|
إشكالية
العراق
صراع من اجل
المستقبل
أ.د.
ميثم الجنابي
إن الحياة لا تخلو من بديهيات جلية للعيان، على الرغم من
كونها الميدان الأشد تعقيدا للحكم المنطقي المباشر. وهي
مفارقة أكثر ما تبرز في مراحل الانتقال العاصفة والصراع
الدامي. فهي المراحل التي اشد ما تحتاج بها الدولة والأمة
إلى "مرجعية" تعصمها من الغرق في طوفان الغرائز وتأثير
البنية التقليدية للوجود والوعي. لكنها في الوقت نفسه هي
مرحلة الزمن العابر في محاولات المجتمع والدولة والأمة صنع
تاريخ الثبات بوصفه طبقات وحلقات التراكم العقلاني
للمؤسسات والفكر والإبداع الحر.
فالمرحلة الانتقالية هي مؤشر على وجود "خراب". لكنه خراب
متباين ومختلف. فخراب التخلف لا يشبه في شيء خراب التقدم.
وذلك لان لكل منهما ديناميكيته الخاصة في الموقف من
المستقبل. وهي
القضية الجوهرية التي يمكن من خلالها
رؤية الآفاق والبدائل. إذ لا بدائل في "ديناميكية" خراب
التخلف والانحطاط، لأنه مجرد اجترار للزمن. أما "خراب"
البدائل فهو ديناميكية التاريخ والإبداع الحر، أي
المستقبل. من هنا مرارة المجهول فيه، وذلك لأنه جزء من
صراع لم يحسم ولم تتحدد ملامحه بوضوح بعد. ومهمة العلم
السياسي العلمي تقوم في تذوق حلاوة الانتصار ومرارة
الهزيمة الكثيفتين في مرحلة الانتقال من اجل رؤية الآفاق
الفعلية للعملية السياسية.
وللعراق مرحلته الانتقالية الخاصة. وهي مرحلة الانتقال
من زمن الخراب إلى تاريخ البدائل. من هنا عنفوانها الشديد
وهمجيتها التي تبدو بلا حدود. وذلك بسبب طبيعة الصراع بين
قوى الخراب والانحطاط التي حكمت وجوده في غضون أربعة عقود
من دكتاتورية هشمت بنيته المادية والروحية، وبين قوى
أفسدها أو كسر عمودها الفقري زمن الانحطاط والغربة
والاغتراب. وهي الحالة التي تبدو فيها مرحلة الانتقال
العراقية شبيهة بطوفان نوح. العصمة فيها لمن هو قادر على
جمع ولملمة ما في العراق من وحدة للمتضادات. وهي العملية
الأشد تعقيدا، بسبب تنافر قواه الاجتماعية والسياسية
وتغلغل منظومة العداء الدفين في الروح والجسد العراقيين،
وتحلل فكرة الدولة والسلطة والقومية والوطنية، وانحطاط
المجتمع والثقافة والنخبة. وهي المقدمة التي جعلت من
"التحرير" احتلالا، ومن الاحتلال أسلوبا "للوحدة الوطنية".
وفي ظلها يمكن للقوى المتحاربة والمتصارعة والمتنافسة
والمتحدة والمؤتلفة أن تتعايش وتحتكم وتحكم! وهي المفارقة
الكبرى لمرحلة الانتقال العراقية. لكنها مرحلته الخاصة.
ولا معنى للخوض الآن بتقييمها بمعايير القيم والأخلاق،
لأنها لا تغير من الواقع شيئا، خصوصا إذا أخذنا بنظر
الاعتبار أن الوقائع ليس حقائق، بل مجريات محكومة بمقدمات
تاريخية ملموسة. ومن ثم فإن الخروج منها يفترض رؤية آفاقها
انطلاقا مما فيها، بوصفه الأسلوب الوحيد للرؤية
الإستراتيجية القادرة على انتشال العراق من أزمته الشاملة.
بعبارة أخرى، عندما نستعيد السرقة اليهودية القديمة
لأساطير العراق الأقدم، فإننا سنكتشف في نوح وطوفان العالم
أسطورة الطوفان السومرية. وهو إدراك يعادل من حيث رمزيته
مهمة اكتشاف زمن الانحطاط والبحث عن تاريخ بديل. وهي مهمة
تفترض الرجوع إلى النفس والبحث عن وحدة المتضادات فيها من
اجل بديل ينفيها بمعايير المستقبل. إذ لا يمكن للجبل
الموهوم أيا كان شكله ومظهره واسمه أن يستعيض عن عروة
النفس العراقية ومرجعياتها الكبرى في وحدة الدولة والمجتمع
والوطنية. بمعنى إن العروة الوحيدة التي تحتوي في أعماقها
على وحدة الممكن والواقع هي منظومة المبادئ المرجعية
العملية الجامعة للأفراد والجماعات والدولة. فهي العقدة
الكبرى للمرحلة الانتقالية وإستراتيجية البدائل. وذلك لان
معاناة العراق الكبرى تقوم في فقدانه لفكرة الكلية
العراقية أو الفكرة الوطنية الجامعة.
وبالتالي، فان خصوصية مرحلته الانتقالية الحالية تقوم في
فقدان فكرة المرجعية العامة الوطنية والقومية. وفيها ينبغي
البحث عن أن احد أسباب مأساته الحالية. بمعنى فقدان فكرة
المرجعية على مستوى الدولة والمجتمع والنخب والثقافة
السياسية بشكل خاص. وهي نتيجة يمكن رؤية اغلب ملامحها في
ظاهرة انعدام الاتفاق على ابسط مقومات الوحدة بعد سقوط
الصدامية التي كانت "فضيلتها التاريخية" الوحيدة تقوم في
صنعها أسس الوحدة المعارضة للتوتاليتارية والدكتاتورية،
ومن ثم التمهيد لإدراك القيمة الأخلاقية والأهمية السياسية
لفكرة الحرية والنظام (الحقوق). في حين أن تجربة ثلاث
سنوات مريرة بعد سقوط الدكتاتورية كما نراها في تصاعد موجة
الإرهاب العشوائي، و"المقاومة الملثمة" لقطاع الطرق
واللصوص، وفساد السلطة والنخب السياسية وانحدارها صوب اشد
الأنماط تخلفا وتقليدية (من جهوية وعرقية وطائفية وحزبية
ضيقة) قد أفسدت فكرة الحرية والديمقراطية والحق والسلام
الاجتماعي والوطني وكل القيم القادرة على انتشال العراق من
أزمته التاريخية الكبرى. وهي حالة ليست معزولة من حيث
محدداتها التاريخية والإيديولوجية عن تخلف البنية
الاجتماعية وسيطرة نمط التفكير الراديكالي والممارسة
السياسية المناسبة له في كل مجرى النصف الثاني من القرن
العشرين. وهي محددات جعلت من التحزب الضيق أسلوب "الثقافة
السياسية" الوحيدة في ظل واقع لم تتكامل فيه بنية الدولة
المركزية والفكرة الوطنية وقواعد النظام الشرعي وذهنية
المجتمع المدني. وهو الأمر الذي عادة ما يجعل من النطق
باللسان لا يعني بالضرورة تعبيرا عما يدور في الجنان.
وفيما لو جمعنا بصورة متسلسلة خطب وكلمات وتصريحات كل
شخصية سياسية في مجرى السنوات الثلاث الأخيرة، لأمكننا
رؤية مستوى التعرج الذي لا يجمعه شيئا غير نفسية التحزب
وذهنيته الجزئية. بمعنى فقدان النخب السياسية لأبسط قواعد
ومبادئ ومفاهيم الوحدة الوطنية الجامعة. وهو الأمر الذي
يجعلها جميعا ضعيفة بذاتها قوية بتحالفاتها. وهي "تحالفات"
لا تصنع غير قوة المؤامرة والمغامرة. وهي ظاهرة جلية في
تاريخ الحركات السياسية العراقية جميعا دون استثناء.
والسبب التاريخي لهذه الظاهرة يقوم في ضعف التمايز
الاجتماعي، ومن ثم سيادة البنية التقليدية، التي شكلت
الأحزاب الكبرى والصغرى "تنظيمات" لها. وهي ظاهرة يمكن
فهمها باعتبارها جزء من صيرورة الدولة والمجتمع المدني
والتقاليد السياسية والنخب العامة والخاصة. لكن خصوصيتها
في ظروف العراق الحديث تقوم في أنها تحولت بأثر انقلاب
الرابع عشر من تموز عام 1958 من مجرى الصيرورة التاريخية
المتراكمة ما بعد تأسيس الدولة الحديثة إلى كيان مضاد لها.
بمعنى تحول فكرة الإرادة الثورية وشرعيتها الإيديولوجية
إلى القوة المتحكمة في مسار الدولة. مما جعل منها في نهاية
المطاف جزء من السلطة والحزب السياسي. وبما أن الحزب
السياسي في العراق يفتقد لتناسب الحزب والسياسة، بمعنى
أولوية الحزبي على السياسي، والحزبية على الفكرة السياسية
(الاجتماعية)، من هنا كان تاريخ العراق بعد انقلاب الرابع
عشر من تموز 1958 زمن الأحزاب وليس تاريخ السياسة. بحيث
أصبح تاريخه السياسي الحديث اقرب ما يكون إلى مسرحية
باهتة، الانتصار والهزيمة فيها ليس أكثر من "حسابات" القوى
الحزبية. وهي "حسابات" لا علاقة لها بالتاريخ والدولة، بل
بتمثيل ادوار محكومة بسيناريو سيئ وممثلين أسوأ وهو سر
فقدان تراكم المؤسسات والشرعية والعقلانية. كما انه سر
الدراما التاريخية التي عانى منها العراق على امتداد كل
النصف الثاني من القرن العشرين، بحيث جعلت من الاحتلال
"تحريرا" في بدء القرن الحادي والعشرين. وهي دورة واجهها
العراق في بداية القرن العشرين عندما "حرره" الانجليز من
السيطرة العثمانية، وفي بداية القرن الحادي والعشرين،
عندما "حرره" الأمريكيون من السيطرة الصدامية! وهي دورة
تعكس بؤس التاريخ وقيمة الزمن! أي تراكم الاجترار
الفارغ.لكن العراق في كلتا الحالتين كان يحتوي عل إمكانيات
للتطور المستقل. وإذا كانت تجربة الحكم الملكي استطاعت أن
ترسي أسس الدولة الحديثة وتفلح لحد ما في بناء مقدمات
الدولة الشرعية والمجتمع المدني وتراكم الخبرات وتطوير
الاقتصاد وصنع الوطنية العراقية والنخب العامة، بما في ذلك
السياسية، فإنها كانت تعاني من نقاط ضعف جوهرية أسهمت
الحركات الراديكالية في إجهاضها التام. بمعنى أن النظام
السياسي القديم وقواه السياسية المعارضة لم يرتقيا إلى
مصاف الواقعية العقلانية. ومن ثم يتحمل الجميع بأقدار
مختلفة جريرة ما جرى ويجري الآن. فقد أدت الراديكالية
السياسية العراقية إلى تخريب الدولة والمجتمع والثقافة
والإنسان والقيم. وقد كانت التوتاليتارية البعثية
والدكتاتورية الصدامية ا نموذجها "التام". فقد هشمت الدولة
وفتت المجتمع وأرجعت كل ما في العراق إلى ما قبل الدولة،
بعد أن غذت فيه كل عناصر التنافر والصراع الاجتماعي
والقومي والعرقي والديني والطائفي والجهوي والإيديولوجي.
لقد أرجعت العراق إلى حالة الصفر! لكنه صفر مروع لا يمكن
استعماله في القسمة والمعادلات! وهي حالة درامية من طراز
خاص، تحتوي، شأن كل مراحل الانحطاط والصراع الهمجي الدامي
على بصيص أمل وآفاق للتطور.
ولعل الأمل الأكبر والآفاق الأرحب لكل هذا الخراب يقوم
في انتهاء مرحلة تاريخية خربة لسيطرة الراديكالية
والتوتاليتارية. ومن ثم ظهور آفاق جديدة ومتنوعة لبناء
الدولة. لكنها خلافا عن عشرينيات القرن العشرين تفتقد إلى
إجماع وطني ونخب قادرة على المساومة والإقناع والاقتناع.
على العكس من ذلك كان العراق يقف أمام حالة من التمزق
العلني والتبجح به من قبل الأحزاب الكبرى الفاعلة فيه. وهي
أحزاب محكومة بنوعية رؤيتها وممارستها بزمن الخراب الفعلي
للعراق. من هنا جاءت وحدة الرياء والدجل والمؤامرة
والمغامرة. لكن "فضيلتها" تقوم في أنها تجري بصورة علنية.
إذ نقف أمام قوى متحاربة يمكن تصنيفها بشكل عام إلى قوى
طائفية (شيعية وسنية) وعرقية (كردية). وهي فضلاعن ذلك
مجزأة في داخلها. تلتقي وتختلف لحسابات حزبية ضيقة، بسبب
انعدام أو ضعف الفكرة الاجتماعية والوطنية العامة. بمعنى
أن كل منها يعمل حسب نواياه وغاياته. وهي نوايا وغايات
محكومة بتاريخ كل منها. فالأحزاب الطائفية (الشيعية)
محكومة بتاريخ الطائفة المغدورة والمهانة اجتماعياً
وروحياً ووطنياً وقومياً، بينما الأحزاب السنية محكومة
بشعور فقدان السلطة، أما الأحزاب العرقية الكردية فإنها
محكومة بتاريخ العذاب والمهانة القومية والرغبة في تعويضها
بغنية الأرض والثروة. بعبارة أخرى، إن الجميع يعمل بنفسية
الانتقام والتشفي والحصول على غنيمة، أي لا يعمل حسب منطق
الرؤية الوطنية وقواعد العمل السياسي الاجتماعي. وهي نتيجة
تتحمل التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية
مسؤوليتها السابقة، كما تتحمل الأحزاب الحالية في هرم
السلطة مسؤوليتها الحالية. لكنها مسؤولية من نوع جديد.
بمعنى أنها تتراكم في مجرى الصراع الحالي ومستوى إدراكها
من جانب الأحزاب والمجتمع. كما أنها تشق لنفسها الطريق رغم
وعورة وخطورة الأحداث. بعبارة أخرى، إن المقصود بالمسئولية
هنا ليست وعيا سياسيا بحتا بقدر ما هي الرؤية السياسية
والوطنية والقومية للبدائل المتراكمة في طبيعة العملية
السياسية التي أخذت على الرغم من كل تعقيداتها تحول الزمن
إلى تاريخ في العراق.
فعندما نتأمل مقدمات ونتائج الصراع العنيف والدموي
والمتداخل من حيث مكوناته وقواه السياسية والاجتماعية في
مجرى ثلاثة أعوام بعد سقوط التوتاليتارية البعثية
والدكتاتورية الصدامية، فإننا نقف أمام حقيقة تقول، بأنها
كانت السنوات الوحيدة التي تحول فيها الزمن إلى تاريخ فعلي
في مجرى أربعة عقود بعد سقوط الجمهورية الأولى (1958 -
1963). بمعنى أنها كانت تعمل رغم كل قسوتها الهمجية على
فرز القوى الاجتماعية والسياسية والفكرية عبر حراك قد يكون
هو الأقوى والأشد والأكثر ديناميكية في تاريخ العراق
الحديث. والقضية هنا ليست فقط في انه حراك كان وما يزال
يعادل إشراك العالم وقواه المتصارعة على المستوى الإقليمي
والقومي والدولي، بل ولأثره الفعال في جذب القوى الداخلية
في العراق نحو تحالفات خارجية. وهي تحالفات تكشف في ظروف
المرحلة الانتقالية عن طبيعة المعدن الذاتي للقوى
السياسية.
ففي مراحل الانتقال عادة ما تكون "العلاقة الخارجية"
أكثر تعبيرا عن طبيعة الحركة السياسية وذلك بفعل هشاشة
الواقع وأرضيته المتغيرة والمتبدلة. ومن ثم عادة ما تكون
العلاقة الخارجية عروة تستند إليها القوى السياسية من اجل
"تمشية أوضاعها" أو الاتكاء عليها. وهي علاقة طبيعية، بل
وضرورية لحد ما. بل أنها اقرب ما تكون إلى قانون سياسي
يمكن رؤيته في تاريخ كل الحركات السياسية في جميع الدول
التي مرت بمراحل انتقال عاصفة. ولا يشذ واقع العراق الحالي
عن هذه الظاهرة. بل على العكس أنها أكثر ما تظهر فيه بفعل
طبيعة وحجم الانحلال الداخلي والدمار الذي خلفته
التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وليس مصادفة
أن تكون السنوات الثلاث السابقة، وبالأخص بعد تشكيل "مجلس
الحكم الانتقالي" هي زمن التنقل والسفر والزيارات المستمرة
للقوى السياسية وقياداتها. فقد كان من الممكن التهكم
والسخرية والاستهزاء على الرغبة المكبوتة للتمتع بصفة
"الرئيس" و"الوزير" أمام العالم الخارجي ووسائل الإعلام.
وهو تهكم وسخرية واستهزاء لا يخلو من إصابة. غير انه كان
يخدم، رغم مفارقة الظاهرة، آلية الانجذاب والتجاذب
الضروري، أي الفرز السياسي الداخلي والخارجي. فكل حركة "في
الخارج" هي حركة "في الداخل" على مستوى النفس والعلاقة
بالحركات السياسية الأخرى. من هنا كثافة هذه الحركة التي
أخذت بالخفوت السريع في الآونة الأخيرة. وعندما نضعها ضمن
السياق الكمي والنوعي، فإننا نرى حماسة وفاعلية قوى "مجلس
الحكم الانتقالي" حسب "حصتها" في السلطة الجديدة. بينما
بقت البقية الباقية، كما نراها الآن، من حصة أولئك الذين
دخلوا "المعركة السياسية" في وقت متأخر. وهي ظاهرة تكشف عن
التأخر في رؤية آفاق تطور الدولة. فقد كان تعويلها في بادئ
الأمر على الخارج. انه من سيأتي ليدعمنا! لكن الخارج لا
يدعم قوة بلا داخل. من هنا نشاطها الداخلي في مجرى
الاستفتاء على الدستور الدائم والانتخابات البرلمانية
ومحاولة خروجها الأخير إلى ميدان المعترك السياسي بوصفها
قوة "عراقية" بمختلف الأسماء. وهي محاولة تتصف بقدر من
البؤس، لكنها مع ذلك ضرورية. ومن هنا تخبطها. إذ عادت في
اغلب سلوكها إلى نقطة البدء، بمعنى الدعوة المباشرة وغير
المباشرة إلى فكرة المحاصصة الطائفية بأتعس أشكالها
وأكثرها تخلفا.
وهي مواقف لا يمكن تفسيرها بمعايير السياسة، لكن يمكن
فهمها بمعايير الانحطاط. وفي هذا فقط تكمن قيمتها الفعلية،
بوصفها "خطوة إلى الأمام" في مسار الكشف السافر عن حقيقة
الشخصية وحدودها الفعلية وآفاقها الممكنة في عراق
المستقبل. وهي ظاهرة تشير إلى دوران الدورة الأولى لرجوع
اغلب القوى السياسية إلى مصادرها الأولية من خلال إيجاد
النسبة المعقولة بين قوى الداخل والخارج بوصفها المقدمة
الواقعية للصراع السياسي الفعلي، أي الضروري بالنسبة
لتاريخ الدولة. وهي العملية التي تؤدي بالضرورة إلى وقوف
القوى السياسية أمام "الاستحقاقات" الداخلية من اجل أن
يكون لها ولرصيدها الاجتماعي أثرا وبعدا في الحاضر
والمستقبل. من هنا تداخل وقسوة الرياء والمغامرة التي تضعف
الجميع لكنها تسهم بالقدر نفسه في حرث أرض العراق المالحة.
وبالتالي التمهيد اللاحق لظهور القوى الاجتماعية والسياسية
الأكثر عقلانية ووطنية. إذ لا يمكن توقع جريان الأمور
بطريقة أخرى في ظروف العراق الحالية التي تفتقد من حيث
الجوهر إلى فكرة الدولة الشرعية والسلطة المركزية والفكرة
الوطنية وقواعد النظام الشرعي وذهنية المجتمع المدني. من
هنا يصبح الرجوع إلى البنية التقليدية مقدمة تهشيمها. وذلك
لأنه يضعها على محك صراع عنيف وديناميكي تتبخر في مجراه كل
"الأحلام" و"الأمزجة" و"العلاقات الشخصية" أمام استحقاقات
الصعود الوطني.
إن مسار الدولة ومنطق السلطة وتطور المجتمع سوف يسحق
بالضرورة كل نماذج البنية التقليدية. ويجعل من مركزية
الدولة مطلبا وطنيا، ومن النظام الديمقراطي أسلوبا لإيجاد
النسبة الضرورية بين المركزية واللامركزية، وبين الحرية
والنظام، كما سيجعل من الحقوق والواجبات والمواطنة
والانتماء الجزئي مكونات ضرورية لوجود الفرد والمجتمع
والحركات السياسية نفسها. وهي عملية تجري بقوة مسرعة تحت
الركام الهائل للعنف القائم في العراق. بل يمكننا القول،
بان العنف هو وجهها الظاهر ولحد ما أسلوبها المتطرف
وحاملها التاريخي الحالي. وهي الظاهرة التي كان يمكن رؤية
صيغتها الأولية في الصراع العلني والمستتر حول إعادة
انتخاب الجعفري لرئاسة الوزارة. فقد كانت "قضية الجعفري"
القمة البارزة من هرم الصراع الداخلي ومجراه الجديد،
وصورته المشخصنة. فقد أوقفت "قضية الجعفري" الجميع أمام
حدودهم الذاتية. وكشفت عن نوايا الجميع بصورة علنية
وفاضحة، أي بطريقة سياسية بحتة لا رياء فيها ولا مراوغة!
وهي حالة تكشف عن أن زمن الرياء والمراوغة الذي كان يعتمل
في صدور القوى السياسية المكونة "للعملية السياسية" بدأ من
"مجلس الحكم الانتقالي" وانتهاء بآخر التشكيلات الحكومية
والسياسية والتكتلات البرلمانية، قد اخذ بالاندثار
والتلاشي الأولي. انه كشف عن طبيعة المواقف الفعلية
للحركات القومية الكردية (العرقية) والقومية العربية
(الطائفية) و"العلمانية" العلاوية والشيوعية في "توحدها"
العنيف و"الصلب" ضد الجعفري بوصفه نموذجا "للاستفراد"
بالسلطة. وهي صيغة تكشف عن الفكرة السائدة في الأوساط
المعارضة للائتلاف، من انه يسعى للاستفراد بالسلطة، أي
اشتراكها في الرغبة الدفينة والعلنية لتفتيت وحدة الائتلاف
الشيعي. وهي فكرة ونفسية وممارسة كانت تتحكم في كل سياسة
هذه القوى منذ زمن تشكيل (مجلس الحكم الانتقالي). وليست
التكتلات التي جرت قبل انتخاب المالكي وبعده سوى النتيجة
الملازمة لذلك الزمن. بمعنى أنها لم تكن حصيلة فترة عابرة
أو سلوك شخصي بقدر ما أنها تعكس الطريق المسدود لنمط
التكتلات المحكوم بنفسية الغنيمة والمصالح العابرة. لكنها
تبقى من جهة أخرى الأسلوب الفعلي لواقع السياسة وقواها
الحالية في العراق.
فإذا كان الاتفاق "التاريخي" بين الحركات القومية
الكردية والسياسية الشيعية يدور حول الصراع ضد السلطة
الصدامية، فانه قد انتهى من حيث الجوهر بسقوطها. ولم تكن
"الاتفاقيات" و"المعاهدات" و"التحالفات" أكثر من أسلوب
سياسي لطلاق لابد منه. وذلك بسبب تغير طبيعة العلاقة
بينهما بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، الذي جعل من
علاقتهما شيئا اقرب إلى "زواج المتعة". وذلك لأنه تحالف
محكوم بغاية سياسية قد انتهت. أما الغاية الجديدة فإنها لم
تتبلور بعد. ولم يكن بإمكانها أن تتبلور بصورة سريعة بسبب
ضعف الدولة المركزية وتباين مفهوم الدولة الوطنية وفكرة
المواطنة وتباين المشاريع السياسية والرؤية الإيديولوجية
والعقائدية. وهو السبب الذي يفسر ظهور "قضية الجعفري" بعد
إقرار الدستور الدائم والانتخابات. فمن الناحية المنطقية
والقانونية كان يمكن حل مشكلة الحكومة في غضون أيام أو
أسابيع على أقصى حد. لكنها تحولت إلى معضلة عصية على الحل.
والسبب لم يكن دون شك في الجعفري، بقدر ما يقوم في اندثار
زمن التحالفات الحزبية وظهور تاريخ المواجهة السياسية. وهي
عملية تفسر التخبط الشديد والأخطاء الإستراتيجية ومن ثم
تهافتها السريع عند تلك القوى التي مازالت تعتقد بان
السياسة هي اتفاقات حزبية. من هنا انحلال فرط العلاقة
"التاريخية" بين التيارات القومية الكردية والسياسية
الشيعية، لأنها كشفت عن أنها كانت مجرد زمن المواقف. أما
التحالف الذي جرى عقده بين القوى القومية الكردية
والسياسية السنية والعلاوية والشيوعية فقد كان تحالفا هشا
لأنه لا أساس فيه لغير محاولة تخريب "الائتلاف الشيعي".
وهي رؤية تجعل من "التحالف" أداة للتخريب وليس للصراع
السياسي الاجتماعي. وذلك لان القيمة الكبرى في المواقف
محكومة بالزمن فقط. أنها تريد من تاريخ الدولة والأمة
والمجتمع أن يكون زمنا في لعبة المغامرة السياسية. من هنا
صعوبة تفسير وحدتها بغير استمرار زمن "التحالف"، وليس
إستراتيجية البدائل التاريخية. وفي هذا يكمن انفراطها
السريع. وذلك لان المرحلة الجديدة هي ليست ثبات
الدكتاتورية واستقرارها، بل ديناميكية التحول العاصف. وهو
درس لم يتعلم قراءة أبجديته السياسية، على الأقل بصورته
الأولية، سوى قوى الائتلاف الشيعي. أنها أول القوى
السياسية العراقية الحالية التي أخذت تتهجى عبارة "وداعا
أيها الزمن الكاذب. لقد كانت "نهاية الجعفري" بداية الصراع
التاريخي الفعلي في العراق. بمعنى تكامله المحتوم من خلال
اشتداد الصراع السياسي وتجزئة القوى وإعادة التحامها على
أسس ومبادئ وقيم جديدة متغيرة. وهي عملية طويلة نسبية
لكنها سريعة في ظروف العراق الحالية. وسوف لن تنتهي ما لم
تتكامل فكرة الدولة الشرعية والفكرة الوطنية العامة وأسس
اللعبة الديمقراطية. وهي عملية سوف تجبر الجميع على
الإقرار التدريجي بالفكرة القائلة، بان الوحدة الحقيقية في
تاريخ الدولة هي صراع من اجل المستقبل. والفوز فيه ممكن
لمن يتراكم وعيه الذاتي بمعايير المستقبل وليس بغريزة
النفس الشهوانية. فقد كانت هذه الغريزة هي المتحكمة بسلوك
القوى التي وجدت في الجعفري "حجر عثرة". وإزالة الجعفري لا
تعني إزالة هذه النفسية. على العكس أنها سوف تعمل على
تفجير مكوناتها الدفينة. وهي ديناميكية محتملة وضرورية
لسلخ الزيف والرياء السياسي والانحطاط المادي والمعنوي
للقوى السياسية وبقايا التوتاليتارية المغلف بغشاء
"التحالفات" التي "لا ينفصم عراها" وما شابه ذلك من عبارات
مهمتها "تثليج" القلب في أجواء العراق الحارة! بمعنى أنها
ستتبخر بسرعة لتضع الجميع من جديد أمام الامتحان الأعقد
ألا وهو الخروج من مأزق الدراما التاريخية للعراق أو
الاندثار مع مسبباتها من بقايا الهامشية والراديكالية
ونزعة المؤامرة والمغامرة.
إن الدراما العراقية لم تعد لعبة الزمن. بل انتقلت الآن
إلى ميدان التاريخ الفعلي. بمعنى أنها لم تعد تمثيلية
لترفيه الأذواق الفاسدة، بقدر ما أصبحت حياة العراق
والعراقيين الفعلية. وهو تحول يعطي لنا إمكانية التفاؤل
المغري عن أن الدراما التاريخية ليست مأساوية بالضرورة.
وهو الإدراك الذي انتهى فصله الأول من خلال تصويت اغلب
القوى السياسية على انتهاء زمن التحالفات والتكتلات
المبنية على نفسية الكسب الضيق والغنيمة والرشوة والابتزاز
وما شابه ذلك. فقد قال الجميع في مجرى "قضية الجعفري"
ونتائجها: وداعا أيها الزمن الكاذب للتحالفات الكاذبة! وهي
الحالة التي تصبح فيها المفارقة المنطقية حقيقة. وهي
مفارقة تعطي لمهمة التحالف مع النفس ثم المجتمع ولاحقا مع
فكرة الوطنية العامة والدولة الشرعية والنظام الديمقراطي
والمواطنة الكاملة، قيمة تاريخية كبرى بالنسبة الى
المستقبل. لاسيما وأنها المراحل التي تتكون منها فصول
الدراما الفعلية لما يمكن دعوته بتاريخ البدائل في العراق.
لقد حررت "نهاية الجعفري" للمرة الأولى بعد سقوط
الصدامية الجميع من الالتزامات الحزبية والاتفاقات السرية
التي تعودت عليها الأحزاب السياسية عبر نقلها إلى ميدان
العلنية الاجتماعية، ومن ثم إلى ميدان الدولة. وهي عملية
لا تخلو من الاعوجاج والتشوه، لكنها الطريقة الوحيدة
للاستقامة والتكامل. فقد كانت الاتفاقات الحزبية التي لا
تمثل غير نفسها و"قياداتها"، الوجه المقلوب "للاتفاقات"
بالمعنى الشرعي. ومن ثم يمكن النظر إليها بوصفها الوجه
"الديمقراطي" لزمن الدكتاتورية. فقد أفرغت التوتاليتارية
البعثية والدكتاتورية الصدامية المجتمع والدولة من كل
مكنوناتهم الذاتية. ومن ثم أفرغت المرء من ذاته، والمجتمع
من قواه السياسية الحية، والفكر من مهمته النقدية
والإرشادية. ولم تبق سوى علاقة الخضوع والاستبداد. من هنا
كان لجوء الأحزاب السياسية إلى الاتفاق فيما بينها تعويضا
عن عجزها على التوجه إلى المجتمع والحصول على تأييده ودعمه
وبالتالي استمداد الشرعية منه. وهي حالة لها ما يبررها، بل
ويعطي لها صفة الشرعية السياسية. ولكن حالما يجري الانتقال
إلى ميدان الدولة، فان التمسك بها يعني البقاء ضمن نفسية
وزمن الدكتاتورية وانتفاء الشرعية. وهي الحالة التي نعثر
على الكثير من مكوناتها في مجرى الأعوام الثلاثة بعد سقوط
الدكتاتورية الصدامية. بمعنى تزاوج وتعايش الأساليب
والمواقف المتعارضة والمتضادة تجاه النسبة الضرورية بين
الشرعي والسياسي.
جميع الأحزاب السياسية في العراق لم تعرف ماهية وحقيقة
الممارسة الشرعية العلنية، من هنا صعوبة توقع ارتقائها
السريع إلى مصاف الشرعية الفعلية. أما ممارستها السياسية
فلا تخلو من نفسية وذهنية العمل السري، أي اشد وأحط أنواع
الممارسة السياسية. وهي البقية الباقية والمترسبة في قاع
الذهنية المتحكمة في سلوك ونفسية اغلب القيادات السياسية
للأحزاب في العراق. ولعل أهم مظاهرها هو بقاء قادة الأحزاب
في هرم السلطة بدون تغير وتبدل لعقود عديدة. وهو دليل على
أن فكرة الهرم السياسي هي في هرمية الذهنية أو هرمها أو
عقم الأحزاب وقواعدها عن تقديم نماذج جديدة أو أن الأحزاب
لا أجيال فيها، لأنها من رعيل لا علاقة له بالزمن والتاريخ
والحياة. ومهما كانت نوعية التفسير أو التبرير، فإنها تصب
في نهاية المطاف في مستنقع الخبرة الخبيثة، أي الخبرة
المحكومة بالنزوع نحو السلطة والتسلط وليس تجديدها بقوى
حية. وهي نتيجة نلمح مظاهرها المتنوعة في "خبث" المواقف
على أنها "سياسة". بل عادة ما يجري مطابقة السياسي المحنك
مع قدرته على المكر والخداع
إن مطابقة مضمون الحنكة السياسية مع المكر والخديعة تعكس
مضمون السياسة في العرف التقليدي للتقاليد الراديكالية
المتخلفة، أي المعزولة عن منظومة الفكرة وأهدافها المعلنة.
وهي ممارسة أكثر من جسدها في تاريخ العراق الحديث التيارات
الثورية من اشتراكية وشيوعية وقومية. وعلى قدر اقترابها من
السلطة يبرز "خبثها" الفعلي، أو مكرها السياسي المبتذل.
وهي صفة أكثر من جسدها في مجال الدولة والسلطة قديما
وحديثا الحركات القومية (العربية بنموذج البعث والكردية
بنموذج الحزبين التقليدين) ولحد ما الحزب الشيوعي. وهو أمر
لم يكن معزولا عن قيادته القومية الصغيرة (الكردية) لحقبة
طويلة.لقد وقفت هذه التيارات جميعا في "قضية الجعفري" ضد
القوة التي قارعت لعقود عديدة الدكتاتورية الصدامية بقوة
المكون الفعلي للعراق والتاريخ الثقافي والضمير الأخلاقي.
وبغض النظر عما في آراء القوى المكونة للائتلاف الشيعي من
قيم وأفكار يمكن الاختلاف معها أو معارضتها، إلا انه
التيار الذي يمثل من الناحية الواقعية والفعلية القوة
الكبرى القادرة في ظروف العراق الحالية والمستقبلية
القريبة على دفع العملية السياسية صوب فكرة الدولة الشرعية
والمواطنة الدستورية والنظام الديمقراطي. بمعنى القوة التي
تتمتع برصيد قادر على تأهيلها الذاتي وتنشيط قواها وتحولها
الداخلي صوب صعود القوى الأكثر واقعية وعقلانية بهذا
الصدد. وهو الأسلوب الوحيد الضروري بالنسبة الى العراق في
ظروفه الحالية من اجل تذليل زمن الدكتاتورية وترسيخ قواعد
وأسس البدائل العقلانية فيه.ذلك يعني أن الوقوف ضدها كان
محكوما "بتكتيك" النفسية المتآمرة التي تجد في تفتيت الخصم
أسلوب انتصارها. وهي مبدئية أو مبادئ تشكل مضمون الفكرة
السياسية المقلوبة في تاريخ العراق الحديث. بمعنى أن الهمّ
العميق والدفين للنشاط السياسي وقوة القوى السياسية يقوم
ليس في التوجه نحو المجتمع، بل بالالتفاف على القوى
"الحليفة" و"الصديقة". وهي ممارسة يمكن رؤيتها في كل دقائق
الفعل اليومي للحركات والأحزاب السياسية العراقية. وهي
نفسية تعبر أولا وقبل كل شيء عن نفسية الأقلية. وليس غريبا
أن تلتف قوى الأقليات جميعها ضد الائتلاف الشيعي في "مشكلة
الجعفري.
بعبارة أخرى، أن جذر المشكلة لم يكن في الجعفري أو
شخصيته السياسية أو حتى حزبه وعقيدته، بل في مشكلة الأقلية
والأغلبية بوصفها ظاهرة سيادة وخضوع. وهي ظاهرة مشوهة بحد
ذاتها، لكنها تعكس طبيعة الانحراف في الدولة العراقية
الحديثة التي جعلت من غلبة الأقلية أسلوب الجمع القسري
لمكوناتها. وقد كان هذا القسر الأسلوب الملازم لصعود
الدكتاتورية، وبالأخص الصدامية. فالدكتاتورية في اغلبها هي
أسلوب تحكم الأقلية بالسلطة. ولا معنى للأغلبية أن تزاول
الإرهاب والقهر المنظم. انه أمر يتنافى مع كينونتها. كما
أن وجود الأغلبية ينهك نفسية الإرهاب والقهر. وبالتالي
يمكن النظر إلى التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية
الصدامية على أنها مسخ لعقدة (الأقلية) والعقيدة
(الكونية). فقد كانت الصدامية الصيغة النموذجية لنفسية
الأقلية في كل مكوناتها وممارساتها، كما شكلت النتيجة
"الطبيعية" لتراكم تقاليد الأقلية وهيمنتها في تاريخ
العراق الحديث. من هنا أصبح صعود أغلبية شيعية إلى الحكم
"ظاهرة مشوهة" ونموذجا فاقعا "للطائفية"، لأنه كشف عن
الطائفية السياسية الفعلية للأقلية التي كانت سائدة للدرجة
التي لم يكن بإمكان المرء مشاهدتها، لأنها في كل مكان.
إن صعود "الأغلبية الشيعية" إلى الحكم ومظهرها "المفزع"
هو دليل أولا وقبل كل شيء على أنها كانت أغلبية مهمشة.
وإلا فمن الصعب فهم أو تحسس غرابة أن تكون الأغلبية في
موضع الاتهام على وجودها في هرم السلطة ومؤسساتها. بعبارة
أخرى، إن صعود الأغلبية "الشيعية" إلى الحكم وتكتلها
السياسي هو الوجه الآخر للطائفية السائدة في تاريخ الدولة
العراقية الحديثة. وفي هذا يكمن جذر المشكلة أو مشاكل
الصراع الدموي العنيف. إذ لا يمكن أن تظهر مشكلة الأغلبية
المهمشة دون الأقلية المهيمنة بنفسية وذهنية الأقلية، أي
أن علاقة الأقلية والأغلبية في هذه الحالة هي علاقة مشوهة
بحكم الكمية والنوعية والوظيفة والغاية. وذلك لان إمكانية
سيادة الأقلية وتهميش الأغلبية غير قابلة للتجسيد بالطرق
الاجتماعية والديمقراطية والحقوقية. من هنا تحول أسلوب
الانقلاب العسكري والإرهاب المنظم والقهر الشامل إلى نمط
العلاقة الوحيد في قيادة الدولة وأدواتها. إذ لا إدارة في
الدولة، أي أن الدولة لا تعرف معنى وماهية الإدارة لشئون
المجتمع، لأنه لا وجود لمجتمع بالمعنى الدقيق. انه مجرد
كيان موحد بقوة القهر. من هنا الفزع الجسدي الشديد للأقلية
الطائفية (السنية) وهلعها المعنوي بعد سقوط الدكتاتورية
الصدامية الذي وجد انعكاسه في الصمت الرهيب في البداية
والمشاكسة في النهاية والاتهام المتزايد للشيعة بالصفوية
والعلقمية والفارسية وما شابه ذلك. أي أننا نقف أمام الوجه
الحقيقي لنفسية الأقلية التي وجدت نفسها خارج إطار
"عراقها" المسلوب دون أن تعي بان تاريخها السياسي الحديث
هو زمن السرقة القبيح للعراق العربي. إذ ليست هذه
الاتهامات في الواقع سوى الصيغة الدعائية لنفسية وذهنية
الأقلية الطائفية السياسية التي تتعامل مع الأغلبية
العربية ومكون العراق المادي المعنوي والروحي على أنه شيء
لا علاقة له بالعراق والعرب. وعندما يدرج المرء أسماء
البصرة والعمارة والناصرية والسماوة والكوت والنجف وكربلاء
والديوانية والحلة وبغداد وأراضيها وبشرها خارج إطار
العراق والعروبة، فان المرء يتوصل إلى استنتاج بسيط، وهو
أن الحديث يجري حول دولة وتاريخ وجغرافيا لا علاقة لها
بالعراق. وهي حقيقة! بمعنى أن هذا الموقف يعكس وجود دولة
وتاريخ وجغرافيا الطائفية السياسية التي لا علاقة جوهرية
لها بالعراق والعروبة، أي دولة وتاريخ وجغرافيا الأقلية
ونفسيتها وذهنيتها المناسبة. وفي هذا يكمن سر التفاف القوى
العربية الطائفية (الأقلية السنية) والعرقية الكردية
(الأقلية القومية) والشيوعية (تكتل الأقليات) في الصراع ضد
"الجعفري". ذلك يعني أن الجذر المشترك والقاسم الفاعل في
تكتيك القوى لم يكن محاربة "النزعة الدينية" أو
"الاستبدادية" للجعفري و"استفراده بالسلطة" وما شابه ذلك،
لأنها صفات أكثر من يجسدها من يدعي خصومتها له، أو على
الأقل أنها صفات تشترك بها بأقدار مختلفة جميع القوى
السياسية في العراق الحالي.
إن سلوك "القوى المتحالفة" على "أسس مبدئية" في "قضية
الجعفري" يعبر أولا وقبل كل شيء عما يمكن دعوته بآلية
الفعل الخفية لنفسية الأقلية وذهنيتها. وليس اعتباطا أن
تلتقي التشكيلات السياسية للأقليات المتنوعة والمختلفة
والمتصارعة في "وحدة مبدئية" ضد "الائتلاف الشيعي"، أي ضد
القوة التي كانت من حيث الجوهر وعلى امتداد العقدين
الأخيرين ظهيرا للأكراد والحركات القومية الكردية
والشيوعيين. وان تندفع هذه القوى للتحالف مع تيارات لا
غبار على هويتها الطائفية السياسية بالنسبة للإنسان البسيط
وليس المتمرس في الصراع السياسي. ذلك يعني أن التمرس
السياسي هنا هو أيضا حرفة محكومة بنفسية الاستحواذ والتملك
والسلطة من خلال "التحالفات"، أي من خلال الالتفاف على
المجتمع. وإلا فبأي معنى يمكن لهذه القوى التي اشتركت
بحماس منقطع النظير (من بواعث ونوايا مختلفة) في الإعداد
للدستور الدائم والاستفتاء عليه والمشاركة في الانتخابات،
أن تتخلى عن نتائجهما وان تطالب بالاستعاضة عن الدستور
باتفاقات جنتلمانية، والاستعاضة بالاستحقاقات الوطنية عوضا
عن الانتخابية؟! كما لو أن الدستور والانتخابات
الديمقراطية وأصوات المواطنين لا جنتلمانية فيها ولا
مواطنة ولا استحقاقا!! وهي أيضا حقيقة! فنفسية الأقلية لا
يمكنها الاحتكام إلى الفكرة الديمقراطية، كما أنها لا تقر
بفوز الأغلبية. من هنا لم تكن فكرة الاستعاضة نفسها سوى
عين السرقة لفكرة "الجنتلمانية" و"الوطنية" و"الاستحقاق".
وهي سرقة لها أخلاقها الخاصة وبواعثها الكامنة في نفسية
وذهنية الأقلية التي حكمت السلطة والدولة واغلب الأحزاب
السياسية على امتداد القرن العشرين. وليس اعتباطا أن
تتبلور في تقاليد الأحزاب السياسية في العراق ما أسميته
بوحدة العقدة والعقيدة من خلال تضافر نفسية الأقلية وفكرة
الكونية! وهي مفارقة خفية تعبر عن طبيعة التناقض بينهما.
وليس مصادفة أن تستحوذ وتصادر الأقلية العربية السنية
الفكرة القومية بأشد أشكالها تطرفا وعرقية ودموية وتجعل
منها إيديولوجية الدولة والحزب والمجتمع بحيث رسمت
شعاراتها في كل مكان بما في ذلك على جدران المراحيض! وليس
مصادفة أن تكون "الثورية" و"الديمقراطية" هي إيديولوجية
القوى العرقية الكردية بما في ذلك في أسمائها، أي انتحال
صفات وأسماء متنافرة مع مضمون الحركة العرقية وبنيتها
التقليدية وتخلفها الثقافي! وليس مصادفة أن يكون الحزب
الشيوعي مرتعا للأقليات وهيمنتها. ومن هذا الكل المشوه
لنفسية وذهنية الأقلية تبلورت فكرة الموقف من الأغلبية.
وهي صانعة الطائفية السياسية الشيعية بوصفها رد فعل من اجل
إعادة ترتيب الأمور بصورتها الطبيعية والسليمة. ومن ثم فان
الأخطاء التي اقترفها الجعفري والائتلاف الشيعي هي جزء من
تاريخ الخراب والخروج على منطق وجود الأشياء وآلية فعلها
السيئة وتأثيرها على الجميع دون استثناء. بمعنى أن تلك
الأخطاء كانت الصيغة الضرورية لتعديل التشوه. أما النظر
إليها باعتباره تشوها فهو البقاء ضمن تقاليد الماضي ونفسية
الأقلية. وهو سر تحالف القوى "الديمقراطية العراقية""
و"القومية العربية" و"العلمانية الكردية" في مواجهة
الجعفري، أي الائتلاف.
ذلك يعني، إن السبب الرئيسي القائم وراء مفارقة تضافر
نفسية الأقلية وفكرة الكونية، يقوم في بقاء وفاعلية الأسس
والمصادر الأولية لهيمنة الأقلية على السلطة والدولة في
العراق بمعايير الطائفية السياسية المبطنة، أي كل ما أدى
تاريخيا إلى صنع وبلورة تقاليد وآلية خفية في وعي ولاوعي
الأقليات بإمكانية استمرار هذه الحالة بوصفها حالة طبيعية.
وهي حالة جعلت من الأقليات لا طبيعية في العراق. من هنا
استشراء نفسية القوة والعنف والغنيمة والالتفاف والمغامرة
والمؤامرة في نفسيتها وذهنيتها وسلوكها العملي. وليست
"الاتفاقات المبدئية" فيما بينها "لإسقاط الجعفري" سوى
نموذجا كلاسيكيا بهذا الصدد. فالجعفري لم يكن بالفعل رجل
المرحلة ولا رجل الساعة. كما أنها صفات لا يمكن إطلاقها
على أي من أولئك الذين وقفوا ضده موقف "الصف الموحد" من
بين الرعيل السياسي الأول والأخير في العراق. وذلك لأنها
صفات تفترض كحد أدنى تعايش وتفاعل وإنتاجية زمن طويل من
المهارة والكفاءة والاحتراف في مؤسسات الدولة واستقرار
سياسي وحكم القانون وتقاليد راسخة للديمقراطية السياسية
والمجتمع المدني إضافة إلى الموهبة الفردية. لكن "إسقاط
الجعفري" يحتوي على حكمة تاريخية وسياسية تقوم في أن
"إسقاطه" وضع اللبنة الأولى لإسقاط هيمنة الأقلية. وهي
عملية اقرب إلى ما كانت تدعوه تقاليد الرؤية الإسلامية
بالمكر الإلهي! بمعنى أن الحق يفرض نفسه من خلال انتهاك
المنتهكين له! وذلك لان نتيجة "إسقاط" الجعفري سوف تجبر
الجميع، رغم نواياهم المختلفة، على الإجماع بضرورة الرجوع
إلى المجتمع والقانون والممارسة السياسية العلنية مقابل
التحالفات المزيفة. وهي عملية ايجابية كبرى بالنسبة
لمستقبل الدولة والمجتمع والنظام السياسي، لأنها أخذت
بتقرير الفكرة القائلة، بان الأقلية هي أقلية. وهي المقدمة
التي تحررها من العيش والعمل والبقاء بمعايير النفسية
الضيقة. وهي مقدمة انتقالها من عالم البنية التقليدية إلى
عالم الحياة الاجتماعية والسياسية والوطنية، بمعنى إمكانية
تحولها من أقلية طائفية أو قومية أو عرقية أو جهوية إلى
مكونات ضرورية للتعددية الثقافية والسياسية، أي كل ما يجعل
منها طاقة إضافية للإبداع والرقي الاجتماعي والوطني
والإنساني في العراق. لكنها عملية ليست منطقية، بقدر ما
أنها محكومة بكيفية حسم الصراع الاجتماعي والسياسي
والوطني، أي انه مرتبط بكيفية تذليل التجزئة العرقية
والطائفية والجهوية من خلال رفع فكرة الدولة الموحدة وحدة
التراب العراقي إلى مرجعية مطلقة، وتذليل القوى الانفصالية
(الكردية) عبر إرجاعها إلى فكرة المواطنة والقومية
الثقافية، وإشراك القوى الطائفية السياسية في صراع سياسي
اجتماعي وطني عام. ولا يمكن تحقيق هذه المهمة دون النقد
العقلاني الفلسفي والسياسي لمجموعة من "المقدمات النفسية"
التي تحولت في مجرى عقود من الزمن إلى إيديولوجيات مزيفة،
ليست هي في الواقع سوى الصيغة الفجة لتقاليد حزبية أكثر
فجاجة. والمقصود بذلك فكرة الدنيوية (العلمانية)، بسبب
خصوصيتها في ظروف العراق الحالية وأثرها بالنسبة لبناء
الدولة الشرعية والمجتمع المدني والنظام السياسي
الديمقراطي ووحدة التراب العراقي. لاسيما وأنها القضية
التي أثارت وتثير وسوف تثير لحقبة قادمة صراعا دفينا
واستغلالا إيديولوجيا لتصفية الحسابات مع الخصوم، بما في
ذلك توظيفها الدعائي على المستوى الخارجي من اجل الحصول
على دعم سياسي وإعلامي. ومن ثم اثرها في "توحيد" القوى
وتفرقتها، و"تكتيكها" في الصراع الدائر. وهو توظيف وصراع
يفسد بقدر واحد المضمون الحقيقي للفكرة الدنيوية
(العلمانية) ومعارضتها الجاهلة من جانب الأصولية
الإسلامية.
تجدر الإشارة إلى أن العلمانية الدارجة في العبارة هي
الترجمة غير الدقيقة لفكرة الدنيوية. ومضمونها العام، كما
بلورته التقاليد الغربية (الأوربية والأمريكية) هو فصل
الدين عن الدولة، بمعنى فصل الكنيسة عن التحكم في السياسة
المدنية، مع ما يترتب عليه من جعل الدين قضية شخصية. وهو
فصل له تاريخه الخاص وصراعاته الدموية والعنيفة القائمة في
خصوصية الكنيسة النصرانية واثرها في مجرى أكثر من ألف عام
من السيطرة شبه التامة على حياة الفرد والمجتمع والروح
والجسد. ذلك يعني، أن العلمانية (الدنيوية) كانت وثيقة
الارتباط بمجرى تطور العلاقات الاجتماعية والاقتصادية
المتراكمة في مجرى الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية
ومكوناتها الإيديولوجية في حركات النهضة والإصلاح الديني
والفكرة الليبرالية والتنوير. وهي عملية أعطى لها عصر
القوميات والحركات الاجتماعية الكبرى بعدا جعلها جزءا من
منظومة القيم المتغلغلة في كل مسام الوجود الأوربي. بمعنى
أنها تشمل ليس فقط منظومة الدولة والنظام السياسي والقانون
والثقافة والعلوم فحسب، بل والعلاقات الاجتماعية والقومية
وانعكاسهما في قيم السلوك المحددة لظاهر وباطن الجسد
والروح لكل من الفرد والجماعة والأمة والدولة. وهو تغلغل
يمكن العثور عليه وعلى أبعاده العميقة والمنظومية في كل
مكونات النشاط الروحي والذهني والعقلي والعلمي والجسدي،
باختصار في كل تجليات الفعل الإنساني.
إن ظاهرة الدنيوية الأوربية (الغربية) هي منظومة من
القيم والمبادئ تراكمت في مجرى قرون عديدة من خلال صراع
عنيف ودموي وقتال لا مثيل له في التاريخ. من هنا احتواؤها
على أبعاد غاية في التعارض والتضاد، وبالأخص وحدة الدموية
والنزعة الإنسانية. ولم يكن ذلك معزولا عن حدة الصراع الذي
جعل من "العنف" أسلوب بلوغ للسلام. وهي عملية لا تشكل بحد
ذاتها نموذجا مثاليا، وذلك لان أي من نماذجها التاريخية
الحديثة المعروفة لا يمكنه أن يكون نمطا كونيا وذلك
لاستحالة هذه الإمكانية بالنسبة الى اية تجربة قومية أو
تجارب قوميات. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار تباين
الأديان وتجاربها الثقافية المختلفة. وهي أمور جلية حالما
نقارن بين تجارب العالم الأوربي (النصراني) والعالم العربي
(المسلم) وفيما لو تركنا المقارنة التاريخية والثقافية بين
هذين العالمين وانتقلنا مباشرة إلى واقع العراق الحالي،
فإننا نقف أمام ادلجة مسطحة لإشكالية الدنيوية. بمعنى أنها
لم تكن أكثر من أوهام إيديولوجية حزبية. ومن ثم لا تحتوي
من حيث الجوهر على أية مساع فكرية وسياسية واجتماعية
واقتصادية جدية ومدركة لتأسيس الفكرة الدنيوية. أنها ليست
أكثر من تشدق في العبارة مأخوذ من شعارات لم يجر حتى إدراك
معناها الأولي. وليس مصادفة أن تكون محل صراع واختلاف بين
التيارات القومية والشيوعية!! بمعنى محاولة كل منها تقديم
نفسه باعتباره الممثل "الشرعي الوحيد" لفكرة العلمانية.
وهو صراع لا علاقة له بالفكرة الدنيوية. ففي إيديولوجية
الحزب الشيوعي لم تكن أكثر من ترديد باهت وجاهل لبضعة
شعارات وبعض أفكار مجتزئة من بعض الكتب أو الكتيبات
الماركسية عن الدين، بينما لم تتعد في إيديولوجية حزب
البعث أكثر من مزايدة رخيصة لسحب البساط من تحت أقدام
"أذناب الخارج" و"الملحدين"!! وفي كلتا الحالتين نقف أمام
حالة غاية في التخلف والاستيعاب المسطح للفكرة الدنيوية.
بمعنى جهل مضمون وجوهرية العقلانية والحرية في الفكرة
الدنيوية. والتاريخ الحديث لكليهما هو دليل قاطع على ما في
هذا الجهل من تجهيل بمضمون العقلانية والحرية. وهي حالة
اقرب ما تكون إلى الصيغة اللاهوتية عن تلبيس إبليس! مظهرها
الرفض ومضمونها العبودية المتبجحة بذاتها، التي لا ينبغي
أن يشاركه أو ينافسه فيها احد! لقد كان إبليس يريد أن يكون
لحاله فقط عبدا لله بلا منافس ولا شريك، وإلا فان الإخلاص
للإلوهية سوف ينقلب إلى عبودية تامة لإيديولوجية الإغواء
والإغراء! وليست صور ونماذج الصراع السياسي العراقي فيما
يتعلق بالدنيوية سوى الصيغة النموذجية لاستلهام "نفسية
الشيطان" فالقوى السياسية التي اشتركت في "إخلاصها التام"
من اجل إسقاط الدكتاتورية الصدامية، تحولت بعد "سقوط
الصنم" إلى سدنة جدد لإغراء وإغواء إحداها الأخرى من اجل
البقاء بالقرب من "رب العرش" (السلطة والمحتل!!). وبما أن
القوة التي أخذت تبرز في مجرى الصراع الذي لا تحكمه قواعد
قانونية ودستورية (رغم إقراره الشرعي عبر الاستفتاء الوطني
العام!) هي "قوى دينية" (شيعية) من هنا بروز ورقة
"العلمانية" بين "الأقلية" السياسية، أي الجماعات
والاتجاهات والتيارات والحركات والأحزاب التي تعيش وتعتاش
وتتعايش بنفسية وذهنية الأقلية. من هنا "التكتل العلماني"
بين "الشيوعيين" و"الديمقراطيين" و"البعثيين المنشقين"
و"الوطنيين العراقيين" و"القوميين الأكراد"، باختصار بين
قوى لا يجمعها غير نفسية وذهنية الأقلية. من هنا اندفاع
"العلمانية"، بوصفها شعار الإغراء الجديد أمام "الخارج"
للحصول على تأييد مادي ومعنوي.إن جميع التيارات والاتجاهات
والحركات والأحزاب السياسية العراقية الحالية ليست
"علمانية" لا بالمعنى الغربي ولا الشرقي! وذلك لان
العلمانية منظومة وليست شعار. أما الادعاء المزيف للحركات
القومية الكردية في العراق عن "علمانيتها" فهو مظهر من
مظاهر رخويتها المادية والمعنوية. فهو شعار لم يطرح سابقا،
ولم يجر مطابقته مع مضمون الحركة القومية الكردية. وذلك
لان كل مضمونها وشعاراتها لم تكن في الواقع أكثر من ترديد
باهت لشعارات الحركات والأحزاب الوطنية والديمقراطية
والشيوعية والقومية العراقية. وهو أمر طبيعي! فالأقلية
(والقومية بشكل خاص) لا يمكنها أن تكون قاطرة محركة. فضلا
عن أن هناك فرقا جوهريا بين العلمانية وضعف التدين أو
انعدامه! فالحركات القومية عموما في كل مكان ليست دينية في
بدء ظهورها ومظاهرها الأولية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن
الحركة القومية الكردية في العراق هي حركات جهوية وذات
بنية تقليدية وضعف ذاتي في مكوناتها التاريخية والثقافية،
من هنا تتضح رخاوة الفكرة الدنيوية فيها. أنها ليست فكرة،
بل نفسية إغواء وإغراء.
فالعلمانية هي الثمرة المتراكمة من تجارب متكاملة في
بناء الدولة والأمة والاقتصاد والعلم والتكنولوجيا
والثقافة والقيم. وهو واقع يكشف عن طبيعة الوهم
الإيديولوجي للحركات القومية الكردية. وليس مصادفة أن نقرأ
العبارات الواسعة الانتشار بين المتعلمين منهم من "أن
الشعب الكردي كله شعب ديمقراطي"! و"انه الشعب الديمقراطي
الوحيد في العالم لأنه كله ديمقراطي"! وانه "كان سابقا كله
ماركسيا وأصبح الآن ليبراليا"!! و"أن الشعب الكردي علماني"
و"انه شعب براغماتي وعقلاني"!! وهي كلمات يرددها بحماس
الصغير والكبير، المتعلم والجاهل!! وهي عبارات تجعل المرء
يستغرب من انعدام حركة سريالية ترافقها! وهو أمر طبيعي
أيضا! فالسريالية غريبة لكن غرابتها في اغترابها الغريب عن
عالم متنوع وعميق وشديد الاحتراف بما في ذلك في الخروج على
المنطق والاعتدال. أما هنا فالجميع تبدو كتلة واحدة، أي
معشر! مع أن الواقع أكثر تعقيدا. إلا أن هذا "التحول"
المتبجح بنفسه ليس إلا الدليل على مظهر القاع الضحل في
"قبول" الأفكار ورفضها! وهو واقع يمكن أن يفسره المثل
الروسي القائل "السكران يرى البحر ساقية ضحلة"! ففي هذه
الحالة تصبح الأمور كلها سهلة وبسيطة وقابلة للعبور! وهي
نفسية تفسر طبيعة الممارسة السياسية للحركات القومية
الكردية في العراق تجاه شعار العلمانية. فالعلمانية
بالنسبة لها مجرد شعار جديد شأن الديمقراطية والماركسية
والبراغماتية والعقلانية. والسبب بسيط للغاية وهو بساطة
التفكير ونفسية المعشر وذهنية القبيلة! وجميعها جزء من
مظاهر الضعف التاريخي الذي لا يمكن تذليل مقدماته في ظروف
العراق إلا عبر عراق ديمقراطي حر. أما تحويل شعار
العلمانية إلى جزء من مؤامرات السياسة الحزبية ومغامراتها،
فإنه لن يؤدي إلى إلا نتائج معاكسة. وفي التجربة الصدامية
خير مثال. فقد تحولت العلمانية المتطرفة إلى أصولية
متطرفة. وذلك لأنها لم تكن علمانية! والشيء نفسه يمكن قوله
عن شعار الحركة القومية الكردية (مع ضعفها الذي لا يمكن
مقارنته بحالة البعث الصدامي). فقد تحول هو في ظروف العراق
الحالية إلى جزء من نفسية الغنيمة التي تحولت فيها
"العلمانية" إلى طعم الاصطياد في الماء العكر. من هنا
انفراط عقد الاتفاق بين "القوى العلمانية" في مواجهة
"التيار غير العلماني" (الائتلاف الشيعي). وذلك لأنه كان
محكوما بنفسية الغنيمة. وهي حالة جلية في الصراع الخفي
والعلني للحصول على مكاسب في "الوزارة" طبعا أن لهذه
الظاهرة تعقيداتها الكثيرة والكبيرة في تاريخ العراق
الحديث. لكن اتجاهها العام يسير صوب الإقرار بضحالة القيمة
الإيديولوجية للشعار السياسي ما لم يختمر في مجرى المعاناة
التاريخية، وما لم تسنده الأغلبية الاجتماعية. فالعراق
بحاجة جوهرية للفكرة الدنيوية. غير أن المهمة النظرية
(والإستراتيجية) الكبرى تقوم في رؤية آفاقها وكيفية
تأسيسها والقوى القادرة على تحقيقها الفعلي في ظروف
الانتقال إلى الديمقراطية. وهي آفاق يمكن رؤية مكوناتها
واتجاهها المجرد في التجارب الناجحة للأمم الراقية بهذا
الصدد. والقضية هنا ليست في رقي الأمم أو نجاحها، بقدر ما
أنها جزء من تطور المجتمع والقومية وتكامل الأمم في العالم
المعاصر ومستقبله. ومع أن التجارب التاريخية الكبرى للأمم
هي تجارب خاصة، أي ذاتية، إلا أنها تتمتع بقدر ضروري من
القيمة المعنوية والمجردة بالنسبة لتأمل المستقبل الملازم
للظواهر المشابهة في ثقافات وتجارب الأمم الأخرى. وضمن هذا
السياق يمكن فهم أهمية وقيمة التجارب الأوربية بالنسبة
للعالم العربي والعراق في الحالة المعنية. وهي تجارب تشير
إلى أن تحقيق الدنيوية هي عملية شاقة ونتاج صراع اجتماعي
وسياسي وفكري تحققه الأغلبية الاجتماعية من خلال فرض شروط
تصوراتها وأحكامها. بمعنى إجبار الجميع على العمل والتفكير
بقواعد الأغلبية. وهي العملية الوحيدة القادرة على تحويل
مختلف بواعث الصراع وقواه السياسية إلى مكونات فاعلة في
تعميق وتوسيع الرؤية الاجتماعية.
بعبارة أخرى، إن تحقيق العلمانية يفترض، كما هو الحال
بالنسبة الى الديمقراطية والعقلانية وغيرها، تذليل نفسية
وذهنية الأقلية المغلقة. وهي عملية يمكن ملاحظة براعمها
الأولية في مجرى الصراع العنيف في السنوات الثلاث ما بعد
سقوط الصدامية. فقد كانت بدايتها زوبعة من هجوم الأقليات
القومية والدينية والسياسية المتشكلة حديثا على السلطة
و"مركز القرار". لكنه هجوم كان يحدده في الواقع، وبصورة
غير مرئية، ثقل الأغلبية العراقية المغيبة لعقود طويلة.
وهي عملية فرزت في بدايتها صعود التكتل الشيعي والكردي.
ولاحقا جرى "استدراج" "السنة" إلى "العملية السياسية". وهي
عملية أرجعت القوة الكردية خطوة إلى الوراء، تماما بالقدر
الذي استثارت الطائفية السياسية السنية وفعّلت قوتها. كما
أنها أهلكت القوى الصغيرة المتشكلة في عالم "الانتعاش
الديمقراطي". وهو تفعيل ظهر بقوة وحماس عنيف في مجرى
الصراع من اجل "إسقاط الجعفري" وتشكيل الوزارة الجديدة. اذ
نرى طبيعة ونوعية الاستقطاب الجديد، الذي رمي بركلة قاسية
"الاستحقاق الانتخابي" ليستعيض عنه "بالاستحقاق الوطني".
وهو شعار إيديولوجي لا يمكنه الفعل بصورة واقعية وعقلانية،
لأنه لا يمكنه الامتلاء بالواقعية والعقلانية ما لم يختمر
في نفسية وذهنية التجارب المتراكمة للأغلبية. فقد كان هذا
الشعار الصيغة المبتذلة للعلمانية، لأنه حاول أن يجعل منها
شعارا في الصراع من اجل "المحاصصة". وهنا تكون القوى قد
قطعت الشوط الضروري الأول للإقرار بواقع الأغلبية
والأقلية، رغم بعض مظاهرها المشوهة. من هنا انفراط "الوحدة
المبدئية الصلبة" بين القوى العرقية الكردية و"القومية
العربية" والشيوعيين! لقد اجتمعوا بمعايير نفسية وذهنية
الأقلية وافترقوا بها أيضا. وبها أيضا دخلوا من جديد إلى
الوزارة! وهي التجربة التاريخية الأولى والكبرى لتذليل
نفسية الاستعمال الإيديولوجي للأفكار الكبرى. وفيها يمكن
رؤية آفاق العملية الفعلية للاستقطاب الاجتماعي اللاحق
وتحقيق الأفكار الكبرى بما في ذلك فكرة الدنيوية
(العلمانية).
فاتجاهها العام سوف يسير عبر إرجاع الأقليات القومية
والطائفية والجهوية ومختلف نماذجها التقليدية إلى حدودها
الطبيعية بوصفها أقليات قومية أو طائفية أو جهوية. من خلال
ذلك سوف تدرك هذه القوى حدود إمكاناتها الاقتصادية
والسياسية والاجتماعية والثقافية. وهي عملية سوف تكشف عن
قوة الأغلبية بوصفها قوة اقتصادية وسياسية واجتماعية
وثقافية وليست شيئا آخرا. فالصفات الأخرى العالقة
بالأغلبية هي صفات عارضة في مجرى بناء الدولة الشرعية. وهو
الطريق الوحيد الذي يكفل للجميع إمكانية تذليل فكرة
الأقلية الضيقة والأغلبية المستبدة. بمعنى الطريق الواقعي
والعقلاني لبناء الواقعية والعقلانية، ومن ثم الطريق
الوحيد لتأسيس الدنيوية الثقافية والشرعية وليس
الإيديولوجية المزيفة.من هنا فإن مفارقة الدنيوية
(العلمانية) في ظروف العراق المعاصر تقوم في أن حملتها
الفعليين من وجهة نظر التاريخ والمستقبل ليست "القوى
العلمانية" المدعية، بل "القوى الإسلامية" (الشيعية). إذ
لا عِلم حقيقي ولا عَلم عراقي عند أدعياء "العلمانية"،
بسبب طبيعة الخراب الشامل للدولة والمجتمع والثقافة،
وطبيعة الأزمة الشاملة في الفكرة الوطنية (العراقية)
والقومية (الجزئية). من هنا لا يمكن لأية قوة أن تدعي
تمثيل هذه الجوانب التي هي بحد ذاتها في صيرورة جديدة. ومن
ثم فان الأفكار الكبرى لا يمكن أن تكون حكرا لأحد كما انه
لا معنى للادعاء بتمثيلها التام والشامل. أما تمّثلها
الحقيقي فهو تجسيدها في منظومة متكاملة للدولة والمجتمع
والثقافة والعلم. وهي عملية ترتبط من الناحية التاريخية
بانجاز مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية والنظام الشرعي،
ومن الناحية الاجتماعية بصيرورة الأغلبية القادرة على
الاندماج الطبيعي بها. فهي العملية الوحيدة القادرة على
تذليل الأبعاد الجزئية (العرقية والطائفية والجهوية) في
الصراع من خلال رفعها إلى مصاف العام (الوطني العراقي).
وهي المقدمة الوحيدة للدنيوية (العلمانية). بمعنى الطريق
الوحيد لإيجاد النسبة المعقولة والمقبولة للدين والدنيا.
وهي عملية يمكنها أن تتكون عند القوى الاجتماعية الناشئة
في ظل النظام الديمقراطي ومؤسسات الدولة الشرعية، أي القوى
المتكونة في مجرى الاستقطاب التدريجي للقوى العقلانية عند
الجميع من اجل صنع أغلبية تعي قيمة الدنيوية (العلمانية)،
بوصفها الصيغة التي تحفظ تكامل الجميع بمعايير المستقبل.
أما الطرق الأخرى فان مصيرها التقهقر والفشل. وذلك لأنها
ليست فقط ضد واقع وديناميكية التحول التاريخي المعاصر في
العراق وعلى الصعيد العالمي، بل ولأنها ضد منطق العقلانية
والحرية بوصفه أسلوب الاستقرار والتقدم الاجتماعي الشامل.
غير ان للتاريخ الواقعي مساره الخاص، ولوعي الذات منطقه
الملازم. ومن مفارقات هذين التاريخين، أن تكون الأوهام
الكبرى فيهما ملازمة للقوى الصغرى. وهو تلازم محكوم أما
بانعدام أو ضعف وعي الذات التاريخي وأما بخلل التراكم
العقلاني للتجارب الذاتية. ومنهما عادة ما تظهر مختلف
نماذج الغلو والتطرف. وهي نماذج عادة ما تنهمك قواها
السياسية والفكرية بفعالية وحمية مبالغ فيها في إنتاج
مختلف الأوهام. ولعل أكثرها دموية وتخريبا للعقل والضمير
والمسار الطبيعي للدولة والأمة هي الدعوى الإيديولوجية
بتمثل "الأفكار الكبرى" و"الشعارات العظيمة" وما شابه ذلك.
أي كل ما لا يخضع للتجربة ولا يحتكم إلى البرهان المنطقي.
وهو أمر طبيعي، إذ ليس في الدعاوي الإيديولوجية مكونات
قادرة على تفعيل الرؤية العقلانية والشك المنطقي تجاه
الشعارات والأفكار المرفوعة إلى مصاف "المقدس". وذلك لان
مجرد رفع "المقدس" إلى مصاف الشعار العملي يعني فيما يعنيه
تحييد العقل النقدي واغتراب الفكرة عن الواقع.
وليس مصادفة أن تتحول الدعاوي الإيديولوجية الكبرى من
جانب القوى في تجارب الأمم جميعا إلى شعارات كبيرة لطريق
ضيق. والقضية هنا ليست فقط في أن القوى الصغرى لا يمكنها
أن تكون حاملة الأفكار الكبرى، بل ولان أية قوى مهما كبر
حجمها لا يمكنها أن تكون ممثلة تامة وفعلية لها. وذلك لان
مضمون وحقيقة الأفكار الكبرى وشعاراتها لا يحدده كمية
الأتباع والادعاء الإيديولوجي بتمثيلها، بقدر ما يتحدد
بمستوى الرؤية الواقعية والعقلانية لتحقيقها. وهي رؤية
تفترض تجانس الماضي والحاضر والمستقبل في الفكرة والقوى
الاجتماعية القادرة على تأسيسها الفعلي.
فالفكرة الديمقراطية والعلمانية والشرعية والمدنية
والفيدرالية وغيرها لا يمكن تحقيقها من جانب أية قوة جزئية
في العراق. بعبارة أخرى، لا يمكن لأية قوى عرقية أو طائفية
أو مذهبية ضيقة أو جهوية أن تكون حاملة لأفكار كبيرة في
العراق. إنها يمكن أن تشارك في تهذيب وتشذيب بعض محتوياتها
بالشكل الذي يجعل الفكرة مقبولة لمكونات العراق. ولكن
حالما تصبح الفكرة الكبرى جزء من برنامج القوى الجزئية،
فإنها تؤدي بالضرورة إلى طريق مسدود. إذ لا يمكن، على سبيل
المثال للقوى القومية الكردية والطائفية السياسية العربية
أن تكون حاملة الفكرة الوطنية العراقية. كما لا يمكن لأي
منهما أن يكون حاملا للفكرة العلمانية والديمقراطية
والمدنية والشرعية، وذلك لان الأولوية في رؤية هذه القوى
هي أما للمصلحة القومية الضيقة أو الطائفية الأضيق.
وكلاهما يصبان في تيار واحد، وهو الانغلاق وإثارة مختلف
مظاهر اللاعقلانية. مع ما يترتب عليه من ضعف أو اضمحلال
الواقعية السياسية. وهي نتيجة تكشف عن أبعادها الخطرة
ومحدوديتها ثلاثة أعوام بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية
والتوتاليتارية البعثية. فقد تحولت "الشراكة الوطنية" إلى
"محاصصة" قومية وطائفية. وهي خطوة متناقضة من حيث مقدماتها
التاريخية ونتائجها. إلا أن قيمة الحركة السياسية والنخبة
تقوم لا في الخضوع لمتطلبات الواقع المتخلف، بل للخروج منه
عبر وضع أسس أكثر عقلانية وتقدما في رؤية البدائل.
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار مستوى الخراب الهائل للعقل
النظري والعملي العراقي، فان سير العملية بهذا الصدد سوف
يجري باتجاه استكمال "الطريق المسدود" من خلال اصطدام
القوى المكونة للعملية السياسية بحدود إمكاناتها الخاصة.
بمعنى رجوع القوى القومية الكردية إلى إدراك حدودها بوصفها
13% جبلية المنشأ والمكونات، ورجوع القوى الطائفية
السياسية العربية السنية بوصفها 17% عسكرية المنشأ
والمكومات، وبروز وتراكم التكتل الشيعي بوصفه 65% مدنية
المنشأ والمكونات. والبقية الباقية (نحو 5%) لمختلف
الانتماءات (التركمانية والكلداآشورية). وهي تجزئة تتسم
بقدر كبير من الافتعال، لكنها تجزئة فعلية لا سبيل للقضاء
عليها إلا من خلال استظهار بواطنها المتراكمة في مجرى
الدكتاتورية. بحيث يصبح استظهارها الشامل بداية انحطاطها،
لأنها سوف تضع الجميع أمام خيار الحياة أو الموت. وفي كلتا
الحالتين سوف تكون الواقعية العقلانية أو الواقعية المرة
خاتمة الصراع السياسي والاجتماعي. وضمن هذا السياق ينبغي
فهم مضمون الفكرة القائلة، بأن القوى الجزئية لا يمكنها أن
تكون حاملة الأفكار الكبرى. وهو حكم ينطبق على هذه
المكونات المفتعلة والفعلية كافة في الوقت نفسه.فالفكرة
الكبرى هي الفكرة العامة والمجردة، ومن ثم فهي الأكثر قدرة
على احتواء الجميع. ومن الصعب توقع وصول أي من مكونات
العراق الحالي وقواه السياسية بالاخص، إلى إدراك حقيقة
الفكرة الكبرى (للديمقراطية والشرعية والعلمانية
والفيدرالية وغيرها) ما لم تدرك حدودها الذاتية، أي عجزها
الذاتي عن تنفيذ وتجسيد شعاراتها الخاصة دون الأخذ بنظر
الاعتبار حدود المساومة العقلانية مع الآخرين. وهو الثمن
الباهظ ولحد ما غير العقلاني الذي ينبغي أن يدفعه العراق
وقواه الاجتماعية من اجل بلوغ هذه البديهة السياسية. بمعنى
صرف كمية هائلة من الجهود والطاقة والزمن من اجل الرجوع
إلى مسار التاريخ الطبيعي لتطور الدولة والمجتمع والثقافة
بوصفها كيانا واحدا ومنظومة حية.
أن هذه المفارقة المثيرة للعقل والضمير العراقيين في
الظروف الحالية للانتقال من حضيض التوتاليتارية والاستبداد
إلى جادة المسار الطبيعي للدولة والمجتمع ووجود الأشياء،
تقوم في طبيعة وحجم التداخل الفعلي بين الماضي والحاضر في
ظل غياب رؤية مستقبلية ومحكومة بمعايير الرؤية الوطنية
والاجتماعية والديمقراطية. فالقوى السياسية العراقية
الحالية، كما كشفت وتكشف تجربة ثلاثة أعوام بعد سقوط
الدكتاتورية الصدامية، عن أنها قوى جزئية وضئيلة. بينما
تحتاج مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية والشرعية ومكوناتها
الضرورية في مجال الموقف من الدولة والمجتمع والثقافة إلى
قوى قادرة على التعلم من معاناة العراق الحديث ومآسيه
الكبرى بالشكل الذي يجعلها قادرة فعلا على الارتقاء إلى
مصاف القوى الكبرى، أي إلى مصاف القوى الفاعلة بمعايير
الواقعية والعقلانية والوطنية العامة. وهي عملية درامية
وتتسم بقدر هائل من الخطورة. لكنها عملية لا علاقة مباشرة
لها بالقوى السياسة الحالية. بمعنى أنها عملية تتراكم عبر
فشل هذه القوى وضرورة اندثارها بوصفها قوى زمنية وليست
تاريخية. فهي العملية الوحيدة القادرة على نزع الأوهام
الكبرى وهدم القوى الصغرى. وذلك لان الصراع المرير الذي
نراه حاليا بين دعوى تمثل الأفكار الكبرى وتفاهة أفعالها
ليست نتاج زمن التوتاليتارية والدكتاتورية، بل وزمن القوى
السياسية الحالية بوصفها قوى حزبية ضيقة. من هنا فان
الصراع الحاد فيما بينها وكفاحها المخزي والكاذب لتمثيل
الأفكار الكبرى يجعل من كل "تضحياتها" قرابين فارغة
بالمعنى الإنساني والتاريخي المميزة للتراجيديات الكبرى.
وليس مصادفة أن تتحول أفعالها إلى ملهاة مظهرها ليس اقل
سوء من تحضيرها فيما وراء كواليس المسرح السياسي!! فكل ما
فيها يبدو جزء من هوس الغريزة! وفي هذا يكمن سر زوالها
السريع بوصفها لذة خاطفة. وهو أمر جلي في تهافت القوى
السياسية العراقية الحالية على السلطة ونسيانها للدولة،
وانهماكها بالمال وتركها للاقتصاد، وولعها بالدعاية
وإهمالها للثقافة والفكر، واحتمائها بالسلاح والميليشيات
واغترابها عن الحق والشرعية والمجتمع المدني. وهي مفارقة
العراق القديمة التي تحتوي في أعماقها على استمرار وجود
وفاعلية القوى الصغرى والأوهام الكبرى. وهو تناقض لا يمكن
حله ما لم تندثر مكونات هذه المعادلة التعيسة! أي ما لم
تندثر هذه القوى بوصفها البطانة أو الوجه الآخر لزمن
الراديكالية والهامشية الذي حكم تاريخ العراق الحديث بحيث
حوله إلى زمن فارغ .لكنه، شأن كل اندثار هائل لمرحلة كبرى
في تاريخ البدائل الواقعية والعقلانية للدولة والمجتمع،
يفترض تراكم وعي الذات التاريخي على مستوى الافراد
والجماعات والمجتمع والثقافة، بمعنى تغير وتبدل نمط الوجود
الاجتماعي والسياسي والثقافي. وهو أمر يمكن الإقرار بحصوله
حالما تتحول تجارب الأمة وقواها السياسية ونخبها الفكرية
إلى بديهيات نظرية وعملية. وهي حالة لم يبلغ العراق وقواه
السياسية ونخبه الفكرية حدها الأدنى بصدد كل المقومات
والأسس الكبرى للدولة والنظام السياسي والحياة الاجتماعية
والاقتصادية والثقافة. وفي هذا يكمن احد الأسباب الجوهرية
لطبيعة الخلل الفعال في بقاء "العملية السياسية" العراقية
تتراوح في محلها. فالجميع لم تتوصل بعد على سبيل المثال،
إلى أن إحدى البديهيات السياسية الكبرى التي يتوقف عليها
مسار العملية السياسية المستقبلية في العراق تقوم في
استحالة تمثيل الفكرة العامة والبقاء ضمن حدود المكونات
الجزئية. فعندما نطبق ذلك، على سبيل المثال على فكرة
الوطنية العراقية العامة والديمقراطية الشرعية، فإننا نقف
أمام إشكالاتها النظرية والعملية. بمعنى كيفية ومستوى فهم
المضمون الحالي والمستقبلي للفكرة العامة، ومن هي القوة
الاجتماعية والسياسية القادرة على تمثلها وتطبيقها بمعايير
الرؤية الوطنية والديمقراطية والشرعية.
فمن الناحية النظرية يعاني الوعي السياسي العراقي،
وبالأخص عند الأحزاب من تدن مريع في استيعابه أحيانا حتى
لبديهيات الفكر السياسي العلمي. والسبب يقوم في تضافر
الرؤية الحزبية وتقاليدها الضيقة التي طابقت بين رجل
السياسة ورجل الحزب. وكلاهما أديا في ظل غياب الديمقراطية
والشرعية والتراكم الطبيعي إلى صعود أنصاف المتعلمين
والمغامرين. وترتب على هذا الصعود انتشار صفة الجهل بماهية
ووظيفة السياسة، بوصفها فن إدارة شؤون الدولة والمجتمع
وليس الوصول إلى السلطة، بوصفها أداة الاستثمار الضيق
والربح الرخيص والتعويض عن مختلف نماذج عقدة النقص.
وليس مصادفة أن تكون أكثر الأمور بديهية أشدها إثارة
للصراع. وهو خلاف لا علاقة له بالأبعاد الحرة والمستقلة
للوعي النقدي بين الاتجاهات والأفراد، بقدر ما انه يعبر عن
حالة الطفولة والتخلف!! وهي حالة لم تكن معزولة عن زمن
الفراغ والتفريغ المريع الذي "صنعته" التوتاليتارية
البعثية والدكتاتورية الصدامية. ومن ثم مستوى خراب الثقافة
بشكل عام والسياسية بشكل خاص. وهو الأمر الذي يجعل من ابسط
البديهيات "اكتشافا" و"إبداعا". وذلك لان كل ما في العراق
هو جزء من صيرورة جديدة متراكمة على أرضية رخوة ومستنقع لم
يجف بعد! وهو أمر جلي في حال تناول فكرة الوطنية العامة
والديمقراطية. فهي أفكار تبدو في مظهرها غاية في الوضوح.
لكن حالما ننقلها إلى حيز التطبيق العملي، فإننا نقف أمام
اختلاف وتباين وتضاد كبير ومتنوع تجاه تحديد ماهيتهما
وتمثيلهما! وهو اختلاف وتباين وتضاد لا علاقة له بالفكرة
بحد ذاتها، بقدر ما يستمد مقوماته من عدم قدرة القوى
الجزئية والمجزئة لان تكون حاملة الأفكار الكبرى والعامة.
إذ أن مجرد الادعاء بتمثل هذه الأفكار العامة من قبل قوى
جزئية يجعلها بالضرورة أداة للمراوغة والاحتيال والغنيمة!
أي تصبح طعما للاصطياد.
فالفكرة الكبرى حالما تصبح جزءا من برنامج القوى
الجزئية، فإنها تؤدي بالضرورة إلى طريق مسدود. وهو أمر جلي
في مجرى الصراع العنيف، الظاهر والمستتر حول "الوطنية
العراقية" من جانب مختلف القوى السياسية في مجرى "الاتفاق"
على الوزارة الجديدة. فقد تبين لاحقا، بان "الاتفاق
الوطني" لإسقاط الجعفري لم يكن أكثر من "إجماع" على الحصول
على غنيمة. بحيث جعل من الفكرة الوطنية العامة شعارا
سياسيا لتخريب الفكرة الديمقراطية والشرعية. وهو أمر جلي
من خلال مطابقة فكرة "الوطنية العراقية" و"الإجماع الوطني"
مع فكرة استبدال "الاستحقاق الانتخابي" "بالاستحقاق
الوطني". وهو استبدال يكشف طبيعة القوى الجزئية وليس
الفكرة. إذ لا يمكن لفكرة الاستحقاق الانتخابي ألا تكون
فكرة وطنية، بينما لا يمكن للفكرة الوطنية أن تكون نفيا أو
نقيضا للفكرة الديمقراطية. وإلا فان كل النضال والتضحيات
الهائلة التي قدمها الشعب العراقي ضد الدكتاتورية تصبح
هباء ولا معنى لها. دعك عن مفارقة الظاهرة نفسها. إذ أن
وصول القوى السياسية إلى هرم السلطة الحالية، أي تلك التي
جعلت من "الاستحقاق الوطني" شعارا ضد الجعفري، كان بفضل
الغزو الأمريكي و"نشر الديمقراطية" وليس بفضل فكرة
الاستحقاق الوطني!!
أما القوى التي جعلت من "المقاومة ضد المحتل" من اجل
"تحرير العراق وعروبته"، فقد كشفت عن استحالة تحقيقها بفعل
طابعها الجزئي، أي طائفيتها السياسية (السنية). ومن ثم لم
تكن فكرة التحرير تعادل فكرة الحرية، كما أن شعار عروبة
العراق لم يكن أكثر من عرابة السلطة! بمعنى أنها كشفت عن
أن "العروبي" هو مجرد عراب السلطة! وليس مصادفة أن تختلط
الأفكار الكبرى عن "عروبة العراق" و"الاستحقاق الوطني"
و"محاربة الطائفية" عند القوى العربية الجزئية لتكشف عن
فضيحتها الفعلية في اعتبار مجموعة أياد علاوي "العراقي"
شخصا وتيارا "لا يمكن إدراجه ضمن السنة والأكراد"(!) من
جانب أولئك الذين كانوا للامس القريب لا تنفك تهمة
المحاصصة الطائفية من التردد على خطابهم السياسي بقدر مرات
الشهيق والزفير. وهي صورة يمكن أن نعثر فيها من حيث الجوهر
على معنى اللهاث وراء السلطة. وحالما جرى بلوغ الاقتراب
الأولي من أبوابها جرى اكتشاف "الكينونة الشيعية" لأياد
علاوي!! وهو "اكتشاف" يكشف أولا وقبل كل شيء عن الأبعاد
الطائفية في التكتلات "العراقية" بوصفها طائفية سياسية
سنية، أي بلا أغطية ولا رتوش، أي كما هي منذ بدء سقوط
الصدامية. وهي خاتمة تكشف بدورها عن الطابع الجزئي لهذه
القوى واستحالة تمثلها للفكرة العربية أو الوطنية
العراقية. من هنا ظهور المساومة من اجل الحصول على موقع
تحت شمس السلطة. وهي المقدمة الضرورية لحنظل الواقعية
(المرة)، لكن مرارتها حلوة في مذاق الاقتراب من السلطة
والجاه! وهي العملية المتناقضة والضرورية لتذوق طعم
الأشياء كما هي.
والشيء نفسه يمكن قوله عن القوى القومية الكردية بهذا
الصدد. إذ لم يكن دفاعها عن "الديمقراطية" و"محاربة
الطائفية" و"الاستحقاق الوطني" سوى الصيغة الظاهرية
للعرقية المتآكلة في مجرى التغيرات الاجتماعية السياسية
التي أعقبت فوزها الأول في ظل غياب "العرب السنة" في
اقتسام السلطة. وذلك لان القوى القومية الكردية هي قوى
عرقية بالنسبة الى العراق. إذ لا تمثل الوطنية العراقية
بالنسبة لها أكثر من 13% والبقية الباقية "كردستانية".
وحتى حالما تزيد هذا الرقم إلى 17% أو عشرين أو أكثر، فإنه
ليس من اجل تأكيد العراقية بل للحصول على امتيازات كردية.
أما القوى التي تمثل الطيف الشيعي، فإنها القوة الوحيدة
التي تحتوي في أعماقها على إرهاصات توسيع المدى الاجتماعي
للفكرة الوطنية العراقية. وهي إرهاصات قائمة في صلب وتاريخ
التشيع العراقي باعتباره تشيعا للعراق. إذ أن مجرد عبارة
"شيعة العراق" و"العرب الشيعة" بوصفهما الصيغ المتماهية
فيما بينها دليل على ابتعادها عن هلامية "أهل السنة
والتوحيد" أو "أهل السنة والجماعة". بمعنى أنها تحتوي من
حيث مكوناتها الغائرة في الوعي العادي واللاوعي الثقافي
على انتماء متجانس للوطن والقومية. على عكس ما في فكرة
"أهل السنة والجماعة" من انتماء "لبروليتاريا" الأممية
الإسلامية السلفية (الأصوليات) أو حثالة الإسلام السلطوي.
فالانتماء الشيعي ليس انتماء طائفيا، إذ لا طائفية في
التشيع العراقي.
أما التكتل السياسي الشيعي المعاصر فهو الصيغة المؤقتة
لاستعادة الفكرة الوطنية العراقية والقومية العربية
الثقافية (وليست العرقية أو العنصرية). وهي صيغة تمثل رد
الفعل الواقعي (واللاعقلاني في بعض جوانبه) على سيادة
اللاعقلانية في تاريخ الدولة العراقية الحديثة. لكنه رد
فعل يتمثل بدوره الصيغة الضرورية لبلوغ غايته وحدوده
بالنسبة لإعادة تأسيس الدولة والمجتمع والثقافة. شأنه شأن
المكونات الأخرى المجزئة للعراق في ظروفه الحالية. وهي
عملية لا تخلو من تناقض، لكنها تبقى الأكثر واقعية من
غيرها بالنسبة لتراكم الوطنية الصحيحة والديمقراطية
الشرعية من خلال إشراك الجميع وحق الأغلبية في إدارة شئون
الدولة والمجتمع.
فإذا كان منطق الديمقراطية الملازم لفوز الأغلبية يقضي
في مجراه على شعور الغلبة، فان القضاء على شعور الغلبة
يفضي إلى سيادة فكرة المسؤولية المشتركة والحقوق العامة.
وهي عملية معقدة وطويلة نسبيا سوف تسحب الجميع إلى
الاشتراك الفعال في تنظيمها بوصفه أسلوب تذليل فاعلية
"النسبة" العرضية (من عرقية وطائفية وجهوية وأمثالها)
بالنسبة لفكرة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. فالتشيع
العراقي هو ليس فقط 65% مدنية الأصل، بل ومبدعة المكون
التاريخي والروحي والثقافي العراقي من مصادر اللغة الفصحى
إلى أقطاب الروح التاريخي المترامي في أضرحة الأئمة بوصفها
مزارات الروح الوجداني العراقي. وليس مصادفة أن يرتقي تراب
العراق عندهم إلى "تربة" الصلاة، ومن أغاني الريف إلى
الشعر الحديث، ومن نثر الأدباء إلى فكر المؤرخين
والمفكرين.
إن هذا التمازج التاريخي الحي للروح والجسد هو ضمانة
الوطنية العراقية الكبرى. وذلك لأنه ليس جزءا من جزئية
الرؤية ولا شعارا سياسيا عابرا، ولا وسيلة نفعية، بل هو
عين التجوهر الوطني. وفي هذا تكمن ضمانة الارتقاء التدريجي
في إدراك الحقيقة القائلة، بان الرجوع إلى التشيع هو
الرجوع إلى العراق. وهي عملية سوف تفرز مع مرور الزمن وفي
مجرى اشتداد وتنوع الصراع السياسي قواها الاجتماعية
الجديدة المتحررة من رق الماضي وعبودية التقليد والاغتراب
عن الدولة. بمعنى الصعود للفكرة الوطنية العراقية العامة
والقومية العربية الثقافية من خلال رمي شرنقة التحزب
الطائفي المميز لأغلب الحركات السياسية الشيعية العراقية
الحالية.
وفي هذا تكمن ضمانة التطور التدريجي للنظام الديمقراطي
والدولة الشرعية والمجتمع المدني بوصفها منظومة مترابطة.
لاسيما وأنها العملية الوحيدة القادرة على تحرير المجتمع
والفكر من الأوهام الكبرى للقوى الصغرى، أي القوى التي
تجعل من "المستقبل المعلوم" تعويضا عن ماضيها المجهول. وهي
عملية انتهت فيما يبدو مرة واحدة والى الأبد مع انتهاء عصر
الانقلابات العسكرية والمغامرات الحزبية والفردية. فقد
كانت تلك الانقلابات والغامرات تقدم "المستقبل المعلوم"
بكل تفاصيله بحيث تبلغ الأبد! وهي الصيغة التي تطوي في
أعماقها خجل المكاشفة الصريحة عن ماضي المجهولين، أي
المغامرين، التي جعلت من الحثالة الاجتماعية والسياسية
"رؤساء وقادة". وهي ظاهرة مميزة لمغامرة الأقلية. من هنا
تصبح مهمة القطع النهائي مع نفسية وذهنية الأقلية هي مهمة
القطع النهائي مع كل إمكانية لاستلام السلطة من جانب القوى
الصغرى، أيا كان شكلها ومحتواها وادعاءاتها الإيديولوجية.
وهي مهمة يمكن تأسيسها من خلال تأسيس آلية السيطرة التامة
للقانون والشرعية. وهي مهمة الأغلبية. وهي الطريقة التي
تقضي على نموذج الاحتكار السياسي من قبل أي طرف للأفكار
الكبرى. ويصبح "الاحتكار" الممكن فقط لآلية تجسيدها في
منظومة متكاملة للدولة والمجتمع والثقافة والعلم. وهي
عملية ترتبط بانجاز مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية
والنظام الشرعي، ومن الناحية الاجتماعية بصيرورة الأغلبية
القادرة على الاندماج الطبيعي بالعملية التاريخية المذكورة
أعلاه. ومع انتهائها يمكننا القول، بأن نهاية الأوهام
الكبرى للقوى الصغرى هي بداية الأحلام الواقعية للقوى
العقلانية. وهي أحلام تجعل من المستقبل ميدان صراعها
الفعلي اللاحق
لقد كان سقوط الدكتاتورية الصدامية فعلا عاصفا في
التاريخ العراقي المعاصر، كشف عن غياب المعاصرة فيه. وهي
مفارقة تبرهن على أن الخروج على أصول الدولة الشرعية يؤدي
بالضرورة إلى السقوط السريع والمريع. ولا يغير من ذلك شيء
ما إذا كان السقوط بأثر عوامل داخلية أو خارجية. فقد كان
بقاء السلطة الصدامية واستمرارها "القوي" نتاجا للإرهاب
الشامل والعنف المنظم. وهو الأمر الذي جعل من الدكتاتورية
الصدامية إحدى أشنع وأتفه الدكتاتوريات في تاريخ العراق
القديم والحديث. وقد تكون الأتعس من نوعها في التاريخ
العالمي الحديث. وهو السبب القائم وراء انهيارها المخزي
وظهور آثارها المريعة، بما في ذلك في حالة الخراب والدمار
والإرهاب والفساد الحالية. فالكل نتاج "طبيعي" لطبيعة
الفساد والإرهاب والدمار والخراب الملازم لزمن الاستبداد
والانحطاط. وهو زمن يبرهن من جديد على أن الاستبداد
والانحطاط مصدر الإنتاج الدائم للمغامرين، بينما الاستقرار
يصنع أفذاذا! وهي حقيقة يمكنها أن ترتقي إلى مصاف المرجعية
النظرية والعملية المتسامية، لأنها تحتوي على تكثيف نموذجي
لتاريخ التجارب الفعلية للدول والأمم والأحزاب. أما
تحقيقها في ظروف العراق الحالية والمستقبلية فمرهون بصنع
التاريخ الفعلي في الدولة والمجتمع والأمة والثقافة.
إن صنع التاريخ الفعلي في الدولة والمجتمع والأمة
والثقافة عملية تاريخية طويلة نسبيا بسبب كثافة وعمق وحجم
الخراب المادي المعنوي السائد في العراق. لكنها تفترض
تحقيق ما أسميته بالتحرر من رق الماضي، وعبودية التقليد،
والاغتراب عن الدولة. بمعنى تحرير المجتمع والفكر من
الأوهام الكبرى للقوى الصغرى. وفي هذا تكمن ضمانة التطور
التدريجي للنظام الديمقراطي والدولة الشرعية والمجتمع
المدني بوصفها منظومة، فتفترض بالضرورة أن تكون قواه
السياسية عراقية من ألفها إلى يائها من حيث الرؤية
والأسلوب والغاية والانتماء. وهي قوى متراكمة في مجرى
الصراع الحالي والمستقبلي. فالقوى الحالية في اغلبها هي
قوى الماضي. أنها نتاج مرحلة الاستبداد والانحطاط. كما أن
انتصارها هو الثمرة المرة للاحتلال. وهو الأمر الذي يجعلها
محاصرة من حيث المقدمات والغايات، بمعنى يشل فعلها عن
العمل بمعايير المستقبل والوطنية العراقية. بينما قوى
المستقبل هي جيل جديد يستكمل مهمة الاستمرار الطبيعي
لتاريخ الدولة ما قبل 1958 ولكن بدون عسر وأحزاب ثورية
وبنية تقليدية، أي قوى تمثل وتتمثل فكرة تكامل الجميع
بمعايير المستقبل، قوى تعمل حسب قواعد العقلانية والحرية
بوصفه أسلوب الاستقرار والتقدم الاجتماعي الشامل. وهي
عملية متراكمة عند القوى الاجتماعية الناشئة في ظل النظام
الديمقراطي ومؤسسات الدولة الشرعية، أي القوى المتكونة في
مجرى الاستقطاب التدريجي للقوى العقلانية عند الجميع من
اجل صنع أغلبية عراقية مدنية متحررة من رق الماضي وعبودية
التقليد والاغتراب عن الدولة. وهي ظاهرة يمكن رؤية ملامحها
الجنينية في العملية المتناقضة "للمشاركة السياسية"
و"المساهمة في إدارة شئون الدولة" و"الحصول على الحصة"،
باختصار كل ما يسهم في تحطيم حواجز واتهامات "الداخل"
و"الخارج" و"الوطني" و"العميل". وهي المقدمة الكبرى لبدء
تكامل الصراع السياسي الذي افتقده العراق في مجرى عقود
مريرة من الزمن الدكتاتوري. وهو زمن لم تكن "وحدة العراق"
فيه أكثر من إقطاعية محكومة بنفسية الاستئثار والغنيمة، أو
سجن تتحكم في غرفه النتنة حفنة من الحثالة والهامشية. لكنه
تكامل سوف يحمل لفترة طويلة اثر المرحلة السابقة وآلية
انحطاطها المادي والمعنوي. غير أنه يسير عموما في اتجاه
إرساء أسس التاريخ السياسي الفعلي من خلال إشراك القوى
المجزأة سابقا في صراع سياسي محتدم ومحكوم بنفسية الأثرة
والاقتراب من "مراكز القرار" للحصول على ما يمكن الحصول
عليه من ثروة وجاه. وهي عملية لا يمكنها في ظروف العراق
الحالية ومقدمات انحطاط الدولة والمجتمع المدني وزمن
الخراب الهائل لسيادة الطائفية السياسية أن تجري خارج
تفعيل الطائفية السياسية والجهوية والعرقية، أي كل الأشكال
التقليدية لما قبل الدولة العصرية، بوصفها أساليب متخلفة
ولكنها واقعية بالنسبة لتفعيل ومشاركة الجميع.
فإذا كان السباق الأولي بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية
يجري بدون موانع، فإننا نرى الآن ظهور الكثير منها. وكلما
تخطو العملية السياسية إلى الأمام خطوة ايجابية كلما
سترتفع الموانع وتزداد. وإذا كانت الطائفية السياسية
والمذهبية في التيارات والأحزاب العربية هي المانعة
الأولى، فان اللاحقة هي النزعة الانفصالية للأحزاب القومية
الكردية. لكن السباق سوف يوصل الجميع إلى إدراك تفاهة
القيمة السياسية للمراوغة والرياء والدجل والمكر، لان كل
منهم ينبغي أن يصل إلى نهاية الشوط منفردا. وهي عملية
طبيعية رغم فجاجة المقارنة. لكن المهم في كل ذلك أن يتعلم
الجميع التمسك بقواعد السباق. وهي قواعد بالنسبة للعراق
تقوم في إدراك جوهريته وقيمته العملية بالنسبة للمصالح
الجزئية أيضا. ولا يمكن بلوغ هذا الإدراك دون بلوغ "الحدود
الذاتية" لجميع القوى السياسية ضمن المسار الطبيعي للدولة
المركزية وسيادة القانون وثقافة المجتمع المدني
والديمقراطية السياسية الاجتماعية. آنذاك ستبدأ العملية
الطبيعية لصيرورة الدولة الشرعية والمجتمع المدني الحر
والديمقراطية السياسية الاجتماعية. بمعنى بدء تكامل العراق
ولكن من خلال اشتداد الصراع السياسي وتجزئة القوى وإعادة
التحامها على أسس ومبادئ وقيم جديدة متغيرة. وهي عملية
طويلة نسبية لكنها سريعة في ظروف العراق الحالية. كما أنها
سوف لن تنتهي ما لم تتكامل فكرة الدولة الشرعية والفكرة
الوطنية العامة وأسس اللعبة الديمقراطية. وهي عملية سوف
تجبر الجميع على الإقرار التدريجي بالفكرة القائلة، بان
الوحدة الحقيقية في تاريخ الدولة هي صراع من اجل المستقبل.
إن بلوغ تاريخ الدولة بوصفه صراعا من اجل المستقبل يفترض
تحقيق المعادلة الأصعب بالنسبة الى العراق، ألا وهي معادلة
شرعية المشروع = مشروع الشرعية. فالمشروع الأمريكي في
العراق في بداية انهياره الشامل. وهو مشروع بلا آفاق. لان
الآفاق الوحيدة الممكنة للنظام الديمقراطي الاجتماعي في
العراق مرتبطة ارتباطا عضويا بشرعية المشروع. فهي مقدمة
وضمانة نجاح الدولة الشرعية والعصرية في العراق. وفي هذه
الوحدة (شرعية المشروع ومشروع الشرعية) يكمن المضمون
التاريخي الفعلي للثورة المقبلة في العراق. بينما لم تؤد
كل هذه المعارك الدامية من اجل إرساء أسس الديمقراطية في
العراق إلا إلى إعادة إنتاج مختلف أشكال الصدامية الجديدة
الأقل تحكما بفعل تنافر القوى وصراعها وافتقادها إلى
مرجعيات وطنية عامة وملزمة للجميع. وهي مرجعيات لا يمكن
تأسيسها في الوعي السياسي الوطني لهذه القوى دون مشروع
مبني على أسس الشرعية ويؤسس لها في نواحي ومستويات الحياة
الخاصة والعامة كافة، في الروح والجسد الفردي والاجتماعي
والدولتي.إن فشل المشروع الأمريكي للديمقراطية ليس نتاجا
لنية سيئة أو سوء فهم وتقدير أو عدم دراية وجهل وغيرها،
بقدر ما انه الخاتمة الطبيعية لكل مشروع خارجي. إن حقيقة
البدائل المستقبلية الكبرى ينبغي استمدادها من المستقبل.
وهو أفق لا علاقة للقوى الأجنبية به إلا بالقدر الذي
يستجيب لمصالحها الآنية والبعيدة المدى. بمعنى أن الحوافز
الدفينة محكومة بتاريخ خاص. والمشروع الأمريكي محكوم
بالتاريخ الأمريكي ومصالحه ومرجعياته. والشيء نفسه عن
المشروع العراقي. وفشل المشروع الأمريكي في العراق هو
النتاج الطبيعي لهذا الاختلاف والتباين. كما انه يبرهن على
جملة حقائق كبرى، وهي: إن نجاح أي مشروع كبير هو أولا وقبل
كل شيء نتاج لتراكم الرؤية الواقعية عن طبيعة وحجم
الإشكاليات التي تواجهها الأمة والدولة
إن نجاح أي مشروع كبير مرهون باستشراف المستقبل الذاتي
للأمة
إن نجاح أي مشروع يفترض المعاناة من اجله
إن أجمل وأفضل المشاريع الأجنبية تبقى غريبة من حيث
المقدمات والنتائج
إن المشاريع الأجنبية لا يمكنها التوفيق بين رؤيتها
الخاصة ورؤية الآخرين، وبالأخص في ظل اختلافات جوهرية في
التاريخ الثقافي والسياسي والتطور العام.
إن المشاريع الأجنبية هي إما أملاءات وهو الأتعس، وإما
سياسة المصالح الضيقة وهي الأكثر تخريبا
وأخيرا، إن المشاريع الأجنبية هي مؤشر على خراب ذاتي،
ودليل على اختلال في توازن القوى. وبالتالي لا يمكن
الاعتماد عليها.
فقد كان صعود المشروع الأمريكي وهبوطه في العراق دليلا
على صعود وسقوط التوتاليتارية والراديكالية، ومؤشرا على
خلل القوى السياسية جميعا. وبالتالي، فإن إدراك هذه
الحقائق الكبرى يفترض تحويلها إلى بديهيات سياسية عند
القوى السياسية من اجل أن تتكامل فعليا بمعايير الرؤية
الوطنية وتحقيق مصالحها من خلال مصالح العراق بوصفه صراعا
من اجل المستقبل. وهو الأمر الذي يفترض المساهمة العقلانية
والواقعية من اجل إفشال المشروع الأمريكي في العراق، بشرط
أن يكون البديل ليس رجوعا إلى الوراء وليس ممالأة للقوى
السلفية ولا انسياقا وراء مختلف أشكال التجزئة المتخلفة من
طائفية وعرقية وجهوية، بل بديلا واقعيا وعقلانيا
ومستقبليا. وذلك لان حقيقة المستقبل بالنسبة للعراق مقرونة
بالإجماع المتنامي في كل مكونات ومنظومات وجوده على فكرة
الاحتمال في البدائل، بمعنى الانهماك في التخطيط المتنوع
والمختلف لهوية المستقبل. وليس هذا بدوره سوى الاجتهاد
والجهاد الدائم من اجل تحقيق إستراتيجية بناء الهوية
العراقية، والدولة العراقية، والثقافة العراقية، والمجتمع
العراقي. وهو مشروع لا يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها.
لاسيما وأنه ليس جزء من تصورات الأحزاب وإيديولوجياتها، بل
هو المكون التاريخي لتطور المجتمع والبنية الاقتصادية
ونظام الدولة السياسي والثقافة العامة والخاصة. وبالتالي،
فهو المشروع الأكبر للعملية التاريخية المعقدة التي يتوقف
مسارها وسرعتها على طبيعة التحولات السياسية والاجتماعية
وقواها المحركة والفاعلة. إن مكوناتها موجودة! وتحتاج إلى
نخبة سياسية قادرة على صنع البدائل. وهي تذكرني بالنادرة
المروية عن الخواجة نصر الدين عندما اقبل على دكان صغير
واستفسر عما إذا كان عنده ما تحتاج اليه الحلوى من بيض
وسمن وسكر وحليب وغيرها، فأجابه البائع "نعم". عندها
استفسر الخواجة مستغربا: لماذا لا تصنع الحلوى؟.
|