ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر

 

تأليف ابرم شبيرا

قراءة :علي الاشتر

لم تستطع المكونات العراقية ان تمارس حرية التعبير عن اشكاليات جودها في العراق منذ نشوء.

الدولة العراقية وحتى عام 2003 ،  بسبب غياب النظام السياسي الذي يتيح للافـراد والجمـــاعات ان يمارسوا حرياتهم؛ وحين يمثل التعبير دفاعا عن حق ضائع فمعنى هذا خيانة وتأمرا، او، عمالة ومــع التحول نحو الديمقراطية، اتسع فضاء الحرية لتتمكن المكونات العراقية ان تطرح وتعبر عن وجهات نظرها فيما يتصل بأشكاليات وجودها القومي والسياسي طبقا لحق الاختلاف وعدم مصادرة الاخر أو تهميشه او أقصائه.

ويقدم  كتاب (الاشوريون في الفكر العراقي المعاصر) للاستاذ ابرم شبيرا،اطروحة حق المكونات العراقية في التعبير عن ذاتها والحوار مع الاخرين. والمثال هنا هو المكون الاشوري،اذ كشف الباحث ملابسات القضية الاشورية في الفكر العراقي وما الت اليه من مظالم لحقت بالمكون الاشوري نتيجة التصور الذي تشكل في منظومة الفكر العراقي خلال قرن  من الزمان.وقد صدر الكتاب عام 2001 فيبيروت عن دار الساقي ويقع  ب(111) صفحة من القطع الكبير وضم ستة فصول مع المقدمة.

يقول  الباحث في مقدمة الكتاب (ان هدف هذا الموضوع ليس النبش في سلبيات الماضي المؤلمة

لتاريخ العراق المعاصر واثارتها بشكل تحريضي او استفزازي، يزيد من تفتيت النسيج الاجتماعي للشعب العراقي، فكفانا جميعا عربا وكردا وتركمانا واشوريين، ما جنيناه طيلة عقود طويلة من استغلال بعض النخب الحاكمة للسلطة السياسية في زرع  بذور الفرقة والشقاق بين أبناء الشعب الواحد...)، فالهدف هو دراسة جانب من بعض جوانب تأريخ العراق السياسي، من خلال طرح وجهة نظر الاخر، الذي حرم كثيرا من التعبيرعن الطموحات المشروعة للاشوريين، وبما يؤسس لثقافة حوار يتسع  مجال التعبير فيها للجميع، وبناءمستقبل اكثر اشراقا لعراق تتعايش فيه كل  مكوناته دون مفاضلة او تمييز بين مكون  واخر.

يعرف المؤلف في الفصل الاول ،الفكر،ويحدد تصوره للفكر العراقي  بالقول ان الفكر،(منظومة او جملة اراء ومواقف متناسقة ومترابطة تجاه ظاهرة من  ظواهر  الحياة ،او، المجتمع، ويتصف بالسعة  والشمول اولا ، والديمومة والتواصل عبر فترات زمنية نسبية)؛اما بالنسبة لتصوره للفكر العراق والقضية الاشورية فقد قصد  بالفكر العراقي ذالك ( التصور العام، والشعبي ، والرسمي، الذي انعكس اما في سلوكيات الافراد والنخب الحاكمة،او،في البحوث والرسائل الجامعية   للباحثين وطلاب العلم، وحتى ف ي السياسات الحكومية والحزبية المطبقة تجاه الاشوريين، والتي تراكمت كاراء ومواقف عبر فترات زمنية مختلفة وطويلة نسبيا في مقارنتها مع تاريخ  العراق السياسي الحديث).وحيث يشير الى سلبية تصور الفكر العراقي ازاء المسألة الاشوري فانه في ذات الوقت يسجل وجود اختلافات في بعض الجوانب اتسمت بالخجل والتردد الفكري وقلة التاثير.

وجاء الفصل الثاني تحت عنوان( نماذج من الفكر العراقي تجاه الاشوريين)، وصدر  المؤلف هذا الفصل بالتأكيد على ان الاشوريين ورغم الاتلاف الطائفي والكنسي بينهم وتعدد مسمياتهم يملكون مقومات مشتركة كاللغة، والدين، والتاريخ، والتقاليد،  بما يجعلهم ينتمون الى مجموعة  واحدة ومختلفين قوميا عن غيرهم.ويستعرض المؤلف نماذجا من  الفكر العراقي تتعارض مع  هذا  التصدير  او  التوكيد،لا بل  تسعى لتقويضه ودحضه؛ويلاحظ ان استبدال الشين بثاء في كلمة اشوري تنطوي على دلالة فكرية وسياسية ترمي الى انكار الجذور التاريخية للاشوريين'ولابد بالتالي من  البحث عن بديل 'اي ايجاد اصل وتسمية لهم'وعلى النحو الذي ينسجم مع التصور الاساسي والذي يعتبرهم مجرد مجموعة من الطائفة النسطورية  غرباء عن العراق. وعد الباحث  هذا  التصور مجانبا للحقيقة الموضوعية والتاريخية.

واول النماذج التي استعرضها الباحث هو موقف (ساطع الحصري) والاخيرليس عراقيا، ولكنه لعب دورا خطيرا في تاريخ  العراق، وكان ممن عملوا على  زرع بذور الطائفية في  المجتمع العراقي، بحسب ما  ذهب اليه الكاتب  ( هادي العلوي) في  احد كتبه،الا ان عدم عراقية ( ساطع  الحصري) لاتنفي تاثيره في  الحياة السياسية والفكرية العراقية،ومن الواضح الان ان الحصري قد اضر بالنسيج الاجتماعي العراقي حينما  انكر على  الاشوريين عراقيتهم والقى بنجاسة الطائفية بين الاخوة في  البيت العراقي.وينقل  الباحث عن  الحصري  قوله((ان الاشوريين لم يكونوا من سكان البلاد الاصليين، بل هم جاؤ الى العراق مع الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الاولى..وبعد اانشاء العراق اقتطعوا لهم اراض واسعة في شمال العراق، وانشاو لهم قرى واسكنوهم فيها،ولكن الاشوريين لم يكتفوا بما نالوه ،بل من حماية ونعم صاروا يتجاوزون على اراضي الاها لي الاصليين ويحاولون ان يوسعوا اراضيهم بشتى الوسائل،وبما انهم كانوا مسلحين تسليحا قويا، صاروا يزدادون جبروتا يوما عن  يوم حتى  اخذوا يتعدون على المدن ويلحقون شتى الاضرار بالآهالي الآمنين،ويزهقون ارواح  الابرياء، وانتهى بهم الامر الى حد مقاومة قوى الامن والثورة على الحكومة.وعندئذ، وعندئذ فقط، اضطرت الحكومة العراقية الى تجريد حملة عسكرية عليهم)) ثم يصف ( الحصري) الغريب عن  العراق حركة ابناء شعبنا الاشوريين عام 1933 كونها (وليدة قومية طاغية تتعدى على القوميات الاخرى وتثور على  الدولة...........).

ويرصد الباحث انكار المؤرخ عبد الرزاق الحسني انكاره لاصل الاشوريين،ونافيا ان  يكون  لهم دليل تاريخي يسند ما أ سماه زعمهم انهم احفاد العراقيين القدماء،وان هناك ما يشير الى كونهم من (بقايا) النساطرة.ويصف الباحث تخريجات عبد الرزاق الحسني  بانها غير منطقية ولا واقعية حين يختزل وجود المكون الاشوري  الى عشيرة ( التياريين)،ويركز في  كتابه تاريخ الوزارات العراقية في  الحديث عن  جرائم التياريين.ويؤكد الباحث ان هذا المنحى لم يقتصر على  الكتاب والمؤرخين بل امتد الى اعضاء بارزينمن الخبة الحاكمة مثل حكمة سليمان وزير الداخلية الذي لعب دورا في مذبحة (سميل) عام 1933 واسباغ الشرعية عليها.

وبعد (الحصري) و(الحسني) كنموذجين يمثلان تصور الفكر العراقي عن المسألة الاشورية،يعرض  الاستاذ ابرم شبيرا للنموذج الثالث والمتمثل ب(عبد الرحمن البزاز) والذي يقول بان الاشوريين طائفة من النساطرة المسيحيين جاؤا الى العراق من  تركيا واعتبر حركتهم (من اخطر الفتن الداخلية الجسيمة التي عرضت العراق بعد الاستقلال الى مخاطر جمة....)،وفي ذات السياق يتتبع الباحث ما  قا له (محمد امين زكي) في كتابه (تأريخ الكرد وكردستان) المكتوب بالكردية اذ اعتبر زكي  الاشوريين اكرادا اعتنقوا المسيحية.

 وهذه هي البداية كما تتبعها الباحث، حيث تشكلت (نواة) موقف الفكر العراقي من الاشوريين، وقد استمرت هذه النواة لتغدو فيما بعد المحور الاساسي للمنظومة الفكرية التي اسسها الفكر العراقي حول القضية الاشورية ،وترسبت في نفوس رجال الحكم والسياسة، وفي نفوس العراقيين.وفي قرائته لتصور الفكر العراقي عن الاشوريين والقضية الاشورية يجد الباحث تداخل الديني المتطرف بالقومي الشوفيني في تكوين الفكر العراقي ازاء المكون الاشوري ويتعدى ذلك الى حد التفاخر (بمجرمي مذبحة سميل وكيل المديح لهم،امثال المجرم بكر صدقي...)؛كما يلاحظ ان الفكر العراقي تجاه الاشوريين كان من القوة بحيث ان التيارات التقدمية والديمقراطية لم تستطع التخلص من تاثيراته، ويعزى سبب ذالك الى طرح الموضوع من وجهة النظر الرسمية، وقلتها او انعدامها من وجهة النظر الاشورية.ومع ذلك فانه يقدر الواقف الايجابية لتلك القوى  تجاه القضية الاشورية كالحزب الشيوعي العراقيو الحزب الشيوعي الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني والحركة الملكية الدستورية.ويعلن استغرابه لمن وصفهم ببعض المتعلمين الاكراد في تجريدهم الاشوريين من تسميتهم القومية واعتبارهم (اشور) اسما كورديا وعد الاشوريين مجرد مجموعة دينية مشتتة في كوردستان، وتنقصهم الارض.والى ذلك يصنف رأي المكون التركماني لمنظومة الفكر العراقي  مشيرالى كتاب عزيز قادر الصمانجي(التاريخ السياسي لتركمان العراق)اذ يرى فيه الباحث ما يثبت سيره على ذات النهج.ولكننا، لانعتقد ان  راي الصمانجي يمثل راي الكل التركماني، وان رأي  الحسني او البزازلاتمثل قطعا اراء العراقيين(...).

ولم يجد الباحث في برامج الاحزاب السياسية اهتماما بالقضية الاشورية ويرى ان اسباب ذلك انما تكمن في غياب الموقف النظري الثابت والمبدئي حيل معالجة مسأ لة القوميا ت الصغيرة، والتنوع القومي والديني في العراق، وقد استثنى الحزب الشيوعي العراقي والاحزاب الكوردية الرئيسية، اما بالنسبة لبقية الاحزاب والمؤسسات السياسية العراقية المعارضة( قبل السقوط) فيرى الباحث انها ادرجت بعض السطور في برامجها عن الاشوريين وحقوقهم بعد غزو الكويت ،وكسيا سة تكتيكية ووسيلة لمواجهة السياسات الاستبدادية للنظام العراقي،ويعتقد الباحث بان هذا الموقف مازال قيد الاختبار الحقيقي لمصداقيته بسبب افتقار هذه الاحزاب الى الية لتحقيق برامجها السياسية تجاه مسألة التنوع القومي في العراق بشكل عام ، وتجاه حقوق الاشوريين بشكل خاص ,اما السبب الاخر فيعود بنظر الباحث الى ان معظم الاحزاب السياسية العراقية لم تشارك مشاركة فعلية في السلطة السياسية، ولم تتول الحكومة، والاستثناء الوحيد هو حزب البعث الذي سيطر على السلطة عام 1968، ولهذا فقد كرس القسم الكبير من الفصل الثالث، ومن الكتاب، لفحص موقف البعث من القضية الاشورية. وقد تناول في المبحث الاول(أ) المبادىء النظرية لموقف البعث من مسألة الاقليات القومية كما لخصته السطور التي كتبها (ميشيل عفلق) وهو الاخر غير عراقي' كالحصري،يقول الباحث (وطبقا لهذه المواقف المبدئية والرئيسية، كان الحزب يتعامل مع الاشوريين في العراق ويمارس سياسة معينة تجاههم) الا  ان الامر اختلف مع الانعطافات التي اجتاحت العراق منتصف السبعينيات، كتوقيع (اتفاقية الجزائر) مع ايران عام 1974 ، ومطاردة الحزب الشيوعي العراقي.وفي عام 1977 حدد البعث موقفه من الاقليات في كراس (مسألة الاقليات القومية في الوطن العربي) واتضح المنهج السياسي للحزب تجاه الاقليات والهادف الى دمجهم عنوة في اديولوجيته ،وصهرها في الامة العربية لانه حزب الجميع كل الكادحين  والاقليات.وثم تبنى الحزب فكرة (اعادة كتابة التاريخ) ويرى الباحث ان الهدف من ورائها،وغرضها الاساسي هو اعادة تدوين وتفسير تاريخ العراق القديم بهدف الغاء تاريخ الاقليات ، واعتباره مجرد تاريخ عربي؛وبدأت حملة واسعة تجاه الاقليات وتحديدا  ضد الاشوريين ومنع اصدار الكتب التي تتناول تاريخهم وواقعهم، ومنع تداول الموجود منها.وقد حاول حزب البعث الاحتفاظ بالسلطة مستفيدا من تجربته الفاشلة عام 1963واتبع سترتيجية قصيرة المدى هدفها البقاء في السلطة والانفراد بها لفترة طويلة وتقوم على كشف القوى الفاعلة في الساحة العراقية واشراكها في اللعبة السياسية باعتبارها قوى حليفة له ومن ثم تحييدها فاصدر بيان 11 أذار عام 1970 وقانون الحكم الذاتي وميثاق العمل الوطني وتشكيل الجبهة الوطنية والقومية التقدمية وقوانين العفو عن السجناء السياسيين ومنح التركمان حقوقهم الثقافية والادارية؛أما بشأن الاشوريين وموقعهم من هذه الاستراتيجية،يرى الباحث ان الاشوريين في تلك الفترة لميكونوا يشكلون قوة سياسية مستقلة ولم تكن لهم اهمية مباشرة في هذه الاستراتيجية ، واهميتهم كانت من خلال القوى الرئيسية الكبرى الفاعلة على الساحة العراقية، اي الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكوردستاني،وقد انتمى او تعاطف الكثير من الاشوريين مع الحزب الشيوعي العراقي بسبب اديولوجيته الداعية للدفاع عن حقوق الاقليات القومية وكذلك الحال مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، لهذه الاعتبارات كان للاشوريين اهمية عند البعث فشملهم ضمن استراتيجيته في احتواء الحزبين الرئيسيين والتقليل من شعبيتهما وذلك بسحب المتعاطفين من  الاشوريين مع الحزبين وضرب الاشوريين بالاكراد، ولتحقيق هذه الغاية اصدر جملة من القرارات ذات الصلة بحقوق الاشوريين، مثلقانون اللجنة المركزية للطائفة الاثورية النسطورية، ثم وجه دعوة لبطريريك كنيسة المشرق مارشمعون ايشاي الذي استقبل كما يستقبل رؤساء الدول ، والغت الحكومة قانون نفيه خارج العراق واسقاط جنسيته العراقية ومن ثم اعادتها اليه. وتابع الباحث ما الت اليه سياسة حزب البعث من دفع بعض الاشوريين من الانضمام الى حزب البعث ووصل الامر الى حد تأسيس حزب البعث الاشوري وتكريس الاشوريين في المهجر بعض مؤسساتهم الاعلامية لخدمة النظام؛وعندما فشل النظام في احتواء البطريريك وعاد الى الولايات المتحدة و رفض الدعوة الاخرى لزيارة العراق غير انه اغتيل بعد ثلاث سنوات.وبحث النظام عن شخصية بديلة ووجد في ( ماليك ياقو ماليك) ضالته وهو احد زعماء الحركة الاشورية عام 1933وبالفعل وجهت له دعوة رسمية لزيارة العراق، ومهدت لذلك باصدار عدد من القرارات والقوانين الخاصة بحقوق الاشوريين،مثل قرار منح الناطقين بالسريانية من الاثوريين والكلدان والسريان حقوقهم الثقافيةفي  عام 1972، وتأسيس عدد من الاندية والجمعيات الثقافية والفنية وصدور مجلات با للغة السريانية، وقد حدس الرجل حقيقة قرارات الحكومة ورفض عرض الحكومة بتشكيل قوات اشورية بحجة حماية المنطقة المخصصة للاشوريين.وبعد ان تقلص خطر الحركة الكردية على النظام بعد اتفاقية الجزائر بدأ بتنفيذ سياسته الحقيقية تجاه الاشوريين وحاول السيطرة على مؤسساتهم الاجتماعية ونشاطهم الثقافي،واستهدف النادي الثقافي الاشوري ومجلة المثقف الاشوري، وتطبيقا لمفاهيمه بدأ حملة لالغاء وجود الاشوريين؛ ويذكر الباحث  استدعائه الى مديرية رقابة المطبوعات في وزارة الاعلام وتعرضه للمسالة والتوبيخ لانه اي الباحث الاستاذ ابرم شبيرا  كان قد كتب بعض المقالات في مجلة المثقف الاشوري اشار فيها الى الجذور التارخية للاشوريين في العراق. كما يسجل حادث اعتقال ثلاثة من المطربين الاشوريين الهواة من قبل مديرية الامن العامة  بتهمة غنائهم اغان (عنصرية).

وفي ذات السياق يوثق الباحث تعداد النفوس عام1977  باعتباره اكثر الممارسات وقعا على الاشوريين بسبب رفض البعث تسجيل الاشوريين لاسم قوميتهم، وفرض عليهم تسجيلهم كعرب في المناطق الوسطى والجنوبية، ورافق هذه المما رسات الاستبدادية حملات فكرية وثقافية  فبدأت حملة فكرية في الصحف والمجلات للتشكيك باصل الاشوريين وتعتبرهم مجرد طائفة مسيحية عربا او مسيحيين او بقايا اسباط اليهود العشرة، ومنع  نشر او تداول الكتب ،وسحبت الكتب الخاصة بالاشوريين من المكتبات العامة.ولم يكتف النظام العراقي بهذا بل عمد الى استخدام العنف ايضا ففي  عام  قامت  السلطات العراقية بحملة اعتقالات واسعة بين اعضاء الحركة الاشورية وانصارها، وحكم على ثلاثة من عناصرها القيادية بالاعدام والسجن المؤبد على (17) اخرين ونفي اقاربهم الى الحدود التركية ، وتعرض الدكتور سركون داديشو رئيس المؤتمر الاشوري القومي الى محاولة اغتيال فاشلة في الولايات المتحدةعام 1990.

لم يترك النظام وسيلة الا واتبعها من اجل تنفيذ منهجه السياسي ازاء الاشورسيين فالى جانب الاعلام وتشويه الحقائق وبعثنة المءسسات والعنف ضد الاشوريين عمد الى( طمس معالمهم الجغرافية والديموغرافية في مناطق سكناهم في شمال العراق فعملية الانفال عام 1988التي شنت ضد الكورد شمات الاشوريين ايضا  وقراهم وكنائسهم واديرتهم التي كان  بعضها قائما منذ القرن  الخامس الميلادي....) ويرى الباحث ان هناك عاملان استغلهما  حزب البعث لاظهار المسيحيين بشكل عام كاقلية غير مضطهدة:اولهما هو ان الكنيسة في العراق غير مسيسة وثانيهما توثيق علاقته بالعالم المسيحي ابان الحرب مع ايران. ويؤكد الباحث فشل  الحكومة البعثية في تجنيد الاشوريين ضد الحركة الكوردية؛ان الوقائع الانفة الذكر وغيرها كثير شكلت متن المبحث الثاني من الفصل الثالث.

وقدم الباحث في المبحث الثالث قراءة للقوانين والقرارات الصادرة بشان الاشوريين ابان حكم البعث.وقد لخص مضمون الفكر العراقي خلال حكم حزب البعث تجاه الاشوريين بـ:

1.  الاثورين في العراق لاعلاقة لهم بالاشوريين القدماء.

2.  هم غرباء عن العراق وقدموا اليه من تركيا  مع البريطانيين.

3.  همهم القتل وهم جواسيس وعملاء.

4.  هدفهم تاسيس دولة اشورية في شمال العراق.

5.  لاتفرق العقلية العراقية بين تسميات الاشوريين وتتجاهل انتمائهم القومي.

6.  عدم جدية الفكر العراقي في اشراك الاشوريين بصفة المواطنة والجنسية.

7.  عدم التمييز بين الاثورية كقومية صغيرة والمسيحية.

8. ابتكار سياسات فكرية وقانونية وادارية تكتيكية بعد استلام حزب البعث السلطة لغرض امتصاص تطلعات الاشوريين والقومية والوطنية .

وما تقدم يمثل تجليات (التصور ) في الممارسة ، او التطبيق لما تشكل في الفكر العراقي عن القضية الاشورية على ان الاحث كان موضوعيا حين افرد الفصل الرابع للوقوف عن الاستثناءات في الفكر العراقي تلك الاستثناءات التي تعترف بالواقع الاشوري تاريخيا وانتماءا او تعايشا ووجودا اصيلا وعضويا للمكون الاشوري في النسيج الاجتماعي للشعب العراقي .

الا ان قراءة الباحث لتلك الاستثناءات جعلته يرى عند الكثير منها تاثيرا بالمحيط فهي لم تستطع التخلص من بعض القيود ( وبالتالي لم تفلح في الافصاح الكامل عن الحقيقة الموضوعية المطلوبة في معالجة موضوع الاشوريين في العراق ).

ومن النماذج التي تتبعها الباحث كتاب " تاريخ الحركة الديمقراطية في العراق لعبد الغني الملاح حيث يخصص الملاح فصلا عن الحركة الاشورية معتبرا  اياها جزءا من الحركة الديمقراطية في العراق ويرتبط تاريخ الاشوريين اليوم بالاشريين القدماء كما يبحث بموضوعية حركتهم القومية عام 1933 ويعود باصلهم الى الاشورين القدماء وقد استغرق الفصل (14) صفحة الا ان المؤلف عاد في الطبعة الثانية ليحذف ويختزل فصله عن الاشوريين الى ثماني صفحات وطبقا لمفهوم حزب البعث في العراق في اعادة كتابة التاريخ ولم يعد الاشوريين تاريخ عريق وقديم في العراق كما كان الامر في الطبعة الاولى بل اعتبرهم مجرد قوم ذووا اصول سامية ... .

ثم يلاحظ الباحث تاثير البحث العلمي بالقيود السياسية للسلطة فالبحث العلمي يرتبط الى حد بعيد بالنظام السياسي القائم ويتاثر بفلسفته وقد تغلغل فكر البعث في المؤسسات العلمية والثقافية وترسيخ كسياسة حكومية رسمية في معالجة مختلفة القضايا . ويتوقف بهذا الصدد عند كتاب الدكتور رياض رشيد الحيدري المعنون " الاثوريين في العراق 1918 - 1936 " والذي ساعدت جامعة بغداد على طبعه وهو اطروحة ما جستير من جامعة القاهرة وقد قامت مديرية رقابة المطبوعات بمنع نشر الكتاب وتسويقه في العراق وحتى النسخة الوحيدة في المكتبة المركزية ختمت بعبارة " للتداول المحود " ثم سحبت من التداول المحود ايضا . وقد سمعت السلطة الى انكار الجذور التاريخية لجزء من الاشوريين في العراق خاصته ذلك الجزء الذي شكل مصدرا للحركة الاشورية في العراق وبروز قيادتها منه من جهة والاعتراف بالجزء الاخر من الاشوريين في كونهم من اصول عراقية من جهة اخرى ومثل هذا التعبير يعبر عليه الباحث في اطروحته الدكتور لطفي جعفر فرج .

ويتتيع كذلك الاستثناء الذي مثله الكاتب سليم مطر في كتابه ( الذات الجريحة ) الذي اقر بالاصول التاريخية للاشوريين وقدم وجودهم في العراق او بلاد ما بين النهرين ويلاحظ الباحث انه يتردد هو الاخر في تاكيد المقومات القومية لهم ومن ثم يجردهم من الصفة القومية منطلقا من فهمه لبعض المصطلحات ويفسر الباحث هذا التقيد بمنهج بناء الدولة بهوية عراقية رافدية .

ولا يكل الباحث من المضي في سعيه وراء الحقيقة الموضوعية لموضوع بحثه فيصل الى بعض الاستثناءات الخاصة الاخرى في الفكر العراقي تجاه الاشوريين ، وهو الاكثر موضوعية وتفهما وقد استطاع بحسب نظر الباحث ان يتجاوز حدود الفكر العراقي تجاه الاشوريين ويستشهد ببحث الدكتور غسان العطية المعنون " مقترحات في الوضع الدستوري العراقي ما بعد صدام " المنشور في جريدة الحياة اللندنية كما يشير الى دراسات الدكتور محمد البندور ود . كمال مظهر احمد ويرى فيها قدرة اكبر على الانفلات من منظومة الفكر العراقي وبناء منظومة تصورات ومفاهيم حضارية وانسانية تجاه الاشوريين .

لم يكتف الباحث في كتابه " الاشوريين في الفكرالعراقي المعاصر " برصد المنظومة الاساسية في الفكر العراقي ازاء الاشوريين ، والاستثناءات المضادة او المقابلة لها ، بل حاول تقصي مصادرها ، وقد وجدها في جملة من المصادر التي شكلت الاسا الذي منه تبلورت وتشكلت كتب الباحث في مقدمة الفصل الخامس ان الفكر العراقي قد استمد تصوراته من مصادر تتفق وتتناسب مع طبيعتها السلبية تجاه الاشوريين وتدور جميعها ضمن مفهوم " العداء السافر " في رفض ومقاومة التنوع القومي والطائفي والديني في العراق ، وقد صنفها الى المصادر الدينية النفسية ، ويرى الباحث ان الدولة العثمانية كانت تعامل المسيحيين وبضمنهم الاشوريين معاملة تختلف عن معاملتها لبقية المسلمين مهما كان انتماؤهم القومي . وكان المسيحيون يعيشون على هامش الدولة ومنتظمة كياناتهم ومؤسساتهم الدينية بموجب " نظام مليت " التركي في تنظيم شؤون الرعايا غير المسلمين ، وقد كانت دولة ( طائفية تستخدم الطائفية كسلاح سياسي ) وقد نقلت صراعها مع الدولة الصفوية في ايران الى العراق بعد احتلاله والسيطرة عليه ، وقد نجحت في اثارة العواطف الدينية لمقاومة الانكليز " الكفار "بينما كان العرب في الشام يقاومون القوات العثمانية ويناضلون من اجل طردها وكان معظم ابناء الشعب العراقي يقاتل الى جانب القوات العثمانية " المسلمة " ضد قوات الامنكليز " المسيحية " وهكذا بقيت ( المشاعر الاسلامية تجاه المسيحيين مستقرة وراسخة في النفوس ) وبسبب ذلك تاججت العواطف الدينية وتفاعلت مع ذكريات الحرب ، وافضت الى اشعال الانفعالات واخذت ابسط الخلافات الشخصية تتحول الى اقتتال مسلح بين الاشوريين والعراقيين .

ثم يعرج الباحث على المصادر التاريخية العثمانية ، ووجد الباحث ان رجال الحكم والسياسة في العراق في مرحلة التاسيس هم الرواد الاوائل للفكر العراقي تجاه الاشوريين يلاحظ في خلفياتهم :

1 - ان معظمهم من اصول وانساب عثمانية ، وتركمانية كردية .

2 - معظمهم نشأ في صلب الحياة العثمانية - التركية وتبربوا في بيئتها وتطبعوا في اسلوب حياتهم وترجوا من مدارسها العسكرية والمدنية .

3 - اتصفوا بتعطشهم للسلطة والحكم .

4 - كانت العقلية العراقية والحاكمة المتوارثة من القوة الصلادة بحيث لم يكن تتاثر بالمستجدات الموضوعية وقد انعكس هذا على تجاهل الوجود الفصلي والمتميز للمجموعات العرقية والدينية .

5 - شكلت المركزية المتشددة في الحكم وعدم الاعتراف بالهوامش او الاطراف خلفية مؤثرة لرجال الحكم والسياسة في العراق واستمرت الى مراحل سياسية لاحقة ، ولم يكتف برفض حقوق ومطالب الاقليات وقمعهم باساليب عسكرية وانما افتقروا ايضا الى الجدية في اشراك ابناء الاقليات بصفة المواطنة والجنسية ... وابقاءهم ضمن حدود المواطنة من الدرجة الثانية ، او ادنى ، وحرمانهم من المناصب الحكومية والسياسية الرفيعة .

وقد جاء الباحث على ذكر عدد من اسماء اولائك الساسة والحكام ذوو الخلفية العثمانية والاعمال التي قاموا بها بحق الاقليات القومية دون وجه حق .

كما ان الباحث يرى في الازمة الاقتصادية العالمية مصدرا من مصادر الفكر العراقي ازاء الاشوريين فقد تركت تلك الازمة بصماتها الواضحة على الحياة السياسية والفكرية في العراق وشكلت بداية رواج الفكر الفاشي ويستشهد بالكاتب حسن العلوي في اشارته لتاثر الساسة العراقيين بواحدة من الديكتاتوريات الاربع في الثلاثينيات وقد تداخل هذا التاثير والاعجاب مع بقية المصادر في تكوين الفكر العراقي تجاه الاشوريين .

ثم يقف ليبحث المصدر الذاي ويعتبرها ثانوية حيث نشأت من الظروف الخاصة للمجتمع الاشوري والقائمة على تغليب الكثير من الاشوريين انتمائهم الطائفي على القومي الامر الذي ساهم في تدعيم واسناد منظومة الفكر العراقي في ما يتلق بتحجيم الاشوريين وحصرهم في الطائفة المشرقية " النسطورية ".

وهكذا يعثر الباحث من وجه نظره على جملة من العوامل الذاتية والموضوعية تفاعلت مع بعضها لتشكل المصدر او المصادر التي اسهمت في تكوين منظومة الفكر العراقي تجاه القضية الاشورية .

وفي النهاية يعقد الباحث الفصل السادس ليناقش من خلاله الاساس الجوهري الذي على اساسه بنى الفكر العراقي منظومته الفكرية وتصراته السلبية تجاه الفكر العرقي ويطرح وجهة نظره تعارض وتدحض ما ترسب في منظومته الفكر العراقي عن الاشورين ويقدم خلالها حججا ومنطقا متماسكا لنفي " المزاعم " التي تعكز عليها الباحثون او الساسة في تشويه الحقائق  عن واقع المكون الاشوري .

ان من حق اي فرد او جماعة عراقية التعبير عن وجه نظره بما يكفل تطوير النظام الاجتماعي في العراق وان على البقية من الاطراف واجب الاصغاء والتحاور والتفاعل الايجابي مع وجهات النظر التي قد تتقاطع مع اتجاهاتهم او متبنياتهم الفكرية او السياسية الا ان هذا التقاطع لايدعوا اطلاقا لنفي الاختلاف المشروع في العراق الجديد الساعي لاقامة ثقافة الحوار والتعايش الاخوي بين الجميع .