|
وسائل
الاتصال
بين تحرير
المعنى والقصد المؤدلج
مدخلا لصناعة
العنف
مزهر جاسم الساعدي
الاتصال
المعنى/ الاشتقاق
كلمة الاتصال (Commanicatian)
مشتقة في لفظها من الاصل اللاتيني (Communis)
أي(common)
ومعناه مشترك .فعندما نقوم بعملية الاتصال فنحن نحاول ان
نقيم رسالة مشتركة مع شخص او جماعة .أي اننا نحاول ان
نشترك سويا في معلومات او مواقف او افكار واحدة(1).وقد
اورد الباحثون كما هو الحال في معظم المفاهيم مجموعة من
الحدود والتعاريف بحسب الوظيفة التي يؤديها او النظرية
التي ينطلق منها.
فقد عرف سياسيا/اقتصاديا/ اجتماعيا. وكل يقدمه على وفق
منهجه ورؤيته للنظرية الاتصالية.
وما يهمني في هذا السياق الرسالة الاتصالية السياسية
ومفهومها فقد عرف »بانه ذلك الجزء من النشاط الاتصالي الذي
تقوم به الهيئات المتخصصة في بث المعلومات والافكار
والمواقف عن الشؤون الحكومية«(2).وعرفه مختص عربي »انها
الوسائط المكتوبة والسمعية - البصرية التي تعمل على ادارة
الانطباعات التي تترسخ في اذهان الجمهور في شكل صور
واحاسيس وقناعات وتأملات على وفق ما تمليه الهيئات القائمة
على هذه الرسائل«(3).
ويلاحظ على هذين التعريفين كونهما انعكاسا لنمط اتصالي
معين واشتراكهما في وجود الهيئات القائمة على العملية
الاتصالية وتحديد الوسائل الايصالية (مكتوبة - مسموعة -
مرئية ) من دون ايراد كيفية صناعة هذه الرسائل وعلى اية
طريقة منهجية في نظم الاتصال يتم نقل الرسالة من المصدر
الى المتلقي.سيما اذا علمنا ان عملية الاتصال في حدودها
الدنيا لابد ان تتوافر على عناصر ثلاثة:
1. المصدر .
2. الرسالة.
3. الهدف (او جهة الوصول - المتلقي).
اما المصدر فيمكن ان يكون شخصا او هيأة اتصال (دار نشر
-محطة تلفازية -اذاعية)والرسالة يمكن ان تكون اشارة ذات
معنى ويمكن تفسيرها والهدف يكون الفرد او الجماعة كونه
ينصت او يشاهد او يقرأ(4).
وتحدث كل من (كولمان ومارش)عن الاطر النظرية لعناصر
الاتصال ومدى فاعليته عند توفر عناصره الخمس. وحدّداها بـ:
1. »الشخص - المتصل.
2. محتوى الرسالة او مضمونها.
3. الوسيلة المستخدمة في الاتصال.
4. المستقبل او المتصل به( المفسر).
5. الاستجابة التي يعكسها هذا المتصل«(5).
ولعل ما يميز هذا التنظير كونه يفصح عن مرسل/ متلقي /
محتوى وسيلة رابطة . والعنصر الاهم في اتمام الدورة
الاتصالية (المفسر ) وبخلافه لايمكن ان نطلق على الرسالة
بشتى مصادرها انها جزءً اتصالياً. اذ ان ثمة فارقاً ما بين
التحقق الاتصالي بعناصره واشتراطاته، وبين نقل او انتقال
الرسالة .فليس من الصحيح ان نضع النقل موضوع الاتصال.
فمرة تنتقل الرسالة من المصدر وعبر وسائلها المتعددة (
مسموعة .مقروءة ، مرئية ) غير انها لاتجد المستقبل او
محرر المعنى النهائي وبالنتيجة تفقد اهميتها في التفسير
لرموزها.
وكما تقدم فان الاتصال ليس بالضرورة ان يكون جماعيا الا
انه اذا عمل على استهداف مساحة واسعة من الاستجابة قد يكون
حقق الهدف المتوخى من وراء جهده ذاك.
وقد لايعني صاحب رسالة (المصدر) باستمرار تاثير ما ارسله
على الفرد/ الجماعة،تجدد عنايته على تحقيق الانعكاس
الاتصالي الآني (اللحظوي) كيما يرتب اثراً او استهدافاً
اخراً على وفق استراتيجية عالية في الحرفية.
واذا نظرنا الى العملية الاتصالية ككل متكامل عبر
التاريخ نرى انها لاتخرج في توجهها من ثلاث نظم (أو ثلاث
نظريات):
»1. النظرية التسلطية.
2. نظرية الحرية.
3. النظرية الشمولية«(6).
وربما انتقد هذا التقسيم من البعض ، غير ان النقد لم
يغير من افتراض وجود هذه النظريات سعة وتطبيقا حتى الان.
ولتوضيح المراد من هذه النظريات وكيفية صناعة رسائلها
نجد ان النظرية الاولى (التسلطية) تكون فيها وسائل الاتصال
والاعلام مملوكة للدولة ويصحب هذا النظام رقابة سياسية
تسلطية كما انه يعيش اوضاعا سياسية غير مستنفرة.
والنظرية الثانية تهدف لجعل وسائل الاعلام- الاتصال
(مسموعة/ مقروءة/ مرئية) ممثلة للشعب وللرقابة على الحكومة
ومستوى ادائها ومدى فاعليتها في انجاز مهامها.
والنظرية الثالثة لاتختلف عن النظرية الاولى سوى كونها
تستخدم لتحقيق اهداف حزبية بحتة.
ولقد تمخض عن استخدام هذه النظريات خزيناً فكرياً
وادراكياً وتاثيراً سلوكيا هائلا بحسب تطبيق كل منهما .
فالمجتمعات التي تؤمن بحرية الفرد ومشاركته في صنع القرار
السياسي وصياغته على شكل رسالة اتصالية، تعاملت مع مبدأ
التدفق المعلوماتي الحر .باعتبار مؤائمته لتحقيق اتصالي
ثنائي الغاية .الاول ينتج من قمة الهرم (الحكومة) او قطاع
النخب السياسية الى الجماعات التي تتبنى هذه القرارات.
والثاني القيام بحركة اتصالية معكوسة من الجماعات
المحيطة بهذه النخب الى اعلى (الحكومة).
والعملية الاتصالية والحال هذه لاتحتاج الى تقنين بل
انها تخفف من ضغوطها على الافراد والجماعات نتيجة لتقبل
استهدافاتها وتحقق هدف الاتصال.
ولست هنا معنيا بالاحاطة الكليةلهذه النظريات والنقودات
التي اثيرت حول منهجها الاتصالي(7). بقدر عنايتي بالنظرية
الاتصالية التي تعاطاها العراقيون. سلطة/ مجتمع ومدى
تاثيرها قبولاً/ رفضاً ومؤثراتها على الفرد/ الجماعة
ودورها السلبي/ الايجابي.
والمحصلة التي انتجتها في عموم البناء المجتمعي وافرازها
لمنظومة من المفاهيم التي ظلت راسخة رصيداً مرجعياً عبر
عنونة الرسائل التلاحقية بعنوان قومي/ مذهبي بغية اسباغ
هوية افتراضية افضت فيما بعد الى صراع وجودي او ( هويتي).
وباستبعاد حرية الرسائل المتدفقة (الحرة) بكونها ثنائية
الغاية كما اشرنا سابقا لم يبق لنا الا ان نتوجه الى
النظرية الاولى والثالثة ( التسلطية - الشمولية ) لنرى مدى
انطباقها على الواقع العراقي عملياوما هي الاثار التي
خلفتها عند المتلقي وما ترتب عليها من ردود الافعال فيما
بعد.
النظرية التسلطية بين المصدر و المتلقي:
ان ما كان يجري في العراق من تقنين المعلومة وادلجتها
واحكام الطوق عليها (مقروءة- مسموعة- مرئية) لايعد امرا
غريبا ولايحتاج الى العناء في البرهنة على تبني صناع
القرار لنظرية (التسلط) المعلوماتي فقد عمدت وسائل الاتصال
على ايجاد مؤثرات مستمرة واستهدافات متتابعة لقبول الخيار
الاوحد للشخصية الواحدة والايديولوجية الواحدة والبناء
الدولتي الواحد باعتبار امتلاكه الحقيقة الكلية والحلول
الناجعة دون سواه وغذي هذا الخيار بقوة واتخذ مرتكزا فكريا
صاغ فيما بعد شعاراته الاستراتيجية.
لقد نجحت وسائل الاتصال في العراق وتمكنت من تمرير
مفرداتها اللغوية القصدية وحقنها لشرائح معينة في المجتمع
لحقبة زمنية ليست بالقصيرة وعملت خلالها (غرف المصادر) على
استرجاع هذه الحقن سلوكيا وفكريا ومن ثم منهجا حياتيا
يتعاطاه الطفل كما الاستاذ الجامعي.
وفي قبالة هذا المشروع (الاتصال التسلطي ) فشلت كل
المحاولات في استبدال جزء من قاموسه الايصالي بمفردات
ودلالات اخرى ومن هنا تحديداً شاعت المعلومة او الرسالة
التي يراد لها ان تسري في لغة المجموع بغض النظر عن
مغايرتها لما يمكن ان تتصف به من الموضوعية والعلمية.
وتجمد الحراك الفكري لمجموعات معينة قصدت بلغة الخطاب
الاتصالي على وجه التحديد ونشط التلقي السلبي بارتكازه الى
المصادر المعلوماتية ذاتها في تحليل المعطيات
الاجتماعية/السياسية/ الاقتصادية.
وبالتالي استفشت لغة التنافر - الانقسام - ما بين رسالة
يراد لها صياغة تاثير محسوب وبين انفلات انساني نحو قيم
تعتقد بعض الجماعات بجدوى المحافظة عليها.
لقد كيف صانعو الاتصال ادواتهم على ذلك وتناسوا »اذا ما
قرر شخص ان يقرأ او يستمع الى رسالة فانه قد ينتقي اجزاء
معينة منها تحضي بعنايته. فالذي يحدث في الادراك
والاستيعاب ان الانسان لا يستمع او يلمس ما هو موجود وانما
يدرك ما يريد ان يستوعبه ويحدث ذلك بشكل يتوافق مع حاجاته
وقيمه وعواطفه وخبراته السابقة«(8).
لقد دأب المصدر على تمرير رسائل ممنهجة اصطف البعض مع
لغتها وعدها المعبر الحقيقي عن وجوده وهويته باعتبار قربه
من صانعي القرار ومن ثم تمثلها سلوكا .على الرغم من ادراكه
المستبطن باستحالة تبني هذه المنظومة الفكرية من عموم
افراد المجتمع فتخبط اداؤه ما بين الاقصاء والاسترضاء. فهو
في الوقت الذي يحاول ان يهمش من لم ينساق مع رسائله
وترجمتها وتفكيك رموزها وتبني مقاصدها ويتمثلها سلوكا
معلنا . يصنع اتصالا اخرا يحاول فيه اتمام عملية الاتصال
بطريقة قسرية تتسيد فيها اللغة ذاتها ومفرداتها ودلالاتها.
لذلك افرزت النظرية التسلطية المتبناة في الخطاب الحكومي
ثلاثة انواع من الاستجابة وهذه يعني تمام القصد الممنهج
الذي فككت به مكونات المجتمع وصيرته على وفق الاتي:ـ
1. اما ان يكون مستجيبا كليا للرسالة الاتصالية والعمل
على وفق معطياتها.
2. ان يكون رافضاً كلياً لرموز تلك الرسالة.
3. ان يكون توافقياً.
أما الاستجابة الأولى فتمثل الهوية الافتراضية التي لابد
من تبنيها (قومية، اسلامية) الأمر الذي حرصت الرسائل على
انبثاثه في الوسائل (المقروءة - المسموعة- المرئية) وحين
تمثلت شريحة اجتماعية هذه الأستجابة يعني تماماً اللحظة
التي تخندقت بها مع المصدر او صنّاع القرار (السلطة).
والثانية التي رفضت الرسالة فهي لا ترى في هذه الهوية ما
يشعرها بالانتماء الحقيقي اليها . اذ انها فصلت على وفق
مقاسات خاصة اريد لها ان تكون عنوانا اجنبيا دخيلا عليها.
بل انها تعتقد ان الرسائل الموجهة من المصدر (السلطة)
تحاول اذابة جذورها ومكونها الاجتماعي والعمل على الغائه
وتحطيمه لذلك حشدت جهدها في منع تفشي الرسالة في اوساطها
ومحاولة قبرها حفاظا على ديمومة فكر مكونها واعتقاداته
ونسق حياته ومن هنا بدا التضاد النفسي والسلوكي مع مراد
الرسائل الاتصالية.
وبلغة المستفز كررت الرسائل استهدافاتها عن وضوح في رؤية
(صناع القرار ) الامر الذي يعني التنبيه الى استحضار ادوات
الصد وردود الفعل العملية وربما الذهاب الى ابعد من ذلك.
انها ـ الرسائل ـ عمدت على ايجاد هذه الاستجابة
المتفاوته وكيَّف صناع القرار (المصدر) اللغة باتجاه ذلك
لانها افترضت هدفا محصورا وحاولت اسباغه على الجماعة »ومن
المهم ان نعلم ان الفرد لا ينتمي الى جماعة واحدة بل هو
ينتمي الى جماعات متعددة وربما تطغى جماعة على اخرى واذا
كانت قيم هذه الجماعات متفقة او متصالحة فاننا نتوقع غياب
الصراع وانعدامه اما اذا كانت هذه القيم في حالة صراع
وتنافر فان الفرد آنئذ يكون في موقع صراع او ضغوط
متعارضة«(9).
وبالعودة الى الرسائل المعنونة بعنوان الدولة القومية
التي افترضتها (المصادر - السلطة) نجدها تجاهلت عن قصد
جماعات لها وجودها في المكون العراقي مما اضطر هذه
الجماعات الى تكوين مثلث اتصالي متعاكس او متصادم يحفظ لها
هويتها.
فالمشكلة اذن ليست مجرد اصدار رسائل سليمة بل محاولة
اقناع الناس بها وحثهم على تمثلها وبهذا المنهج اسست للشرخ
المجتمعي واطلقت له العنان بقوة وصولا الى التمرد العلني
الذي بدوره افضى الى بذر البذرة الاولى في مسلسل العنف
السياسي.
لقد الجات الرسائل الاتصالية الاقصائية (الكرد) في
العراق على رفع السلاح لحقبة زمنية معلومة كرد فعل معلن
للحفاظ على هويتهم ووجودهم.
وكذا الحال بالنسبة إلى الرسالة العقيدية ، فانها تنقلت
في المتلقي من وحدة الهدف المفترضة الى التقسم العمدي
والسبب كونها كرست في وسائل اتصالها رسالة محدودة من دون
الالتفات والمقاربة مع المكونات الاخرى مما ادى الى نفور
هذه المكونات من لغتها وتخندقه بفضاء مذهبي اشترط وجوده
ورفع المظلمة عنه والاقرب لهذا التوصيف (الحالة الشيعية).
وهذا يدل على ان جميع الرسائل كانت مخرجة من مصدر واحد
(مصدر تسلطي ) مؤدلج وسع الهوة بين المتلقي وبينه ومن ثم
الى الحد من الوجودات المغايرة لرسالته والانتقال بحسب
التصنيف السياسي الى (المعارضة) لتحقيق وجودها على الرغم
من عدم وجود هذه المفردة في قاموس الرسائل الاتصالية
التسلطية لذلك اصبحت فيما بعد جميع الرسائل في سلة واحدة (
اثارة التوتر) او استخدام ممكنات المصدر لتثوير هذه
النتيجة.
اشكالية الانتقال من التقنين الى التدفق الحر.
ثمة بون ما بين التوصيف الاول (التقنين) للمعلومة وبين
التدفق المعلوماتي »مبدأ يقوم على ضرورة انتقال الرسالة
الاعلامية بحرية عبر الحدود القومية«(10). ولعل الانفلات
من التكميم له اثره على مستوى تلقي الافراد/ الجماعة فبعد
ان حرصت (السلطة ) على حجب ولغاء الرسائل المتضمنة حقوقا
خاصة واغراض مختلفة عن اغراضها اصبح الان بالمقدور انتاج
رسائل تجذر للمكون المنتمي اليه.
وباستعراض وسائل الاتصال في زمن التقنين (مقروءة
-مسموعة- مرئية ) نرى بوضوح ان المصدر (الحكومة)جعل
الوسائل المقروءة (صحيفة او كتاب) لاتخرج عن سياسته
وانتشار افكاره وايديولوجيته فيها على قلة الصحف المتداولة
انئذ اذ تعد بعدد اصابع اليد الواحدة(11).
اما المطبوع فلا يطبع ويوزع الا من خلال منافذ مختارة
بعناية تاخذ بنظر الاعتبار شريطا من الممنوعات والخطوط
الحمراء.
والرسالة المسموعة (الاذاعية) فهي فضلا عن امتلاك
الحكومة المطلق الها، لا تخرج برسائل مغايرة للمتبنيات
السلطوية التي يحكم البلاد على وفقها.
وظل الاعلام المرئي اسيرا ومقيدا بقرارات لجان متكررة
للفحص والسلامة الفكرية وتندر العراقيون على هذه الرسالة
كثيرا(12).
ولو اجملنا ما انتجته وسائل الاتصال في زمن (التقنين)
لوجدنا انها تكرس الهدف ذاته لتحقيق فيما بعد اشتراطات
دلالية لاتخرج من كونها تسبح في فضاء الافتراض المحض.
الافتراض في اسباغ الهوية (الوهم) وظل هذا الهاجس المحرك
الاساس في انضاج وبلورة الاتصال ويعلم القائمون على برمجة
وصناعة الرسالة انهم بذلك يحاكون واقعا خارجيا اكثر من
محاكاتهم لواقع داخلي.
ولهذا استثمر المخاطب الخارجي (الاعلام العربي) هذه
المحصلة بصناعة رسائل لا تخرج من مضمون الرسائل الداخلية
المقننة فيما بعد اذا اننا نلمس مدى التناغم التعويضي
للرسائل السلطوية باخرى عربية الصناعة والمنشأ.
ان المفسر/ المتلقي، او محرر المعنى النهائي (الفرد
العراقي) وجد فيما بعد الانفلات من الرسالة الواحدة طريقا
يعتقد انه يوصله الى بناء هوية حقيقية هوية تحفظ له
مكتسباته وتحافظ على ديمومة وجوده من دون العبث بمفردات
ناشزة تثير فيه اسباب التوتر والتخندق بحسب الانتماءات
الفرعية. ولعل الانفلات من الرسالة الواحدة قد حصل فعلا
غير ان الامر المثير ان المكونات كافة اخذت تنتج انتاجا
خاصا بها وتبثه عبر الوسائل الاتصالية كرد فعل على ما لحق
بها من تهميش او اذى فعلمت معظمها على ايجاد منافذ اتصالية
تسوق من خلالها الرسائل التي تظن انها تفصح عن اهمية هذا
المكون ومساحة تاثيره وامتداداته الخارجية والداخلية وربما
افضليته من بين المكونات الاخرى.
لقد استثمر العديد من مكونات وسائل الاتصال (مقروءة
مسموعة مرئية ) على مبدأ (حرية الاعلام) باصدار صحف خاصة
تروج لرسالة منهجية واحدة تمجد وترفع من شان ذاك المكون
وتسرف في وصف استحقاقاته ولا يختلف الحال مع الاتصال
المسموع والمرئي والاكثر من هذا تشظي المكون الواحد بحسب
ايديولوجية بامتلاك اكثر من وسيلة تضمن له تسويق خطابه ،من
دون الالتفات الى ما يحدثه ذلك الخطاب او الرسالة في احداث
تغيير نوعي لبناء المنظومة الفكرية لعموم المكون.
من هنا وقع في المحذور ذاته (الرسالة السلطوية ) التي
ادمن على قرائتها- سماعها- مشاهدتها. لقد اشتركا في ان كل
منهما استهدف في رسالته فئة معينة واظهارها بكونها الاجدر
في قيادة المكونات الاخرى لا على اساس الكفاءة والمؤهل
التقني بل على اساس الانتماء الفرعي الامر الذي هيأ للصد
وعدم القبول من الاخر.
وكأن العملية صارت تدويرية تبدأ و تنهتي بذات الاهداف
والرسائل، لقد استبدلت الآيديولوجية الواحدة بآيديولوجيات
متعددة واستبدلت الهوية المبتغاة بهويات فرعية تظهر بشكل
واضح وجلي على صدر الصفحات الاولى المقروءة والخبر الاول
المسموع واللقطة الاولى في الرسائل المرئية. وتخندق
المتلقي بحسب تحريره للرسالة. وبحساب النظرية الاتصالية ان
الوسائل نجحت في تحقيق شروطها التي اشرنا اليها في مقدمة
الكلام الا انها فشلت في توحيد مقاصدها وترتيب سياقات
اولوياتها مما كانت تشتكي منه وتظهر مظلوميتها انها
اللحظات التي تدخلها المحاذير المرفوضة انفاً.
واذا ما نظرنا الى الرسائل وهي تسير بهذا النمط والاتجاه
عندئذ ندرك الحجم الهائل من مثيراتها للاستفزاز وردود
الافعال المعاكسة.
وهذا يؤدي بدوره الى احالة اولى من الاحالات التي تسير
بالمجتمع نحو التشنج والتوتر والانشداد والتموضع الفرعي.
ولعل هذه المقدمات النفسية، مقدمة طوعية لانتاج الفعل
المحتدم او الفعل المجابه للطرف الاخر بغية الحاق الضرر به
،وهو ما يسمى بالعنف السياسي »استخدام القوة او التهديد
بالاستخدام لالحاق الضرر والاذى بالاخرين لتحقيق اهداف
سياسية«(13).
وما تقدم لا يخرج من اطار الصناعة (المحلية) للرسالة
الاتصالية وليس غريبا ان تشترك الرسالة المصنوعة (خارجيا)
بتغذية ذات الاهداف لاسيما وان لها ادواتها وتمكنها
ووسائلها التي تستطيع من خلالها ايصال ما تريد وبسرع زمنية
مذهلة ومتتابعة لا يلتقط معها المتلقي انفاسه ولا ينكر ما
لهذا التاثير من استدامة في ترسيخ مفاهيم خاصة تحاكي مكونا
معلوما ومحددا فقد صورت الرسائل الاتصالية (المرئية -
العربية) ان الوضع في العراق يتجه صوب اقصاء ذات المكون
المقصود برسائلها فعملت على استنصاره والدفاع عن وجوده
وهويته لانها ترى وبكل قوة في مكونها ذاك عمقا لا يجوز
تجاهله واهماله في صناعة الحياة السياسية.
وصورت رسائل اخرى ان ما يجري في العراق هجمة مذهلة
ومروعة للاسلام (الصحيح) وانحراف كامل للرسالة العقيدية
على يد فئة (كافرة - يستحل قتلها) لذلك كان فعل التدمير
فعلا مبررا في رسائلها وكذا الحال مع التفخيخ والقتل
العشوائي وهذا كاشف حقيقي عن ما تفتقده الرسائل الاتصالية
الموجهة على حد سوى الى الفرد/ الجماعة ، عبر نظرية التدفق
الحر من معرفة دقيقة بما يجري من متغيرات اجتماعية /
سياسية / اقتصادية . وازعم ان هذا التعميم ينطلق من
افتراضين:
1. اما تكون فعلا (المصادر ) غير مدركة لتاثير ما تنتجه
وهو احتمال مستبعد.
2. او تكون قاصدة لرسائلها وهو المرجح لكنها غير
مستوعبة بمفرداتها لحجم التاثير وما يفضي اليه.
وما يثير الامر ان الناتج من رسائل الافتراضين ما يزال
موردا خصبا لتدفق لغة الاستفزاز المستمر والاعانة على
تثوير مكامن العنف.
لقد سخرت الرسائل المتنوعة لغتها لهذا الهدف وصرحت على
انتقاء ما يؤججه عبر ارسال متواصل للرسائل (استشهادية -
اقصائية - تكفيرية - تخويفية) وهي تعلم وتدرك مسبقا وعي
المتلقي الذي تستهدفه بمعنى انها قصدت الشريحة الهشة في
المجتمع واستنهاض الفعل المحتدم في سلوكها. عندئذ تكون قد
حققت نجاحها في تغذية عقول ساكنة بما يحركها نحو فعل مقصود
(العنف) انها استطاعت تحفيز محرر المعنى على ان ينتج فعلا
تدميريا. وهكذا دارت عجلة الموت ما دام هناك من يديم
استمرار هذه العجلة.
خاتمة:
لقد مرت الرسائل الاتصالية (مسموعة - مرئية - مقروءة) في
العراق بمرحلتين:
مرحلة الرسالة الموجهة على وفق النظرية التسلطية.
مرحلة النظرية الحرة (التدفق المعلوماتي).
اما الاولى فكما تقدم انها كرست وعبر مختلف استهدافاتها
شرخا مجتمعيا هائلا كان مدخلا لصراعات مجتمعية تمثلت بـ:
أ. اثبات الهوية.
ب. الدفاع عن المكون.
ج. الاستقطاب الطائفي.
والثانية (نظرية التدفق الغير مكمم) فعملت على وفق صناعة
خاصة للرسائل الاتصالية بملاحظة منهجين:
الاول: من الداخل الى الداخل. بمعنى تدفق الرسائل من
داخل العراق الى داخل المكون الواحد او الشريحة الاجتماعية
المعنية وتغذيتها بما يجعلها اكثر تمسكا وتمترسا خلف شعار
الدفاع عن المكون والاحقية في اشغال المساحة الافتراضية من
دون الالتفات الى من تقاسمه العيش.
من الخارج الى الداخل. أي التدفق المعلوماتي المصنوع في
(مصادر) اجنبية الموجة الى شرائح معينة تستنهض فيها ذات
الموضوعات وتغذي لغة التخندق والاصطفاف.
وبملاحظة الامرين نجد انهما يوردان من مورد واحد وينتجان
انتاجا واحدا واحسب ان ليس من علاج في المدى المنظور يلوح
في الافق غير انه بحساب الممكنات. نعم يمكن. وربما يحتاج
الامر، اعادة النظر في رسائل (المصادر) وترجمتها الى رسائل
تطمين للمتلقي قد تستغرق وقتا طويلا في قبولها والتعاطي
معها. غير ان محاولة اعادة انتاج الرسائل وبث تطمينات انية
ربما يتجه بتفكير المتلقي وتحريره للمعنى وجه اخرى. تزيح
من مرجعيته مفردات قد طالما شكلت عبئا نفسيا ثقيلا عليها .
والاتجاه تدريجيا في قبول رسائل موجهة من مصادر شتى وصهرها
في بوتقة واحدة.
المصادر:
1. بدر، د. احمد ، الاتصال بالجماهير والدعاية الدولية
، دار القلم،ط1 ،1974.
2. م. ن، ص52.
3. عزي، د.عبد الرحمن ، دراسات في نظرية الاتصال، مركز
دراسات الوحدة العربية، ط2003، ص72.
4. ينظر، د. أحمد بدر، م. س، ص51.
5. عودة، د.محمود، اساليب الاتصال والتغير الاجتماعي
،ذات السلاسل،ط2، 1989، ص12.
6. بدر، د. أحمد، م. س، ص335.
7. للإفادة والتوسع ينظر، د. عبد الرحمن عزي، م. س.
8. عودة، م. س، ص69.
9. م. ن، ص71.
10. غوران هدبرو، الاتصال والتغير الاجتماعي، دار
الشؤون الثقافية،1991، ص78.
11. لم يكن في العراق سوى بضع صحف (الجمهورية، الثورة،
نبض الشباب).
12. في العراق محظة أرضية واحدة أصبحت فيما بعد فضائية
وهي الوحيدة التي يسمح لها بصناعة الرسالة المرئية.
13. توفيق إبراهيم، د.حسنين، ظاهرة العنف السياسي في
الوطن العربي ،مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1999، ص43.
|