.

وفي الأسطر الاتية سنحاول أن نستعرض كلاً من هذه الأنواع في علاقة الدولة بـ (المجتمع في العراق) بشيءٍ من التفصيل:

 

دولة ضعيفة ومجتمع قوي...

(المجتمع ضد الدولة... دولة ضعيفة):

تعاني الدولة العراقية الحديثة في عهدها الثالث (منذ أبريل 2003) من الضعف والتردي، كأنه ردة فعل لقوة الدولة السابقة وجبروتها. ولكن الدولة الحديثة الراحلة في العراق كانت قد عانت من الضعف في مرحلة تأسيسها في العقد الثالث من القرن السابق، أبان بدء العهد الملكي، ولعل هذا ما دعا الملك فيصل إلى أن يكتب في مذكراته: »أقول وقلبي ملآن أسى أنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خيالية خالية من أي فكرة وطنية متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائما للانتفاض على أي حكومة كانت، نحن نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعباً نهذبه، وندربه، ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف، يجب أن يعلم أيضاً عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين، وهذا التشكيل«(2).

وفي الوقت نفسه شعر الملك أنه لن يكون هنالك تقدم صلب باتجاه دولة أصيلة من دون تقوية الجيش. ونظراً لان الحكومة كانت (أضعف بكثير من الشعب) ـ كان هناك في البلاد عام 1933 »نحو أكثر من (100) ألف بندقية بينما كانت الحكومة لا تملك غير (15) ألفاً فقط«(3) يبدأ فيصل مذكرته الشهيرة أحوال العراق بالقول »أًن البلاد العراقية هي أجمل البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية. ذلك هو الوحدة الفكرية والمليّة والدينية. فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها«. ويأخذ فيصل على خصاله من الوزراء ولا مبالاتهم بالمطالب المذهبية، »فعدم المبالاة بالرأي بتاتاً، مهما كان حقيراً، خطيئة لا تغتفر« فضلا عن، ان الحكومة، برأيه، »أضعف من الشعب بكثير«(4). والآن لنحاول أن نسأل: بماذا تذكرنا قراءة الملك فيصل الأول لوضع الدولة المجتمع في العراق قبل أكثر من سبعين عاماً؟

 ثانياً: دولة قوية ومجتمع ضعيف...

((الدولة ضد المجتمع... سحق المجتمع):

مع العقد الثاني من عمر الدولة العراقية الحديثة الراحلة، وحالما بدأت قوة الدولة تصبح أمراً واقعاً قامت بضرب المجتمع، بل بسحقه مراتٍ ومرات بعد ذلك، ولنا أن نستذكر بهذا الشأن ثلاث حوادث تاريخية، أولها تمرد يوليو (تموز) عام 1933 الذي قامت به مجموعة من الآثوريين المرتبطين بالحكومة البريطانية والناشطين أيام الاحتلال البريطاني في مليشيات أسسها البريطانيون تسمي قوات (الليفي) وارتكبت عدداً من المجازر ضد العراقيين العرب، وقد تم سحق التمرد الآثوري بعنف وقسوة غير مبررتين تماماً، ومبالغ فيها، على الرغم من برقيات الملك فيصل الأول التي كانت يبعث بها من خارج العراق، إذ كان يعالج من مرض ألمَّ به، وقد طالب فيها المسؤولين بالتعامل باللين والتحلي بالصبر مع المتمردين(5). وثانيهما حينما تكررت المناسبة ولكن جنوباً إذ سحقت الحكومة تمرداً فلاحياً قامت به القبائل العربية الشيعية في إقليم الفرات الأوسط في شهر مايو (أيار) 1936. وقاد العقيد بكر صدقي بنفسه القوات الحكومية ضد المتمردين، من أبناء عشائر هذه المنطقة، الذين قاوموا بالأمس القريب جحافل القوات الاستعمارية البريطانية من أمثال عبد الواحد الحاج سكر ومحسن أبو طبيخ وعلوان الياسري(6). وثالثهما حينما تم سحق الانتفاضة التي قامت في مدن بلدات وقرى الوسط والجنوب العراقي في مارس (آذار) 1991 بأعقاب حرب تحرير الكويت.

ولكن بين هذين التاريخين (1933) و(1991)، ظلت الدولة العراقية تتعامل بعنف وقسوة فوق المعتاد مع مجتمعها، بل وفوق جميع ما يقال عن احتكار الدولة للعنف، إذ ظلت تسحق انتفاضات وثورات مجتمعها أينما قامت في الشمال والجنوب والوسط، ولم يسأل القائمون على الدولة أنفسهم: لماذا تقوم هذه الانتفاضات والثورات على الدولة؟

ومثلما أشار أحد المؤرخين العراقيين: فإن »ثمانين عاماً مضت، والعراقيون لايعتنون إلا بدولتهم، ولا يفخرون إلا بها، ولا يصفقون إلا لزعاماتهم...! ونسوا بأن لديهم مجتمعاً حيوياً ونشيطاً جداً بحاجة إلى عناية فوق العادة«(7) وإذا ما كان ذلك التباهي مبرراً من قبل عامة الأفراد، فإن هذه العناية بالدولة ونسيان المجتمع وإهماله ليس له ما يبرره من حكام الدولة العراقية الذين كانوا يمارسون حكمهم وفقاً لنوعين من ميكانيزمات التعامل مع المجتمع، فهم إما يقومون بإهمال المجتمع، أو التعامل معه بعنفٍ وقسوة وقهره، وإلزامه وقمعه.

وفي الواقع فإن اثنين من حكام العراق التسعة كانا مسالمين في التعامل مع المجتمع ـ نتحدث هنا مستندين على شخصنة الدولة العراقية ككل ـ هذان الحاكمان هما الملك فيصل والزعيم عبد الكريم قاسم، وبينما عرف الأول كيفية التعامل لبناء الدولة والمجتمع، إذ تعلمنا وصية الملك فيصل الأخيرة عن عمق فهمه للعراقيين، وإذا كان الرجل قد نجح في تأسيس دولة مستحدثة فانه لم ينجح في تغيير مجتمع وتحديثه، إذ لم يمهله القدر لبناء المجتمع مثلما أراد. وهذا ما يمكن تلمسه عند كل الحكام الذين أعقبوه في حكم العراق والذين لم ينجحوا أبداً في خلق أية ركائز تاريخية وبنيوية في حياة المجتمع العراقي  على الرغم من عشق بعضهم للعراق والعراقيين(8). أما (قاسم) فعلى الرغم من تعامله بسلميةٍ مبالغ بها مع المجتمع، فإنه فشل في كلا المشروعين، أي في بناء الدولة وفي بناء المجتمع (ولهذه القضية شأنٌ آخر، سنحاول أن نتطرق إليه في مادة أخرى).

ولكن، ومنذ أن (تشخصنت) السلطة العراقية الحديثة ومن ثم الدولة العراقية الحديثة ككل، وذلك في مرحلة ما بعد فيصل الأول، فإنها تخلت عن مهماتها الأساسية وهي حلّ التناقضات التي يزخر بها المجتمع  في إطار من الشفافية والحياء للتحول إلى فريق من فرقائه، فارتدّت بذلك عن أن تكون دولة، لتصبح مجرد هياكل وظيفتها الأولى والأخيرة، مركزة العنف أو تجميع أجهزة إنتاجه وإعادة توزيعها وتسويقها في كل مرة كأنها الشرعية القائمة التي لا يطالها المراجعة والنقد. وليس غريباً إذن أن تتستر وراء شعارات الوحدة الوطنية، ومقاومة التطرف والعمالة، و(الديمقراطية المسؤولة)، لتقوم بكل أصناف الإبعاد والنفي والملاحقة والتشريد لجماعات اجتماعية وسياسية واسعة سدّت إمامها كل منافذ المشاركة السلمية(9).

 

ثالثاً: توازن قائم على دولة فاعلة ومجتمع مدني مؤثر:

إذا كان الاقتصاد المتين والمتوازن هو أول شروط بناء الدولة الفاعلة والمجتمع المدني المؤثر، فإن مثل هذه الوضع الاقتصادي قد مر به العراق في عقدين من عمر دولته الحديثة الراحلة، وهما عقدا الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

لا شك أن مرحلةً جديدة في العلاقة بين المجتمع والدولة قد بدأت منذ بداية النصف الثاني من عقد الأربعينيات، وجنى المجتمع المدني ثمارها منذ بداية عقد الخمسينيات تقريباً، على الرغم مما شاب تلك المرحلة من الانتكاسات في البداية، خاصةً مع عمليات تهجير اليهود العراقيين إلى فلسطين، وقتل قادة الحزب الشيوعي في عام 1949(10). ذلك أن الاستقراء التاريخي لحياة العراق السياسية بعد الحرب العالمية الثانية يوضح أن تحولاً قد طرأ على واقع هذه الحياة بحيث أن مظاهر التحرك السياسي للقوى المتنامية، في حقبة ما بين الحربين وأثناء الحرب العالمية، بدت ملموسة. فما أن أعلنت السلطة عن الإقرار بمبدأ حرية مزاولة العمل السياسي العلني للقوى السياسية مجدداً، بعد انتهاء العمل بالأحكام العرفية، وذلك بطلبٍ من الوصي في العام 1946، حتى تقدمت القوى السياسية المتحفزة للعمل السياسي ببرامج عملها وأنظمتها الداخلية إلى السلطات المعنية للبدء في ممارسة هذا الحق. هكذا سيظهر على خارطة العمل السياسي العلني خلال المدة التي تمتد بين 1946 وحتى مطلع الخمسينيات من القرن العشرين أحزاب معارضة عدة( 11). كما ظهرت الصيغ السياسية الديمقراطية نتيجة استقرار البلاد (إلى حد ما) على حكم تقليدي (أي الحكم الملكي الذي اعتاد عليه العراقيون منذ الحكم الأموي). فعادت الحرية بمجالاتها، وذلك بعد أن كانت ممنوعة ومفقودة منذ حركة مايس (أيار) 1941 (كحرية الصحافة وحرية أحزاب المعارضة وصحفها والنقابات والتظاهرات و... ما إلى ذلك)، إذ كانت هذه النتائج بمثابة انعكاسٍ للوعي الجديد الذي انتشر بين مختلف طبقات المجتمع، وبزعامة النخبة المثقفة(12).

ففي بدء النصف الثاني من القرن الماضي، كان واضحاً أن الحياة السياسية للمجتمع المدني في العراق قد شهدت تحولاً حاسماً نحو النهضة في مجالاتها كافة (السياسية والفكرية والثقافية والأدبية والفنية). إذ تقدم المنتج الفكري والثقافي بعد أن بدأت النخب المثقفة في العراق (وبخاصةٍ الشباب منهم) بمحاولات البحث عن الأصالة في إبراز الشخصية الحضارية للعراق وتمثيلها. إذ أخذت مجموعة من الشباب المثقف من مفكرين وكتاب وشعراء ورسامين وموسيقيين على عاتقهم مسؤولية إنجاز نهضة فنية توازي تلك النهضة الاجتماعية والسياسية التي وصلت أوجها في مرحلة الخمسينيات، على الرغم من أنها قد بدأت قبل ذلك(13).

لكن، وعلى الرغم من الإرباكات السياسية(14) التي مر بها المشهد السياسي العراقي في الخمسينات، إلا أن مظاهر الانتظام في العلاقة بين المجتمع والدولة قد نشأت في هذه السنوات. إذ جاءت سنوات هذا العقد وهي تحمل معها بواكير نضج اجتماعي وسياسي عميق. بعد أن شهدت السياسة والاقتصاد تحولات شبه جذرية. كما أن تغييراً آخر حصل تمثل بمحاولة حكومة العراق، وبتأثير من المد الشعبي المتصاعد بأثر حركة (مصدق)(15) في تأميم النفط الإيراني عام (1951) وهو تغيير اتفاقية النفط القديمة (التي وقعتها الحكومة العراقية عام (1938) وكانت تتسلم بموجبها (33%) من عائدات النفط العراقي، بينما يذهب الباقي إلى الشركات الاحتكارية). وقد نجحت الحكومة في مساعيها خلال شهر شباط من عام (1952) بتوقيع اتفاقية (المناصفة في أرباح النفط) مع شركات النفط الاحتكارية(16). فأدى هذا الأمر على دفع عجلة الاقتصاد، إذ أقامت الحكومة مجلساً يتولى تطوير البنى التحتية أطلق عليه اسم (مجلس الإعمار) وعمل هذا المجلس على تنفيذ مشاريع حكومية صناعية وزراعية عديدة، كما قام بتنفيذ مشاريع خدمية كثيرة (كالمدارس والمستشفيات وما إلى ذلك). وقد نشطت هذه المشاريع سوق العمل فقل عدد العاطلين عن العمل(17).

كل هذا، تمخض عن نشوء طبقةٍ وسطى عراقية سيكون لها أثرها الفاعل في بناء الدولة العراقية والمجتمع المدني. إذ عاشت هذه الطبقة (الوسطى)، وبقية فئات المجتمع انتعاشاً اقتصادياً، كان طفرة نوعية في حياة أفرادها مما دفعها إلى زيادة عنايتها بالسياسة والثقافة، بل وحتى الفن كذلك. فقد عمل الاقتصاد المنتعش على خلق نخب في السياسة والثقافة والفن أسهمت بفاعلية في ترسيخ قوى المجتمع المدني في سنوات ذلك العقد. فكان هذا عاملاً مضافاً في ازدهار المجتمع المدني في العراق(18).

مثل ذلك حدث أيضاً في عقد السبعينيات من القرن الماضي، حينما حدثت الطفرة في أسعار البترول (من 11 دولار للبرميل إلى  40 دولاراً تقريباً)، بأعقاب حرب أكتوبر (تشرين أول) 1973(19)، فكان أن عاشت الدولة العراقية في رخاءٍ اقتصاديٍ واضح. وقد أوجد هذا الرخاء الاقتصادي مجالاً لنشوء الطبقة الوسطى، وعلى الرغم من أن هذه الطبقة، وهي سليلة للطبقة الوسطى في خمسينيات القرن الماضي، قد أسهمت بخلق النخب المثقفة، لكنها لم تخلق مجتمعاً مدنياً فاعلاً مثلما هو عليه الحال في الخمسينيات، وذلك بسببٍ من قمع سلطات البعث الدكتاتورية وقهرها لتشكيلات هذا المجتمع.

إذ عملت الدولة، ممثلةً بسلطاتها البعثية الدكتاتورية البغيضة، على محاولة تفريغ المجتمع من نخبه المدينية الفاعلة، وكان أن تم للسلطات القمعية ما أرادت، خاصةً مع عمليات قمع الفكر والحريات العامة التي طالت جميع مظاهر الحياة المدينية. مثلما أسهمت في ذلك عمليات التصفية الجسدية والإعدامات والتعذيب الجسدي والتنكيل بكل المشتغلين (والمشتغلات) بالسياسة في أحزابٍ وتوجهات أخرى غير (البعث)، خصوصاً الإسلامية منها، وأخيراً ومع بدء التنكيل باليسار (الحزب الشيوعي) الذي كان مشاركاً ـ في قسم كبير منه ـ ومنضماً للجبهة القومية، وتفريغ الجبهة من محتواها. استناداً على ما سبق، بدأت هجرة النخب والكفاءات المدينية (المجتمعية) العراقية، فاستطاعت السلطة أن تستولي على كامل مقدرات المجتمع في العراق، فقادته بسبب من دكتاتوريتها، وبفعلٍ من جهلها وعنجهيتها، نحو أتون محرقة السنوات الثماني في الحرب ضد إيران، ثم مغامرة احتلال الكويت والحصار الطويل الأمد، ثم أخيراً سلمته لقوى الاحتلال.

 

المستوى الثاني : جدل العلاقة بين المجتمع والدولة:

ويتجسد هذا المستوى كما نفترض في صورتين متقابلتين، هما:

1. مجتمع الدولة

2. دولة المجتمع وسنحاول أن نعرض لكلا الصورتين المفترضتين من جدل هذه العلاقة بالآتي:

1. مجتمع الدولة.... (الدولة كمجتمع  في العراق).

لقد قامت الدولة الحديثة في العراق على أساس كونها مجتمعاً اثني الشكل (عربية، على الرغم من أنها تضم أثنيات أخرى عدة كالكُرد والتركمان والأرمن والفرس والآثوريين)، لكنها كانت بالمقابل مجتمعاً طائفياً مقيتاً في محتواها ومضمونها. ويبدو أن مشكلة التكوين الأثني أو (العرقي) للعراق تعود إلى أساس تكوين الدولة العراقية عام 1921من الإنكليز. فعندما احتل الإنكليز العراق كانوا يمتلكون معلومات واسعة تاريخية وعملية عن أصل العراق, ولهذا كان يطلقون على العراق في جميع وثائقهم (بلاد بين النهرين)(Mesopotamia) وعلى الرغم من أن علماء الآثار والتاريخ ـ ومن ضمنهم العلماء الإنكليز، ومنذ القرن الماضي، كانوا أول من اكتشف حقيقة الديمومة الحضارية والتاريخية لبلاد الرافدين منذ فجر التاريخ. وكانوا يدركون أن بين دجلة والفرات استقر ما لا يحصى من الشعوب والأديان والمذاهب التي كانت سرعان ما تتفاعل وتمتزج لتكون حضارة واحدة ودولة واحدة مهما تنوعت المسميات والمنافسات السياسية(20).

لكن محاولات المحتلين الإنكليز والنخبة الملكية والسياسية العراقية في خلق هوية وطنية عراقية مشتركة تمثل مختلف الفئات العراقية باءت بالفشل. إذ وعلى الرغم من محاولات النخبة الملكية العراقية لتجاوز مشكلات التنوع الأثني والتعدد الديني والاختلاف المذهبي والطائفي من خلال الدولة الوطنية التي تضم الجميع. إذ عمدت النخبة الملكية الحاكمة مع تأسيس أولى الوزارات إلى إشراك العناصر غير العربية، وغير المسلمة في قيادات الدولة العراقية إلا أنها فشلت في خلق هوية عراقية مشتركة تمثل مختلف الفئات العراقية. وذلك لأن النخب السياسية العراقية، (السُنيّة) بالتحديد، كانت قد عملت على تأكيد المعادلة التي أوجدها المحتل البريطاني في إقصاء الشيعة عن تشكيل الدولة بسبب من ثورتهم عليه في عام1920.

وعليه فإن النخب الفاعلة والمؤثرة سياسياً في الدولة العراقية، لم تكن تمثل مجتمع العراق بشكلٍ واقعي. أو بكلماتٍ أخرى، فإن مجتمع الدولة لم يكن يمثل المجتمع في العراق. ولنضرب مثلاً بنوعية حكام الدولة الحديثة في العراق حتى أبريل (نيسان) 2003، فحكام الدولة التسعة (من ثلاثة ملوك ووصي على عرش هاشمي إلى مجلس سيادي ورئيس وزراء بوصفه زعيماً عسكرياً و(4) أربعة رؤساء جمهورية، ثلاثة منهم عسكريون، أولهم زعيم (رتبة عسكرية)، تلاه بالقوة اثنان من الأخوين (عارف) ورث الثاني منهما حكم الأخ الأصغر، واثنان بعثيان عشائريان ورث الثاني (صدام حسين) حكم الأب القائد (البكر))، لم يكن بينهم كردي واحد مثلاً، وهذا مفهوم بحكم كون الدولة أثنية الشكل كما سبقت الإشارة. ولكن السؤال الأهم هو لماذا لم يكن بين هؤلاء الحكام التسعة الذين توالوا على حكم العراق عربياً شيعياً واحداً إذا كانت دولة أثنية فقط ؟ ألم نذكر بأن مجتمع الدولة العراقية كان مجتمعاً طائفياً في محتواه ومضمونه.

لقد بقيت النزعة الحاكمة في العراق على امتداد القرن العشرين نزعة ثنائية المحتوى، إزاء الهوية بين الأثنية العربية والوطنية، وظلت هذه النزعة مسيطرة على كل التفكير السياسي، بمعزل عما كان يعاني منه العراق من مشكلات ومعضلات ومصاعب بحكم تلك الثنائية التي أنتجت مجموعة تناقضات وازدواجية في المعايير وتضادات عارمة في الدواخل(21).

إن المشكلة لا تكمن في الاعتراف بـ(الانتماء العربي) للعراق بل المشكلة في تحجيم هذه الهوية إلى (المعنى الأثني والعرقي) الضيق والمتعصب المناقض والمنافي لمعنى (الهوية الوطنية) وبالتالي اختصار تاريخ وتكوين الشعب العراقي إلى تاريخ القبائل العربية التي نزحت إلى العراق و(عربت وأسلمت) سكان العراق الأصليين الناطقين بالسريانية. لقد تم تربية العراقي (العربي) على أنه منحدر بصورة لا تقبل الجدل من القبائل العربية التي نزحت بعد الفتح الإسلامي، وشعور العراقي العربي أنه غريب (سلالياً وبدنياً) عن تاريخ أسلافه صانعي حضارات الرافدين السامية. إن هذه التربية الإثنية الشوفينية دفعت الجماعات العراقية المختلفة للبحث أيضاً عن تواريخ وأصول مختلفة خارج بلاد الرافدين: الكردي وجد تاريخه الميدي الإيراني. التركماني وجد تاريخه التركي العثماني. السرياني هو الوحيد من لجأ إلى التاريخ الرافدي، ولكنه جعل نفسه غريباً تماماً عن تاريخ الرافدين العربي الإسلامي(22).

ولو ضربنا مثلاً حزب (البعث) نفسه، هل ننسى أنه كان يسمى صراحة: (عربي) دون أي ذكر لاسم (العراق)؟ وهو بأحسن الأحوال يمثل (أبناء الأثنية العربية) في العراق. معنى هذا، انه من الطبيعي أن يحق للتركماني العراقي أن يكون حزبه الإثني أو القومي، والسرياني كذلك، واليزيدي، والصابئي. وهو ما حدث بالضبط منذ سقوط دولة النظام الدكتاتوري السابق بالاحتلال الأمريكي. فكل فئة سكانية عراقية صار لها حزبها، بل قل أحزابها وحركاتها(23).

إن العراق يمر في هذه المرحلة بمخاض ولادة غير طبيعية، حدثت على أيدي قوى الاحتلال من الأمريكيين والبريطانيين، مثلما كانت ولادة الدولة الحديثة الراحلة في العراق قد تمت على أيدي البريطانيين اثر الحرب العالمية الأولى، والتي استمرت فيها حياة النظام الهاشمي في المملكة العراقية سبعاً وثلاثين سنة، في حين استمرت حياة الأنظمة الدكتاتورية العسكرتارية خمساً وأربعين سنة. على الرغم من أن بعض المختصين يعدون الـخمس سنوات التي امتدت بين (1958- 1963)، والتي تلت انقلاب 1958، مرحلة انتقالية فصلت بين الحكم الملكي والحكم الجمهوري(24). ولعل هياكل الدولة ومؤسساتها وأجهزتها كاملة على امتداد حكم المرحلتين التاريخيتين وما بينهما قـد تميزت بعدم الاسـتمرارية والتواصل، لكن هذا كان نتيجة شبه طبيعية لاختلاف الأنظمة السياسية من ملكية دستورية مدنية دائمة متحالفة مع الغرب إلى جمهورية شبه دستورية عسكرية مؤقتة، ثم إلى جمهورية ثورية مؤدلجة شمولية مرعبة.

 

2. دولة المجتمع... (المجتمع كدولة في العراق):

في العراق، خلافاً للدول الأخرى لا يتطابق جميع أفراد المجتمع مع المواطنة، فليس كل مواطن عراقي هو جزء من المجتمع في العراق، والذي ظلت المؤسسة الرسمية لا تعترف بوجوده طوال عمر الدولة الحديثة. فأقل من خمس السكان بقليل (نحو19 % من سكان العراق) هم كُرد ينتمون إلى أثنية مغايرة، مثلما أن الشيعة العرب من العراقيين لا يعدون جزءاً من المجتمع في العراق، بل يحسبون جزءاً من الإيرانيين لكونهم يشتركون بالمذهب الديني نفسه، على الرغم من أنهم يشكلون 55% من سكان العراق. فكان أن تم إقصاء الكُرد والشيعة عن مفهوم المجتمع في العراق. لقد حدث هذا طوال العهد الملكي، وتم تأكيده مع مجيء البعثيين والقوميين إلى السلطة منذ العام 1963. أما ومنذ عودة البعث إلى السلطة في الدولة العراقية في تموز (يوليو) 1968 وحتى نهاية عمر الدولة الحديثة الراحلة بالاحتلال الأمريكي، فإن المناصب والمراكز الحساسة والمهمة للدولة في العراق ظلت، كما كانت دائماً في يـد العناصر (السُـنيّة) العربية. لقد تداخلت المشكلة الإثنية مع المشكلة الطائفية والدينية للمجتمع في العراق منذ بدء إنشاء الدولة الحديثة. إذ أن النخبة الملكية ورثت عن الدولة العثمانية مشكلة التكوين الطائفي (السُنّي) للنخبة الحاكمة. فلم يكن هدف هذه النخبة توحيد مختلف العناصر العراقية على أساس التنوع اللغوي والاقليمي، بل على أساس التعصب الطائفي. فكان التركماني والكردي والعربي مفضّلاً في إدارة الدولة العراقية بسبب انتمائه (السُـنّي) وبالتالي فقد استمرت ممارسة عزل العناصر الشيعية العربية والتركمانية والكردية الفيلية، كما كانت الدولة العثمانية تفعل دائماً. واستمرت هذه السياسة بشكل أكثر تطرفاً في الحكم الجمهوري البعثي خصوصاً.

مثلما أن بروز تيار الحركات (القومية العربية) منذ الخمسينيات، ثم استيلاؤها على السلطة منذ الستينيات وحتى الآن، قد خلق أزمة كبرى في تشكيل المجتمع السياسي في العراق. إذ أن هذا التيار افتعل تعارضاً ساذجاً بين ما يسمى بـ(الانتماء القطري) و(الانتماء القومي)، أي بين أن تكون (عراقياً) وأن تكون (عربياً). على هذا الأساس فان الشرط الأول لقياس (مواطنة) أي عراقي هو (أصله العربي)، وبالتالي تبرير سياسة (تعريب) المناطق غير العربية في شمال العراق. هذه السياسة دفعت الكثير من العناصر غير العربية بالادعاء بالأصل العربي من أجل تبرير أصالتهم العراقية وتأكيدها(25). إن هذه السياسة الشوفينية المتعصبة أشعرت الفئات العراقية غير العربية بعدم عراقيتها وغرابتها عن الهوية العراقية التاريخية.

 

خاتمة:

إذن وكتساؤلين أخيرين يمكن أن يطرحا في هذه الورقة، الأول منهما هو:

هل كانت لدينا دولة على وفق أبسط تعاريفها وأدنى مقوماتها؟ ويجيب أحد المختصين بالسوسولوجيا عن هذا التساؤل، وسنقتبس إجابته، بـ (قطعاً لا)(26).. مضيفاً »وإلا لما استحالت ركاماً من أطلال... والسبب: أنها دمجت بالسلطة، إذ ليس هناك تمايز بينهما لا في الكيان ولا في الدور ولا في الوظيفة، لقد ابتلعت السلطة الدولة، وكانت السلطة عنواناً للأنا الإثنية (العرقية) والطائفية والدكتاتورية المستبدة... وابتلعت الأنـا السلطة. وابتلعت السلطة الدولة، فغدت الأنـا في عمقها الإثني (العرقي أو القومي) أو الطائفي أو الحزبي أو الفردي... هي الدولة(27).

فمن الملاحظ أنه ومنذ أن تكونت الدولة الحديثة في العراق قبل (82) عاماً تم دمج الدولة بالسلطة الحاكمة، على تعاقب هذه الأخيرة، باستمرار. وقد نتج عن ذلك مشكلة غياب الدولة التي تم تجييرها بالكامل لصالح السلطة، وبسقوط السلطة تسقط الدولة ككيان ومؤسسات.. لذلك لم تنشأ الدولة الحديثة في العراق متجذَرة بأنظمتها الدستورية ومؤسساتها العامة الممثلة للمجتمع. بل نشأت ومازالت لدينا سلطات مثلت واختزلت وصادرت دور ووجود الدولة، وبافتقاد السلطة للشرعية والمشروعية ونتيجة لمعاييرها الوطنية الهابطة المنتمية إلى الطائفة والعرق العشيرة والعائلة. فقد التجأت إلى القمع والإقصاء وتشتيت الوحدة الوطنية لضمان السيطرة والبقاء مستفيدة من مفهوم وسلطة الدولة في تبرير وجودها وتنفيذ سياستها الضيقة. وعلى هذا الأساس، كان (ولا يزال) أي إسقاط للسلطة السياسية غير الشرعية يعني إسقاط للدولة والسلطة معاً، وهي نتيجة حتمية للدمج المقصود بين الدولة والسلطة في الوجود والوظيفة والدور. فإن اندماج الدولة بالسلطة ومن ثم شخصنتها إلى حد كبير، جعل الدولة تؤول إلى ما آلت إليه فيما بعد.

بناءً على هذا الأساس، فقد كانت لدينا دولة الحزب ودولة الفرد، ولم تكن لدينا دولة المجتمع. إذ تَشَخْصَنَت السُلطة، ومن ثم تَشَخصْنَت الدولة بكاملها، ولما ذهب الملك، و(تبخر) الحزب، وهرب (الفرد) ذهبت الدولة... لأنها وببساطة، لم تكن وفقاً للمنظومة الحداثية... دولة!!.(28).

 

أما التساؤل الثاني فهو:

هل لدينا مجتمع على وفق أبسط تعريفاته ومقوماته ؟

ونجيب عنه نحن بإجابةٍ ربما ستصيب البعض بالدهشة، إذ نقطع أيضاً مرةً أخرى بـ (لا) ... لا يوجد لدينا مجتمع في العراق. وربما تعود دهشة البعض من هذه الإجابة، إلى أنها قد لا تلبي طموح المؤمنين بوجود هوية مجتمعية عراقية. ولكن الواقع هو أنه ليست الدولة وحدها هي المفقودة في العراق، بل المجتمع كذلك. فهناك جماعات أثنية أو دينية أو طائفية، جماعات ريفية وليست حضرية، جماعات محلاتية وليست مدينية.

إذ إننا سـوسيولوجياً نلاحظ أن (المجتمع في العراق) في سـيرورته التاريخية يتلبّس دورين متناقضين تماماً. فهو من جهة، ونظراً للرابطة العضوية بين جغرافيته وتاريخـه، يعـدُّ مجتمعاً لـه بنيتـه التاريخية الواضحة المعالم (غير الإلتباسـية)، والتي تشـكلت منذ البدايـات الأولى للمراكز الحضارية في سـومر وأكد وبابل وآشـور، مروراً بالعصور الإسـلامية التي كان للمجتمع في العراق دورً بارزً فيها على الرغم من تواتر عصور الانحطاط بفعل الغزوات المتكررة. فالمجتمع في العراق من وجهة النظر التاريخية هذه، يبدو مجتمعاً ثابتـاً (مستقراً غير قلق) حسـب التوصيفات التراثية بهذا الشـأن. ولكن ومن الجهة الأخرى، فإن المجتمع في العراق يتسـم بسـمات تتفق مع سمات المجتمع (النابت)(29) أو غير المسـتقر، فهو متعدد دينيـاً على الرغم من أغلبية مُسـلمة وأقليات غير مسـلمة (من مسيحية ويهودية وصابئية ويزيدية)، ومتعدد إثنياً على الرغم من غلبة الثقافـة العربية عليـه (فضلا عن الأغلبية عربية هنالك إثنيات كردية وتركمانية وفارسـية وأرمنية و.. ما إلى ذلك)، وهو متفرّع طائفيـاً في تعدده الديني، فالجماعة الإسـلاميـة تضم أغلبية شـيعية عربية ونسبة قليلة من الكُرد (الفيلية) والتركمان، بمقابل عدد لا يسـتهان بـه من السُـنّة العرب والكُرد والتركمان. مثلما نجد أن الطوائف المسـيحية عديـدة هي الأخرى. وفي هذا الشـأن نجد أن وصف فسـيفسـاء (Mosaic) هو الأقرب لتوصيف المجتمع في العراق، هذا من جهة.

ومن جهةٍ أخرى، نجد أن الدولة المشخصنة في العراق أعادت إنتاج العلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية المجلوبة من مجاهل الأرث السلطاني والعثماني المتخلف، ولا سيما علاقات الولاء ومنطق الامتيازات، فجعلت مجتمعها يعيش في ظل العرف والتقليد، لا في ظل القانون، فالسمة الأساسية للدولة التسلطية هي خنقها للمبادرات الحرة والطوعية للمجتمع المدني الحديث، بل تضييقها على هذا المجتمع أساساً. وبالتالي فإن هنالك خوفاً من الانتماء إلى الهوية العراقية عند معظم المرجعيات الفاعلة في الشخصية العراقية. وما يدعم هذا الخوف من الانتماء هذا، المجموعات الاجتماعية المتواجدة في المجتمع في العراق (أسرة ـ عشيرة ـ محلة ـ حزب). كما يبدو أن لهذا الخوف أسباباً أو عوامل تجعله متغيراً مستقلاً في الذات العراقية (الجريحة)(30).... عوامل قد تكون ذات تبريرات منطقية قوية لعدم تكون مجتمع يحمل سمة (عراقي).

 

مثلما ترافق كل هذا الخوف مع الانقسام الطائفي (الشيعي ـ السني) في الجماعة الإسلامية في العراق، والذي كان أكثر حدة من الانقسام الاجتماعي، أي الانقسام الطبقي. ويقول حنا بطاطو في هذا الصدد، بأن الانشقاقات الحضرية قد وجدت لنفسها تعبيراً في ظاهرة أخرى هي ظاهرة (المحلة) أو الحي المديني(31). وبكلمات أخرى، فأن المجموعات التي كانت تنتمي في مدن العراق إلى عقائد دينية أو طوائف أو طبقات مختلفة، أو كانت من أصول أثنية (عرقية) أو عشائرية مختلفة كانت تميل إلى أن تعيش في (محلات) منفصلة. فقد قامت بنية المجتمع في العراق (ولا زالت تقوم) على أساس الانقسامات الدينية أو الطائفية، أو الأثنية (العرقية) أو العشائرية، داخل المدينة الواحدة، إن كانت تشكل (المحلة) عالماً خاصاً لكل صنف اجتماعي من هذه الأصناف المذكورة. فالمدينة العراقية كانت مقسمة على عدة أحياء أو (محلات) منفصلة عن بعضها البعض، ومتنافرة فيما بينها. (فالمحلة) في المدينة، أو العشيرة في الريف، كانت تشكل ملاذاً للإنسان الفرد يحتمي بها وتعبيراً جزئياً عن النزعة الفطرية للحصول على الحماية خلال الاندماج الوحدوي في داخلها.

استناداً إلى ما سبق، هل يمكن بأي حال من الأحوال أن نتحدث عن وجود مجتمع عراقي واحد؟ أو أن الحال، وكما رأينا، هو مجتمع منقسم على ذاته، وفيه من الصراع الأثني والطائفي والديني، أكثر مما في أي مجتمعٍ آخر، كما قال أستاذنا الكبير الوردي في خلاصة أحد كتبه المهمة(32).

 

الهوامش

1. يفضل الباحث استخدام هذا المصطلح بدلاً عن مصطلح (المجتمع العراقي)، وسوف يبين العوامل التي تدفعه لإطلاق هذا المصطلح لاحقاً.

2. بطاطو، حنا: العراق، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، مجلد (ثلاثة أجزاء)، ط1، 1990، ج 1، ص 44.

3.م.ن، ص 44.

4.م.ن، ص 45.

5. مجموعة من المؤلفين: العراق في التاريخ (إشراف وتقديم: صالح أحمد العلي)، بغداد، دار الحرية للطباعة، 1983، ص 681.

6. م.ن، ص 685.

7. الجميل، سيار: مانفيستو العراق، ستة مبادئ عليا من أجل المستقبل، الحوار المتمدن، العدد (521) في 22-6-2003، www.rezgar.com.

8. م.ن.

9. نادر، سهيل سامي: نقد الدولة العراقية، بغداد، صحيفة المدى، العدد (2)، 12 آب (أغسطس) 2003.

10. في14-2-1949 تم إعدام قادة الحزب الشيوعي بعد إعادة محاكمتهم وهم كل من يوسف سلمان (فهد) وحسين محمد الشبيبي (حازم) وزكي بسيم (صارم) (حنا بطاطو: العراق، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، مجلد (ثلاثة أجزاء)، ط1، 1990، ج 2، ص226.

11. ظهرت في الواقع نماذج حزبية معارضة توزعت على اتجاهات اليمين واليسار. أول هذه الأحزاب هو (الوطني الديمقراطي) الذي يمثل البرجوازية الوطنية في العراق، وهو امتداد لجماعة الأهالي، والثاني هو حزب (الاستقلال) وهو تنظيم قومي النزعة تنسحب جذوره إلى نادي المثنى. وأخيراً حزبا (الشعب) و(الاتحاد الوطني) اللذان كانا اشتراكيا النزعة. على الرغم من أنهما يقران الأسلوب الديمقراطي وسيلة لتحقيق الأهداف التي يؤمنان بها. وبينما عدحزب الشعب الفكرة الاشتراكية أساساً تحقق به أهداف الحزب الاجتماعية والسياسية، عدحزب الاتحاد الوطني الديمقراطية وسيلة التعبير الجوهرية للإعراب عن الآراء والمعتقدات الفردية بحرية. على نقيض كانت هناك أحزاب مساندة للنظام الملكي والمتكونة من (حزب الاتحاد الدستوري)، الذي أسسه نوري السعيد في 21 تشرين ثاني 1949، و(حزب الأمة الاشتراكي) الذي تأسس في 24 حزيران 1951، و(حزب الأحرار). (غانم محمد صالح: الحياة السياسية في العراق بين (1946-1958)، بغداد، مجلة العلوم القانونية، مج 2، العدد (2)،1979)).

12. آل سعيد، شاكر حسن: فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق، وزارة الثقافة والإعلام، جزأين، (جـ 1) صدر عن دار آفاق عربية 1983، (جـ2) صدر عن دار الحرية للطباعة 1988، ص152.

13. م.ن، ص151.

14. في عام 1950 تم إصدار قانون إسقاط الجنسية عن اليهود، وفي عام 1952 تم إقرار ما يسمى بـ (حلف بغداد)، وكذلك إعلان الأحكام العرفية من نوري السعيد، وفي عام 1953 اعتلى فيصل الثاني عرش المملكة العراقية، أما في العام 1953 فقد عاد نوري السعيد للحكم، وفي عام 1954 يحل أسوأ فيضان لنهر دجلة في تاريخ بغداد (www.iraqandiraqis.com).

15. هو الدكتور (محمد مصدق) رئيس وزراء إيران، الذي أعلن عام (1951) قانون تأميم النفط في بلاده. وقد اقره البرلمان الإيراني على قراره ووافقه الشاه في التاريخ نفسه. على الرغم من فشل المحاولة إلا أن أصداءها تدوي على مرِّ الأيام. (ملاحظة للباحث).

16. سليمان، حكمة سامي: نفط العراق، دراسة اقتصادية سياسية، دار الرشيد للنشر، 979، ص148.

17. الحسني، عبد الرزاق: تاريخ الوزارات العراقية، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، مجلد (عشرة أجزاء)، ط7، 1988، ج1، ص137.

18. إن هذه المرحلة هي التي أنتجت مفكرين مثل علي الوردي وجواد علي ونوري جعفر وعلي جواد الطاهر ومصطفى جواد وبهجت الأثري وغيرهم الكثير، وشعراء وأدباء مثل السياب والبياتي وفرمان وغيرهم الكثير، ورسامين مثل جواد سليم وفائق حسن والدروبي والجادر ومطربين مثل الغزالي وغيره من النخب التي صنعت الوجه الحضاري والثقافي للعراق (ملاحظة للباحث).

19. بين جيوش بضعة دول عربية (مصر، سوريا، الأردن، العراق) ضد إسرائيل.(ملاحظة للباحث).

20. مطر، سليم: الذات الجريحة، إشكالية الهوية في العراق والعالم العربي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1997، ص 27.

21.م.س: الجميل، سيار: منفيستو العراق، ستة مبادىء عليا من أجل المستقبل،  ص22.

 22.م.س:مطر ، سليم ، ص 27.

23. م.ن، ص 28.

24. راجع بهذا الشأن أطروحات سيار الجميل وفالح عبد الجبار وغيرهم من المفكرين (ملاحظة للباحث).

25. في هذا الشأن هناك عراقييون، موظفون بيروقراطيون كبار في دوائر الدولة، بل وحتى أكاديميون، هم من أصول كردية أو تركمانية أو حتى فارسية، لكنهم فضلوا للحفاظ على مناصبهم أو لأسباب أخرى، أن يغيروا ألقابهم وأن يدعو الأصل العربي (ملاحظة للباحث).

26.م.س: نادر، سهيل سامي.

27.م.ن.

28.م.ن.

29. جاسم، متعب مناف: خصائص وسمات المجتمع العراقي، بحث مقدم إلى بيت الحكمة، بغداد، 1998، ص4.

30. كما يدعوها سليم مطر في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه.

31. م.س :بطاطو، حنا، ص 65.

32. الوردي، علي: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، بغداد، مطبعة العاني، 1969.