ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

النمط النبوي الخليفي

افتراض ام محاولة نظرية خجولة

تأليف بشير محمد الخضر

قراءة : أ.د. متعب مناف

في كتاب نشر مؤخرا (2005) بعنوان: النمط النبوي الخليفي وعنوان فرعي: في القيادة والسياسة العربية... والديموقراطي والكتاب في الأصل أطروحة لبشير محمد الخضر حصل بها على الدكتوراه من جامعة أميركية ثم اعاد كتابة فصول الكتاب وذلك قبل أن يشرع في طبعه ونشره. وقد حصر الكاتب التراجع في بناء أنموذج نظري (Model) يمكن أن يكون هاديا للسلوك في سياسة بناء دولة (عربية / إسلامية) لسبب هو وقوع الفكر السياسي الإسلامي ثم الشرقي / العربي / الإسلامي في خضم تمفصلات حادة اثر دخول امم أخرى في الإسلام لها ثقافاتها السياسية بالذات حاولت مثل هذه الأمم التي تمتد في اسيا وافريقيا أن تجد خليطا بين الدين الذي اعتنقته والاثنية (السلالية) التي تنتمي اليها وبين ما ورثته من ثقافة وتاريخ وسلوك وممارسات في السياسة والمجتمع والأخلاق وما راكمته في جمعي عقلها من اساطير وحكايات وتجارب. ولكن محنة هذه الأمم التي اعتنقت الإسلام ومارسته واتعست به وتفقهت في احكامه والتزمت بحدوده والفت وكتبت العديد من المجلدات الرائدة التي اتبعها مجتمع العرب، حواضره قبل بواديه ارتقت إلى حد التقديس الذي اطر الفكر الديني بالمذهبية وإلى وقت قريب فان المغاربة انما يقسمون بالقرآن الكريم وصحيح البخاري، وإذا اخطأ احدهم فانه يعتذر أو يعتذر له انه لم يخطأ في صحيح البخاري وعلى امتداد مصر.

وهذا يصدق على الطوسي والقمي والطبرسي وعلى الرغم من كل هذه العبقرية التي ادخلتها ثقافات الأمم التي دخلت الإسلام التي ارادت أن تحسن اسلامها بوضع اسس للثقافة الدينية للاسلام فلا يبقى مجرد عبادات ومعاملات وانما يضاف إلى هذا بناء ثقافة دينية/ إسلامية قابلة للتصدير تعمل على هداية البشر كل البشر إلى الدين الجديد، فان الخليط الثقافي/ الديني بقي في مرحلة (الخليط) ولم يتحول إلى مركب وبالاخص بعد أن تحولت هذه الكتابات ومجلداتها الضخمة إلى مغذي فكري لم يلبث أن تحول إلى مذاهب تحولت هي الأخرى إلى طوائف مرت من خلال مصالح جماعات ومكونات وظفتها سياسيا انبتت حركات وجماعات وتنظيمات واحزاب وبذلك يكون فك الارتباط بين الطائفة والسياسة من أولى أولويات الجهد الفكري/ التربوي للنخب العاقلة والمرجعيات الرشيدة وبذلك تكسر فئوية التسيس وبدلا من أن تمتلك (الطائفة المسيسة) الدولة فانها تصبح ملكية الناس كل الناس يختارون انتخاب الأصلح والاكثر كفاءة منهم لتولي الشان العام (الحكومة) التي هي الأخرى تكون خاضعة لدستور يكون قد اعطى للديانة حقها وللسياسة استحقاقها وبذلك تتحول وحدات (الخليط) الديني/ الفكري/ السياسي إلى (مركب) تمتزج فيه سياسيا وتذوب فيه ثقافيا مع توحيد خطابها اذن هناك مساحة يمكن أن يتحرك فيها الفكر السياسي والاداء السياسي في العراق وجواره والامتدادات الاقليمية التي يرتبط بها بحكم الدين والاجتماع والتاريخ والاقتصاد وما يرتبه عليه (الاخر) من علاقات دولية لها حساباتها ومصالحها في حياة هذه الشعوب نفوذا أو تسلطا ونفعا باسم المدنية تارة وباسم البقاء للاصلح أو الاقوى تارة ورفع مستوى التحكم التكنولوجي الاعلامي إلى مستوى ديانات الشرق في الفاعلية والتاثير أو أن الطرح (الحضاري / الثقافي) قد حسم إلى الابد وان التاريخ قد انتهى لذا فان الناس الذين نجوا (الحضارة الناجية) هي التي وجدت لها مكانا في قطار التكنولوجيا والمعلوماتية اما الذي لم يستطع اللحاق بهذا المركب المتسارع فهذه ليست مشكلته وانما محنته وسرعة القطار التكنولوجي الذي بناه الاخر واتجه به إلى الجهة التي حددها وذلك بتكوين إنسان له مواصفات متميزة يعيش في ضمن وحدات/ معازل تحركها عقول الكترونية يتحمل فيها أناس آليون عبء الخدمات والصعوبات التي يكدح للتغلب عليها جل بني البشر من بين المليارات السبع التي تعمر الارض وبالاخص الأمم في الجنوب الفقير.

هذه هي العولمة (Globality) التي تخطت مرحلة الايديولوجيا التي تحولت إلى ما يشبه الديانة بطقوسها ومعارفها واذرعها القوية الناشطة في كل بقاع العالم فلها عقولها النافذة ومقدساتها ومحرماتها ولها مفاعليها من حكومات وشركات ووكالات وبيوت مال وأعمال وجريمة لقد طرحت هذه العولمة الشرسة ما اسمته بالحوكمة (Govermnamce) وهو نظام جديد والدولة المعولمة تضع شروط اللعبة وعلى الاخرين التقيد بها والعمل وفقها والا عدت متخلفة مارقة، لأن من يتحكم في عالم اليوم هم الثمانية العظام (G8) وأن الرحال انما تشد حاضرا إلى منتديات المال والاعمال وبالاخص منتدى دافوس، هذه الصور الواقعية والمتلاحقة لثقافة العصر التي اعتبرت حضارة بعد أن قضي داخل ثقافة العصر على الصراع الذي تم تحويله من خارج هذه الأمم الغنية المتسلطة إلى الأمم الفقيرة المتسلط عليها ولا تمتلك قرارها الحضاري.

والسؤال لماذا وقعنا عراقا/ عربا/ اسلاما/ شرقا  في خانة التخلف وينظر الينا بعين الكم تمزقنا الحروب ونمارس العنف استجابة لمقولة الشاعر القديم.

واحيانا على بكر اخينا.... إذا ما لم نجد الا اخانا.

أو احياء لسؤال عصر النهضة في الشرق ( القرن التاسع عشر/ العشرين ) وهو لماذا تاخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ والسؤال الذي يطرحه مؤلف كتاب (النمط النبوي ـ الخليفي: في القيادة السياسية العربية... والديمقراطية (2005) ملخصه هو أننا نمتلك (مسلمون / عرب) النمط النبوي الخليفي الذي يعني تفوقنا ـ ولو جدلا ـ على غيرنا من الأمم الأخرى، فهل أننا مسلمون دون اسلام؟ ام أننا (ضحية) مؤامرة عولمية نجحت في أن تسلب منا الإسلام وتتكرم علينا ببقايا تكنولوجيا مستهلكة مقابل اثمن ما نملكه ممثلا بمصادر الطاقة التي رغم رخص اثمانها فأنها متهمة بأنها ملوثة إذ يتم البحث عن البديل لهذه الطاقة وصولا إلى طاقة نظيفة على الرغم من أن التلوث والاحتباس الحراري الذي تعاني منه ارضنا (كوكبنا الارضي)، انما سببه الاستهلاك العالي وغير المسؤول بل الأناني للدول العظمى الثمانية وبالذات امريكا (الولايات المتحدة) للطاقة اذ تستهلك ربع انتاج النفط العالمي سنويا وحدها.

وعلى الرغم من أن مؤلف كتاب النمط النبوي ـ الخليفي يؤكد امتلاكنا هذا النمط وبامتياز في ديننا وتعاليم نبينا(ص) وصحابته وآل بيته ولكن حصيلة هذا كله شوك هزيمة وندم تخلف.

عندها يحاول مؤلف الكتاب أن يلجأ إلى افتراض يعده (واقعيا) عله أن يكون موازيا للافتراض (المثالي) مما يساعده على أن يعود إلى القضية نفسها الذي سلم باشكاليتها دون أن يمتلك الجرأة فيكون (ارگونيا) يفكك ويحلل ويقارن لا أن يتوسع ويبحر ويتعمق، يقابل النص لا أن يدور حوله.

والافتراض الواقعي الذي صاغه مؤلف كتاب النمط النبوي الخليفي هو: الزعامي ـ السلطوي والدافع لمثل هذا النص الجديد هو أن الافتراض الأول (النبوي ـ الخليفي) وقف عند حدود مثاليته لذا فان الحياة والسياسية بالذات انما دارت بالضد في هذا الافتراض دون أن تجرا على تجاوزه بل بلغ بالممارسة السياسية أن تتحايل على النص (النبوي ـ الخليفي) إلى حد تقديم بديل له مع ابقاء مكانته الدينية عالية في الوقت الذي تم فيه اضعاف هذه المكانة تاريخيا ومن ثم استيعاب الغرض بكامله سياسيا. فالزعامة مطلوبة والقرار لابد له من راس ولم يكن يدقق كيف يصل هذا الراس ولكن الراس (الزعامة) لابد من تحقيقها والا سادت الفوضى وعدم الناس القياد واحتل سدة الحكم الجهال لأن القوم غير صالحين وأن الفوضى هي السمة الغالبة على المجتمع وناسه فلا بد من (صفوة) لها القدرة على أن تبحر بناسها في خضم الصعوبات والا قدار أو من يطلق عليهم بالسراة الذين لهم القدرة على أن يمشوا بمن يتولونهم ليلا لأنهم يمتلكون خارطة للطريق. ومثل هذه الصفوة السراتية قد تقفز إلى الحكم وتستولي على السلطة بفعل ما تتمتع به من قوة قد تصل إلى حد البطش لذا لابد من أن توظف قوتها إلى حد السلطة والتسلط وبذلك يبرز النمط (الزعامي السلطوي) لكي يملا الفراغ الذي تركه صعوبة الاستمرار في تطبيق النمط النبوي ـ الخليفي.

وبذلك تكون الصيغة الجديدة في حكم الدولة (عربيا واسلاميا) هي صيغة العادل المستبد فهو عادل في استبداده ومستبد في عدله اي أنه خليفي سلطوي التي استبدلت لاحقا بالزعامي السلطوي ثم اختصرت بالسلطان. ويبدا مؤلف كتاب النمط النبوي ـ الخليفي يقرأ التاريخ السياسي العربي/ الإسلامي في ضوء ثنائية نمط نبوي ـ خليفي ونمط زعامي ـ سلطوي دون أن يؤسس لقراءة جديدة وجريئة للتاريخ اذ ظل ينظر إلى التاريخ من خلال الدولة وسلطتها وليس من خلال المجتمع وهموم ناسه كما وصل إلى استنتاج له خطورته ليؤكد أن العقل/ السلوك العربي/ الإسلامي انما ظل محتفظا بالنمط النبوي ـ الخليفي يحن اليه مخترقا لذاكرته ـ على الرغم من أنه يعيش ويخضع للنمط الزعامي ـ السلطوي ـ ولكنه يحلم أن يتحقق يوما وبعد أن يسأم الناس النمط الزعامي ـ السلطوي الذي يفتقر رغم قوته/ استبداده/ عدله لتحقيق العدالة والاجتماعية بالذات التي تعني الاستبداد وفي مقدمة ذلك أن يكون الاعزة اذلة.

وبذلك يتهم مؤلف كتاب النمط النبوي ـ الخليفي العرب/ الإسلام بأن لهم مخيالا (Imagination) يحترمون فيه نظاما لايحبونه لأنه لا يمثل نمطهم الحلم النبوي/ الخليفي/ الامامي، في الوقت الذي يحترمون النمط المخترق الزعامي ـ السلطوي والا سادت الفوضى واقترب مجتمع الناس إلى ما يمكن أن يسمى بعلم الاجتماع بالضياعية أو (Annomi) على الرغم من أنها حالة مفترضة كان القصد من صياغتها أن يبقى الناس محافظين على نوع من التوازن بين المعيارية واللامعيارية حتى يجد المجتمع والدولة الصيغة التي يمكن أن يؤسس لعقد (Contraet) بينهما وبذلك تكون الدولة قوية وفاعلة اداريا دون أن يكون لها نفوذ يخترق فيه فاعلية المجتمع فيتدخل في مفردات حياة الناس ويكشف عن خصوصياتهم بصيغ مثل صلاح الامة تضحية بافرادها أو درء المفسدة خير من جلب المنفعة، وهي قوالب وضعت لتزيين أو شرعنة لنمط الحكم الزعامي ـ السلطوي.

 

المخيال العربي/ الإسلامي واشكالياته

نفهم من خلال تتبعنا لنموذج نبوي ـ خليفي أو ما قد يطور صانع هذا النمط/ مؤلف كتاب النمط النبوي ـ الخليفي وفي (ص112) اذ يطلق نمطين فرعيين: النمط النبوي (الزعامي) والنمط السلطوي (الخليفي) أن هناك تفاوتاً بين هذين النمطين اللذين يمكن أن نعيد دراسة التاريخ العربي/ الإسلامي وفقهما ويورد في جدول خاص وفي الصفحة نفسها أوجه المقارنة بينهما: فهناك ذاتية، فردية، لامؤسسية في النمط النبوي ـ الزعامي تقابلها ذاتية، فردية، لا مؤسسية في النمط السلطوي (الخليفي) فالنمطان الأول والثاني اللذان حددهما مؤلف الكتاب على الرغم من الاختلاف في تاثيرهما وتحريكهما للإحداث فإنها يتميزان بالذاتية والفردية واللامؤسسية فهل أن مثل هذه الصفات من خصائص العقل/ السلوك العربي التي تضرب بجذورها في القبيلة قبل أن تتحول إلى امة؟

ويضيف في المقارنة بين النمطين: أن الأول إنما يتميز بالإعجاب والحب والحماس والعاطفة والانقياد الطوعي والسلطة ثانوية ولا مانع من استعمالهما مع غير (المؤمنين) بالملهم.

اما النمط السلطوي (الخليفي) فيتميز بالندية المنافسة التي قد تتحول إلى صراع استعمال السلطة ادوات القهر اكثر من الانقياد الطوعي.

ثم يتحول جدول المقارنة وفي (ص112) إلى مقارنة النمطين من خلال (النزاع والتماسك) فيؤكد أن النمط النبوي ـ الزعامي يمتاز بأن النزاع الداخلي فيه ضعيف أو معدوم بسبب الايمان بالقائد الملهم ودرجة التماسك والعصبية العالية وهذا يساعد القائد على الانطلاق ثم أن شخص القائد اساس التماسك وليس العقيدة.

اما النمط السلطوي (الخليفي) فان النزاع الداخلي فيه قوي ويستنزف الكثير من وقت النظام وجهود الجميع، التماسك والعصبية ضعيفان والانطلاق مقيد واساس التماسك هو السلطة والخوف وليس العقيدة.

اما الفرق بينهما في مجال المعارضة فانها (المعارضة) تكون بالنسبة إلى النمط النبوي (الزعامي) ضعيفة بسبب سحر القائد والانبهار العام به. في الوقت الذي تكون فيه ضعيفة أو معدومة لأنها مكبوتة أو ممنوعة أو مقهورة باساليب السلطة في النمط السلطوي (الخليفي) ويكمل الجدول هذه المقارنة بايراد تاثير كل من النمطين وفاعليتهما في مجال التغيير الاجتماعي.

أن مثل هذا التغيير وفي النمط النبوي (الزعامي) انما يحدث بسرعة نسبية بهمة القائد والتماسك حوله في الاتجاه الذي يحدده القائد في الوقت الذي يستغرق فيه التغيير وقتا طويلا ويحتاج إلى استعمال ادوات القهر ويتحدد اتجاهه بمحصلة الصراع. وهذا الجدول انما يمثل قمة الضياع في بناء فكر تنظيري عربي/ اسلامي يمكن أن يكون احد أهم روافع العمل السياسي وبناء الدولة/ السلطة بالذات اذ يؤكد الجدول وفي أول فقرات المقارنة بين نمطين يفترض فيهما الافتراق الذي تمحور حوله جل التاريخ السياسي للاسلام (الامة) أن لافرق بين أوجه الشبه في التنشئة الاجتماعية التي تقوم في كلا النمطين النبوي (الزعامي) والسلطوي (الخليفي) على ركائز ثلاث هي:

1. الذاتية.

2. الفردية.

3. اللامؤسسية.

ثم يضيف أن النمط النبوي (الزعامي) انما يتميز بالفرد (رجل أو امرأة) العظيم صاحب الكاريزما (Charisma) اي الملهم المعصوم من الخطأ في حين أن الفرد (الحاكم/ الرأس) في النمط السلطوي (الخليفي) إنسان عادي من دون كاريزما في نظر الأتباع مثلنا مثله(ص112). فهل يؤمن الجدول بأن التنشئة الاجتماعية ممثلة بالأسرة استمرت في الإسلام كما كانت في الجاهلية كلاهما (نمطا الاسرة في الجاهلية والإسلام) انما يكون المنتج: ذاتية وفردية ولا مؤسسية فهل هذه هي الخصائص السائدة والمتحكمة في العقلية والشخصية العربية التي يكون التغيير من الداخل فيها مقفلا إذن لابد من فرد (رجل/ امرأة) عظيم صاحب كارزما؟ إنها واحدة من اعقد الإشكاليات التي ينوء بها تاريخنا أو على الأقل السياسي منه وتنسحب هذه الإشكالية التي تجمع بين خصائص حاكمه في عملية التنشئة الاجتماعية/ السياسية ومخلص من القديم (العربي) إلى الإسلامي وصولا إلى الحديث فالمعاصر إذ يظل البحث مستمرا ومؤلما عن هذا الفرد العظيم صاحب الكاريزما والتعبير (صاحب) ركيك خاص بثقافتنا السياسية اذ أن اصطلاح (كاريزما) إنما يكون اسما وليس صفة والأوفق أن يكون صاحب كرامات ومعجزات لكي ينسجم وما يريده مؤلف كتاب النمط النبوي الخليفي.

ولكي يخرج المؤلف من النفق الفكري التاريخي الذي وضع نفسه فيه وتحول إلى ما يحلو له أن يسميه: النمط النبوي ـ الخليفي كنظرية عامة (ص114) يكمل جدوله في الصفحة (112) بالإضافة الآتية "وباختصار فنحن نضع نمطين فرعيين ونمطا عاما يجمع بينهما فالنمط العام (النبوي ـ الخليفي) يمثل المجال الكامل الذي تندرج عليه القيادات العربية، ويمثل كل من النمطين الفرعيين الحالة الخاصة لوضع قيادي معين، فأما أن يكون الوضع (نبويا) أو (خليفتا) أو في موقع بينهما، وقد تؤدي الأحداث إلى وضع نبوي ثم بعد ذلك يتحول القائد إلى وضع خليفي (سلطوي) لأنه لم يستطع التعزيز المستمر للكاريزما التي كانت تظهر لأتباعه " (الخضر/ النمط/ ص112) والواقع فان الكاتب ـ ورغم حداثة كتابه وطول السنوات الثلاثين التي استغرقها تحويل أطروحته إلى كتاب قد وقع في أخطاء نبعت من أنه يريد أن يحدث العملية السياسية التي تعني اختصارا (بناء دولة) في أوساطنا العراقية والعربية والمسلمة والشرقية ولكن تركيبته الثقافية وتنشئته الاجتماعية/ السياسية فرضت عليه: الذاتية والفردية واللامؤسسية التي يمكن أن يضاف إليها الخوف والمنفعة الذاتية والابتعاد عن التحرش بما يمكن أن يكون مطلقا أو ثابتا أو حتى مقدسا رغم أنه يكتب في الفكر السياسي.

ثم أن الكاتب إنما أراد أن يوفق بين الأطروحة وشروطها والثقافة الأنكلوأميركية/ الجامعية التي كتبت فيها وما جاء في الكتاب في محاولة للابتعاد عن الأطروحة إذ فرض عليه أن يتوجه إلى مخاطبة ثقافة مختلفة رغم أن الأدوات والآليات ظلت كما هي بوصفها مناهج وأساليب (متقدمة).

لذا فان اقدح الخلل الذي حاق بالكتاب الذي انتقل من طور الأطروحة إلى مؤلف يتعامل مع الحداثة أو بصيغة أدق (التنمية السياسية) هو التعبير عن الثوابت الإسلامية بصيغ نسبية عصرية لها خلفياتها الثقافية وممارساتها السياسية.

يتمثل هذا بالفصل التاسع عشر من الكتاب (ص 597 - 585) تحت عنوان (النمط النبوي ـ الخليفي والديمقراطية.

وهي محاولة لتحريك النمط النبوي ـ الخليفي والديمقراطية بعد أن تعثر الكتاب في التوفيق بين النمط النبوي ـ الخليفي (المثالي) والنمط الذي تصرفت وفقه أنظمة الحكم (الإسلامية) التي تحولت إلى نمط خليفي ـ زعامي وصولا إلى النمط الزعامي ـ السلطوي الذي استمر فاعلا حتى الحاضر.

وهذه الأنماط التي تباعدت ثم تقاطعت مع النمط النبوي ـ الخليفي افتقرت إلى الشرعية التي اكتسبتها بالقوة والنفوذ.

ويعزو كاتب النمط النبوي ـ الخليفي تباعد وتقاطع أنماط الحكم إلى أسباب منها.

شخصنة الرجل الأول في الدولة (السلطة) وتعني الشخصنة تنزيه الرأس أما حقا كان يكون شخصية فريدة تظل ترتبط جذورها بالنمط النبوي ـ الخليفي أو تدعي أن تكون سلطانية وهذا الارتباط بالنمط المثالي (النبوي ـ الخليفي) وان كان قويا انتسابا أو سلوكا فانه  يظل  بعيدا من أن يلبي الشروط الكاملة التي عكسها المثل النبوي ـ الخليفي.

ولما لم يعد تكرار النمط المثالي (النبوي ـ الخليفي) ممكنا لأنه نمط رسالي موجه لنشر الدين على صعيد عالمي وليس لإقامة دولة. وهذا ما أكده احد اكبر مورخي العصر فيليب حتى الذي قال "في أحلك ساعات الإسلام السياسي كان الإسلام الديني يقوم بأروع انتصاراته... فان دين الإسلام قام بفتوحات إذ فشلت أذرعهم وسلاحهم"(الخضر/ النمط/557).

والعمق في هذا الاقتباس هو أن الأنبياء(ع) أعظم واكبر من أن يكونوا ملوكا لأن الملك (الرأس) إنما يكون محكوما بقدرته أي ذاته التي ارتقى بها كاتب النمط النبوي ـ الخليفي إلى مستوى الكاريزما وما يتصف به من الإلهام والقدرة على التعامل مع الأزمات مع دعم من عصبته التي لا تلبث هي الأخرى أن تستفيد من الاستقرار والرخاء الذي تحقق بفعل تحول العصبية إلى دولة مما يفكك عرى العصبة ويترك رأس العصبة التي تحولت إلى دولة لوحده يدفعه إلى الاستعانة بالمرتزقة مما يؤذن بافول عمر الدولة التي تنتهي بزوالها. وبذلك كرس ابن خلدون الصراع بين النمط الزعامي (السلطوي) وبين بناء الدولة غير المرتبطة بقدرة (كارزمية ـ الهامية ) الراس الحاكم.

ورغم انتصار ابن خلدون للعمران إلى الحد الذي يسمى فيه العلم الذي ابتكره (علم العمران) الا أنه لم يستطع أن يكرس التوجه العام وفي ضمن الثقافة السياسية، أن شرعية تحول القوة إلى سلطة إنما يعود إلى ما يتميز به الحاكم وقدرته على بسط نفوذه مع تبرير استمراره باطشا وذلك لتجاوز الفوضى التي قد تقود إلى تفكك المنظومة القيمية للمجتمع التي قد تجرف معها المؤسسات الهشة للدولة.

 

2. التشوه في بنية المخيال العربي/ الإسلامي

المخيال هو الكتلة الهلامية التي تضم نواتج الأفعال والأحلام التي يشترك فيها كل الناس نخبا وجماهير لأنهم تصوراً وواقعا، لاعبين (Actors) يختزنون في هذه الكتلة الحصائل التي تحققت أو لم تتحقق من توقعاتهم.

فالمخيال بهذا المعنى حلم جمعي قد لا يتحقق ولكنه يظل مفتوحا على الحدث والواقع والزمن يغذيه بالطموح ويقنع منه الأمل يعشق التاجيل ويدمن الانتظار لأن مقياس حلمه المعجزة. هذا التعريف للمخيال (الاجتماعي) لا يمكن أن يحمل المعقول والمتحقق وإنما هي انكسارات لأحلام عظيمة تدخل في تعشيق مع رؤى وممارسات الواقع لا تقبل أن تساوم على أحلامها.

والمخيال بكل هذه الصفات التي نما طيها الحلم وقد يكون ظاهرها العنف نظرا لكبحها وقمعها انما تشارك في تكوينها امم الارض وشعوبها بكافة رغم انه هناك العديد من الاختلافات قد تصل إلى حد الخصوصيات وذلك راجع لتعقيد الحلم من جهة والقوة التي تعمل على قمعه أو تحجيمه من جهة أخرى.

وهذا ما ينطبق على المخيال الاجتماعي العربي/ الإسلامي الذي ينعكس بصوره ذاكرة جمعية/ جماعية لقد وضع حدود مخيالنا وفي الراهن مؤلف كتاب النمط النبوي الخليفي اذ رأى أن المثالية التي تميز بها هذا النمط وما يتميز به من عدل مطلق.(Just of Just)  ولا احتمالية تكراره مع ازدياد الأوضاع في البلاد والعباد تعقيدا وارباكا وتقاطعا واحترابا وبذا تحول النمط النبوي ـ الخليفي ـ الامامي إلى حلم(Dream) افسح له مخيالنا الاجتماعي مكانا متقدما ومؤثرا فيه.

ولكن الحياة لابد من أن تسير رغم عظم الخطوب وضخامة التحديات وكما هي حلول الحلم مطلوبة فان حلول الواقع بسياستها واقتصادها واجتماعها ضرورية ومطلوبة اذ لا يمكن أن يظل الناس يحلمون في وقت يضغط عليهم بأن يتعاملون مع الواقع وباللغة والمفردات التي تؤمن استمرار الحياة معاشة.

أن حلول الواقع وهي تعاني من المحدودية والنقص في الصور والصيغ والتفعيل وبواقع من تكرارها انما تحولت هي الأخرى إلى قوالب فكر وحركة وتبرير وأن شابها النقص (الكمال) بفعل تاكيدها على الاني (القصير الاجل) وابتعادها عن المثال والمطلق لذا فقد ادخلها مخيالنا الاجتماعي في ضمن خزين مكوناته الا أن ابتعادها عن الحلم والمثال والمطلق جعلت من المخيال أن يضعها في مرتبة تدنت عن تلك التي افرد لها الدرجات الاعلى.

وبفعل وجود حلول الحلم وحلول الواقع ورغم الاختلاف في تدريجها في المخيال نفسه وفي ضمن مكوناته تسبب في صراع بينهما قد يصل إلى حد اقصاء حلول الواقع خارج حدود المخيال وبالاخص عند البحث عن حلول المطلق فيها هو الحاكم مما قد يدفع إلى التطرف بدعوى امتلاك الحلم للحقيقة.

وقد يلجأ إلى المساومة أو السياسة التي تعنى بتحقيق حلول الحلم وعدها اهدافا وذلك باختيار حلول الواقع كوسائل.

هذا الحل للتوفيق بين حلول الحلم وحلول الواقع توصلت اليه ثقافات/ حضارات أخرى تمكنت نخبها والعضوية بالذات من أن تخفض سقف حلول الحلم في الوقت الذي رفعت فيه من سقف حلول الواقع.

 

3. ما تحقق في المخيال ولم يتكرر وما تكرر ولم يتحقق

التاريخ هو الاخر عانى من التفاوت الحاد في مخيالنا بين ما تحقق ولم يتكرر وما يتكرر دون أن يصل إلى أدنى حدود ما تحقق مثاليا وبقاء الدولة/ السلطة منقوصة ومطلوبة في الان نفسه.

لذا فقد تحول ما تحقق ولم يتكرر إلى حلم وغلبت الضرورة وبنيت الدولة وجرى تبريرها إلى حد الشرعنة دون تجاوز ما تفتقر إليه من سند نبوي/ خليفي/ إمامي يثلم شرعنتها وقد يدخلها في نفق الفوات الفقهي/ السياسي.

اما كتب الأدب السلطانية التي تعالج أساليب الحكم وعلاقة الحاكم بفئات أو طبقات الشعب، أو بكيفية إرضاء الحاكم/ الخليفة فكانت مرجعيتها بشكل رئيس ممارسة الأمم الأخرى غير الإسلامية كالفرس والروم واليونان وغيرهم مع أنها انتقت من النصوص الإسلامية ما يناسب أهدافها من تدعيم سلطة الحاكم المطلقة وفرديته ورسم هالة الرجل العظيم في ضمن فكرة المماثلة بين الحاكم والإله، وفي هذه المماثلة (بين الحاكم والإله) وصل الفكر السياسي الذي تضمنته الآداب السلطانية إقصاء في تبرير الاستبداد السياسي وحتمية استكانة الجماعة له.

اما نظرية الإمامة عند الشيعة فتتجلى فيها عناصر النمط النبوي ـ الخليفي بشكل اقوي مما هي في نظرية الخلافة عند السنة، فالإمامة عند الشيعة من اختيار الله وليس من اختيار البشر والأئمة يقومون مقام الأنبياء في تنفيذ الإحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام وهم معصومون كعصمة الأنبياء لا تجوز عليهم كبيرة ولا صغيرة ولا سهو في شيء من الدين ولا ينسون شيئا من الأحكام وعلى هذا سائر الإمامية إلا من شذ منهم. مفهوم السلطة والقيادة يتحدد من خلال نظرية النص التي تقتضي أن الله يحدد الفرد الأكمل على الإطلاق والا شبه بالنبي(ص) وهذا تعبير واضح عن الاستعداد لتقبل الرجل العظيم وحكمه حكم فردي يقوم على أساس إشراك الناس في مهمات الامور من دون أن يكون لهم السلطة والولاية بل الرقابة والمتابعة وفي مناقشة الآيتين الكريمتين اللتين تنصان على الشورى في القرآن الكريم ترى الشيعة أن الشورى لا تدل على الولاية أو السلطة للأمة بل أن معنى الشورى في الآيتين استكشاف الرأي اما القرار فهو للإمام وفي هذا تعبير عن الفردية واللامؤسسية.

والبيعة عند الشيعة لا تعني الحاكمية أو الموافقة على الحاكم أو قبوله بل تعني التعهد بالطاعة والتوثيق والتغليظ في المبايعة والمبايعة لا تنشئ الالتزام بل توثقه ولا تضمن الحق في اختيار الإمام بل في زيادة التعهد والثبات على من نص على ولايته"(الخضرا/ النمط/ 554).

يظهر الاقتباس رغم طوله التحول من التخريجات الفقهية إلى فقه سياسي مع الاعتراف بما نقل من ثقافات أخرى إلى الإسلام وبالأخص في مجال الدولة أو الحكومة.

وبالرجوع إلى حقبة ما قبل الإسلام (الجاهلية) التي فهم احد أوجه جهلها بان العرب انما افتقروا إلى الملك الذي يمكن أن يتخذ القرارات المفصلية في أوساط عرب الجاهلية.

وبالفعل فان العرب لا يخضعون أو يُخْضِعُون فهم كما يؤكد العلامة العراقي الراحل هادي العلوي انهم (لقاح) والشاعر الجاهلي يؤكد هذه الصفة إذ يقول.

إذا ما الملك سام الناس خسفا      أبينا نقر الذل فينا

فالملك لابد من أن يخسف الناس ووسطهم الاجتماعي في محاولة لا يجاد تدرج اجتماعي يحتل الملك قمة هرمه والعمل على التفاوت بين الأفراد نفوذا وثروة مع تغذية الصراعات التي تضمن له الاستمرار مع ما قد يمارسه من قوة وتسلط.

انتقل العرب من مرحلة اللاملك إلى الإسلام وما تركه هذا كله من صراع، إذ نجح الإسلام في المدن بدءاً في المدينة ثم تم فتح مكة الذي لا هجرة بعد فتحها.

لقد أعيد إطلاق صيغة معدلة للملكية التي أطلق عليها مؤلف النمط النبوي ـ الخليفي اسم النمط الخليفي الزعامي الذي ما لبث أن تحول إلى نمط سلطوي زعامي خضع له الناس خاصتهم وعامتهم إلى حد تصنيع صيغة حاولت فيها المماثلة (بين الحاكم والإله.

وهذا ناتج لثقافة تبريرية أريد بها أن هناك أحكاما سلطانية أو كما ورد في كتاب الماوردي أن الولايات دينية ولكن الحكم فيها سلطاني.

تلت هذا الإقرار بالولاية الدينية والحكم السلطاني تسمية الآداب السلطانية التي عملت على التأكيد على أن هذه الآداب إنما تضمنت خطأ اقصاه ـ كما يؤكد مؤلف كتاب النمط النبوي الخليفي ـ تبرير الاستبداد السياسي وحتمية استكانة الجماعة له.

وطبيعي أن مثل هذه الثقافة المبررة التي أطلقت إشكالية (دينية الولاية وسلطانية الحكم) لردم الفراغ بين النمط الحلم (النبوي ـ الخليفي) وبين النمط المتسلط الخليفي الزعامي ثم الزعامي السلطوي الذي تحول في قابل الايام إلى الاستبداد التي تبدت في الزعامات والرئاسات في تشكيل الدولة (الوطنية) لم تستفد من التجربة التاريخية التي كان لها توق لنمط مثالي نبوي خليفي وكره ولكنه تسلم لنمط زعامي سلطوي تحول إلى الاستبداد باسم ضبط ما يمكن أن يضفي إلى انفلات أمني ولكن لا يمكن أن يكون هناك ضبط واستقرار دون استبداد وهل قررنا أن نعيش نحلم بنمط ونخضع لما لا يمكن أن يصل إلى ادنى حدود الحلم الذي ظل حضوره مؤلما في مخيالنا/ ذاكرتنا الحماعية؟ لقد حاول الفكر الفقهي الشيعي السياسي أن يكون له اجتهاده في فهم وتطبيق النمط النبوي الخليفي وصل به هذا الاجتهاد إلى تطابق يكاد يكون تاما بين النمط النبوي الخليفي وبين النمط النبوي الامامي وبالاخص في سريان العصمة إلى النمط النبوي الامامي مع تقاطع تام مع ما ساد من نمط خليفي زعامي ثم سلطوي زعامي فهناك نص وتعيين ولا شرعية لكل الرايات خلا الراية الامامية لذا فهي الحرية بالانتظار.

وهذه التوجهات التي بدأت كتخريجات فقهية ثم تحولت إلى فقه سياسي انما ظلت تكرس توجهها نحو النمط النبوي الخليفي الامامي محولة اياه إلى حلم رافعة من إلهامية الفرد وعصمة قراراته في الوقت الذي تراجع فيه دور الشورى وانزوت فاعليتها إلى حد اعتبارها مجرد استشارة (Consultation) مما أبقاها في مثل هذه الحدود وحال دون تحولها إلى مؤسسة إلى المدى الذي عدت فيه غير ملزمة في مشوراتها مما حولها إلى ديكور يجمِّل الحكم ويزيد من شرعنة سلطته.

لقد ظلت العقبات التي سطرها كتاب النمط النبوي الخليفي حاضرة في واقع السياسة وممارسة عمل الدولة في العصر الحاضر الذي ازدحم بالدول والملوك والرئاسات والرؤوس الحاكمة التي تحولت مجتمعاتها السياسية (أوساطها الحاكمة) إلى صناعة أو تصنيع الفرد الملهم الذي تعدى مواصفات الكاريزما وبذلك ارتفع سقف الشخصنة (عبادة شخصية الحاكم/ الرئيس/ الملك) وتدنت مستويات المؤسسات والسياسية بالذات وربطت الخيوط وتسارعت الخطوط متصلة بالرأس فهو الدولة والدولة هو ولابد من أن يكون له حضور ( تخويف وطمع ) في كل فعل وتصرف وغابت السياقات وانحط التنظيم الاجتماعي وادخل المجتمع كل المجتمع في بيت طاعة الحاكم فهو ليس ولي الأمر وحامي دار الصالحين في مقابل دار الخارجين (المفسدين) ولكنه راعي الرعاة في الوقت الذي انحط فيه الناس إلى مادون مستوى القطيع(Herd)

لأن ولي الامر انما هو ولي من لا ولي له فاين هي الشورى وكيف يمكن بناء مؤسسات لها قواعدها في الفعل والإدارة والرأي وكلها إنما تضعف من كارزميتة والهامية الحاكم وتثلم من شخصيته وتحد من شخصيته وفردانيته في وقت أخذت فيه رياح المشاركة (التعددية) والتداول السلمي للسلطة تهب على العالم كل العالم وإلا تحملت مجتمعات اليوم وفي منطقتنا وعراقنا أخطاء حكامها التي يمكن أن تتحول إلى خطايا تدفع الشعوب (فواتيرها) عنفا وجوعا واحترابا ودما ونهبا للموارد التي لابد من أن يكون للأجيال القادمة (أجيال المستقبل) نصيب فيها لأنها قد تكون الأقدر على تحمل مسؤولية البناء شرط إلا نرحل القضايا الخلافية مع ما نرحل من تاريخ مما يساعد القادم من اجيالنا على تمزيق شرنقة المؤامرة أو إدمان الانتظار.

 

خلاصة وحلول

هذا البحث ليس تعليقا أو مراجعة لكتاب رغم اهمية وحداثة ومحاولات الاضافة في مجال التنظير للاسلام السياسي ولكن ما اثار اهتمامي هو محاولة الانطلاق نحو التنظير من فرض/ نمط وجعله خلفية يقرا وفقها ممارسات الإسلام السياسي والخاص بالدولة/ الحكومة/ السلطة.

ولكن الخلل الذي وقع فيه الكتاب أنه بدأ كأطروحة (Thesis)ثم تحول إلى كتاب يعالج إحدى أهم معوقات ثقافاتنا الراهنة وبالذات لماذا تراجعنا رغم ما مر ويمر بنا من تجارب تاريخنا الإسلامي في بناء دولة بعيدا عن الشخصنة من جهة في الوقت الذي نؤمن لها مؤسسات لها حدودها وقيودها ومسافات عملها وبذلك يمكن فك الارتباط بين الدولة واستمرارها وبين فاعلية الشخصية التي شخصنه إلى حد عبادتها وربط الدولة بها ربطا عضويا إلى حد تفكيك النظام وانهياره جزئيا أو كليا بانهيار رأس السلطة.

وتوسيعا لحال الخلل الذي وقع فيه كتاب النمط النبوي الخليفي الامامي أنه كتب كأطروحة في ثقافة الآخر في الوقت الذي تم فيه تحويله إلى كتاب ثقافة الذات إذ تم التشخيص في تراجعنا في بناء الدولة وفق ثقافة الآخر أما الحلول فقد تم تطويرها ووصفها في ثقافاتنا نفسها.

فالنمط النبوي الخليفي الامامي استمر مؤلف الكتاب باعتباره ليس مثاليا أو صيغة متكاملة وإنما هو إعجاز لا يمكن لأي مستوى من الانجاز أن يصل حتى إلى أدنى حدوده، وبذلك بدأ الفرق بل والتفاوت بين ثقافة الآخر وثقافتنا بما فيها السياسة.

فالمسافة بين الحلم (الحل المتكامل) وحلول الفعل إنما هي مسافة تقنية أو تنظيمية لذا فان الحلم يمكن أن يترجم إلى فعل دون دخول الحلم دائرة الماضي والماضوية مما قد يتسبب في الإحباط الذي يتحول إلى العنف.

اما الحلم في ثقافتنا فانه إعجاز والمسافة التي تفصله عن الفعل لا يمكن التعامل معها تقنيا أو تنظيميا لذا فهي تظل محمولة على الماضي وتدور في فلك الماضوية لذا فان الفعل/ الواقع يتدنى ويقنع بالحلول المحدودة في الوقت الذي يظل يرنو إلى تحقيق حلمه دون أن ترقى آليات الحاضر إلى مستوى تحقيق أي شكل من أشكال الحلم الذي يظل يتحدى الحاضر وفعله إذ التراجع والاستبداد.

والواقع أن الأنماط المثالية والمنفذة تحت طلب وضغط الحاضر إنما يتكرر حدوثها في اغلب ثقافات وحضارات العالم ولكن خصوصية هذه الدورة المثالية مع تكاملها، والحاضرة وقصورها وتراجعها في ثقافاتنا والسياسية بالذات هو رفع النمط المثالي إلى مرتبة الاعجاز مع توق له والشعور بعدم تكراره وتسليم بفعل الحاضر إلى حد الكره.

لذا فان كاتب النمط النبوي الخليفي الامامي إنما يطرحه بعيدا عن ماضيه وما ضويته وبذلك يمكن أن يكون النمط المثالي (الاعجازي) ضابطا ومحركا وهاديا لفعل الحاضر مما قد يسقط ازدواجية ماض تام وحاضر ناقص وتحول هذه الازدواجية إلى إشكالية تبقي الناس/ المجتمع ونخبتهم في دائرة السجال واللافعل ويظل الناس وكتلهم (جماهيرهم) في حالة من الكبت والخوف لا تجيد إلا الشكوى وانتظار انزياح الحكم والحاكم دون أن يخرج هذه الكتل الجماهيرية من ماساتها ويبقيها مرتهنة بتحقيق حلمها. وقد طرحت مقولات عمقت من ازدواجية الماضي المشرق والحاضر المعتم وحولتها إلى إشكالية قد تنعكس على مجمل العملية السياسية منها أن المبادئ المثالية تصلح لإثارة الناس ولا تصلح لإخضاعهم فهل أن صياغة مثل هذه الإشكالية راعى جانبا مهما هو أن المبادئ ومهما كانت درجة مثاليتها فانها من نواتج الفعل الإنساني ولدت ونمت ومورست في حدود الاجتماع الإنساني فكيف تصلح لإثارة الناس ولكنها لا تصلح لإخضاعهم على الرغم من أن الاجتماع الإنساني هو الذي يبني أو يلغي مثل هذه المبادئ.

والحقيقة أن المبادئ المثالية هي افراز لخيبات الحاضر والحاضر هو الذي يقرر الخضوع أو اللاخضوع لهذه المثاليات لذا فان رفع سقف هذه المبادئ المثالية إنما هي محاولة لجلد الحاضر وإبقاء وصاية الماضي قوية وسائدة عليه وهذا لا يخدم تحرير الحاضر وترك المجال له لبناء مبادئ مثالية قد لا تكون اقل شأنا لما ورث من الماضي وهناك مقولة نخبوية أخرى هي أن الخوف كان سلفا من الحكومة/ السلطة اما في الحاضر والحاضر العراقي فان الخوف من المجتمع.

وهذه الصياغة إنما وقعت في تقاطع مفاهيمي هو أن الدولة من المجتمع عهدا أو عقدا وان المجتمع للدولة مشاركة أو رقابة ثم أن الدولة تمتلك القوة وتمارس وتبرر العسف على عكس المجتمع الذي يعمل وفق التسامح والاتفاق لذا فان الفرد والمثقف بالذات يلجأ إلى المجتمع عندما يجابه بعسف الدولة.

وبذلك يكون الخوف من الدولة وسلطتها ولكنه لا يبرر أن يخاف من المجتمع إلا إذا كان الخوف من شروط فعل المثقف وأراد مثل هذا المثقف الهروب من مسؤوليته العمل مع المجتمع وللمجتمع مبررا ابتعاده عن المجتمع بأنه يخاف من المجتمع إذ يصعب عليه تحديد من يهدده ويخاف منه.

 

هذه الصياغات التي يمكن أن تعزز مبدأ النمط النبوي الخليفي الامامي (النمط المثالي) الذي قد يثير ولكنه لا يخضع فهل يعني الإخضاع للنمط السلطوي الزعامي أو نقل الخوف من الدولة إلى خوف من المجتمع وكلها تكريس تفوق الماضي على الحاضر.

لذا لابد من تفكيك هذه الإشكالية والنظر إلى التاريخ فعلاً بشرياً وليس كاحكام مغلقة تستمد مصداقيتها ليس من ماضويتها التي قد تحول التاريخ إلى حلم تظل تنزع إلى تحقيق لحاضرنا دون أن تكون على درجة من الثقة بأننا يمكن أن ننتج حاضرا مبادئ مثالية فالعصور متعاقبة والإنسان الذي حقق المثالية في السلوك سابقا يمكن أن يعيد صياغة المبادئ المثالية على شرط أن يتخلص من إيثاره مبادئ الماضي المثالية دون أن يتهم بالخضوع للحاضر.