|
في إفاقة
قابيل
العنف (
مدخلاً ) لدراسة الظاهرة الاجتماعية
جمعة عبد الله
مطلك
(1)
عندما دل الغراب قابيل على ردم السوءة، بدت الرمزية
واضحة في صراع القانون الطبيعي والعقل في التنظيم، وذلك
بصورته الاولى، وهو نفس المعنى الذي اصبح محورا حتى الان
للاديان السماوية والفلسفات الوضعية والحركات الاجتماعية.
وبمعنى ما، فان السياسة تعني تطويع القوة للمعقولية. ولم
يُصِب كارل ماركس النجاح عندما صرف هذا المعنى الى اول
انسان قال هذه حدودي، فان العنف جزء من الطبيعة البشرية،
وهذه المسلمة نمت حول بداهتها وتمحورت مدن فاضلة، واديان
سماوية، ومئات الالاف من القصائد والملاحم. ومن رماد
الحروب الكونية الحديثة انبعثت عنقاء الداروينية
الاجتماعية والنيتشوية، وهيمنا على المجال السياسي
والانثربولوجي والاكاديمي، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي
اخذت المسارات تتجه نـحو صراع الحضارات وعنف العولمة.
والخلاف دائما في المنظور الذي يتم من خلاله طرح المسالة،
فقد تخلص الانسان من الجاذبية الارضية وصهر الحديد واكتشف
الـ(دي ان أي). وعندما اعلن الرئيس الاميركي السابق بنفسه
اكتشاف الخارطة الجينية على ملايين المشاهدين الذين تحلقوا
حوله وهو يتعثر بشرح أو بتفصيل ملايين المعلومات الوراثية
التي يحويها هذا الحامض الخلاصي اللغز والذي لا يرى بادق
المناظير لكنه يزلزل كل يوم وجود الانسان وحضاراته،
فالمتابعون والرئيس تراودهم فكرة الدخول على خط الخبل في
هذا اللامرئي وتعديله، قبل تغيير لون عيون الفنانات او
زيادة سرعة لاعبي كرة القدم. ولن يحزن على ذلك التغيير
كثيرا سوى عشاق مهووسون بالسوبرمان النيتشوي، وسيكون
المستقبل ليس وهما كما نظر سيغموند فرويد وهو يرى كيف يدمر
العقل منجزاته بكل هذا العنف والقوة المفرطة في اقدار
تراجيدية سيزيفية فبعد صنيع الغراب الجميل سرق بروميثيوس
النار من الالهة محاولا ستر الفضيحة التي تتسع والى الان.
لقد عصفت النار حتى بسماحة الطبيعة هذه التي نالها من
العسف ما جعلها مختلة، هائجة كثيرة الثقوب تقذف الحمم
وتفقد باستمرار طعوم ثمارها لصالح الهندسة الوراثية.
ورغم ترسخ العنف وتاصله كظاهرة مرتبطة بالطبيعة البشرية
يبقى مجال دراسته ومحفزاته وعوامل انفلاته من شرعية ما،
مرتبطا بالشكل الذي ياخذه والتمظهرات التي تسمح بها قوانين
الاجتماع البشري في الممارسة او التبرير، وسوف يغدو
التبرير بعد ذلك مؤسسة عنفية قادرة على توليد اشكال منتظمة
من العنف المتسق مع قوانين المؤسسة حتى دخول (العقلانية)
على خط التنظيم الاجتماعي كما ظهر في الغرب وانتكس هناك في
حربين عالميتين وفي ظاهرة الاستعمار. لكن المشتركات
(الفلسفية) تبقى دائما متصلة بسقوط الحق الالهي او الطبيعي
او الاثنين معا في أي عنف او تهديد بالعنف او فرض له أو من
خلاله، لمصالح ليست مشروعة، فالعنف الذي مارسته الفاشية
والنازية ضد شعوبها والعالم، يشترك في الاصول (الفلسفية)
للعنف الذي مارسه النظام البعثي الساقط في العراق، والذي
يمارسه النظام الاقليمي والعربي الان في مؤسسة العنف
التاريخي في العراق ذاته، والفوارق بين العنفين في الادوات
والاشكال والتبرير. حتى تبدو خيارات الوجود الانساني
للشعوب ـ مجال العنف وموضوعه ـ مرتبطة بحجم العنف وطاقته
وبمسيرة الناس والطبقات وصياغة الاسئلة. فكان يمكن للعرب
والمسلمين مثلا ان يخوضوا بسؤال الدولة والشرعية وسقوط
وعجز النظام التقليدي. وهي الاسئلة التي يفرضها واقعهم
ومرحلتهم التاريخية، بيد ان غمامة 11 ايلول جرفت ذلك نـحو
سؤال العنف الذي تتناولته السجاليات العراقية (تجريبيا)
وهي تغرق في بحار دمائه ومرجعيات مفاهيمه الاسلامية عكس
النخبة المصرية مثلا مع أنها لم ينلها من شظاياه إلا الشئ
اليسير. ويعود ذلك الفرق الى رسوخ مفهوم الدولة في مصر عكس
العراق. لكن الفرق في الدرجة مهما كان متسعا لا يلغي
الاشتراك بالنوع فالمراجعة والسؤال المعاصرين ليس للعنف في
حده الطبيعي بل يتجاوز ذلك بالضرورة الى مؤسساته، واعتقد
ان اخطرها على الاطلاق الان هي الدولة، وعند هذه النقطة
تبرز الحاجة لابن خلدون دائما فالدولة الوطنية العربية
الحديثة لا تملك من صفتها تلك الا قدراتها الجزئية على
تحديث البنى المادية للمجتمع وذلك لا يعني باي معنى ملامسة
اسس الشرعية التقليدية لها، ولما كانت تلك الاسس لا تنتمي
الى قيم الدولة ومخاضاتها القانونية والاخلاقية والتنويرية
التي حدثت في الغرب تحديدا فقد نشا من هذا التقاطع ظاهرة
الدولة التابعة وهي الدولة الناتجة عرضيا عن ظاهرة
الاستعمار الذي جاء محمولا على اكتاف الحداثة وتقنياتها
دون ينابيعها الثقافية والقانونية واوجد بذلك مناخات
متداخلة من الالتباس سوف تتمحور حول قدر من الاستعصاء
الوظيفي لا يمكن تبين حدوده الا بكثافة الغبار الناتج عن
سقوط البرجين ليبدا على اثره تاريخاً ليس جديدا، بمعنى
الانتزاع والانشاء، بل هو مركب من تداخل تواريخ مختلفة لم
تحسم وحسابات لم تُصَفَّ، وقوى اجتماعية وسياسية لم تَعرِف
موقعها بالضبط على خارطة الوطنية، ودول على وشك التحقق،
وطبقات دخلت منافي النفط وعقائد اسلمها التاويل لنفس
الابار... الخ.
والخلل الجسيم الذي سكن مفارقة الدولة الحديثة الشرقية؛
ان الدولة التي تحتكر العنف تغيرت في الغرب بعد عصر النهضة
والثورات الدستورية، الى شرعنة هذا العنف ومأسسته، عاقدة
بذلك صفقة مع المجتمع تتميز بالشفافية والوضوح وقوة
الالزام القانوني والاخلاقي، وغدا امر العنف بهذا المعنى
الدولتي توافقيا وطوعيا بين الدولة والمجتمع والثقافة
السياسية والقانونية العامة؛ الامر الذي يمنع تحول ذلك
العنف الى اداة للاقصاء او المحافظة على امتيازات طبقية او
اجتماعية بنفس الوقت الذي يمنع تحوله نـحو غرائزية سادية
كما هو في المسالة الشرقية بفعل الجرعة الزائدة اولا. ثم
الانفلات من قيود شرعية معقولة وشفافة ثانيا.
ثم ان فكرة الاستقلال والسيادة النابعتين اساسا من
كينونة الدولة القومية في الغرب تحولت في الشرق الاسلامي
محصلة سهلة لاحتكار المزيد من العنف وتسويقه لاحقا تحت
شرعة منظمة دولية أنشأها السادة المنتصرون واعطوا انفسهم
حقوق السيادة كاملة بالفيتو وغيره، وتركوا للعبيد (حرية)
السيادة على شعوبهم وحدها، ولابد لدولة الاستبداد الشرقي
من غطاء شكلي يضفي عليها شرعية متوهمة ومفهوم الشرعية
المتوهمة مرتبط هو الاخر باصل نشوء هذه الدولة وطبيعة
الهياكل الادارية البيروقراطية لمكوناتها.، فقد اثمرت
مفارقة العقل الثقافي الفاعل (العقلانية) واقعا شرقيا
شديد، التعقيد فالدولة التي أنشأها المجتمع (العقلاني)
عادت الى مواقع صراعها القديم لتصنع دولا على الجانب الاخر
تفتقد المضمون الذي انطوت عليه مسيرة الدولة في مجتمعاتها،
وضمن تداعيات عديدة لهذا النشوء، يستاثر العنف بخاصية
مركبة، وغدا ان مركبا ثالثا ناتجا عن موروث العنف القبائلي
القديم مضافا اليه او ملتبسا به او متماهيا معه عنف الدولة
الجديدة المفتقدة لمضامين التطور التاريخي الطبيعي،
فالدولة الشرقية التحديثية تفتقر داخلها وفي نسيجها العميق
لفكرة الحق والالتزام التي يحل محلها تلقائيا منطق الغصب
والالزام، وهنا يظهر العنف محورا يحدد المجال الحيوي العام
وبالذات المجال السياسي الذي سوف تتمحور حول مركزيته كل
مجالات الحياة الاخرى واذا كان الاستبداد يمثل الركيزة
والقاعدة الرئيسية للمجال السياسي فان فائضا (تأريخيا) من
العنف سوف يجعل منه ليس ناتجا عرضيا عن فقدان الشرعية
العامة وانما ايضا واساسا كمركب لعنف تاريخي وحداثي مزدوج،
وقد مثلت الدولة العراقية الحديثة رمزا صارخا لهذا العنف
المركب المكون من عناصر وزارة المستعمرات البريطانية
والارث العثماني وحاجة كلا العنصرين الى "تحديث"ياخذ شكل
الدولة دون ان يمس عصبها في فكرة الحق والقانون، ونستطيع
تبين مسارات فيض العنف التاريخي ليس باعتباره قادما من
الغاب فقط، وانما مزدانا بحلية الشرعية الدينية التي
اكتسبها بعد الفتح الاسلامي، وبقيت بهذا المستوى والدرجة
من التغطية والتبرير لفعل الاستبداد، ابتداءا من عصر
الانقلاب الاموي حتى هذه اللحظة. واذا كان الفيض التاريخي
السابق للتاويل الديني يمثل صوت الغاب المجرد، فان المرحلة
التالية هي الاكثر جدارة بالوقوف عند اساسياتها وتبين
مساراتها الكبرى والجزئية، وصولا الى المحصلة التي جعلت من
فائض القوة والعنف التاريخي وجودا مؤسساتيا له من صفات
القداسة ما اصبح بعد ذلك يمثل ضرورة لحفظ الكيان السياسي
والاجتماعي من التفتت، بعد مداولة هذه الصيغة (بالبيضة)
فبيضة الدين تحولت الى شراسة الاستبداد وقدرته على تطويع
الثقافة، خدمة لوجوده واستئثاره. فبعد ان حدد الاستبداد
السياسي منذ وقت مبكر جدا حدود السؤال اللاهوتي، عاد هذا
الاخير وقد اكتسب ممانعة خاصة، الى صياغة سؤال الناسوت، ثم
شكلت المسارات التي اخذتها قوانين الصناعة بالدخول والسكن
في نسيج الفرد العام وتوجيه قوانين الاجتماع والتربية
والاخلاق... الخ وقد هيمنت مناخات النشاة الاولى في تحديد
عسكرة السؤال اللاهوتي وكان ضروريا البحث عن نوع من
(الشرعنة) لهذه المحصلة التي تمحورت حول الفرقة الناجية
ودار الحرب والسلام، وعندما سقط المركز العباسي (وحتى قبل
المغول) توضحت معالم الصفقة الكبرى وتابدت هيمنتها. وكان
سقوط المعتزلة ودخول العسكر التركي تتويجا ثم هيمنة لضعف
المشاركة وخيانة المثقفين. وبغداد كالعادة في المركز من كل
ذلك، ورغم ان الفقه السياسي في الاسلام اضعف ابواب الفقه
وافقرها، لكنه استطاع ردم الفجوة الانكشارية بفكرة امارات
الاستيلاء والاستكفاء.
ليس مغامرةً الحديث عن العنف المفتقد للشرعية القانونية،
خاصّة عندما يصبح بمثابة الديناميكية الذاتية او الداخلية
للمجال السياسي والاجتماعي، ولابد له بالتطاول الزمني ان
ينتقل الى الفرد والاخلاق الشخصية، وقد جاء مضمون الدولة
التحديثية متسقا مع هذا الجوهر (او بسببه). واستمرت هذه
الدولة وفية لقوانين نشوئها المعاكسة لوظيفتها كما ظهرت في
الغرب، ولم يكن الفارق كبيرا في تداول العنف وتبريره عندما
سيطرت الايديولوجيات الشمولية على الشارع والثقافة واجهزة
الدولة بعد الحرب الكونية الثانية، حتى ان مصطلح (الشارع)
غزير الدلالة على مضمون هذه الدولة وطبيعتها، حيث يحوي هذا
المفهوم الابعاد الغرائزية والبدائية للعمل السياسي. على
العكس من مفهوم (الراي العام او الشعب). ويعد شيوع مصطلح
(الشارع) حتى الان في الثقافة السياسية والادبيات العامة،
مؤشرا على الضمور المتسع في التقاليد والقيم القانونية في
فلسفة وعمل الدولة الحديثة، والذي لابد ان يفقدها ارتباطها
الشرعي والعملي بالقوى الاجتماعية وغيرها، ومن هذا الفراغ
يتسلل العنف تعبيرا عن منطق الفوضى العام، او الوجود
الطبيعي ما قبل القانوني المؤسسي، وعندما يتمكن هذا المنطق
تماما من نسيج الدولة، لا تستطيع القوى الاجتماعية الاخرى
التنفيس عن الاحتقانات التي يتسبب بها الا بالعنف المقابل،
لتكتمل حلقة مداولة العنف بين السلطة المتغلبة وحرافيش
ينتظرون نضوج القوانين الخلدونية في السلطة حتى ينقضوا على
كل شئ. ولابد للفراغ الحاصل هنا ان يستدعي محررا او فاتحا
او منقذا من نوع ما، وخلال دراما الوجود الدولتي الناقص
وكل فجائعه، لم تتخلق ـ ولأسباب مركبة ـ الثقافة النقدية
التي تفكك المسار التاريخي الذي اخذته ظاهرة الاستبداد،
وتمحور الحياة والسياسة ونظم التربية العربية والاسلامية
حولها. فبدا المشهد التداولي بالمحصلة التالية:
تمارس الدولة التحديثية اقصى درجات العنف على الافراد
والقوى السياسية والاجتماعية، ويفتقد هذا العنف الى
الشرعية القانونية والاخلاقية، بحكم طبيعة هذه الدولة
والقوى المسيطرة عليها، فيختزن الافراد والمعارضون ذات
القيم ليعيدوا انتاجها باقصى ما يستطيعون، او ما تسمح بها
ظروف الاقليم او القوى الكبرى، وبدا كل ذلك وكانه قدر مؤبد
استسلم له الناس والثقافة السياسية حتى للنخب المثقفة
ذاتها، ولم يكن كارل ماركس وحده من افزعه المشهد وتخلص من
تشوهات الوجود (الشرقي) باختراعه النمط الاسيوي للانتاج،
فقبل ذلك تحدث استاذه هيجل عن نهاية مبكرة للتاريخ، كانت
مرتبطة بنظرة الغرب الى الاخر، فالشرقيون كما يقول هيجل
»لم يتوصلوا الى معرفة ان الروح او الانسان بما هو انسان
حر ونظرا الى انهم لم يعرفوا ذلك فانهم لم يكونوا احرارا
وكلما عرفوه هو ان شخصا معينا حر ولكن على هذا الاعتبار
نفسه فان حرية ذلك الشخص الواحد لم تكن سوى نزوة شخصية
وشراسة وانفعالا متهورا وحشيا او ترويضا واعتدالا للرغبات
لا يكون هو ذاته سوى عرض من اعراض الطبيعة ومن ثم فان هذا
الشخص الواحد ليس الا طاغية ليس انسانا حرا، ولم يظهر
الوعي بالحرية اول مرة الا عند اليونان، ومن ثم فقد كانوا
احرارا لكنهم وكذلك الرومان لم يعرفوا سوى ان البعض فقط
احرار لا الانسان بما هو انسان اما الاممم الجرمانية فقد
كانت بتاثير المسيحية هي الامم التي تصل الى الوعي بان
الانسان بما هو انسان حر« وهو الامر ذاته الذي يتكرر لدى
فوكوياما مثلا عندما يسقط الاتحاد السوفييتي حيث يتحول
ميتافيزيق العقل الجرماني الهيجلي الى اقتصاد السوق
المقدس، الذي استدعى من هنتغتون تقسيم العالم المعروف الى
خمسة حضارات، اثنتان منها عنفية. وسوف يتمحور حول صراعهما
مستقبل التاريخ العالمي.
وفي اختيار لافت يورد د. غسان سلامة ثلاثة وجهات نظر في
الدولة الحديثة مما له علاقة بموضوعة العنف وارتباطه
بالشرعية المفقودة فينقل في كتابه (نـحو عقد اجتماعي عربي
جديد) رأيا للدكتور رضوان السيد يقول: »صحيح ان مجتمعاتنا
التاريخية عرفت اضطرابات عنيفة نتيجة سوء السياسة، لكن ما
تعانيه اليوم يكاد يتهدد وجودها ذاته في ظل الدولة ـ المسخ
التي ليست اسلامية وليست قومية وليست ليبرالية غربية. انها
القوة المجردة التي تريد ان تفترس المجتمع الاهلي كله أي
مجتمعها هي المفترض انها تحكمه لما فيه خيره وتقدمه وصلاحه
المستقبلي« كما ينقل عن عبد الله العروي قوله: »لقد تم
استبعاد اية نظرية اخلاقية للدولة. بينما قوة الدولة
الحقيقية تنبع من تحول الدولة الى فكرة وهذا التحول يؤسس
شرعية الدولة ويسمح لها بالمرور دون اذى باصناف الهزائم
العسكرية وازمات الاستخلاف وازمنة الفقر والعوز« فيما يعبر
النص المنقول عن استاذ الاجتماع سعد الدين ابراهيم قوله
»الوطن العربي بامتداده من المحيط الى الخليج تحكمه انظمة
خائفة مذعورة، مصدر خوفها وذعرها هو الشك المتبادل بينها
وبين شعوبها وبين بعضها الاخر وبينها وبين قوة او اكثر من
القوى الخارجية... حالة الشك والخوف والذعر هذه هي تعبير
درامي كئيب عن اهم الازمات التي تواجه الانظمة العربية وهي
ازمة الشرعية وبتعبير ادق ازمة تضاؤل الشرعية او غيابها
بتاتا في انظمة الحكم العربية الحالية« ومن الواضح ان
المستفاد من خلاصة النصوص المنقولة لم يؤشر العلاقة بين
قوانين نشوء الدولة التحديثية ووظيفتها التي لخصتها
المقتبسات الامر الذي نهض به الكاتب نفسه في مؤلفه المهم
الدولة والمجتمع في المشرق العربي الصادر عن مركز دراسات
الوحدة العربية منتصف الثمانينيات تقريبا
(2)
ولابد من وقفة واعية نقدية تقوم بها النخب والقوى
الاجتماعية والسياسية لتحديد اسباب ومسارات ضمور الشرعية
المفضية الى العنف المجاني، المفتقد للمضامين القانونية
والاخلاقية، ثم لتحديد أسباب تركز هذا العنف بكل هذا
الاتساع والعمق في الدولة التحديثية العربية، رغم بزوغ
وترسخ عصر الحريات وسيادة القانون واحترام حقوق الانسان،
ولابد لمسيرة العنف المجاني تلك ان تجد في السياسة مخرجا
لها من المازق التاريخي العام، واذا كانت مشاهد الاصلاح
والانتقال السياسيين لعموم المنطقة والعراق تحديدا ما تزال
غامضة او مشوشة حتى في وعي النخبة، فان البعد الاوليجاركي
واضح القصد والتصميم والقوة داخل ذلك المشهد الذي يفتقد
التراكم والابداع والتجديد لضعف الاصول وثقل الارث
التاريخي وغموض مرجعيات القيم في الثقافة العربية
والاسلامية، وفي الوعي العام تنصرف السياسة تلقائيا نـحو
الطائفة او المذهب او المناطقية، وبخاصة في الدول غير
المتجانسة كالعراق، اما في الدول المتجانسة فينصرف المجال
السياسي في الوعي العام نـحو قيم الدين الشعبي التي تخلقها
جماعات المصالح متكافئا بذلك مع التكوينات البدائية
المذكورة للدول غير المتجانسة. وقد عبر عن ذلك الروائي
نجيب محفوظ، في تمظهرات دين الحرافيش، في اغلب اعماله
الابداعية، ولابد ايضا من الادراك الواعي بضرورة ربط
المجال السياسي بالتعليم كاحد الينابيع الثقافية والروحية
الصانعه والمحفزة لاحساس السلام والاحترام عند المسلم
والعربي. كما ان ربط المجال التعليمي والتعليم عامة،
بالسوق يعد هو الاخر تحديا للنخب الثقافية والصفوة
السياسية المخلصة وعنوانا على قدرة الامم اوالشعوب الحية
في التعايش مع قيم الحداثة والعولمة دون الشعور بالنقص
الهوياتي او التعارض الكاذب مع الخصوصيات المحلية والدينية
لتلك الشعوب. ويبقى السؤال الاكثر خطورة واهمية عن المؤهل
من القوى الاجتماعية والدينية والطبقة صاحبة المصلحة في
احداث الانعطاف الضروري والذي نضجت ظروفه في مسيرة تاريخ
هذه الشعوب. ولابد هنا من البحث عن تحديد سبل ووسائل وصول
الفكر النقدي الذي يعين على احداث هذه النقلة وكيفية
تفاعله مع الحراك السياسي ووعي الناس حتى يتبين بعد ذلك
الفرز الضروري في الطبقات والقوى الاجتماعية والسياسية،
وحدود قدراتها في الواقع لا في ادبيات الاوهام ومطولات
التفاخر والانشاء التي تحفل بها الثقافة المتداولة
الكسيحة، ان نظم التلقي الرأسي (العمودي) في الثقافة
العربية الاسلامية وفي الحياة واجهزة الدولة، يمثل معينا
جوهريا لدورة العنف المجاني وتاصله التاريخي لانه يمنع
المجتمع من:
1. الوصول الى تفاهمات كبرى داخل الصيرورة الاجتماعية.
2. الوصول لقناعات مشتركة داخل العقد الاجتماعي.
3. الوصول لمرجعيات جماعية داخل الضمير العام.
الامر الذي يؤدي باستمرار الى ضمور التقاليد القانونية
المؤسسة والحاضنة لفكرة الحق. فمن الواضح ان دورة العنف
وشدته الان تعني استنفاذه، وقواه الاجتماعية، لذروة
الاستحقاق التاريخي، وليس صعبا اقامة الدليل على ان ما
يحدث الان هو استنفاذ لاستحقاق فائض العنف التاريخي
لدورته، وقراءة العنف من هذا المنظور (الدولة) قد يوفر
تفسيرا مقبولا لما يحدث في العراق فقد توفرت دولة البعث
الثانية على النموذج المثالي لخلطة العنف الدولتي كما
احتوى سقوطها على النموذج نفسه، وعندما حاولت دولة الحداثة
الغربية اصلاح (اخطاء) العقود الستة المضنية كانت هي
الاخرى بحاجة الى العنف الدولتي الذي واجهه النظام
الاقليمي والعربي بلعب كل اوراقه الدولتية حفاظا على
المركز والريع والخراج فبدت الساحة العراقية وكانها مجال
التسويات التاريخية بين فائض العنف التاريخي واستعصاء
تحولات الحداثة العربية وحاجة الغرب الى التصحيح.
الهوامش
- العقل في التاريخ ص 88 -
|