|
ذات
المرأة
بين
الكينونة والامتلاك
أيوب شوكت
مفهوم الذات
أستخدم مصطلح الذات أو النفس (Self)للدلالة
على العامل الأساسي الذي يشرح الصفات السيكولوجية
المتداخلة والمتكاملة لدى الفرد، وكما يوضح تلك المزايا
المتشكلة بالعبارات التي يألفها الفرد والتي تدل على
شخصيته كما يدركها هو بالذات. وقد تداول اصطلاح "الذات"
علماء النفس الإنساني الذين كانوا يعنون به طبيعة تصرف
الفرد أثناء علاقاته بالآخرين. فمثلا عرّف روجرز "الذات"
أو "مفهوم الذات": على أنه أنموذج منظم ومتسق من الخصائص
المدركة "للأنا" أو "لضمير المتكلم" مع القيم المتعلقة
بهذه الرموز .(1) ويذكر العالم سيلفان بأن الذات: هي نظام
متكامل يتكون من عمليات تعالج القلق أثناء سيطرته على
الإنسان. بينما ألفريد أدلر فقد طور نظريته حول الذات
والتي تنص: بأن الذات هي نظام داخلي ذو صفة شخصية تعطي
للشخص الذي يكتنفها طابعا حياتيا مميزا. وقد وصفها يونغ:
"بأنها مركز الإنشاء الذي ينجم عنه المنظم، وهي كنواة
لجهازنا النفسي فهي تشكل الإجمالية الكلية للنفس". وهي
تتميز عن "الأنا" الذي لا يؤلف سوى جزءًا صغيرا من مجموع
النفس. أما ما يقوله العالم مورفي في كتابه "الشخصية":
بأنها مجموعة الآراء التي يحملها الشخص نفسه، غير أنه لم
يوضح كيفية تكوين هذه الآراء. بينما العلماء أصحاب النظرة
الاجتماعية، مثل جي.اج. ميد: يعد الذات بأنها شيء اجتماعي
طالما أن الإنسان هو حيوان اجتماعي يتعلم جميع مهاراته
الاجتماعية، أدواره وخبرته من المجتمع الذي يعيش فيه
وبالتالي تدخل ذاتية المجتمع الطبيعية في شخصيته
المستقلة(2).
إذن الذات هي شعور ووعي الفرد بكينونته. وإدراك الذات
عبارة عن تكوين معرفي منظم موحد ومتعلم للمدركات الشعورية
والتصورات والتعميمات الخاصة بالذات. يتمكن الفرد من
بلورتها ويجعلها تعريفا نفسيا لذاته، وغالبا ما تُحَدَد
الذات على أنها أنموذج داخلي (صورة ـ مفهوم ـ نظرية) يتكون
خلال التفاعل مع العالم. وبتكون مفهوم الذات من أفكار
الفرد الذاتية المنسقة ومحددة الأبعاد عن العناصر المختلفة
لكينونته الداخلية والخارجية، والتي تتمثل بالمدركات
والتصورات التي تخصص الذات وخصائصها، كما تظهر إجرائيا في
وصف الفرد لذاته كما يتصورها هو بـ"الذات المدركة
Perceived Self
وتحدد المدركات والتصورات ذلك الشكل الذي يعتقد أن الآخرين
يشكلونه والتي يقوم الفرد بتأطيرها من خلال التفاعل
الاجتماعي مع الآخرين "الذات الاجتماعية"Social
Self( )والمدركات والتصورات
التي تحدد الهياة أو الصورة المثالية للشخص الذي يود أن
يكون "الذات المثالية"(Ideal Self)
ووظيفة الذات وظيفة دافعية وتكامل وبلورة عالم الخبرة
المتغير الذي يوجد الفرد في وسطه. ولذا فإنه ينظم ويحدد
السلوك.
نشأة الذات
على الرغم من أن الذات تتشكل من خلال تفاعلها مع
الآخرين. إلا أنه لا يمكننا أن نتجاهل في الوقت نفسه
الجانب الشخصي والتلقائي من طبيعة الفرد الفطرية
والتكوينية، وهذا ما يميز إلى وجود قطبين أساسيين وهما
القطب الشخصي التكويني (الفردانية) والقطب الآخر
الاجتماعي. تتألف الفردانية (Individualism)
من كل ما يمتلكه الفرد من ميول ورغبات وغرائز وخصائص
بايولوجية وصفات نفسية معظم الأمور التي ترتبط بالفرد
تمكنه من أن يكون الفرد مختلفا و غير متطابق مع الآخرين.
أما البعد الثقافي-الاجتماعي فهوكل انعكاس يمكن التنبؤ به
للجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد وهو محصلة
عملية التنشئة الاجتماعية(Socialization)
أو التنشئة الثقافية(Enculturation).وقد
صاغ بروم وسيلزنك ثلاث ركائز محورية من خلالها تخلق عملية
الاكتساب الثقافي ما يعرف بالذات وهي:
يخلق في الفرد من خلال التنشئة الاجتماعية او الانتقال
الثقافي ما يكون عليه أو "تصوره لذاته"، أي انه يكتسب
الفرد تصورا معينا ويجعله إطارا لذاته وذلك بتعامله مع
الآخرين له، لذلك ينمو لدى الفرد "صورة كريهة أو مؤذية
تتشكل عن الآراء التي تصوره شخصا غير مقبول فيه أو غير
محبذ بأي شيء وبالمقابل من ذلك تنبثق لديه صورة ناقصة و
غير كاملة للذات تنبثق عن الأحكام التي يصورها الآخرون عنه
على أنه "محبوب وطيب وجدير بما يستحقه". بحيث الوعي بالذات
ينبع من لقاء بالآخرين. فمن خلال لغة الحب والقبول التي
يوجهها المجتمع إلى الفرد، يستطيع من خلالها أن يدرك
كرامته الإنسانية الكاملة. فكون الطفل محبوبا من قبل
والديه والمحيط الذي يعيشه يعطيه الإمكانية لفهم ذاته في
هذا البعد. غياب الحب العميق والمؤثر للطفل يؤثر على قبوله
لذاته كشخص محبوب. إن غياب الحب وخصوصا في أيام الطفولة
يؤدي إلى حدوث اختلال كبير في توازن الشخص أثناء نموه، هذا
ما نلاحظه في معظم أسرنا العراقية، يواجه فيه الطفل ببرود
وعدم الاكتراث، وخصوصا "الأنثى" التي تتلقى معاملة قاسية
من الوالدين والأهل لمجرد كونها "أنثى"، وثقافة البلد لا
تمنح للأنثى أي استساغة تذكر بل نجد عكس ذلك. إن العديد من
حالات الانتحار واليأس في صفوف شباب وشابات عصرنا علتها
فقدان الشعور بالأهمية وتقدير الذات. يشعر الشاب خاصة
الشابة بأنها غير محبوبة من مجتمعها ولا أهمية لها وإنها
مصدر المشاكل والهموم، فتعاني الكبت والقمع لرغباتها لأن
جميع رغباتها ممنوعة، مما يدفعها إلى هذا الانغلاق واليأس
والذي يقودها في النهاية إلى الانهيار العصبي بالكامل أو
الانتحار.
ان عملية التنشئة الاجتماعية أو التثاقف تخلق في الفرد
"ذاتا مثالية أي أن يفهم ما الواجب الملقى على عاتقه لكي
يضمن استحسان الجماعة وتقديرها ومن ثم تعمل الذات المثالية
على دفع الفرد الى الامتثال للمعايير التي تخص ذلك المجتمع
تحقيقا لهذه الغاية. - وكما تشتغل عملية التنشئة الثقافية
على صياغة الذات عبر ما يعرف عنه بـ"الأنا"، ولذلك يمكن
تعريف الأنا: بأنها الوظيفة التكاملية أو الضابطة للذات
وهي بهذا المعنى تعمل على المواءمة بين ما هو للفرد وبين
ما يسنه أو يمليه عليه مجتمعه من قواعد وضوابط خلقية
وسلوكية عامة انه أقرب بالضمير وهذا يشير الى أن الشخص إذا
تقدم به العمر يبني لنفسه محددات لتحديد تصرفاته وتوجيهها
في نقطة ما، كما لو كان غيره من الأفراد يلاحظ سلوكه حتى
وان لم يخضع لمراقبة مباشرة من جانب الآخرين. فالشخصية هي
نتاج للثقافة التي اكتسبناها ونشانا تحت مظلتها، بالتالي
حددت إطارنا وهويتنا العامة والخاصة. أي بمعنى انها ذلك
التحول للمرء الذي ينقله منه بوصفه "فردا" من أفراد
المجتمع ووصولا الى صياغة المجتمع له وجعله "شخصا" يعكس
صورتها. ويعتمد ذلك بالتأكيد على قوة الثقافة التي يمتلكها
المجتمع بحوزته بوصفها عاملا أساسيا تؤثر على الذات. إذن
تكمن أهمية الثقافة بأنها تساعدنا على مفهوم "من أكون".
الثقافة في جوهرها طريقة أو أسلوب أو المنظار التي نرى من
خلالها العالم ونفسر ونفهم وندرك بها كل ما يحيطنا. ومن
خلال هذه الأساليب والطرق يتوضح سياقنا العام وتعاملنا
الخاص مع العالم الخارجي والداخلي. وقد أشار فرويد بأن
الأنا هي التي تكون الأنا العليا، عندما يكتسب ويأخذ
الصغار الكثير من والديهم ويتقمصون شخصياتهم ويستوعبون
تقاليدهم وقيمهم وعاداتهم. إنه شعوري في جوهره. وعلى الرغم
من أنه -أي الأنا العليا- أحد أجزاء الذات إلا أنه يقوم
بمهمته مستقلا تماما. فهو يسعى من اجل الكمال والمثالية
والتضحية بالذات والبطولة. وهذا الكيان الأساسي للشخصية
يكافئ الذات على أنواع السلوك المقبول، كما يخلق الشعور
بالذنب ليعاقب الذات عندما تتعارض الأعمال أو الأفكار مع
المبادئ الخلقية. وتحتل الذات (الأنا) مكانة حيوية، ففي
كلمات فرويد يقول "على الذات المسكينة... أن تخدم ثلاثة من
السادة (الأنا العليا- الهو- الواقع) كما يجب عليها ان
تقوم بكل ما في وسعها لكي توفق بين تلك الأقطاب الثلاثة.
وكلما أشتدت الصراعات كانت الطاقة النفسية المطلوبة لحل
هذه الصراعات أكبر، وتبقى الطاقة النفسية الأقل للعمليات
العقلية العليا مثل التفكير المنطقي والابتكار. ولأن الذات
الـ(الأنا) تدرك خطر التعبير عن الدوافع النفسية الفطرية،
فهي تشكو من القلق وعدم الاستقرار عندما يضغط الهو عليها
بهذه الدوافع. ولتخفيف حدة القلق يمكن للذات (الأنا) أن
تبعد هذه الدوافع عن الوعي، وتوجهها إلى أساليب مقبولة أو
تعبر عنها مباشرة. وعندما يستسلم الأنا للهو، فإن الأنا
العليا تعاقب الذات عن طريق توليد الإحساس بالذنب
والدونية. وفي محاولة التوفيق بين الهو والأنا العليا
والدوافع فإن الذات (الأنا) تنمي الحيل الدفاعية، التي هي
أنماط السلوك التي تخفف التوتر.
شعور المرأة بدونية الذات
إن الحصول على رضا الآخرين واعجابهم، هي من أبرز الحوافز
المحركة للسلوك البشري. وهذا يشير الى أن الأشخاص الذين
يمتازون بتوازن الشخصية يبتغون دائما الحصول على نظرة
اجتماعية جيدة. ويدرج الباحثون الاجتماعيون هذه الحالة
بمصطلح (الجاه الاجتماعي) (Social
Prestige)بمعنى ينكب عناية
الشخص بنيل تلك المكانة المرموقة في المجتمع، التي تبعث في
داخله شعورا يعتقد بانه عنصر فاعل وإيجابي بين أفراد
مجتمعه. وتؤكد معظم المجتمعات الإنسانية مع وجود ذلك
الاختلاف الثقافي على القيم والمعايير التي تسهم في تنمية
الشعور بالذات وتقديرها من خلال تنشئتها لأفرادها. وقد
أظهرت دراسة الأنثروبولوجيا المقارن على ان المشكلة تكمن
في درجة التوازن بين نظرة الانسان لنفسه ونظرة الآخرين
إليه. ونشاهد في مجتمعنا وخاصة في الأسر التقليدية يحرص
الفرد على سمعته ومكانته بين الذين ينتمي إليهم قرابيا
واجتماعيا. ان هذا الارتباط بين الفرد ونظرة الآخرين له
يعمل ضابطا لردع تصرفاته غير المستحبة من باب الحرص على
المكانة والأثر الطيب. ويغلب على المجتمعات النامية معاناة
الأسر فيها، خصوصا ذات المرجعيات القبلية والعشائرية من
اختلال علاقات الجنسين لصالح الذكور. ويتبين حسب ما جاء في
الابحاث الانثروبولوجية ان الرجل وسلطته وهيمنته اتخذت
صورا متعددة في مجالات الحياة السياسية والاقتصادية
والقانونية والاجتماعية إلا أنها تكون متصلة بمسألة
(الزعامة الأبوية) (Patriarchy)
ويطلق على هذه القيـم والمعايير المنحـازة للذكور بتعـبير
(الازدواجية القيمـية) (Value
Duality) ويظهر هذا الانحياز
بقدر أكبر في التقبل الاجتماعي إزاء سلوك الذكور مقارنة
بنظيراتها من سلوك الإناث. ويبدو هذا الانحياز أيضا
بالتمييز في الحقوق من حيث إن الذكور يتمتعون بامتيازات
وفرص بالكاد تمنحها الأسرة لأناثها.
تتجلى الفروقات بين الذكور والأناث منذ الطفولة المبكرة.
وذلك واضح في معظم المجتمعات التي يتقلد زعامته الرجال،
فيمنح لصغاره -أي الذكور- درجة أعلى من الرعاية الفيزيقية
والنفسية والعاطفية... ويسند قيم واعتبارات هذه المجتمعات
ومعاييرها بجانب هذا الانحياز تشرّعه وتبرره بشتى الوسائل
التي قد يصطدم بعضها بأبسط المفاهيم والمبادئ والحقائق
الموضوعية التي توصلت إليها العلوم. من الصور المثيرة لعدم
المساواة في معاملة الجنسين من الأطفال ما تتعرض له الإناث
من إهمال في العناية قياسا بالذكور، وقد يصل هذا الإهمال
درجات عالية من القسوة والحرمان. تبين بعض الدراسات
الأنثروبولوجيا التي تناولت بعض الجماعات (البنجابية) في
الهند أن نسبة وفيات الأطفال الإناث أعلى من معدلاتها بين
الذكور لأن الأسر تضاعف اهتمامها ماديا ونفسيا بالذكور من
صغارها الأمر الذي يجعل الاناث أكثر تعرضا للمرض والموت.
وتبرر هذه الجماعة محاباتها للأولاد بحقيقة أنهم يشكلون
ضمانات معيشية للأسرة لأنهم سوف يشتغلون لإعالتها في الوقت
الذي لا تشتغل فيه الفتيات. عندما تبلغ الأنثى والذكر
سن المراهقة، يبدأ الاختلاف في التعامل معهما حسب الجنس.
عندما تجد الأنثى إن ذلك المجتمع الذي تعيش فيه كل رغباتها
وطلباتها تكون ممنوعة وحريتها مقيدة، وبالمقابل تلاحظ
الذكور يمتلكون الحرية الكاملة بتلبية معظم طلباتهم
ورغباتهم جميعها مستجابة لكونه ذكرًا. يتولد حينذاك في
ذهنها حقيقة معينة عن ذاتها وهي بأنها أدنى من الذكر وإن
جنس الذكر أفضل وأسبق منها بالدرجات والمكانة. وهذا الشعور
بالدونية (الأدنى) يوحي في المرأة بعدم الثقة بالنفس
والتبعية والخضوع والكآبة واليأس، وكما تشعر عندما تلقى
الرفض وعدم الرضا لوجودها كأنثى، وإن وجودها مقتصر على
تلبية رغبات الرجل، أو مجرد جسم يملأ الفضائات الموجودة
داخل الرجل وتعمل على اكتماله. وإذا وصفت يوما بأنها
(امرأة ناجحة) في حياتها، يعتمد نجاحها على قدر عنايتها
بالمنزل وتربية الأطفال وتهيأ الطعام عند عودة الرجل من
العمل وتلبية كل رغباته واحتياجاته. أما قولنا للمرأة (غير
الناجحة) نشير إليها إلى التي لم تحقق السعادة للرجل.
والمجتمع من مستوى ثقافته ومدى نظرته للموضوع، جعل من
مكانة المرأة أدنى من مكانة الرجل. هذه الثقافة أوجدت صورة
عامة أو حقيقة وهمية بأن جنس الرجل أرقى حتى جعلت من الاله
ذكرا، وعلى المرأة لكونها خلقت من أجل الرجل أن تجد ذاتها
في ذات الرجل دون اعتبار لذاتها قيمة تذكر.
المجتمع التسويقي
تتمثل سيطرة الإنسان على الإنسان في الواقع الاجتماعي
صورا عديدة، وبالرغم من كل تغير وثورات قيمية، ما زال لها
استمرار تاريخي. وما تزال هناك ارتباط بين العقل البدائي
والعقل الحديث (التكنولوجي). بيد ان المجتمع الذي يضع
الخطط ويشرع فعلا في تحويل الطبيعة عن طريق التكنولوجيا
يغير المبادئ الأساسية للسيطرة. فالتبعية الشخصية (تبعية
العبد للسيد، والجندي للقائد، والمرأة للرجل...الخ) يحل
محلها شيئا فشيئا نوع آخر من التبعية: التبعية التي تخضع
المرء لـ"نظام أشياء موضوعي" (القوانين الاقتصادية، السوق،
الانتاج...الخ). ولأن كان "نظام الأشياء الموضوعي" من صنع
السيطرة والهيمنة ونتائجها هو الآخر، فإن السيطرة تعتمد
الآن على درجة أكبر من العقلانية، عقلانية مجتمع يدافع عن
بنيته الهرمية ويستغل في الوقت نفسه وعلى نحو أفضل باطراد
الموارد الطبيعية والفكرية ويوزع على نطاق متعاظم باستمرار
أرباح هذا الاستغلال. وإذا كان الإنسان يجد نفسه مقيدًا
على نحو متعاظم إلى جهاز الإنتاج، فأن هذه الواقعة تكشف عن
حدود العقلانية وعن قوتها المشؤومة: فجهاز الإنتاج ذاك
يؤبد النضال في سبيل الوجود، ويتجه إلى أن يجعل منه موضوعا
لمزاحمة عالمية شاملة تهدد حياة أولئك الذين يبنون ذلك
الجهاز ويستخدمونه.
"الشخصية التسويقية" تطلق على الشخص الذي يقوم بتعامل مع
ذاته كسلعة، أي ذات "قيمة تبادلية"، حيث تجعل من الإنسان
سلعة أو بضاعة في "سوق الشخصيات". وليس هناك فرق شاسع
بالتقييم بين سوق الشخصيات عن مثيلتها في سوق السلع.
الأولى تعرض الشخصيات للبيع، أما الأخيرة فتعرض السلع
للبيع. وفي كلا الحالتين قيمتهما كقيمة تبادلية ومنفعية.
إن مفردة (الاستهلاك) المتداولة في السوق هي أحد أشكال
(التملك). والتي تعد من المسلمات التي تقوم عليها
المجتمعات التي تمتلك الأسواق العالمية والوفرة الصناعية
العالية. ولأن الاستهلاك يهدئ من شدة التوتر والقلق لكون
ما يمتلكه المرء خلالها لا يمكن أخذه وانتزاعه، ولكن
العملية تدفع الشخص إلى مزيد من الاستهلاك، لأن كل استهلاك
سابق سرعان ما يفقد تأثيره الإشباعي. وهكذا تتجلى هوية
المستهلك المعاصر في الكوجيتو الجديدة: أنا موجود بقدر ما
أملك وما أستهلك.
يتركز الترويج للسلع على الميول والغرائز الجنسية بنوع
خاص. ويأخذ جانب الإثارة الجنسية محور المشاهدة في
الاعلان، لغرض التسويق. هذا ما يؤول، إلى بغية توظيف الجنس
لأهداف تجارية وبتره وتحجيمه وتسطيحه، منسجما بذلك مع ما
يتطلبه التوجه الإباحي الطاغي في بلاد الغرب، والتي يصنعها
ويدعمها الإعلان التجاري بتقنياته الواسعة والحديثة.
وحينما تحجب المرأة عن القيام بأعمال ونشاطات كثيرة
والتي من خلالها كان بامكانها البلوغ الى تحقيق الذات.
يدفع بها هذا التحجيم الى نقطة حرجة ينتابها شعور مضمونه
عدم أهميتها والتدني بتقدير الذات لفشلها في تقدمها وعدم
إنجازها وانتاجها ما تطمح به. وهكذا تترسخ فكرة لديها وهي:
إن الرجل يضاهيها في الإنتاج والقبول وتحقيق الذات لذلك
تعتقد المرأة بدونيتها ونقصها. وحالما سعت المرأة البحث
حول الطرق الكفيلة والمتاحة لكي تعوض عن ذلك أي (الإنتاجية
ضد الدونية) فلن تجد سوى استغلال جسدها والذي يعتبر نقطة
ضعف للرجل، لذلك استغلت هذه النقطة ووقع في نفس الوقت
فريسة لوهم فظيع لاعتقادها بأنها تبلغ السيطرة على الرجل
بسيطرتها على الانتاج أي عرض استغلال جسدها لكونها مرغوبة
ومثيرة جنسيا. في الواقع، يمكننا أن نسمي هذا الفعل
بـ(استلاب الذات) لأن الرجل سوف يتحكم بمظهر والهيأة التي
تبدو عليها المرأة ويحدد سلوكها بما يرغب به هو وما تمليه
عليه إرادته وذاته، دون اعتبار إرادة المرأة وذاتها ذي
قيمة تذكر.
إن نظرة مجتمع الاستهلاك إلى المرأة يحولها أو يجعل من
جسدها إلى شيء، والذي يستعمله (الإعلان) أداة ووسيلة
للترويج عن أشياء أخرى. وبالتالي إن مقتضيات السوق هو الذي
سيحدد مظهرها الجسدي لا كما تريده هي، ويُلقى جسدها كطُعم
إلى رغبات السوق والذي يسيطر عليه الرجال. فالمرأة، والحال
هذه، لم تصبح كل بل مجموعة أجزاء مما يجعلها بعيدة عن
انسانيتها، لأن الإنسان كما يقول الفيلسوف باسكال: هو كل
وليس مجموعة أجزاء. ان اختزال جسد المرأة وتحويله الى شيء
من الأشياء، بل إن هذا الجسد نفسه يجزأ إلى قطع ومناطق
اختصرت إلى مجرد حوافز للإثارة. هذا ما جاء في قول نوال
السعدواي عن المرأة، قائلة: "شكل المرأة وجمالها لا يرجع
إليها ولا يتحدد حسب إرادتها وشخصيتها. ولكن إرادة الرجل
هي التي تحدد شكل المرأة، وهي التي تغيّره من حين إلى حين
بحيث يساعد على نجاح بيع السيارات والأفلام ودهانات الوجه
ومزيلات الشعر والرائحة والصابون المعطر وغير ذلك من إنتاج
المصانع الرأسمالية. ويُسمّى شكل المرأة في هذه الحالة
"بالمودة" التي تحتل الصفحات والمجلات والصحف وشاشة
السينما والتلفزيون.
إن سيادة حضارة الذكر المستندة على هيمنة وتحكم الرجل من
جهة، وعلى الربح التجاري من الجهة الأخرى بأي نوع من
أنواعها، يفسر تحول النساء إلى أشياء أو سلع في الأسواق
التجارية. يتميز التيار الحضاري والمعاصر الذي نعيشه بسمات
وهي انه جعلت من الإنسان شيئا، كونها ارتكزت على مفهوم
الملكية. وقد أصبح قدر تقدير أي إنسان بقدر ما يملك. وهكذا
غدى المرء -على الأغلب المرأة- شيئا قابلا للامتلاك
والاستحواذ وليس شخصا كاملا ومحترما كونه ذات مستقلة وله
كينونته ووجوده القائم بحد ذاته لإنه "إنسان" ونتلمس بأن
أبلغ متعة يبلغها المرء تكمن في اقتنائه الاشخاص، نجد هذا
النمط في الجماعات التي تسود فيها جنس الرجل - كما هو
الحال في المجتمع العراقي. فباستطاعة أوضع رجل في وضعه
الفقير يكون ذا ملكية، وذلك عند ارتباط زوجته وأطفاله تحت
وصايته. وتعد عملية إنجاب الأطفال بالنسبة اليهم هي وسيلة
لامتلاك كائنات بشرية والسيطرة عليهم. والنساء أيضا بدورهن
يشعرن بنوع من الملكية الخاصة ألا وهو ملكية الصغار. وهكذا
تتكون الدائرة المنغلقة التي تشكل تراتب سيطرة جماعة على
جماعة أخرى، أي المرأة تستملك أطفالها والرجل يحق له
امتلاك الاثنين معا. إن أحوج ما نلاقيه في الحياة هو أن
تصبح الذات موضوع يبعث الشعور بالملكية. ولأن الذات تحوي
الجسد والاسم والمكانة الاجتماعية والممتلكات والصورة التي
رسمناها عن أنفسنا، والنظرة التي نسعى في أن تكون لدى
الآخرين عنا. تتبلور ذاتنا من صفات حقيقية ممتزجة
بالمهارات والمعلومات، وأخرى واهنة وزائفة بنيت من أوهام
حول النواة الحقيقية. غير أن العناية الاساسية هي ليس
بمحتوى الذات، بل الإحساس بأن الذات شيء يملكه كل منا،
وهذا الشيء يكون أساس الادراك بهويتنا. وربما تكون سمة
الملكية ذات خاصية نفسية وثقافية ومجتمعية، تلبي اشباع
حاجات نفسية ووجودية محضة -أكثر من أي شيء آخر- ألا وهي
الرغبة الشديدة في الخلود، ومن ثم كان التوجه التملكي بهذا
القدر من القوة، واعتبار الملكية ضربا من الاحساس بالوجود.
لأن وجود شيء خارج عن الذات واعتباره (موضوعا) يدفع الذات
الى الوعي بالعالم الخارجي والتعلق بهذه الأرض. ولهذا
اختلق المرء قوانين التوريث واعتبار الأبناء كإرث،
واصرارهم على خلود الشخص وتوريث أسمه عن طريق أبنائه ورفع
من قيمة شأن ذكر شجرة العائلة والأنساب. وبما إن عصرنا
يتميز بلون (مجتمع الاستهلاك)، ونعنى به كما وصفه العالم
الاجتماعي الامريكي (دافيد ريسمان) في كتابه (The
Lonely Crowd) قائلا:"نحيا في
زمن لم يعد يُحكى فيه عن "مدينة" أو "قرية"، بل عن تكوّم
أو تراكم أو تكتل، اذ يتلاصق ملايين من الكائنات ويعانون
العزلة، ويعيشون على مسطحة الدرج ذاتها من دون أن
يتعارفوا". وربما إن ضخامة أي مجتمع يضم بين ثناياه تنوعا
ثقافيا كبيرا، مما يؤول الى خلق العزلة، وبطبيعة الحال
يغذي هذا الوضع نزعة الاستهلاك. لأن الفرد لا يجد الوقت
الكافي لكي ما يتصل فعلا بالآخرين، كي يصغي إليهم، كي يشعر
معهم، كي يتبادل وإياهم العطاء" .
إن المشاغلة التي يحجز المرء نفسه بين حديها، تجعله يبدو
غريبا أو -على أقل تقدير-يشعر بالاغتراب اتجاه الجنس
الآخر، وكلمة (الغريب) قريبة الى مفردة (العدو)، ففي اللغة
اللاتينية مفردة (Hostis)
تفيد بأن العدو هو الغريب. وكما هو واضح في المجتمعات
المعاصرة نشاهد الفرد غريبا عن الجنس الآخر، لأنه منهمك
بقضاء حاجاته، تستأثر به رغباته الذاتية. من هنا شأن
العلاقة بين الفرد والفرد، في ظل مجتمع كهذا، أن لا تكون
علاقة تداخل ومكاشفة وتواصل، يطل بها الواحد، فعلا
وبعفوية، على الآخر، بل علاقة تَمَظهُر بين عزلتين تحاول
به كل منهما تَدرَأ عنها خطر الآخر أو أن تطوعه لمآربها.
أما من الناحية الجنسية، فالمرء الذي صاغته ثقافة
التكنولوجيا الحديثة (الآلة) كيف لا يجعل من العملية
الجنسية مجرد سياقات آلية طبيعية غريزية؟ والشخص الذي
اجتاحه فقدان المعنى للأمور التي تحيط حوله، لا يمكنه أن
يعطي معنى للفعل الجنسي، وبلوغ تحقيق الذات عند إلتقاء
الاختلاف الجنسي. هكذا يحاول الإنسان في المجتمع المعاصر
عندما يتحكم به الجزع يتقهقر انفعاليا ويحاول عبثا أن
يداوي جزعه على طريقة الطفل. فكما إن الطفل كان ينجو من
جزعه برضاعة ثدي الأم، كذلك يحاول الراشد الجزع دون جدوى
أن "يستهلك" ما أمكنه ليخرج من دوامة الجزع. وهناك أنموذج
على ذلك، وهو السلوك الشائع الذي يسلكه الكثيرون إذ يقبلون
بنهم على الطعام إذا أصيبوا بصدمة عاطفية قوية. شيء مماثل
يجري على صعيد الجنس. ولقد كتبت العالمة أوديت تيبو قائلة
:" الواقع إن في مجتمعنا المدعو بحق مجتمع "استهلاك"...
الجنس أيضا، الجنس خاصة، يُستهلك، والناس يقبلون على بيعه
وشرائه. إننا في حضارة "فميّة"، الناس فيها يبتلعون، خاصة
بعيونهم" .
المصادر
1 _ أريك فروم، الانسان بين الجوهر والمظهر، ت: سعد
زهران، سلسلة عالم المعرفة (140)، الكويت، 1989.
2- ديكن ميشيل، معجم علم الاجتماع، ت:احسان محمد الحسن،
دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980.
3-كوستلي بندلي، الجنس ومعناه الانساني، منشورات النور،
لبنان، 2000.
4- كوستلي بندلي، فتنة الاستهلاك أم فرح المشاركة،ط2،
لبنان، لبنان، 2001.
5-ليندا.ل. دافيدوف، مدخل علم النفس، ت: د. سيد الطواب و
د. محمود عمر، منشورات مكتبة التحرير، ط3، القاهرة، 1983.
|