|
العدوان
والعنف :
اضاءات
ثقافية
ا.د. قيس النوري
قسم الاجتماع - كلية الاداب
جامعة بغداد
المقدمة
لم يعديتجادل الكتاب والباحثون والمفكرون الاجتماعيون
حول تعريف الثقافة ومدى مركزية ادوارها في تشكيل شخصية
الكائن البشري نفسيا وفكريا وسلوكيا ، وعمق تاثيرها في
تصميم الميول والنزعات الذهنية والعاطفية لأعضائها . وهذا
بالطبع ينسحب على موضوع العدوان والعنف في العالم الانساني
الثقافي كما نراه اليوم وليس كما تمناه وتخيله الفلاسفة
والاخلاقيون منذ مئات بل الاف السنين . فنـحن اليوم نتعامل
مع الثقافة ليس على اساس انها تراث الماضي الغابر حسب .
إنما هي نبض الحاضر الذي يهتدي بحكمة الماضي مضافا اليها
تطلعات المستقبل . لكننا نـحتاج الى تفعيل الرؤية النقدية
التي ترى في الثقافة عناصر ايجابية واخرى سلبية وهي تسعى
الى اعادة تنظيمها وتحديثها لتجاري روح العصر وتظل ترقب
الحداثة وما بعد الحداثة دون توقف. لعل هذا التوجه يبقي
الثقافة في حالة نشاط حركي يسمح بتحليل ما فيها على انه
قابل للنقد والتحليل . وهذا يتيح المجال لمناقشة موضوع
العدوان والعنف بهذه الروحية العلمية المتفتحة .
ويبدو ان هذا الموضوع يرتبط بتوقعات البشر التي تقع في
صنفين عريضين اولهما ايجابي وثانيهما سلبي. ومن المفهوم ان
الاحداث الايجابية المتوقعة تثير شعورا بالارتياح اثناء
انتظار وقوعها .بعكس التوقعات التي تحمل تهديدا لراحتهم
واستقرارهم فإنها لاشك تولد قدرا من القلق والترقب المشدود
. من الطبيعي ان تكرار احداث العدوان في المجتمع غالبا ما
يشيع حالة من الخوف وربما الذعر والشد العصبي والنفسي لدى
السكان ، وهذا شيء مفهوم في اطار قانون السبب والنتيجة .
وتنقلب هذه الحالة الى وضع يتسم بالارتخاء العصبي والذهني
حينما تتوطد علامات السلم والامن وتتضاءل نذر العنف
والعوان .
فيما تعد الثقافة (culture)
المصدر الرئيس الذي يحدد مدى تكرار السلوك سواء كان
عدوانيا او سلميا وحيث يسود العنف والعدوان يشتد معه الخوف
والقلق وغالبا ما ينعكس ذلك على انماط الثقافة مما يجيز
القول ان بعض المجتمعات اميل للعنف والعدوان ، بينما يجنح
غيرها للسلم والتفاهم . وهكذا يكون للانماط الثقافية
الرئيسة دور فاعل في تشكيل شخصيات الشعوب والامم وفي تحديد
الميول السلوكية التي تتدرج على مدى هذه النزعة
لكن الثقافة الانسانية في عمومها تكون اميل لتوكيد
التعاون والتضامن والتآخي لاعتماد استقرارها على هذه
المبادئ . وعندما يصبح السلام هاجساً مركزيا في اجمالي
الثقافة فان الشخصية ًالمسالمة تكون النموذج الأمثل الذي
تعمل الأسرة على غرسه في شخصية ابنائها . وقد تاكدت هذه
الحقيقة منذ وقت بعيد حيث لاحظ الأنثروبولوجيون في
دراساتهم الميدانية ان بعض الشعوب التي بحثوها تفتقد
النزعة العدوانية ويغلب على افرادها ميل شديد للتعاون
ونكران الذات والتآخي ، كما هو الحال في قبيلة بويبلو
الهندية في امريكا الشمالية التي درستها (روث بندكت) (Benedict).
بينما لوحظ ان ثقافات اخرى ومنها الكواكيوتا ـ في غربي
كندا ـ تنمي في صغارها مبكراً روح التغالب والأرتياب
والأستئثار بالنجاح والتفوق على حساب مصالح بقية اعضاء
جماعتهم. مع ذلك لايجوز تصنيف الثقافات حصرياً الى هذين
الصنفين بل انها تتوزع على المدى الواقع بين هذين القطبين
، اي في الوسط الذي تتراوح عبره معدلات ماتحتويه من ميول
عدوانية .
من الملاحظ ايضاً ان العنف والعدوان في تصاعد مستمر،
خصوصاً في المجتمعات التي تحررت الى مدى بعيد من الفقر
والأمية ووفرت حكوماتها ارقى الخدمات المدنية . والأغرب من
كل ذلك ان طموح الأفراد الذي تصاعد باستمرار في تلك الدول
نحو الحياة الحرة الكريمة وجمع المال وتحقيق الذات والتطلع
نحو الجاه الأجتماعي والمركز الطبقي الرفيع قد صاحبها
ايضاً ارتفاع مطرد في ارتفاع معدلات الجرائم الدموية
ومعدلات الأنتحار قياساً بالأقطار المتخلفة والفقيرة .
مانريد قوله ان العدوان والعنف قد تصاعدت وتائرهما في
العالم المتمدن وهذه حقيقة تفرض نفسها بالرغم من عدم
منطقيتها وخروجها عن حدود المعقول . ومن حق السائل ان يسأل
هل انتشار التعليم وتضاؤل الأمية وانحسار الفقر في العالم
" المتقدم " كانت السبب وراء تفاقم العنف والنزعة
العدوانية ؟ وهل ان التسليم بذلك - لو حصل - يعني الهروب
من العقل والمعقول والعلم ، مثلما يؤشر دخول مرحلة تاريخية
جديدة تهدد بفناء البشرية بحكم خروجها عن نواميس العالم
التي تشيد بالسلام وملحقاته وترفض العدوان والعنف.
لعل ذلك الإنـحدار والتآكل في القيم الأنسانية كان
الهاجس الرئيس الذي دفع العالم الفرنسي درو كايم الى
دراسته الكلاسيكية للأنتحار والتوصل الى ربط هذه الظاهرة
(قتل النفس) بتحلل المجتمعات المتمدنة وتعرضها لآفة
الأنحدار والسقوط والتآكل الأخلاقي والأجتماعي، وهو ما
أسماه (انوميا) (Anomie
) بمعنى ان المجتمعات المتقدمة في الغرب قد حققت تقدما
كبيراً في مجالات الصناعة والأقتصاد والتكنلوجيا والعلم .
لكنها من حهة اخرى تعاني من التدهور والأنحلال وتضاؤل
الروابط الأجتماعية وتلاشي سيطرة المعايير وتفكك الأسرة
التي فقدت شرعيتها وتخلت عن ثوابتها الدينية والروحية
والأخلاقية . وهذه التراكمات في نظر دور كايم هي التي اتت
على تضامن وتماسك الأسرة والمجتمع الغربي واسهمت في تفشي
الأحباط والأنتحار .
وبصرف النظر عن المنطق الصوري او الشكلي الذي درج عليه
بعض الكتّاب والباحثين ، فان العنف والعدوان لا يأتلفان مع
وصايا الأديان والأخلاق الأنسانية الجوهرية التي تحث البشر
على حب الآخرين ومؤآخاتهم والحرص على مصلحة المجموع وتحقيق
الحد الأعلى من التماسك والتضامن بين ابناء الأمة بغية حفظ
النظام والأمن والأستقرار . لكن ديناميكية التغيير قد تخرج
الثقافة عن مسارها التقليدي والشكلي والمثالي الى مسالك
تزخر بالمفارقات والتناقضات كما حدث في المجتمعات
والثقافات الغربية في اعقاب الثورة الصناعية .في ظل هذه
التحولات لابد من ازدياد معدلات الجريمة والعدوان والعنف .
تعريفات أولية :
هناك كتّاب ومنظرون من مدارس بايلوجية وغريزية ومعرفية
حاولوا تعميق فهمنا للعدوان ، وكانت تساورهم المخاوف من
استعداد الأنسان للعنف مما اثار لديهم الشعور بالتطير من
مستقبل الجنس البشري . وبالرغم من التفاؤل حول تحقيق بعض
التقدم في دراسة هذا المحور المزدوج ( العدوان والعنف )
الأّ ان انجازات الباحثين الأجتماعيين في تحليل هذه
الظاهرة الخطيرة ما تزال محدودة .
ويعزوا البعض ضعف المنجز العلمي في هذا الخصوص الى صعوبة
دراسة العدوان مختبرياً او في الظروف الطبيعية او من خلال
تحويل العالم الأكاديمي للقفز على الحدود الفاصلة بين علم
النفس وعلم الأجتماع والفسيولوجي والأنثروبولوجيا او حتى
الفروع التي تشكل داخل كل منها .
باختصار هناك مشكلتان اضافيتان تعرقلان هذا الصنف من
البحوث هما :
1. صعوبة التوصل الى تعريف للعدوان والعنف
2. شمولية وعمومية النظريات المتعلقة بهذا الموضوع
واستحالة تفكيكها.
ولعل الخطوة المفيدة في تخفيف هذه الصعوبات هي توفير
تعريف مناسب يميز بين العدوان والغضب والكره.اذ يشير الغضب
الى حالة انفعالية تظهر في تعبيرات ملامح الوجه المصاحبة
لها . فقد يكون الفرد غضباناً دون ان يكون سلوكه تدميريا
او بالعكس . وقد يعبر الكره والعدوان عن تقييم معرفي للناس
والأحداث . من الممكن مثلاً ان يقيم الفرد جماعة معينة او
احداثاً محددة باسلوب سلبي دونما اشارة الى كونه في حالة
من الغضب في اثناء التقييم ، بالرغم من ان الأدراك
والعاطفة يترابطان في معظم الأحيان .
ويشير العدوان من ناحية اخرى الى سلوك مكشوف ، بالرغم من
ان نعت السلوك بالعدواني مايزال يثير خلافا بين الباحثين .
وهناك اقتراح تردد في الأوساط العلمية يؤكد ربط هذا
المصطلح بالأفعال التي ينتج منها أذى جسمي او ضرر في
الملكية ، مع الأتفاق على شمول التعريف للضرر النفسي الذي
يلحق بالضحية المستهدفة . تبقى مع ذلك صعوبة تحديد العدوان
غير المقصود او العرضي الذي ينطوي على ضرر ما ولكنه يكون
أرادي ويخلو من القصد المسبق .
لكننا نواجه عند محاولة تعريف العدوان والعنف مشكلة
معقدة ترتبط بطبيعة حكم القيم الأجتماعية التي يحملها
الباحث الأجتماعي .لهذا السبب قد لاتنعت الأفعال المؤذية
بالعدوان حينما تلقى قبولاً اجتماعيا (كما في حكم الأعدام
) او عندما تتوافق مع قيم الباحث والمحلل العلمي . كما
يحدث حين ما يقوم الوالد بضرب ولده لكي يجعله مطيعاً او
ليكتسب شخصية رجولية يغلب عليها التحمل الجسدي والنفسي .
في هذا المعنى تكون تسمية الفعل بالعدواني او العنيف ذات
دلالة اجتماعية وسياسية مثيرة للجدل والخلاف .
فضلا عن اصطدامنا باشكالية السعة غير العادية للأنشطة
المستهدفة من قبل المنظرين والمحللين العلميين . من ذلك
قيام فرد بطعن شخص آخر في مبارزة شخصية ، او ضرب الأم
طفلها الرضيع ، او التصرف المهين والمنفر آزاء الضيف في
حفل اجتماعي، او اعلان الحرب على بلد آخر هي كلها افعال
تطابق تعريف العدوان والعنف . لكنها من جهة اخرى افعال
وانشطة متباعدة لاتجمعها وحدة وضيفية واضحة . وبحكم هذا
التشتت يصعب اخضاع مثل هذه الأفعال الى نظرية شاملة قادرة
على تفسيرها او تحديدها كلها والمطلوب ، بناء على ذلك ان
تغطي النظريات التي تطرح عن العدوان والعنف هذه النماذج
السلوكية المتفرقة وامثالها بالرغم من اختلاف اشكالها
ثوابت العدان والعنف
نظراً لاختلاف وتعدد السلوكية لفعل العدوان تركزت
محاولات الباحثين لايجاد بعض القواسم الثابتة في تحديده .
ويكاد يجمع المحللون على الغضب والهدف المبيت كمشتركين في
هذا الفعل . وذهب البعض إلى توظيف مفهوم الانزعاج (Annoyance)
:أحد الثوابت المهمة التي تهيئ للقيام بالفعل العدواني .
بناء على تلك الثوابت والمعايير يقع العدوان في صنفيين
عريضين :
1. الأول وهو ناتج من حالة الغضب التي يفقد فيها الفرد
السيطرة على سلوكه تحت تأثيرالهياج الانفعالي الشديد
نسبياً. 2- اما الصنف الثاني فهو الذي يسبقه دافع مقصود
ويصح نعته ( العدوان القصدي) (Instrumental
Aggression) او المُبَيَّت (Premeditated).
ويحدث هذا الصنف كوسيلة لضمان بعض المكاسب البيئية او
الموضوعية التي تكاد تخلو من انفعالية الغضب أو السخط ،
كما يحدث عند الاعداد للسطو على بنك . مع ان هذا الفعل
العدواني قد لايخلو من خيط واه من العذاب النفسي او تانيب
الضمير الذي قد يشعر به اللصوص بعد قيامهم بفعل السرقة .
لكن هذا الصنف الاخير في عمومه يكاد يخلو من عنصر الغضب
والكره. لكن هذين الصنفين للعدوان والعنف ليس مستقلين
تماما عن بعضهما . بل قد يترابطان ، حيث ان التحفيز البيئي
ربما يسهم في تفعيل العدوان الانفعالي الغاضب ، على الرغم
من ان ما يحققه من مكاسب لفاعله قد ينطوي على قدر من الندم
. ويستحوذ الصنف الناتج من الحافز المبيت بصورة خاصة على
اهتمام المحللين في المجال النفسي.
وقد تم توثيق المصادر الكثيرة للعدوان القصدي في البحوث
النفسية . واتضح مع مرور الوقت ان بعض السلوك العدواني يتم
تعلمه واكتسابه اجتماعيا وذلك لدوره الفاعل في تحقيق
المكاسب البيئية او نتيجة انتشار قبول النماذج العدوانية
واتساع تقليدها ومحاكاتها. ويبرز تاثير الضغوط الهادفة
لتحقيق الخضوع للسلطة في تفاقم واتساع القسوة التي تمهد
لافعال العنف والعدوان كما اتضح من البحوث التجريبية
المختبرية (KUPER, P. 14)
لكن الغضب ما زال يستقطب جل اهتمام الباحثين المعنيين ببحث
العدوان. ان عدوان الغضب يمثل مظهرا خطيرا يرافق القسط
الاكبر من العنف وهو ما يزيد في القلق الاجتماعي. وتوحي
دراسات جرائم القتل -مثلا- بان هذا الفعل العنيف ما هو الا
استجابة لثورة الغضب العارم . وقد يكون الشخص القائم
بالفعل الدموي شديد القرب الى الضحية(زوج او اخ ) لكنه كان
فقد السيطرة على نفسه في اثناء ارتكاب الجريمة وقد يكمن
الغضب في اشكال من العنف اكثر غموضا كما يلاحظ في حالات
الاغتصاب التي يبدو فها المغتصب مدفوعا الى ايذاء الضحية
والتنفيس عما يكمن في نفسه من احباط وغضب اكثر مما يريده
من افراغ لطاقته المكبوتة. ومع ازدياد انشغال الباحثين
بالغضب، لم يغفلوا تعبيراته العاطفية والاجتماعية الاخرى
التي تظهر طبيعة السلوك في هذا السياق وقد تعرض الفلاسفة
والشعراء لهذا الموضوع، الى جانب علماء النفس التجريبيين
الذين تضاعف تركيزهم التدريجي على دراسته، خصوصا من
المنظور الظاهراتي (Phenomenological
perspective) وعلاقته بالعدوان
والعواطف في نطاق علم النفس والادراك. ويستخلص من هذه
الدراسات ان في الغضب اربعة عناصر هي البيئة ، الادراك
،الاثارة العاطفية والفسلجية ، والسلوك ، وان هذه العناصر
تتفاعل مع بعضها في شكل معقد .ويلاحظ ان البيئة والادراك
قد استحوذتا على القسط الاكبر من اهتمام المحللين خصوصا في
المجال التجريبي .ومن الطبيعي ان الغضب والعدوان الغاضب
لابد ان يسبقهما عوامل بيئية تحريضية . وتبرز نظرية
العدوان الاحباطي (Frustration -
Aggression) بوصفها الاهم بين
باقي النظريات عن هذا الموضوع. وتؤكد المعلومات الميدانية
بشكل مباشر او غير مباشر الاثار السلبية لبعض الاحداث
البيئية غير السارة او المزعجة في توليد الاحباطات المؤدية
لعدوان. من هذه الاحداث ارتفاع درجات الحرارة الى الحدود
اللاهبة والرطوبة النسبية غير المحتملة، واستمرار احتجاب
الشمس وراء الغيوم الداكنة فترات طويلة وكثافة الحشرات
المؤذية في المحيط، واستمرار العواصف المدمرة واجتايح
الروائح الكريهة لطفح المياه الثقيلة وغيرها من المنغصات
البيئية المماثلة. لاشك ان هذه الاحداث تؤثر سلبا على
الحالة النفسية والاجتماعية للناس وتضعهم في حالة من
الاحباط وما يتبعها من افعال عدوانية .لوحظ ان حالات
الانتحار في المدن ذات الطقس الغائم لفترات طويلة اعلى من
معدلاتها في المدن ذات الطقس المعتدل والمشمس معظم اشهر
السنة.
ويحتل الادراك موقعامهما من فكر الباحثين والنفسيين
الذين يوظفونه في تحليل الاحداث الاجتماعية والنفسية.
ويبدي الباحثون اهتمامهم بكيفية تقييم الناس وتفسيرهم
وتأويلهم واعادة تشكيلهم للبيئة الاجتماعية بضمنها العوامل
والاحداث البيئية السلبية.
ويستدل من دراسة كتابة مذكرات على اهمية العوامل البيئية
المزعجة والمحبطة في اثارة غضب الناس في حياتهم اليومية
فضلا عن كشف هذه العوامل لبعض حالات الغضب التي تعجز
الدراسات التجريبية والمختبيرية عن اظهارها، وهو ما يتعلق
باحداث التفاعل الشخصي .فالناس الاخرون وليس الاشياء
والاحداث غير الشخصية هي غالبا ما تجعلنا نغضب كما تبين من
البحوث المتعددة. وقد يثير غضب الشخص اصدقاء وافراد
يتمتعون بحبه واحترامه لا لشيء الا لكونهم قاموا بفعل يولد
لديه الانزعاج والنفور.
العدوان برؤية نفسية عيادية.
وصف فرويد في كتابه الموسوم (المدنية واحباطاتها )
الانسان بانه ذئب للانسان الاخر وهو يرى ان بامكاننا تلمس
النزعة العدوانية لدى الاخرين ،وهو ما قد يفسد العلاقات
بين الجيران ، ناهيك عما يسببه ذلك من هدر للطاقات .
ونتيجة للكراهية والعداوة التي قد تنشأ بصورة متبادلة بين
البشر تجد الحضارة نفسها مهددة بالتفتيت . كل ذلك يدفع
الحضارات والثقافات إلى بذل اقصى الجهود لدرء خطر الاحتراب
والاقتتال الناتج من (غرائز) العنف والعدوان التي يحملها
الانسان حسب رأي فرويد . وهي تحاول جاهدة لتجنب اخطار
العنف من خلال التنظيمات التي تتصدى لمعالجة نماذج السلوك
العدواني والمنحرف فكم من التشكيلات والتنظيمات العلاجية
النفسية والعصبية التي تستحدث في المجتمعات المتقدمة وهي
تعني بشكل واسع باعداد كبيرة من البشر الخطيرين على
استقرار وامن ووحدة المجتمع البشري . لعل هذا الخطر
العدواني الذي يتمثل في اللاشعور الإنساني يزداد ضراوة في
ظل عوامل الكبت والاغتراب والحرمان التي يتعرض لها البشر
في كثير من المجتمعات الانسانية . لعل ذلك يذكر بالمفكر
الفرنسي جان جاك روسو (وقوله المأثور) يولد الانسان حرا
ولكنه يجد نفسه مقيدا بالاغلال.
واضح ان نزعة العدوان والعنف التي لاتخلو منها الطبيعة
الانسانية لم تبق طليقة بل تدخلت الاديان والانساق
الاخلاقية للحد منها بتاكيد المبادئ الانسانية التي تحث
على حسن الجوار والامر بالمعروف والتمسك بقواعد الاخاء
والمروءة والرحمة .الى جانب المؤسسات الضبطية التي تحد من
العدون والعنف من خلال ممارسة اساليب العقاب التي يوفرها
القانون للسلطة بهدف الحد من تهديد تلك الميول التخريبية.
لكن الوسائل التربوية الاسرية والمجتمعية هي الاعمق تاثيرا
في تقليل خطر العنف والعدوان من خلال عملية التنشئة التي
تغرس المفاهيم المجتمعية الهادفة لتحصين شخصية الافراد ضد
الميول المعادية للمجتمع ومنها العنف والعدوان. ومع ان
المجتمعات التقليدية ذات الطابع القبلي والريفي تغرس في
شخصية صغارها المفاهيم والقيم التي تتشكل منها ثقافاتها
وتحدد انتماءها وولاءها لمجتمعاتها المرجعية ،لكنها من جهة
اخرى تبيح لاعضاءها ممارسة بعض اشكال العدوان ضد الجماعات
الغريبة . لاريب ان هذه الازدواجية تصطدم بالقانون الرسمي
الذي لا يفرق بين غريب وقريب وهو يطبق على المواطنين
جميعا ،وهي مهمة بالغة التعقيد وتعد جزء من بناء المواطنة
التي تعني - بين امور اخرى- اعادة بناء الشخصية لتكون
منفتحة ايجابيا على الوطن بكل مواطنية دون تفريق او تمييز
في التعامل. يبدو ان المجتمعات المتقدمة التي تأسست فيها
الدولة على أُسس برلمانية ودستورية قد حققت نجاحا كبيرا في
تشكيل النموذج الوطني الاساس الذي يجسد فيه وحدة الدولة
والشعب والوطن بكل مؤسساته. من المتوقع ان يسهم بناء
الدولة بهذا التوجه الوطني والانساني في تدعيم الوحدة
والتضامن الاجتماعي والسياسي والثقافي ويقلص النزعات
التفكيكية العدوانية التي كان تشرذم المجتمع بين الريف
والحضر احد اسبابها.
بعض عموميات العدوان:
بعد ما سلف من تعريف للعدوان والعنف وربطه بخلفياته
الاجتماعية والثقافية ، يحسن بنا ادراج اهم العموميات التي
توضح طبيعته المعقدة بجوانبها المتعددة وهي تتضمن:
1. يلاحظ ان العدوان والعنف لاينبعان من عامل الملكية
وذلك لانهما ظهرا قبل ظهور مفهوم الملكية. وتتضح هذه
الحقيقة في القصة المأساوية عن قيام قابيل بقتل اخيه هابيل
في ازمنة سادها الفقر المدقع وتخللتها المجاعات المتكررة .
لم يكن- ولو تامليا - المال والسلطة ولا الجاه الدافع وراء
ذلك القتل ولعل اصدق استنتاج يمكن استخلاصه من تلك القصة
هو نزوع الانسان الى ممارسة الشروالعدوان والعنف دون وجود
دوافع نابعة من مال او سلطة لم تتطور بعد في تلك العصور
الجاهلية التي مثلت تاريخيا طفولة الجنس البشري.
2. تضع المدنية بمؤسساتها الضابطة والموجهة للانسان
قيودا كابتة على الانسان خصوصا رغباته الجنسية الغريزية
وعدوانيته المرتبطة بها. ويرى فرويد ان الانسان في ذلك
الظرف كان شقيا قياسا بما كان عليه من ارتياح ورضا قبل
تاسيس المدنية. وقد اتخذ فرويد من المجتمع البدائي نموذجا
يظهر مدى انسجام الانسان مع انساق الحياة التي اتسمت
بعفويتها وندرة ضوابطها الجنسية وغير الجنسية حسب تصور
فرويد . لا شك أن فرويد بالغ بالحديث عن غياب القيود في
المجتمعات البدائية الأولى ، إلا أنها في الحقيقة وضعت
تحريمات أخف على العلاقات الجنسية بشكل أعطى حرية أكبر مما
منحته المجتمعات المتمدنة سابقاً . لكننا نشهد اليوم درجات
تقترب من الإباحة الجنسية في المجتمعات الغربية ، فهل
سيزيل ذلك شعور الرجال بالكبت ويمنحهم إحساساً أكبر
بالارتياح. لا شك أن هذا النمط من التحليل لا يمكن أن
يتعمق في مشكلة العنف والعدوان الذي زاد في المجتمعات
الغربية خصوصاً في صيغة جرائم القتل والانتحار. فهل
المدنية التي اتهمها فرويد بأنها السبب الذي يقف خلف العنف
والعدوان قد رفعت عنها هذه التهمه لمجرد انها زادت من
الحرية الجنسية لذكورها وأناثها . ولكن تظهر هنا مشكلة
أخرى أكثر تعقيداً وهي أن ازدياد العنف والعدوان يزداد في
الغرب جنباً الى جنب مع اتساع الحرية الجنسية بينما كان
يفترض أن يحدث العكس ، لأن فرويد ربط بين أزدياد العنف
وأزدياد الكبت الجنسي.
3. مع ما اقترحه فرويد من اتساع العنف في المجتمعات
التي تزداد فيها قيود الكبت الجنسي ، إلا انه لم يول
اهتماماً كافياً للتقاليد والقيم التي أوصت بحب الجار
للجار وشددت على وحدة الجماعة وتضامنها وتفاني الأفراد من
أجل الاخرين. ناهيك عن دور المساندة والدعم العاطفي الذي
تجاهله فرويد بالرغم من أهميته القصوى في ابعاد التوتر
والاكتئاب عن أفراد تلك المجتمعات . هذا يظهر انحياز فرويد
للجانب السلبي في التركيب العاطفي والنفسي للانسان
متجاهلاً الجوانب الايجابية المتصلة بالإرضاء العاطفي الذي
يتحقق لأعضاء تلك الجماعات من خلال قوة الروابط القرابية
والاجتماعية ودعم الطقوس الدينية لها.
4. يتحاشى فرويد مناقشة الثقافة من خلال وظيفتها لإرضاء
كل احتياجات البشر بضمنها النوازع الجنسية وفقاً لقواعد
محددة، والتي تستهدف الأفراد والأسر والمجتمعات والشعوب
والأمم في تكويناتها المترابطة وهي تهدف لتوحيد اعداد
متزايدة من البشر . وتؤدي رؤية فرويد الجانـحة والأحادية
الى اغفال ما تقدمه الثقافة من وظائف حيوية عديدة في
المجالات التربوية والقرابية والسياسية والقانونية
والدينية والاقتصادية . نتساءل لماذا يصر فرويد على حصر
نقاشه في معادلة علاقة الثقافة بالغريزة الجنسية - وهي
علاقة واحدة تصادر باقي العلاقات التي لا تقل عنها اهمية .
من المؤكد أن موضوع العدوان والعنف تحتاج مناقشته الى
منطلقات اخرى توفرها أنساق الثقافة المتعددة التي اهملها
فرويد ثم هل يجوز تكثيف الكلام عن العدوان وربطه بعامل
واحد في الوقت الذي توجد فيه عوامل أخرى تؤثر فيه لا يجوز
تجاهلها لأن ذلك يفضي الى صورة مشوهة وناقصة عن هذا
الموضوع الحيوي والخطير .
5. من الحقائق التي يعنى بها الباحثون التربويون علاقة
الطفل الرضيع بوالدته وتأثيراتها في تكوينه الذهني
والعاطفي ونمو النزعة العدوانية في شخصيته مع مرور الزمن .
من المؤكد أن هناك نتائج أخرى تتولد من تنشئة الطفل وهي
ليست بالضرورة مرتبطة بالعدوان والعنف ولا بالجنس اذ نـحن
بحاجة الى فتح نافذة التحليل العلمي لهذه العلاقة المعقدة
لكي نستنبط مضامينها الاجتماعية والثقافية والنفسية التي
يتعذر فهمها دون هذا الانفتاح الموضوعي الذي يتحقق حينما
يشمل التحليل كل المؤسسات الثقافية وما تتركه من بصمات على
كامل الشخصية وسلوكها بدلا من الاكتفاء بالرؤية الجنسية.
العجيب ان فرويد لم يُبد استعدادا لطرح التساؤلات المشروعة
والواردة حول انواع العدوان والعنف ما دام هناك عنف ثقافي
وسياسي وقرابي وديني واقتصادي وفكري اذا صح ذلك ما المانع
الذي حال دون اهتمام فرويد بتلك الاصناف؟
6. حينما يتطرق فرويد الى موقف الطفل من السلطة يفضل ان
يطرحه في اطار تمرد هذا الانسان الصغير على مربيه الذين
تتصدرهم الام . فاذا كانت العدوانية تبدا بالتكون لدى
الطفل فهل يتحتم ان تتسم بطابع جنسي ظاهر او مستور . وهل
تظل هذه المقاومة للسلطة عبر حياة الفرد ذات محتوى جنسي،
في الوقت الذي تتدخل في حياة الانسان الراشد عوامل تبتعد
عن الجنس كثيرا او قليلاً . كيف يجوز لفرويد ان يحصر رفض
الطفل للسلطة في هذا السياق الغريزي الضيق. وماذا عن افاق
التغيير التي تحصل في شخصية الطفل في مراحل حياته
المستقبلية .
7. تعاني رؤية فرويد من التكلف والاصطناع لانه لا يتيح
ما هو ضروري من الموضوعية للخروج من مأزق التفسير الغريزي
للعدوان والعنف.
8. لا يبذل فرويد جهدا يذكر لتوضيح عملية انتقال
سيكولوجية الطفل من فرد اناني لا تهمه سوى راحته والمتعة
الجنسية البدائية التي يبكر احساسه بها الى انسان ناضج
يقدر روابطه بجماعته وحرصه على مصالحها واستعداده للتضحية
من اجلها . لا شك ان هذا التجاهل يضعف نظرية فرويد عن
العدوان والعنف ما دامت الذات الاجتماعية تنمو باطراد على
الذات الفردية. صحيح ان فرويد طرح الذات العليا كبعد اخر
يعبر عن الانسان الاجتماعي الذي يبدي التزاماً ما
باخلاقيات المجتمع، لكنه يمر على ذلك مر الكرام وكأنه
لايؤثر في مستوى العنف والعدوان لدى الفرد في مراحل النضج.
9. لا ينكر فرويد تكون الضمير ودوره في الذات العليا
ويعترف بانه ينمو مع النمو الثقافي لشخصية الفرد ولكنه لا
يبربط هذا الاستنتاج بحركية العدوان والعنف وكيفية تاثير
ذلك في الاتجاه الذي تسير فيه هذه النزعة. هل تنجح القيم
الثقافية في تحجيم العنف مع درجة استبطانها في شخصية الفرد
وكيف يتم ذلك بعدئذ.
10- نقرأ بعض الملاحظات المقتضبة في تحليل فرويد للزعامة
والقيادة وما تقدمه تاريخيا لشعوبها واممها . لكننا لا نرى
كبير علاقة بين الموضوع والعدوان والعنف. وهكذا تبقى هذه
العلاقة قابلة لاكثر من تاويل ، حيث يمكن القول ان الزعامة
عامل ثقافي واجتماعي وسياسي وربما ديني يؤدي دور التعبئة
القومية او الوطنية بين افراد شعبه للنهوض الى مستويات
ارقى . وقد يقال ان الزعامة تتاثر بخلفية التربية الطفولية
من حيث تباين درجات الارضاء العاطفي والغريزي . ماذا عن
الديكتاتوريات التي حكمت عبر التاريخ وما هي المنظورات
المناسبة لفك اللغاز هذه العلاقات المعقدة التي ترتبط بها
تلك الزعامات بمراحل الطفولة والمراهقة. ماذا يحدث للشخصية
من حيث ميلها للعدوان ان كانت تتاثر ايجابيا بعامل عطف
الام اذا كان كبيرا وماذا عن مشكلة الثقة الذاتية
وانعكاساتها على نمو الذات العليا للقيادة.
11. يستفاد من كتابات فرويد وادبيات التحليل النفسي ان
الثقافات لا تخلو من عقد ثقافية واجتماعية ونفسية تقترب من
المستويات المرضية. بهذا تصبح الثقافة اداة اشباع وارضاء
من جهة ، واداة كبت وضبط من جهة اخرى وهذا يدعى
الابديمولوجيا الثقافية (Cultural
Epidemiology).
لم يكلف فرويد وكثير من الباحثين التحليليين النفسيين
انفسهم عناء الربط بين هذا الموضوع الحيوي وانعكاساته على
العدوان والعنف.
12. لابد من الاعتراف بعملية التفاعل النشيط بين
النوازع الفسلجية والنوازع والميول الثقافية والاجتماعية
الهادفة لتطويع الانسان وعلاقة كل ذلك بمؤشرات الرشد
والنضج الثقافي والنفسي في شخصية الفرد بعد فترة المراهقة،
لكن تاكيد هذه المفردات العلمية يحتاج الى تنظير اكثر
شمولا وانفتاحا لكي نفهم قصة العدوان والعنف التي ظلت
زاخرة بكثير من التساؤلات الخارجة عن قدرات الباحثين
المهتمين بهذا الموضوع.
مراجع البحث:
1.
Kuper- Adam & Kuper, Jessaca, 1985 The Social Science
Encyclopedia. Routledje & Kejan Paul. Lodon. Boston and
Henley.
2-
Kardiner, Abram & Linton, Ralbh Social Norms,1952
Readings An socil Psychology. New york, Henry Holt and
Company.
3-
Goldman, H, H, Review of Generale Psyehiatry. Middle
East Edition.1984. Lod Altos, California.
4-
Freud, Sigmund Civilization. and its Discontents 1958 A
Doubleday anchor book. London.
|