ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الارهاب

(الايديولوجية والسلطة)

فضل عباس فرج الله

اذا كان البعض يصف العقود الاخيرة بانها عقود التحولات الكبرى في مجالات التكنولوجيا بشكل عام وتكنلوجيا المعلومات بشكل خاص وكذلك في مجال الهندسة الوراثية واكتشاف الجينيوم البشري، الى غيرها من الانجازات الكبرى التي توصلت اليها الانسانية عبر الكفاح العلمي والتكنولوجي والاقتصادي وحتى النظم والتشريعات... فأنه يحق لنا القول ان هذه العقود الاخيرة ايضاً كانت مسرحاً لتشكيل ظاهرة الارهاب ونموها بشكل ملفت وخطير حتى اصبحت الشغل الشاغل في جميع المحافل الدولية والوطنية .ومع ان المفارقة كبيرة بين التحولات السابقة والظاهرة الاخيرة وغريبة ايضاً الا انه لايسعنا إلا ان نقول أن الارهاب هو احد سمات عصرنا هذا.

ان ادراك ماهية الارهاب ومحاولة استكناه تجلياته ومعرفة اسبابه وما يدور حوله ليس بالامر اليسير ، لانه في مضاهره يكتنفه الغموض الى حدٍ ما .... فما الذي يدفع الانسان الى ان يتجه الى العنف وينهج سلوك القتل والارهاب؟ هل هو بدافع من تركيبته النفسية ام من بيئته الاجتماعية ام من منظومة القيم التي يستند اليها في عقيدته ام من غير هذا وذاك؟ اغلب الظن اننا لانستطيع حصره في زاوية دون اخرى بل يجب ان ندرسها جميعاً....

مفهوم الارهاب

لم تكن مفردة الارهاب (Terrorism) متداولة بالشكل الواسع _ كما هو المعروف حالياً_ قبل ثلاثين سنة، انما كانت تعرف ضمن نطاق محدود وتوصف بها بعض المجموعات المسلحة التي عادةً ما تكون معارضة للسلطة او النظام الحاكم في بلدٍ ما او قد يوصف بها بعض الاشخاص كما اصبحت صفةٍ ملازمة (لكارلوس) الذي عرف دولياً بانه ارهابي أو وصف بالارهابي العالمي.

الا ان مصطلح الارهاب اخذ بالاتساع من حيث الاستخدام والاطلاق والوصف... حتى اصبحت سمة الارهاب قضية رافقت التحول العالمي الكبير بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وظهور وسيادة مفهوم القطب العالمي الواحد والاقوى وهو ما افرزته صياغة اميركية جديدة عُرفت آنذاك بالنظام العالمي الجديد.اذاً لم يكن مفهوم الارهاب محدداً وواضحاً ، ولحد الآن لانستطيع تعريف الارهاب بشكل دقيق لانه موضوع متداخل واتجاهاته متعددة يصعب الالمام بها من خلال تعريف محدد. غير اننا نستطيع ان نقول بأن الارهاب بمفهوم عام استخدام العنف ضد المدنيين العُزّل من اجل الوصول الى مكاسب سياسية أو اجتماعية أو دينية معينة. وقد يطلق ايضاً على العنف الذي يستهدف السلطة الشرعية المنتخبة على اساس ان هذا النوع من العنف يقوض العقد الاجتماعي الذي بُني على وفقه نظام حكم ديمقراطي قائم على قاعدة من التمثيل الشعبي الصحيح.

ان قضية استهداف المدنيين من اجل الوصول الى مكاسب سياسية هو ابشع سمة يمكن ان تتصل او تلتصق بالارهاب ، ذلك ان الاخير اذا حاول ايجاد المبررات لتصعيد العنف ضد السلطة او الاحتلال او اية قوة مسلحة مهيمنة بدعاوى كثيرة....الاانه لايستطيع تبرير العنف ضد المدنيين العزّل ، ولهذا فأننا نرى ان الجماعات الارهابية غالباً ما تؤكد على انها انما تستهدف السلطة من خلال ضرب المدنيين وكأنها لاتريد ان تتبنى مباشرةً قتلهم ، وهي قد تعطي القضية بُعداً آخر كما في بعض الايديولوجيات الدينية التي تبرر هذا القتل لانه نوع من تعجيل الجنة للمحسن والنار للمسيء ؟!

اذاً فالعنف ضد المدنيين بغض النظر عن المبررات هو اوضح واعمق صورة للارهاب في وقتنا الحاضر....غير اننا لانغفل صوراً اخرى منه مثل الارهاب الذي تمارسه السلطة في كثير من الحالات ضد المدنيين او الخصوم السياسيين.... مما يعني ان اسم الارهاب لايقتصر على المعنى الاول اي ارهاب الجماعات المسلحة ضد المدنيين انما يمكن ان يطلق على ارهاب السلطة او ارهاب الدولة التي تستخدم العنف من اجل الحفاظ على كيانها او نموذجها الذي في الغالب ما يكون دكتاتورياً .

مما تقدم يتبين اننا سوف نتناول الأرهاب بوصفه عنفاً موجهاً ضد المدنيين بشكل عام، سواء كان يستند الى بنية دينية ايدبولوجية او الى اصول سادية ذات علاقة بالجريمة او الى نوازع سلطوية.... وهو ما يعنى ان نتقصى الواقع الأشكالي لبنية العنف عند الأنسان بشكل عام.

سيكولوجية الأرهاب

نفسياً يعتبر الأرهاب سلوكاً ناتجاً عن انفعال معين ولهذا فهو يمكن ان يكون محلاً لدراسة نفسية ما دام فعلاً سيكولوجياً للأنسان يرتبط بشكل مباشر بشخصية الفرد الذي يمارس هذا الفعل او السلوك. وتجدر الأشارة الى ان البحث النفسي انما يتناول الفرد أو سلوك الفرد الواحد لا سلوك الجماعة.... وقد يكون كذلك ولكنه حينئذ يصبح موضوعاً لعلمٍ مستقل نسبياً وهو علم النفس الأجتماعي على ان هذا الأخير هو ذاته يستمد مبادئه من اصول علم النفس الفردي الذي يتناول الشخصية الأنسانية .

وعلى اية حال فاننا إذا بحثنا دوافع سلوك العنف العدواني فاننا سوف نجد ان له تفسيرات تختلف من مدرسة نفسية الى اخرى رغم ان هذا الأختلاف لايمس جوهر القضية . فمثلاً يرى اتباع المدرسة السلوكية (اتباع واطسن) ان السلوك اياً كان ومنه سلوك العنف هو نتاج التعلم واكتساب الخبرات ، حيث يرون ان هناك منبهات في البيئة التي يعيشها الأنسان هي التي تثير الأستجابة لدى الكائن وفقاً لمتطلبات ومقتضيات هذه البيئة(1). بمعنى ان البيئة التي تكثر فيها منبهات العنف مثل الفقر والبطالة والتسلط والكبت بشتى انواعه ....هذه المنبهات وغيرها سوف تثير استجابة عنيفة او عنفية لدى الأنسان تؤدي الى سلوك مناسب لهذه الأستجابة وهو هنا العنف بمعناه العام .

غير اننا نجد في مدرسة نفسية اخرى هي مدرسة التحليل النفسي (فرويد وتلامذته ) -التي انتهجت الأستبطان كوسيلة للكشف عن الدوافع اللاشعورية عند الأنسان- تعميقاً اكبر لفكرة السلوك الأنساني وقوام شخصية الفرد إذ اعطت الصراع النفسي والعوامل اللاشعورية قيمة عظيمة في تفسير هذا السلوك .فقد اكد فرويد على ان محتويات اللاشعور الدقيقة هي التي تفعل فعلها وتؤدي بالفرد الى القيام بسلوك معين حتى من دون ان يعي مصدر هذه الدوافع. وقد اكد ان هذا الشعور يقوم على مبدأ اللذة وتتحكم فيه غريزة الموت او العدوانية(2)... ولهذا فانه لولا رقابة الضمير او الأنا الأعلى (كما يسميه) فانه سوف ينفلت ،ولهذا فان الضمير يمارس دور الرقابة على هذه الدوافع ، وقد تفتر هذه  الرقابة في بعض الأحيان ولهذا نرى أن السلوك العدواني قد يظهر عند الفرد، وتتشكل انعكاساته، وهو ما أكده فيما بعد تلميذ فرويد (الفريد ادلر) إذ أكد ميل الفرد الى الهيمنة بحيث تظهر آثار هذه الدوافع في سلوكه واضحة وجلية(3)...

نلاحظ من خلال المقارنة بين المدرستين السيكولوجيتين ان كلاً منهما اعطتنا جزءاًُ من الحقيقة حيث تبنت (السلوكية) فكرة دور البيئة في نشوء ظاهرة العنف عند الأنسان ، فيما اكدت مدرسة التحليل النفسي البعد اللاشعوري الذي تزخر به النفس الأنسانية ويقيم صراعاً حقيقياً داخلها بين مفاصل اللاشعور ، وبذلك فاننا نجد فيهما معاً تكاملاً في الرؤية من حيث تفسير سلوك العنف ....مما يعني اننا نجد ان النفس الأنسانية بطبيعتها ذات استعداد وتتوفر فيها صفات عدوانية غريزية ترتبط بمبدأ الأنانية عند الفرد ، فيما تقوم البيئة بأظهار ذلك واضحاً او اخفائه بمعنى كبته ومنعه من الخروج او تمثله في سلوك معين استجابة لنداء الأنا الأعلى حسب توصيف فرويد.

وعليه فاننا لانستطيع ان نغفل الأصل السيكولوجي للأرهاب عند الأنسان وذلك لوجود دوافع لاشعورية تدفع الأنسان الى العدوان او العنف ضد الآخرين في كثير من الأحيان ، وتبقى في هذه الحالة رقابة الأنا الأعلى او البيئة الأجتماعية فاذا استطاع هذا الفرد او تلك المجموعة من هذه الرقابة فانه بلاشك سوف يتجه الى طريق العنف والعدوان لأنه الأقرب الى تكوينه النفسي .

غير ان البحث في الاصول النفسية للارهاب لا يعني تبريره سايكولجياً على اعتبار انه يدخل ضمن تركيبة الفرد النفسية ويسيطر على لا شعوره ذلك ان غريزة العدوان ليست هي الغريزة الوحيدة في تكوين الذات ، انما هناك غرائزٌ اخرى تشاطرها اجزاء التكوين قد تكون صالحة وتتوجه الوجهة الحسنة بفعل الخبرة الاجتماعية والتربية... ومهما يقال عن ذلك فالجذر النفسي للسلوك لا يعفي صاحبه من المسؤولية القانونية امام المجتمع والبناء الاخلاقي والقيمي له ، لا سيما اذا تعلق الموضوع بالاعتداء على الآخرين العزل من دون اي مبرر له .

وبناء على ذلك فأن هذا التصنيف للاصول السيكولوجية لقضية الارهاب انما يندرج في سياق البحث عن دوافع العنف الذي قد يمارسه الانسان ضد الانسان بغض النظر عن المبررات والاسباب التي توضع  لذلك ، بل البحث ينصب على البنية النفسية وبالتحديد الدوافع اللاشعورية لهذا السلوك لا سيما اذا ما عرفنا ان اغب الارهابيين واشدهم قسوة يعتبر سلوكه الارهابي ـ كما يصفه القانون والعرف الآن ـ عملاً نبيلاً وصالحاً، ومن اجل الامةوالحفاظ على مصالحها ومكتسباتها .

سوسيولوجية الارهاب

اذا كان الغرض من دراسة سيكولوجية الارهاب هو التعرف على الاصول النفسية المتجذرة في شخصية الفرد الانساني ، والتي قد تدعوه الى انتهاج هذا السلوك او ذاك، وكان هذا البحث هاماً الى درجة اكتشاف ان السمة العدوانية او العنفية متأصلة في تركيبة الكائن اللاشعوري ...فأن البحث عن الاصول السوسيولوجية التي تدفع بالارهاب الى الظهور الى الساحة الاجتماعية لا يقل اهمية عن الاول اذا لم نقل انها تتجاوزه في الاهمية.اذ اننا نجد ان اشكالية الارهاب هي في الاساس ذات بعد اجتماعي بوصفها اخطر ظاهرة اجتماعية تواجهها المجتمعات الحديثة ذلك انها تتجاوز البعد الشخصي الى تشكيل الارهاب كحالة اجتماعية في تجمعات صغيرة او كبيرة في بعض الاحيان داخل مجتمع ما او ضمن تشكيل اجتماعي معيّن... وبالتالي فأننا نستطيع أن نقول: انها ظاهرة اجتماعية بالدرجة الاساس ويجب تفسيرها وتحليلها على وفق المباديء الاجتماعية.

لم تتبلور الدراسات الاجتماعية لظاهرة الارهاب لحد الآن لتشكل ميداناً جديداً من ميادين علم الاجتماع المتعددة مثل الاجتماع الحضري والاجتماع الديني والاجتماع الصناعي وغيرها .الا اننا نجد في الدراسات المتعلقة بميدان علم الاجتماع الجنائي ما يناسب تحليل ظاهرة الارهاب بشكل ملائم لاسيما اذا علمنا ان هذا الميدان لا يتناول نمطاً محدداً من الجرائم انما يتناول كل ما يندرج تحت هذا العنوان(الجريمة) بوصفها عنفاًمن مواطن او مجموعة مواطنين داخل البناء الاجتماعي ضد مواطن او مواطنين آخرين(4)، وعليه فتحليل الارهاب بوصفه جريمة اجتماعية ينتهي بنا الى ادراجه ضمن ميدان علم الاجتماع الجنائي .

يدرس الاجتماع الجنائي العوامل والدوافع الاجتماعية التي تؤدي الى حصول الجريمة ويتناول جوانبها المتعددة من اجل الوصول الى تحليل معمّق لظاهرة الجريمة ، وهذه العوامل كثيرة منها دور البطالة الحقيقية او المقنعة او تأثير افلام العنف او غير ذلك من قمع السلطة الحاكمة او وجود الاحتلال بأعتبار الاخيريتين ظاهرتين اجتماعيتين سياسيتين وهما من ابرز محركات نشوء الارهاب في مجتمع ما . غير اننا عند دراسة الارهاب بشكل واسع سوف نجد ان هناك مجموعة من العوامل التي تتشارك في ولادة هذه الظاهرة . ذلك ان ظاهرة اجتماعية خطيرة كالتي نـحن بصددها لا يمكن ان تحصر في زاوية معينة لانها في الواقع متشعبة و معقدة الى حدٍ كبير . ولهذا فإننا سوف نـحاول ان نلقي الضوء على مجموعة من العوامل التي نرى انها ذات صلة مباشرة بهذه الظاهرة:

أولاً : الشعور بالغبن والظلم الذي يمكن ان يسيطر على مجموعات الأرهاب حيث انها دائما تعتقد بانها مظلومة ومسلوبة الحق وتوجه اللوم الى الطرف الآخر بوصفه السبب في ذلك، ولهذا فانها لاتتورع عن القيام بأي فعل من شأنه ان يهز قواعد هذا العدد، وهو ما نراه في اغلب المجموعات المعادية لسياسية الولايات المتحدة في كل العالم وكذلك نراه في العراق عند المجموعات التي ترى انها هُمّشت في العملية السياسية. على ان هذ الشعور لايظهر الى العلن في كثير من الأحيان ولكنه يختفي وراء أقنعةاخرى اهمها الدفاع عن النفس وحماية قيم ومكتسبات الامة.

ثانياً: البيئة العنفية التي تعطي المبررات الكاملة للعنف والمتأتيةمن تربية اجتماعية قائمة على تشريع العنف كوسيلة وحيدة للحصول على مكاسب او الحفاظ على مكاسب او الدفاع عن النفس ضد اي تهديد حتى وإن كان وهمياُ....أما اساس ذلك فانه عادةً ما يكون مجموعة القيم المستمدة من الواقع القبلي او العشائري او الديني حيث ان الأخير قد يكون واجهةً اجتماعية لأكثر السلوكيات المعروفة وكمبرر مقدس لها ، كذلك فإن طول مدة الحكم الديكتاتوري قد يكون اساساً مهمّاً لنشوء بيئة عنيفة ، وهو نموذج يعيشه العراق بعد سنين طويلة من الحكم الديكتاتوري المقيت مع عدم اغفال العوامل الأخرى المتقدمة.  

 ثالثاً: الأنفعال عنفياً مع الحدث السياسي العالمي الذي يسيطر فيه عامل القوة لحسم الكثير من القضايا العالمية مما يؤدي الى ردّات فعل تندرج عملياً تحت مفهوم الأرهاب ، اذ انها وان كانت محاولة لإثبات الذات ضد الأستلاب إلاّ انها تفتقد الى الكثير من التعميق والفهم لموازين القوى وأساسيات المواجهة، مما يؤدي الى انعكاس النتائج السلبية لهذه الردات على واقع المجتمع الذي يعيش هذه الظاهرة .ذلك انها غالباً تكون متسرعة وغير مدروسة وتحيطها الكثير من الأشكاليات، اضافة الى انها لم تعِ الواقع بالشكل المناسب الذي يؤهلها للقيام بردّة فعل مناسبة وهو مايؤدي بها الى الدخول في دائرة الأرهاب .

رابعاً: ان وجود تعاطف نفسي من قبل بعض الفئات الأجتماعية مع هذه المجموعات هو مما يسهل مهمتها ويدفعها قُدُماً ، لاسيما ان هذا التعاطف لم يقتصر على الجانب النفسي بل تعداه الى الجانب المالي وقضية الأيواء وتقديم الحماية مما يعطي المسألة بُعداً أعقد، وهو ماجعل البعض يعتقد بان هناك مجتمعات هي بكاملها ارهابية ما دامت تقدم العون للأرهاب ، لان الأخير ليس هو فقط حمل السلاح انما هو الدعم والتعاطف والأيواء....

هذه بعض العوامل الأجتماعية التي تخلق ظاهرة الأرهاب وتنميها داخل مجتمع معين غير اننا لانستطيع ان نغفل عوامل اخرى يمكن ادراجها ايضاً ضمن السياق الأجتماعي وهو ما نـحاول ان نقدمه من خلال الفقرات اللاحقة بشكل اوسع.

البنية الدينية للارهاب

  تاريخياً كانت هناك شبه علاقة مستمرة بين العنف من جهة ،والتعصب الديني من جهةٍ اخرى ، ذلك ان التعصب للدين هو من اشد انواع التعصب ومن اكثرها تعقيداً ، فالمتدين بشكل عام يرى ان معتقداته وقيمه الدينية تمثل اعلى مستويات التقديس بحيث لايمكن ان يتعقل اي نوع من المساس بها الاّ انه اعتداء عليه وعلى كل مبادئه ...مما يعنى ان شرارة بسيطة يمكن ان تشعل حرباً ضروساً . وقد ياتي التعصب للعرق بالمرتبة الثانية بعد الأول ولهذا فاننا نرى ان تاريخ الحروب الأهلية في اي بلدٍ كانت لاتخرج عن الأطار الديني والعرقي . فما حصل مثلاً بين البروتستانت والكاثوليك في ايرلندا وغيرها ،وما حصل بين المسلمين والمسيحيين الصرب في البوسنه ، وما حصل في لبنان من اقتتال طائفي متعدد الأطراف وبعض ما يحصل الآن في العراق... كلها أمثلة على ضراوة الحرب او العنف الذي يُشَن بدافع ديني...

نـحن نعلم انه بقدر ما في الأديان من تسامح وسلام ومحبة وتأكيد على القيَم الأخلاقية في الحراك الأجتماعي... إلاّ اننا وجدنا في كل فترة زمنية مَنْ تنعكس عليه هذه القيم بشكل سلبي ، فعوضاً من ان تجعله مسالماً محباً للآخر يتحول الى وحش كاسر على الآخر... ولا اقول بان هذه القيم ذاتها هي التي حولت هذا الفرد الى ذلك، انما طريقة الفهم لبعض متبنيات الأديان يدفعها دافع التعصب المقيت هو الذي ينتج هذه المحصلة، فمثلاً إطلالة صغيرة على كتاب (منهاج السُنّة)  لإن تيميّة تبين انه كيف يوجّه هذا الفهم الشاذ عقلية المسلم البسيط توجيهاً كريهاً يصل الى حد التكفير وبالتالي القتل والأرهاب وهو ما نراه في اتجاه الأرهاب التكفيري الذي يُعد أسوأ إرهاب يواجه المجتمع حالياً... غير اننا في المقابل نرى القسم الأكبر من المتدينين لايستوعبون ان يتحول الدين عندهم الى حالة عنف ضد الآخر ، لاسيما مع تأثير التيارات الفكرية التجديدية المعاصرة التي حاولت ان تقدم وعياً معاصراً لفهم الدين وتؤسس للمنحنى الأيجابي في التعامل مع الآخر على وفق مبادئ الحوار الحضاري والتي توصلت اليها الأنسانية بعد عهود طويلة من الأقتتال وحروب الأستنزاف .

وعليه فلا مناص من اعتبار التعصب الديني الذي يؤدي الى العنف والأرهاب ضد الآخر هو حالة شاذة عن كل القيم الأنسانية حتى قيم الدين ذاتها . غير ان محاولة بعض المتدينين في الأطار الأسلامي التأصيل لمبدأ العنف دينياً قد تلقى رواجاً في كثير من الأتجاهات ولكنها في الواقع تفتقد الى الكثير من التمحيص والبحث وتغيب عنها الكثير من اساسيات الفهم، لا أقل انها لاتستطيع ان تبين موارد استخدام القوة او العنف ، فضلاً عن انها لاتفهم الواقع المعاصر وروح حركة العالم الآن.

ان ايجاد المبرر الديني لأي عمل عنفي او ارهابي امر ليس بالصعب ، ذلك انه يكفي لإقناع المتدين الساذج بعمل ما هو تحفيز جانب التعصب للدين عنده وسوف ترى انه ينطلق بلا هوادة ، والغريب ان هذه العاطفة كما يمكن ان تكون سلبية في حالة الأرهاب كما نشهده الآن فهي يمكن ان توجه وجهة ايجابية نـحو القيم الصالحة واحترام الآخر والتكافل الأجتماعي وغيرها من النواحي الأيجابية في حياة الناس .ولكننا نجد من يتحكم او يملك التحكم بهذه العاطفة وهم عادةً القادة الدينيين والسياسيين في كثير من الأحيان لا يوجهونها الوجهة المناسبة وبالتالي فانها سوف تتوجه من قبل الجماعات المتطرفة بالأتجاه السلبي كنتيجة للتخلي عن المسؤولية الأنسانية التي يجب ان يتحملها هؤلاء القادة السالفين وهنا احب ان أؤكد على ضرورة ان يلعب المفكر النهضوي المعاصر دوره في ايجاد التوافق بين ما هو صالح فكرياً وقيمياً وبين الواقع المعاش ، ذلك اننا بحاجة الى تاسيس نظري جديد لاينهض به الآّ مَنْ نفض غبار الماضي وقام مجدداً. والاّ فان الوضع القائم لايبشر بما هو أفضل بل انه يزداد سوءاً.

الأرهاب بوصفه ايديولوجية

قد نواجه عنفاً تقوم به مجموعات مسلحة لاتستند الى قاعدة فكرية او متبنيات ايديولوجية محددة انما تقوم بسلوكها العنفي بدوافع مختلفة قد يكون الدافع المالي او المرض النفسي المتعلق بالشعور باللذة عند الحاق الضرر بالآخرين او ما يعرف سيكولوجياً بالسادية ، او بدوافع اخرى شخصية.... وهذا النوع من العنف وان كان يسمى ارهاباً الاّ انه لايتجاوز المعنى العام للجريمة ، ولهذا فان مواجهته سوف تقتصر على الجانب الجنائي وملاحقة المجرمين الذين تغلق القضية بنهايتهم سواء بإلقاء القبض عليهم او بوسيلة اخرى تضع حداً لسلوكهم الشاذ...

غير ان العنف المؤدلج وهو الذي يستند الى قاعدة فكرية ومبادئ ومفاهيم معينة هو العنف الأخطر الذي يهدد المجتمعات الحديثة وهو الذي ينطبق عليه وصف الأرهاب بشكل دقيق، ذلك لانه في هذه الحالة لم يعد فعلاً سادياً او جرمياً اعتيادياً انما تحول الى ايديولوجية قائمة على مبدأ الأرهاب واستخدام العنف من اجل الحصول على مكاسب سياسية اجتماعية أو دينية وحتى فكرية وثقافية لاسيما اذا عرفنا ان هذه المجموعات تستهدف اقامة نموذج لدولة وقانون  وقيم اجتماعية كالتي رأينا قسماً منها في افغانستان إبان حكم طالبان لها .

ان البعد الأيديولوجي للأرهاب أصبح يشغل بال المعنيين بقضايا الأرهاب  اكثر من اي بعد آخر إذ إنك امام عقيدة يعتنقها الكثيرون تشرع القتل وتحتكم دائما الى مبدأ العنف في الوصول الى غاياتها . ولايخفى ان اغلب ايديولوجيات الارهاب تستند الى مبدأ اصولي متطرف يعتمد على الدين المتجزأ ضمن نطاق ضيق من الفهم ، وهو في الوسط الاسلامي اخذ طابع التكفير لأنه الطريقة الافضل دينياً لمحاربة (اعداء الله) والخارجين عن (الملة) ومعلوم ان مبدأ التكفير في الاسلام ليس جديداً الا انه تبلور الآن عند الجماعات الارهابية بشكل بشع ومتطرف الى ابعد الحدود... وليس غرضنا هنا ان ندخل في تفاصيل هذه المسألة واسسها وعمقها التأريخي لأن هذا مورد بحث آخر ، انما هو محاولة للتدليل عمق تأثير البعد الايديولوجي على واقع الارهاب الذي نعيشه الآن...ان هذا النموذج من الارهاب المؤدلج هو ما جعل المختصين في هذا المجال اينحون منحى التأكد إلى أن محاربة نموذج الارهاب المؤدلج لا يمكن ان تقتصر على الجانب العسكري او استخدام القوة، ذلك ان الغالب في هذا النموذج ان يتربى افراده على ان (الموت في سبيل الله) هو الطريق الاقصر والافضل الى الجنة ولقاء الاولياء والصالحين وعليه فلا معنى للتهديد بالقتل والموت عنده لانه اساساً يعتقد بضرورة موته (شهيداً)... مما يعني أن المواجهة يجب ان تتخذ جوانب اخرى الى جانب استعمال القوة من شأنها ان تجهز على الاسس العقائدية التي استندت اليها هذه المجموعات المسلحة وتسخيفها في اذهان الشباب حتى يتم تجفيف المواردالتي ترفد هذه المجموعات بالدماء الجديدة اي المقاتلين والانتحاريين وهم غالباً من المندفعين والبسطاء . ولهذا فأن موجات الفكر الجديد ومحاولات نشر الديمقراطية وحقوق الانسان وايجاد الاجواء السليمة لتربية الشباب تربية عصرية بعيداً عن الاجواء الشاذة ، كذلك تنمية الاقتصاد وحل مشكلة البطالة وغير ذلك ، كلها يمكن ان تكون اسساً من اجل تفكيك البنية الايديولوجية للارهاب وتعري الواقع السقيم الذي يخلقه ويلقي المجتمع في أتونه مستخفاً بالانسان وكل القيم الانسانية .

غير اننا لازلنا في بداية الطريق من اجل تحقيق ذلك لان التركة السياسية والاجتماعية لهذه القضية ثقيلة وكبيرة ، وعليه فأننا نـحتاج الى نهضة جديدة اذ يبدو ان محاولات النهضة في بلداننا والتي يؤرخ لها باكثر من مئة عام لم تجنِ أية مكتسبات اساسية في بناء المجتمع والدولة ، بل ما حصل يكاد ان يكون العكس من ذلك فعلى صعيد الدولة السياسية لم تنجب حركاتنا (التـحررية ) سوى انظمة ديكتاتورية مقيتة كانت ولازالت احد الاسباب الهامة في نمو وتفاقم ظاهرة الارهاب . اما اجتماعياً فأننا في الوقت الراهن نشهد تراجعاً على مستوى الوعي الاجتماعي والفكري لقضايا الواقع والتجديد والنضرة الى المستقبل... وهو ما دعم تشكيل ايديولوجيات اصولية متطرفة تتبنى العنف والفكر السلفي التكفيري لكي تعيد البناء الاجتماعي الى نقطة الصفر وليشهد اسوأحالة عرفها في تأريخه المعاصروهو ما يدعونا لمراجعه شاملة لاساسيات نهضتنا المعاصرة لنتبين الخلل او الاشكاليات التي ارجعت النهضة الى نكوص أو ردَّة سلفية...فهل كان الخلل في المنهج ام في الفكر الذي لم يستطع ان يدخل عقل الامة بينما دخلها الفكر الجامد من اوسع ابوابها. انه تحدي الفكر الجديد ويجب على المعنيين ان يقدموا الاجابات المناسبة لهذه الاسئلة التي اخذت تشغل بال المثقف العربي وتدفعه للتفكير والتساؤل حول جدوائية افكار النهضه.. او التفكير النهضوي .

الارهاب والسلطة في البلدان العربية

في ختام هذه الدراسة اود ان اتطرق الى العلاقة بين السلطة والارهاب في مجموعة البلدان التي ننتمي اليها. اذ انني غالباً ما لا افصل بين هذه السلطات وظاهرة الارهاب ، ليس على اساس ان هذه السلطة او تلك تتبنى الارهاب او بعض المجموعات الارهابية مع انه احتمال معقول و مقبول لاسيما أذا كانت نتيجة هذا التبني هي الضغط على اطراف اقليمية اخرى ، وهذا ما نرى نموذجاً له في كل دولة عربية تقريباً ، وبطبيعة الحال فان كل ذلك كان يجد تفسيراً جاهزاً هو دعم (النضال التحرري) لهذه الجماعات،فهي خارج الحدود مناضلة ولكنها ارهابية داخلها .... انما أريد ان اُبيّن من خلال جدل العلاقة هذه قضية هامّة هي ان الأرهاب الذي تمارسه السلطة عادةً على الخصوم السياسيين او المعارضين بشكل عام.... هو ارهاب مميز بكل المقاييس إذ اننا جميعاً نعرف مدى قساوة الأساليب التي تمارسها السلطة في ذلك ،اضافةً الى انه ارهاب مُشَرعن ومحمي بسلطات الدولة الثلاث بل حتى سلطتها الرابعة التي تمارس دوراً سلبياً من خلال تقديم التبريرات اللازمة لاظهار هذه الجريمة بوصفها واجباً وطنياً.

ان هذا الارهاب الذي لايسمى بأسمه دائماً هو النموذج الذي لايقل سوءاًعن النموذج المتعارف عند الجماعات المسلحة لانه ذو وجهين كلاهما بشع:الاول هو ممارسة العنف والاعدام والتهجير والابادة الجماعية وغيرها وهو نفس ما تمارسه الجماعات الارهابية بل اشد في بعض الاحيان كما في نموذج عراق صدام حسين... اما الوجه الأخر فهو ردّ الفعل تجاه هذا العنف السلطوي الذي يؤدي الى نشوء جماعات تبدأ معارضة للسلطة ولكنها قد تنتهي الى جماعات ارهابية ، ولا يمكنني ان ادعي ان هذه قاعدة عامة الا انني اريد تاكيد فكرة ان عنف السلطة غالباً ما يؤدي الى عنف مقابل لانه النتيجة الطبيعية لذلك.

ان الممارسات السلطوية للحكومات العربية الديكتاتورية كانت ولاتزال سبباً من اسباب نشوء  ظاهرة الارهاب وكذلك انتشاره الى بلدان اخرى اذ اننا وجدنا ان بعض المجموعات التي لا تستطيع مواجهة السلطة في بلدانها الاصلية تتوجه بنشاطها الارهابي الى بلدان اخرى تتوفر فيها لهم البيئة المناسبة لنموهم واستجماع قواهم وهذا ما يحدث فعلياً في العالم ، فالارهاب في اوربا وامريكا وافغانستان والعراق وغيرها... وجد الكثير من المقاتلين بل القادة المخططين والمنفذين العرب الفارين من بلدانهم ليجدوا فرصاً مناسبة في بلدان اخرى ، وما ظاهرة (المجاهدين العرب) في افغانستان الا خير دليل على هذا المعنى. وهذا بالضبط ما جعل الارهاب يوسم بالسمة العربية والاسلامية مما ادى الى نتائج سلبية انعكست على العرب والمسلمين الذين يعيشون في بلدان تعرضت للارهاب لانهم اصبحوا محل ريبة وشك...ان هذه الظاهرة الحطيرة لا يمكن ان يتحمل تبعاتها احد دون الاخر انما تجب الاشارة الى مواطن الخلل ومـحاولة ايجاد السبل الكفيلة للخروج من مأزقها الذي يضعنا على مفترق حضاري وحساس مع الشعوب الاخرى.

ولذلك فأننا نؤكد ان الارهاب هو ظاهرة خطيرة من جهة ولكنها معقدة وليست بالسهلة من جهة اخرى ، بل يكتنفها الكثير من الغموض وتحتاج الى الجلاء في كثير من خلفياتها... لذلك فأن جميع المثقفين والمعنيين بمستقبل هذه الامة يتفقون على خطورة هذه الظاهرة بوصفها المحك الحقيقي لمدى قدرة الانسان المعاصر في تجاوز هذه الاشكالية التي اصبحت طابعاً للعصر...

 

الهوامش:

1.  الجسماني، عبد علي، علم النفس وتطبقاته التربوية والاجتماعية، مكتبة الفكر العربي، بغداد 1984، ص29.

2.  داود، ليلى، مبادئ علم النفس، منشورات جامعة دمشق، 1997، ص38.

3.  علم النفس وتطبيقاته، م.س، ص246.

4.  مسلم، عدنان أحمد، محاضرات في علم الاجتماع، منشورات جامعة دمشق، ط5، 1998، ص145.