|
العنف
الأهلي في العراق
قراءة في
الشخصية المستفَزَّة
والعوامل
المهيِّئة والمؤججة للعنف
أسماء جميل رشيد
لا يمكن لأية رؤية أو مقاربة سوسيولوجية أو نفسية أن
تقدم تفسيراً للعنف الذي يشهده العراق اثر التغيرات
المنفلتة وانهيار مؤسسات الضبط الرسمية التي أعقبت سقوط
الدولة عام 2003، ذلك أن تعدد مصادر العنف، ما بين جهات
سلفية وميلشيات مسلحة وجماعات إسلامية وعصابات منظمة و
إرهاب دولة و قادمين من وراء الحدود. وتنوع أشكاله، من
تفجيرات انتحارية واغتيالات منظمة وقتل على الهوية و تطهير
طائفي، يجعلان من الصعوبة بمكان الاستناد إلى إطار نظري
يمكن في ضوئه تقديم تحليل لسوسيولوجيا العنف أو رسم خريطة
توضح أبعاده و أهدافه. لذلك ستتوجه قراءتنا للعنف إلى
الفاعل العنفي، و العوامل التي أجّجت فاعلي العنف
المُسْتَفزّيْن أصلا ًلارتكابه وتحديد العوامل والأسباب
التي هيّأتهم لذلك والتي تقع في إطار المجتمع بما أن العنف
هو إشكالية اجتماعية ينتجها المجتمع. وقبل ذلك، لابد من
القول إن القسوة التي تُعامل بها الضحايا وحجم الخسائر
الناتجة عن العنف، التي وصل معدلها إلى خمسين ضحية يوميا
ً، لا يمكن تفسيرهما بأنهما ناتجان عن شعور بالإحباط نتيجة
لإعاقة الفاعلين عن الوصول إلى أهدافهم مما يثير العدوان
لديهم، على نحو ما ذهبت إليه نظرية الإحباط/ العدوان، كما
أن نظرية فرويد، التي تفسر عدوان الفرد برده إلى عملية
التحويل إلى غريزة الموت المتوجهة إلى الذات أصلا و
إزاحتها إلى الخارج عن طريق ايذاء الآخرين، باتت قديمة
وغير مقنعة، مثلما لا يمكن الركون إلى فرضية رينيه جيرار
عن أن العنف هو نتيجة لمعادلة أطرافها الذات وموضوع الرغبة
وطرف ثالث هو المنافس الذي يرغب بما ترغب به الذات. ولعل
الظاهراتية في تركيزها على المأزق العلائقي بين الأنا
والآخر، الذي يدفع الأنا إلى تلمس المبررات لارتكاب العنف
ضد الآخر تحت أية مسميات، هي الأقدر على تفسير التحولات
الذاتية عند المعتدين بعد أن ينحل الارتباط العاطفي بينهم
وبين الآخرين وتنهار مشاعر الألفة والحماية والتعاطف التي
تحمي حياتهم لتحل محلها مشاعر الغربة والعداء والاضطهاد.
إن المجازر و الحروب الحافل بها التاريخ الاجتماعي
والسياسي للعراق، على الرغم من أنها أسهمت في جعل مشاهد
القتل جزءا من روتينية الحياة، لم تكن من الجاذبية والقوة
بحيث تنمذجها الشخصية العراقية طبقا لـ (نظرية التعلم
الاجتماعي).
إن جميع الأطر النظرية، الأنثروبولوجية منها
والسوسيولوجية والسايكولوجية ونظريات السلوك الجمعي، غير
قادرة على تفسير العنف الحاصل في العراق، لذا ينبغي تطوير
نظرية جديدة تتعامل مع معطيات الواقع العراقي بكل أبعاده
السياسية والاجتماعية والثقافية، وهذا يتطلب دراسات متعمقة
للفاعلين العنفيين في ضوء مناهج نوعية لمعرفة الكيفية التي
يحدث فيها العنف ودراسة الخطاب السياسي وأثره في توسيع
المسافات الاجتماعية بين مكونات المجتمع العراقي ودراسة
المسافات الاجتماعية والاتجاهات التعصبية داخل هذه
المكونات.
ان العنف تجربة نفسية بالدرجة الأولى ولا يمكن فهمها إلا
من خلال دراسة الفاعلين العنفيين، غير انه، في الوقت نفسه،
حاله حال أي نشاط بشري، لا ينفصل عن سياقاته الاجتماعية
والسياسية والتاريخية، إذ تحكمه وتؤدي إليه مجموعة من
العوامل البنائية التي ترتبط بالنظام الاجتماعي ومؤسساته.
ولكي نوضح كيف يحدث العنف، لابد من معرفة الظروف والعوامل
التي هيّأت الفاعلين نـحو العنف والعوامل التي أجّجت
وأضعفت كوابحهم تجاه هذا الفعل. يمكن تقسيم هذه العوامل
على نوعين:ـ
النوع الأول من العوامل يمكن تسميتها (العوامل
المُهَيِّئََة)، وهي العوامل التي تسهم، بدرجة أو بأخرى،
في تهيئة الفرد للاستجابة بطريقة عنيفة. ويمكن إرجاع هذه
العوامل إلى ثلاثة مصادر أساسية، الأول تربوي يرتبط ببنية
التسلط العائلي وأساليب التنشئة الاجتماعية بوصفها قنوات
لتمرير الفكر العنفي، و يرتبط، أيضا، بالنظام التعليمي
السائد في العراق القائم على (الطريقة البنكية) ـ بمصطلح
باولو فرايري ـ التي تعتمد على التلقين و تسهم في إلغاء
قدرة الفرد على التفكير الناقد المتفحص وتهيِّئته للتطرف
والجمود الذهني. والمصدر الثاني ثقافي يتعلق بالبنية
القيمية والعقائدية وتقاليد الصراع العنيف والعقائد
المعممة والصور النمطية التي تسهم، إلى حد كبير، في اللجوء
إلى العنف، من خلال توفيرها لمسوغات الاعتداء على الآخر
بما أن هذا الآخر قيمة أدنى لا تستحق الحياة ومسؤولة عن
المعاناة المستمرة. المصدر الثالث بنيوي يتعلق بمؤسسات
المجتمع وما يعتريها من اختلالات تتمثل في غياب التوزيع
العادل للفرص والمكافآت وغياب الأمن الاجتماعي والنفسي
الذي يكفل للمواطن إشباع حاجاته الأساسية. الجدير
بالملاحظة أن هذه المصادر لا ينفصل بعضها عن بعض، فهي ظل
حقيقي لما هو سائد في الحياة الاجتماعية ومظاهرها، و هي
تعمل مجتمعة على إنتاج وإعادة إنتاج ما هو سائد في مجال
السياسة والدين والأسرة من عنف وإكراه.
النوع الآخر من العوامل يمكن تسميتها (العوامل المؤججة)،
و هي ترتبط بالتغيرات التي أعقبت سقوط الدولة العراقية في
نيسان 2003. لعلّ أهـمها الانقسام الاجتماعي، والتشرنق في
حدود الطائفة أو القبيلة المتماهية مع الطائفة، ومحاولة
النفخ في الاختلافات بالمبالغة في إقامة الطقوس الدينية
التي تخص طائفة دون أخرى واستثمارها سياسياًُ، واستدعاء
مفاهيم ماضوية لتصنيف الآخر من قبيل مفهومي (الروافض) و
(النواصب)، بمحمولاتهما التأريخية و الفكرية والقيمية، و
كذلك احساس فئة معينة بالعزلة عن مصادر القرار والعجز عن
التحكم بأحداث المجتمع، والظروف الاجتماعية والاقتصادية،
وتدني الخدمات. ولعلّ العامل الأهم هو الخطاب السياسي
المتشنج، ونجاح القوى السياسية في نقل صراعاتها إلى
قواعدها الجماهيرية، فضلا عن الاستفزاز الآلي متمثلاً
بعمليات الاغتيالات والاختطاف المنظم والاعتقالات، وتوفر
السلاح وأدوات العنف بوصفها محرضاً ودافعاً إليه، على نـحو
ما تذهب إليه الدراسات الحديثة. وسنحاول أن نلقي الضوء
بعجالة على كل من هذه العوامل وتوضيح تأثيرها في تأجيج
العنف الأهلي الدائر في العراق منذ نيسان 2003، بأشكاله
الواضحة أو الكامنة.
أولاً: العوامل المهيِّئة، وهي:
1. النظام التربوي وأثره في تهيئة الفاعل العنفي.
أ. العائلة العراقية وأساليب التنشئة التقليدية:
تسهم العائلة العراقية في إعداد الأفراد المهيَّئين
للعنف عبر عمليتين، الأولى تتمثل في نقل القيم الثقافية
وإدخالها، التي تحض على الخشونة والقسوة وقيم الغلبة و أخذ
الحق بالقوة بوصفها من خصائص الرجولة في المنظومة القبلية
التي لا تزال تمثل إطارا مرجعياً لعملية التربية، و لا
تزال العائلة العراقية تدفع بالطفل لأن يكون (سَبعاً)، يرد
على أي اعتداء بالقوة والضرب لكي لا يكون (مُخَنَثاً). و
العملية الأخرى تتمثل في تبني العائلة الأساليب العقابية
في تنشئة الطفل للسيطرة على سلوكه، سواء كانت هذه الأساليب
نفسية (التحقير والسخرية) أو بدنية (الحرمان والضرب
والحبس). حيث تعمل هذه الأساليب على تكوين العداء والرغبة
في الانتقام في نفسية الطفل، و تساعده على الاحتفاظ
بالعدوان، ومن ثم اتخاذه أسلوبا لحل صراعاته، فهو ينمذج
العنف الذي يراه ويتعلمه ليصبح جزءاً من شخصيته. و من جهة
أخرى، تعمل العقوبة القاسية على إضعاف خشية الطفل من
العقاب مما يهيئه لارتكاب العنف ضد الأبوين و تعميم العمل
به في المواقف الأخرى من دون أن يتهيب من أي جزاء يقع
عليه. ان طبيعة العلاقات داخل العائلة العراقية الأبوية
ذات اتجاه سلطوي يقوم على مبدأ الإلزام والإكراه والإفراط
في استعمال السلطة في تنشئة الأطفال. ويترتب على هذا النوع
من العلاقات أن ينشأ الفرد على الطاعة والخضوع، وبهذا يكون
الاحترام أحاديا، بمصطلح (جان بياجيه)، قائما على علاقة
قاصر و ولي أمر أ، على مرتبة منه، وهذا يؤدي إلى عدم تنمية
قوى ضبط ذاتية داخل الفرد، بمعنى أن ما يضبط سلوك الفرد
ليس دافعاً ذاتياً وإنما سلطة من الخارج، فالفرد هنا يرضخ
للسلطة أو من ينوب عنها طالما أن الشخص الذي يصدر الأوامر
ماثلاً أمامه، وفي حالة غياب أشكال السلطة تنهار أسس
الطاعة. بمعنى آخر، إن الطفل لا يستدخل القيم الخاصة
بالتعامل السوي مع الآخر ويحولها إلى حوافز داخلية، وإنما
يكتفي باكتساب عادات وتعلم حيل لتساعده في تدبير أمره مما
يهيئه لارتكاب المخالفات. ولعلّ هذا يفسر أعمال التخريب
والتدمير الذي تعرضت له مؤسسات العراق وموارده بعد انهيار
السلطة القائمة في نيسان2003.
إن التسلط، بما يتسم به من عنف، يخلق شخصيات متسلطة تتسم
بالعنف، وهناك تفاعل دوري بين العنف والتسلط العائلي
والعنف الاجتماعي.
ب. النظام التربوي المدرسي
يعكس الواقع التعليمي في العراق، منذ مراحله الأولى وحتى
الدراسات العليا، علاقة مسيطِر بمسيطَر عليه. وهذه العلاقة
تنعكس على الطريقة التي تعطى بها المعلومة والمتمثلة
بالتلقين، وهو أنموذج واضح للعلاقة القهرية وشكل من أشكال
السلطة يجمع بين العقاب والتشريب ويمارَس في إطار علاقة
تسلطية (سلطة المعلم التي لا تناقَش و على الطالب أن يطيع
و يمتثل). هذا النوع من العلاقات التربوية أدّى إلى إنتاج
شخصية سلبية تنطبع بروح الهزيمة والضعف والقصور. والأهم من
هذا أن التلقين يمنع الطالب من التمرس بالسيطرة على شؤونه
ومصيره ويمنعه من اعمال العقل و اعداد ذهن نقدي لا يتقبل
الاملاءات (سياسية كانت أو دينية)، بل يدفعه إلى التقبل
السلبي غير الناقد لأي فكر ويضعف قدرته على التحليل مما
يهيئه للجمود الذهني أو التطرف الذي يعد واحداً من أهم
العوامل في نشوء الاتجاهات التعصبية تجاه الآخر، التي تعد
بدورها المرحلة الأولى للعنف والعدوان.
ثانياً: العوامل الثقافية:
إن الفرد أو الجماعة يكتسبان الاتجاه العنفي من خلال
الثقافة التي تحكم سلوك الفرد وتشكل شخصيته وتحدد استجابته
على وفق منظومة من المعايير والقيم والأهداف التي تتقرر في
إطار الثقافة أيضا. ويمكن القول إن الثقافة العراقية ثقافة
عنفية، تحكمها مرجعيتان، الأولى تتمثل بالتراث الديني
الزاخر بالصراعات السياسية والاقتتال وخطاب السيف والجهاد
الذي تستند اليه الجماعات الإسلامية المتشددة في تبرير
الطرق الغريبة التي تستعملها ضد ضحاياها وتحت مسوغات
مختلفة (خائن، عميل، متعاون مع المحتل، مفسد، آكل السحت،
روافض، نواصب)، والمرجعية الأخرى هي مرجعية القبيلة،
بمنظومتها القيمية القائمة على الغلبة والثأر ومسلك
الانتقام.
لقد ظلت الشخصية العراقية تستمد مرجعيتها من القبيلة،
التي تماهت الآن مع الطائفة، وما تزال تحكمها العصبية
القبلية القائمة على الغزو والتنافس والثأر. يقابل ذلك
انغلاق على المفاهيم المتعلقة بحقوق الإنسان. و قد ظل
المجتمع العراقي، على الرغم من تحضره الظاهري، غير قادر
على أن يطور، في بناءاته الثقافية، التوجهات الاجتماعية
التي تساعد على ضبط النفس أو غيره من موانع السلوك
العدواني، بل على العكس، تميل الثقافة إلى تنمية روح
العداء والجمود والتعصب وعدم تقبل الآخر وتوجِّه أفكار
الافراد عن الجماعات الداخلية التي ينتمون إليها والجماعات
الخارجية التي لا ينتمون إليها، وتتضمن هذه الأفكار مجموعة
من المدركات والتفضيلات التي تنبني بطريقة معينة لتبرر
أنماط محددة من العلاقات، وتتضمن أيضا ًالعمليات التي يتم
بموجبها تصنيف الأفراد إلى فئات، ثم تكوين قوالب نمطية
وتعميمات فكرية تعمل على اظهار التمييز والتحيز والاتجاهات
التعصبية بأشكالها المختلفة التي تؤدي إلى ممارسات ضدية
وعنفية ومواقف غالباً ما تشكل حواجز مانعة بين الجماعات
تضعف إمكانية التواصل بينها و تخلق مناخاً مواتياً لوقوع
التصادم والعنف.
ثالثا: العوامل البنائية:
غير أن العوامل الثقافية والعائلية تزوِّد الفرد
بالكيفية التي يعمل بها (أو كيف يرتكب العنف)، أما لماذا
يرتكبه فذلك أمر مرهون بعوامل بنائية، يمثل المجتمع
بمؤسساته المختلفة مصدراً لها. و تتمثل هذه العوامل في عجز
النظام الاجتماعي عن تحقيق توزيع عادل للفرص والمكافآت و
عن أن يكفل للفرد الأمنَ الاجتماعي الذي يحقق من خلاله
اشباعاته الأساسية، و تتمثل أيضا بالضغط الناجم عن
الصعوبات الحياتية من قبيل قلة الخدمات وارتفاع الأسعار
والشعور بالغبن، هذا فضلا عن وجود حاجات غير مشبعة ناتجة
عن البطالة والفقر. هذه العوامل تسبب نوعا من القلق وعدم
الارتياح يجعلان الفرد الذي يعاني من هذه الضغوط مستعداً
للجوء إلى العنف في سبيل الحصول على حقوقه أو ما يعتقد
أنها حقوق له، فهو دائم التوثب (متشنج) ومستعد للخرق.
وهكذا، فان زيادة مطالب السكان الذين يتزايدون، في مجتمع
ترسخ فيه العوامل الثقافية و العائلية الاستجابات العنفية
ستنتج تناميا للصراعات بين الأفراد وزيادة في الإحباط
المؤدي إلى العدوان.
العوامل المؤججة/ المعجلة
تعمل العومل البنائية على التهيئة للعنف بوصفه الاستجابة
الأكثر قابلية للظهور أمام حالة الشد الذي يعيشه الإنسان
العراقي تحت ثقل البطالة واضطراب القاعدة المعيشية
والحرمان النسبي والتوزيع غير العادل للفرص وغياب حقه في
التعبير والاعتراض السلمي. و يترتب عن كل هذه الظروف ظهور
الدين بوصفه ملاذاً وواقعاً بديلاً عن الواقع المتأزم.
وأمام غياب القدرة على التفكير الناقد، والذهنية الميالة
إلى التطرف انتعش نشاط الجماعات الإسلامية والإسلام
السياسي.
كان للتحولات السياسية التي أعقبت سقوط الدولة العراقية
في 2003 وما رافقها من صراعات أثر في توفير بيئة مناسبة
لإنعاش خطاب هذه الجماعات، الذي يطلق عليه بومدين بوزيد
(خطاب السيف). وكان هذا الخطاب منشطا سايكولوجيا له قوة
روحية خاصة تبشر بالأمل. و قد تحولت هذه القوة الروحية إلى
قوة مادية في مرحلة الصراع. وخطاب السيف في الثقافة
العربية هو خطاب قوة وإقصاء وتدمير يستعمل العنف منهجا
للتغيير ويقصي من يختلف معه، على نحو ما يرى بومدين بوزيد.
على خلفية هذه الظروف، تقف العوامل المؤججة للسلوك
العنفي، أو العنف الأهلي، التي رافقت عملية التحول السياسي
الذي أعقب انهيار النظام السابق في العراق. ويمكن تتبع هذه
العوامل عبر النقاط الآتية:
1. الانقسام الاجتماعي والتشرنق في حدود الطائفة
ومحاولة النفخ في الاختلافات بين الطوائف من خلال المبالغة
في إقامة الطقوس الدينية وغيرها من الأفكار والممارسات
المعبرة عن هوية الطائفة التي تعزز وحدتها الداخلية
وتعزلها عما سواها لتختلف بدلاً من أن تأتلف ضمن هوية
مشتركة. وقد استدعى هذا الانقسامُ الثابتَ التاريخي الذي
ظل مستمراً في الذهنية العراقية بشكل يعمل على إبعاد صورة
الآخر لأنه يتغذى من طبيعة الثقافة العنفية التي تنتجها
الطائفة المتشرنقة والقائمة على التعارض والتخالف مع
الآخر. و تتلحض العلاقة بالآخر بالمثل العامي : " أنا وأخي
على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب".
2. حرص القادة السياسيون على تعزيز هذا الانقسام من
خلال الخطابات الموجهة للطائفة التي يمثلونها بوصفهم
الراعين الوحيدين لمصالح هذه الطائفة. هذه الخطابات تغازل
مشاعر الاختلاف والتفوق على حساب إقصاء الآخر الذي لا
ينتمي للطائفة. و أخطر ما ترتب على الخطاب السياسي المتشنج
والانقسامي هو أن القادة السياسيين نجحوا في نقل صراعاتهم
إلى قواعدهم الجماهيرية ليتحول الصراع السياسي إلى صراع
اجتماعي.
3. تفكيك مؤسسات السلطة القديمة الذي أدى إلى ظهور
شرائح من المهمشين الذين يشعرون بالعزلة والإقصاء وعدم
الارتباط بالحكومة الجديدة ومؤسساتها، مما ولد لديهم
الإحساس بأنهم مبعدون عن المجتمع وغير قادرين على التحكم
والسيطرة على مجرياته السياسية. هذا الشعور بالعزلة ولد
شعورا بالضعف، ومن ثم الاستياء والغضب، مما جعل احتمال
لجوء بعض أعضاء هذه الشرائح إلى العنف طريقة للتغير
والاحتجاج هو الاحتمال الأكثر قابلية على الظهور. وقد
اتسعت دائرة الشعور بالعزلة والإقصاء لتشمل طائفة بأكملها،
وذلك بعد الانتخابات البرلمانية الأولى.
4. انتشار السلاح و وفرة أدوات العنف، إذ تركت الحرب
أكثر من أربعة ملايين قطعة سلاح في بلد يعاني من فراغ أمني
بعد تفكيك مؤسسات الضبط (الجيش والشرطة والأمن). و هذا
لابد أن يؤدي إلى إشعال العنف أو تسهيل حدوثه، بحسب ما ترى
الدراسات الحديثة، و لا سيما في ظل وجود عمليات الاستفزاز
الآلي الذي من غير المفيد تتبع الجهة المبادرة بالشروع به.
إلا إن من الواضح أن الحكومات التي تعاقبت بعد 2003 وقفت
عاجزة عن إيقافه، وهذا بحد ذاته يعد تواطؤا باتجاه تعزيز
العنف.
|