ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

إحياء الموت

قراءة نقدية في كتاب سيد القمني

(أهل الدين والديمقراطية)(1)

عمار الكعبي

 قد تتحكم العواطف ببعض الدراسات والكتابات التي تتناول العنف الديني وجهاد الجماعات المسلحة، سواء تلك العواطف الدينية الناقمة على الوضع العالمي، ام تلك التي تمقت رؤية الدم المسفوك، وتتمنى وجود دولة مدنية. ومثل موضوعة العنف المسلح دائما تتناقض حولها العواطف، وتتحكم فيمن يحاول ان يناقشها وينقدها، او يؤرخ لها ويتابعها. العنف الديني المستشري ليس منظومة منفصلة عن منظومة القيم الحاكمة في المجتمعات التي ينمو فيها هذا العنف، بل انه جزء من واقع ديني ناقم وطامح، ناقم على ما يراه تجاوزا على خطوطه الحمراء، وطامح لاعادة الوضع الى ما كان عليه في عهد الخلافة. وحتى لن يكون مبررا ان تصبح العواطف مؤثرة في تقييم الاشياء، لن يكون مبرراً ان تصل العواطف الى مستوى الهيمنة على الدراسات التي يفترض ان تكون اكثر عمقا واقل سطحية. وللاسف فان السمة الغالبة على المقالات والكتب والدراسات التي ناقشت ما سمي بالارهاب، هي وجهات نظر محكومة بالعواطف. الى درجة ان بعض الاحاديث التي تتكهن باستمرار الارهاب او نهايته تنطلق من خلال تمنيات.

تأثير العواطف لم يستثن على ما يبدو بعض الافكار التي طرحها سيد القمني في كتابه (اهل الدين.. والديمقراطية) الذي ناقش فيه الواقع الذي يعيشه المسلمون  والراديكالية الدينية ورجال الدين. فكان الكاتب منفعلا في الكثير من فقرات الكتاب الذي يشتمل على اهم ما كتبه الرجل من مقالات(2) تتصل بالواقع المذكور. مثلا لقد طرح في الصفحة 127 فكرة مفادها ان رجال الدين ليس لهم حق التدخل في العلوم ، ولكنه لا يبني الفرضية على اساس ان تلك العلوم ليست مجال اختصاص رجال الدين، بل يلجأ فورا الى الحديث العاطفي المتذمر من بقاء كائنات من القرن العاشر في القرن الواحد والعشرين »لا مجال لرجال الدين في البحث العلمي في مختلف العلوم.. بل هو مجال الفلاسفة وعلماء الاجتماع..، لان رجال الدين يعيشون في القرن العاشر الميلادي.. ويريدوا ان يدخلوا في منافسة حضارية مع امم تعيش في القرن الحادي والعشرين، انكم سادتي خارج المنافسة«. هذا النص يشابه العديد من النصوص والتصورات والترتيبات التي خاض من خلالها القمني الحديث عن الاسلام السياسي ورجال الدين، وهو نص، مع غض النظر عن صدقيته، منفعل غير متزن. والانفعال يتحول احيانا لدى الكاتب الى تسطيح محض، كما في الربط الذي أقامه بين عملية الاغتيال التي استهدفت الخلفاء (الراشدين) وبطلان الدعوى الدينية التي تقول ان التمسك بالاسلام ينجي المسلمين ويقويهم ويقيم لهم دولة العدل، فهو يتساءل: »ان الالتزام الدقيق بشروط الاسلام النموذجية لم يحقق الامان للخلفاء انفسهم، فكيف كان شأن المؤمنين؟«، وهو ربط اقل ما يمكن ان نصفه بمحاولة تسجيل النقاط مهما اخطأت. ولا يشفع للقمني ان ما ضمنه في الكتاب هو مجموعة مقالات، وذلك لان الكتاب مهما تضمن في داخله يعد مشروعا يفترض ان يستند الى سبل علمية وموضوعية في التعاطي مع الوقائع. هذا ما اطرحه كملاحظة اولية عامة حول العديد من الافكار التي طرحت في (اهل الدين والديمقراطية).

واذا ما لاحظنا الجانب التفصيلي من اطروحة القمني، فانا سنجد الموضوعات ناقشت جانبين، جانب التردي الذي سببه التيار الديني المهمين على حال المسلمين، والثاني محاولة النقد النظري لاطروحة الاسلام السياسي. الجانب الاول كان الاوضح والاكثر عمقا من الثاني لدى الكاتب، فقد افتقر الكتاب الى طرح واسع حول النظرية رغم محاولته القيام بذلك. فالحديث عن الجانب النظري، ومن ثم الواقع المطبق للنظرية، مهم لكي يتم نقد الظاهرة بشئ من الكمال، فلا يكفي القيام بعملية توصيف للحالة ، بل لابد من القيام بالتوصيف الى جانب النقد والبحث في الحلول. على الرغم من ذلك فان الكتاب، ولنقل المقالات التي ضمنت في الكتاب، عالجت العديد من الظواهر والرؤى المشكلة للواقع الديني في المنطقة، وخصوصا في مصر.

الافكار التي طرحها القمني يمكن تصنيفها الى ثلاثة اقسام، وهي جدليات اساسية في العلاقة بين الدين او الدينيين والواقع الفعلي؛ فهناك نقد للعلاقة بين الاسلاميين والمحيط الذاتي، عالجها من خلال الحديث عن علاقة الدين بالوطن، وهناك العلاقة بين اهل الدين والاخر، وهناك  العلاقة بالماضي، المتمثلة باستحضار كل تفاصيل الخلافة الاسلامية بمراحلها المتضاربة في الحاضر. وكمأزق فعلي فان الحديث عن التيار الديني الحالي، لن يكون نقدا حقيقيا اذا لم تتم معالجة العنف الذي تتبناه بعض التيارات الدينية، ان لم يكن الغالب من هذه التيارات. ولهذا فان نقد العنف الديني لم يغب عن اغلب مقالات (اهل الدين والديمقراطية). والاهم من كل هذا معرفة مدى ارتباط هذا الوضع غير الطبيعي بالدين كاطار عقيدي مشكل للعقل الفردي والجمعي الحاضر.

المواطنة.. مأزق الاسلاميين في العصر الحديث:

رغم قدم الحديث عن الانتماءات غير الدينية، كالقبلية، في المنظومة الدينية منذ عصر النص الاول، الا ان التحدي الاكبر  الذي واجه الاسلاميين كان عندما دخل مفهوم المواطنة الى العالم الاسلامي. فالوطن هو الارض التي ينتمي اليها الناس، قد تتعدد الطوائف فيه، وقد تختلف القناعات، وقد ينحدر اهله من سلالات مختلفة. وهو اطار وضعي لا يستند في مقوماته الى البعد الديني، لهذا فان الاسلاميين يواجهون مأزقا تفرضه الايدلوجيا كونهم  يستندون الى نصوص دينية تتحدث عن فرض الجزية على أهل الكتاب، والموت لغير اهل الديانات السماوية،. وسيد القمني التفت الى هذا المأزق، وخصص عددا من مقالاته لهذه المشكلة، وطبعا ليس السبب فقط يكمن في طبيعة المأزق من الناحية النظرية، بل هناك العديد من الاطروحات والتصريحات الصادرة عن بعض رجال الدين تتحدث عن اخذ الجزية من المسيحيين، بل هناك حديث يتردد في اوساط التيارات الاكثر تطرفا يدور حول مصير المسيحيين والصابئة واليهود الموجودين في عالمنا المسلم، واكثر من هذا بات مصير الطوائف المسلمة، المخالفة لايدلوجيا هذا النمط من الاسلام او ذاك، معرضا للخطر. اذن هناك مشكلة نظرية، واخرى فعلية استدعتها تلك النظرية، تواجه العلاقة بين الدين والوطن.  يسوق سيد القمني فتوى لاحد رجال الدين في مصر وهو يعفي فيها المصريين الارثوذكس عن اعطاء الجزية، في حين يراها ثابتة على غير الارثوذكس، فيعلق »ان مثل هذه الفتاوى تحرض المسلم على عصيان مبادئ عالمية... ثم الاهم اننا لم نوافق على تلك التشريعات الفتوية ولم تعرض على برلماننا.. مما يصيب المواطن بحالة ارتجاج في المبادئ واختلاط الفهم«(ص39) مثل هذه الفتاوى تثير العديد من التساؤلات لدى المراقب المسلم وغير المسلم. وهي في الوقت ذاته تعبر عن مشكلة نظرية لم يحاول الكاتب تسليط الضوء عليها بصورة كاملة. انها الفكرة والايدلوجيا التي دعت رجل الدين الى اطلاق هذه الفتوى لكي يتخلص من اللاانسجام مع الدين الذي يتبناه، وفي المقابل فان الاسلاميين الذين لا يؤمنون بهذه القضية يشعرون دوما بوجود تناقض بين رفضهم لمبدا الجزية والنص الديني الذي يتحدث عنها ويوجبها. من هنا يحاول هذا الصنف من الاسلاميين تبني التاريخية في التفصيلات التي تتناقض والرؤية المعاصرة للقضايا، وهو منهج ان تم التمسك به لا يجوز ان يقتصر على فقرة دون اخرى، بل لابد ان تراجع وفقها جميع التفصيلات الاخرى.

ولم يكتف سيد القمني بالحديث عن قضية الجزية، بل هناك قضية اهتم بها جدا، هي ان المسلمين هم الغزاة في هذه الارض، قدموا من الجزيرة العربية فطردوا سكان مصر والعراق والشام الاصليين، او اجبروهم على اتباعهم، »تعالوا بني وطني نتخيل معا مشهدا.. مشهد وطن يعيش فيه اهله مسلمون ومسيحيون.. الحدث قيام بعض المواطنين وعلى رأسهم رموز الدين الاسلامي الكبرى بالاحتفال بذكرى  غزو الوطن العظيم على يد بدو الجزيرة العربية«(ص41). ورغم اهمية مثل هذه القضية، كونها تكشف عن الصورة التي يرسمها المسلمون لانفسهم، والرؤى التي يتعاملون بها مع الواقع، رغم ذلك الا اني قد لا اتفق مع القمني في طريقة عرض القضية كون المسألة ليست بالبساطة التي تحدث عنها، فطرح مسألة السكان الاصليين ليست طرحا رابحا على كل الاصعدة، فلا يوجد الا القليل من الشعوب الاصيلة خصوصا في البقاع الحية تاريخيا، ولا توجد لغة اصيلة، ومن يدري قد يكون المسيحيون الحاليون في مصر وافدين عليها عند التحول المسيحي في العالم. ان عدم قبول احتفال المصريين بفتح مصر من قبل عمرو بن العاص ليس موضوعيا، كون المسألة متصلة بالايدلوجيا، فالمسلمون يرون في فتح مصر من قبل دولة الخلافة (الراشدة) هداية. ولهم الحرية بالاحتفال. هذا خيارهم، ولكن علينا ان نـحول دون ان يتحول هذا الخيار السلمي المستند الى ممارسات اعتيادية الى خيار عنف. ولا اعتقد ان الولاء الذي يكنه عموم المواطنين في العالم العربي يكون لغير اوطانهم، والارتباط باجندة غير وطنية من قبل بعض النخب ليس خصيصة اسلامية بل ان هناك العديد من التيارات غير الدينية ارتبطت باجندة شرقية او غربية.

في هذا الاطار قام سيد القمني بمقارنة مهمة بين الاحتفال المذكور وبين الاحتلالات التي قام بها الغرب لدول مسلمة »نشجب كل الوان الاحتلال لأرض الغير بالقوة ونصرخ بالصوت العالي مما يفعله الاسرائيليون.. ونـحتج على الاحتلال الامريكي بالعراق، لكننا نجتمع كل عام لنحتفل بذكرى الاحتلال العربي لمصر«(ص25). فعلا هناك العديد من التناقضات، نرضى لانفسنا ان نـحتل غيرنا، ولا نرضاه لغيرنا، نمارس الجنس مع نساء الدنيا، وتقوم الدنيا ولا تقعد ان قامت مسلمة بالارتباط الشرعي أو غير الشرعي بغير المسلم، نسرق من سوانا ولا نرضاه لسوانا، نقاطع اقتصاديا، ونقيم الدنيا على من يقاطعنا، نقتل المدنيين، وان قتل مدني منا نقيم الدنيا. انه تناقض فرضته الايدلوجيا. ولكن مثل هذا التناقض ليس حكرا على الاسلاميين، فالعالم الغربي الذي قام باحتلال الشرق يوما ما انتفض عندما قام الالماني بالتجاوز على حدود دوله القومية. رغم هذه المحاولات من قبل القمني لمعالجة واقع العلاقة بين الاسلاميين والوطن، الا ان الواضح ان الانفعال الذي هيمن على هذه المعالجة ادى الى ان يشوبها شئ من اللاوضوح. فالمسألة بحقيقتها تستند الى مشكلة نظرية، وبالتالي، فان الاسلاميين انفسهم في مأزق. فتبرير قتل الاخ لاخيه لاسباب دينية هو بالحقيقة مشكلة تكون اكبر عندما يكون المواطن غير الاخ طرفا في القضية. ولهذا فان الاسلاميين يعانون من مرجعياتهم الفكرية، ولا يمكن ان تعالج القضية الا بعلاج جذري لتلك المرجعيات. وتكمن خطورة هذه المسالة في انها تجعل من الاوطان نسيجا غير منسجم، يستدعي دوما دكتاتورا يقلل من مخاطر اللا انسجام. ما حدث في العراق وما هو قائم في لبنان دليل واضح على هذا، فالعراقيون اجبروا في يوم ما على العيش سويا نظرا لسيف الدكتاتور المسلط عليهم، وعندما ولى هذا الطاغية، قام المتطرفون بتنمية البغضاء الطائفية، مستفيدين بذلك من "الحقيقة المطلقة" التي يملكوها دون سواهم، ما ادى الى فاعلية اللااسنجام الديني بالظهور. وفي لبنان نجد الحالة الطائفية عميقة ومتجذرة، ادت الى حرب طائفية ويمكن ان تؤدي الى تقسيم البلد الذي لا تزيد مساحته عن (11 الف كيلو متر مربع). واسباب التفريق لا تواجهنا فقط من جهة دينية، بل هناك اسباب قومية تهيمن على وضعنا ايضا. وليس حال البلدان الاخرى افضل، الا ان الموضوع مؤجل على ما يبدو. هذا الامر يدفع باتجاه وضع حلول جذرية، بعضها تدعم الليبرالية، والبعض الاخر يعالج القضية من خلال احتوائها، بعد الاعتراف بها، سواء عن طريق الردع، او عن طريق اللجوء لحلول سياسية دستورية تطوق الاحتقان. ويمثل افتقار الدين لمفهوم المواطنة بشكله الحديث، سببا مهما في تطور العنف، خصوصا بشكله الطائفي، وهو ما يحدث في العراق ومصر والقارة الهندية، وما يمكن ان يحدث في اي بلد عربي ومسلم متعدد الطوائف. وهذه المشكلة التي يقلل الكثيرون من مخاطرها، تمثل ازمة حقيقية لا يعاني منها الاسلاميون فقط، بل تعاني منها المرجعية الايدلوجية لهم.

 

(الآخر).. صنعة التكفير:

ان اي حل جذري لظاهرة التكفير المستشرية في اوساط اغلب الاسلاميين على اقل تقدير، لابد وان تمر بنقد للعلاقة بين الانا والاخر. وهنا يشمل الاخر المغاير الفكري والسياسي والاجتماعي، بل والقومي.

يتعرض كتاب اهل الدين والديمقراطية بدءا لمشكلة التعليم في العالم العربي، وتحديدا في السعودية، حيث تتضمن كتب التعليم الديني في بلد المسجدين لافكار تبدأ بتكفير وضلالة الوجودات والطوائف والافكار المسلمة التي تتعارض والرؤية الوهابية، فيسوق نصا يدرس في الصف الثاني ثانوي بالسعودية يكفر العديد من المدارس الاسلامية والنص هو »ان الفرق المخالفة من جهمية ومعتزلة واشاعرة وصوفية قلدوا من قبلهم من ائمة الضلال فضلوا وانـحرفوا«(ص79). وهكذا حال الفلاسفة يعتبرهم كاتب المناهج المدرسية السعودية مبتدعين، بمبرر سلوكيات قام بها عدد من الخلفاء الراشدين والامويين. فالتكفير في الاوساط الوهابية يشمل اكبر مساحة شملتها الزندقة والهرطقة في تاريخ البشرية. ولكن هل الدين الوهابي هو الوحيد الذي يستند الى التكفير كأساس في طريقة تعاطيه مع جميع اصناف الاخر؟ الجواب، بكل وضوح وصراحة، (لا) بالخط العريض. وهو ما يؤكد عليه القمني في اطروحته »ومن جانبه يرى القرضاوي ان العلمانيين هم من يتسامحون مع غير المسلمين وهذا من كفرهم... وهو ما يعني اتفاق كهنة الاسلام والاخوان والجماعات الارهابية على تكفير العلماني لانه يوالي ويعادي على اساس المواطنة«(ص82). ويستمر القمني في عرضه للفتاوى والرؤى التكفيرية، فيسوق حديثا لرجل الدين السعودي ابن عثيمين وهو يتحدث عن شروط جواز الاقامة في بلاد (الكفر) احدها »ان يكون مضمرا العداوة للكافرين وبغضهم ومبتعدا عن موالاتهم ومحبتهم... فقد قال النبي انا برئ من كل مسلم يقيم بين اظهر المشركين" 83. ومن ثم، يقول القمني "هذا كلام كبار السدنة في بلاد المسلمين ثم ينزعج المسلمون من اتهامهم بالكراهية والارهاب«(ص82). »وفي المقابل نرى ان الغرب وقف الى جانب المسلمين في البوسنة وكوسوفو وحاكم الصرب المسيحيين «(ص240).

مثل هذه الكراهية بلا شك ستؤسس لتبرير القتل، ومهما اتسعت اتسع حجم العنف، والارهاب. وهنا تواجهنا فتوى لفقيه يعد من المعتدلين، هو يوسف القرضاوي، الذي اعتبر كل امريكي جاء الى العراق محاربا، هذه الفتوى يرى فيها سيد القمني كاشفا عن حقيقة اولئك الذين يدعون الاعتدال. وقد تطورت رؤية القرضاوي في تاريخ 20-9-2004 لتشمل الاسرى ممن يعاون الامريكان في العراق حتى ولو على مستويات مدنية.

مثل هذه الفتوى بلا شك جاءت من خلال عقل جمعي حكم القرضاوي نفسه، وهو عقل ليس من السهل تجاوزه او ايجاد تغييرات فيه، والا فكيف يمكن تبرير الارتياح العام الذي ساد الشارع الاسلامي عند تدمير برجي التجارة في نيويورك؟ انه العقل الجمعي الذي يميل الى كراهية الغرب بكامله، ومن ثم تشير المواقف الى كراهية داخل الوسط الاسلامي نفسه. ولا يبرر هذه الكراهية ان يقال ان الولايات المتحدة تدعم اسرائيل بشكل غير عادل، فالمسلمون انفسهم يقفون مواقف غير عادلة في الصراعات التي يكون احد اطرافها مسلما.

والمشكلة ان العلاقة مع الاخر تشوبها العديد من المنغصات حتى لدى اولئك الاصلاحيين الذين تعاملوا مع النتاج الفكري العالمي بشئ من المرونة، فقراءة الاخر لدى عدد من الكتاب المعتدلين تمثل طريقة للاطلاع على ما يقوله هذا الاخر ليتسنى الرد عليه، فكتب الضلال، التي سمح الفقهاء لقراءتها فقط في حالة وجود نية الرد، تمثل بالنسبة للاسلاميين خطا يصعب تجاوزه. وهنا استذكر مثالا لشخصية دينية تعتبر معتدلة من حيث العلاقة مع الاخر المسلم مهما اختلفت انتماءاته، وهي الشيخ جواد الخالصي الذي ينتمي الى مدرسة تنبذ الطائفية وتحاول التقريب بين المذاهب والاديان. هذا الشيخ المعروف برقة اخلاقه كان يدرسنا مادة التفسير الموضوعي للسيد محمد باقر الصدر، واثناء مروره على نص للصدر تحدث فيه عن عبقرية ماركس، اعرب عن استيائه  من هذا المديح لدرجة انه خرج عن طوره وهو ينتقد هذا الاطراء، على الرغم من امتداح ماركس صاحبه ذم على اعتبار ان عبقريته لم توصله الى الحقيقة. فالايدلوجيا منعت الخالصي من ان يوافق حتى على الاعتراف بذكاء الناس الذين لا يتفق معهم. من هنا يبدو الاسلاميون ينظرون بريبة الى اي جسور تمد مع الاخر، خصوصا على المستوى الفكري. هذه الريبة بلاشك تعبر عن منهج، وتؤسس لوضع ينظر بشكل مستمر الى الاخر نظرة احتقار او حقد او تخوف، وكل هذه الامور قد تؤسس لانفعالات تدفع باتجاه العمل على محو الاخر. ولكن وعلى الرغم من بشاعة العنف، وسوء عاقبة الكره، فان هذه الظواهر يجب ان تعالج بمزيد من العقل، فبالتالي من يتبنى هذه الافكار هم اخواننا، ابناؤنا، اباؤنا، انهم جزء منا، وانقاذهم هو انقاذ لنا. ولا يمكن ان نعول فقط على العنف المضاد، كونه لن يؤسس لوحده الا مزيدا من العنف، وهو لا يعالج الاسباب التي اسهمت في ايجاد التطرف. من هنا بدأت بحديث القمني عن الجانب التعليمي التربوي الذي يؤسس لثقافة الكره، فعلا يبدو ان من الضروري ايجاد مناهج تربوية لا تؤسس لهذه الثقافة. ومن دون ذلك فلن يكون القضاء على البغضاء ممكنا. فليس سهلا ان تعالج القضية بسذاجة الشعارات، وهناك ماض تربوي عميق، يوسع دائرة الاخر، ويقلص من دائرة الانا. واذا ما حدث تحول في متبنيات المجتمع نـحو منطق لا يقدس الاشياء، فان البغضاء لا تزول ان لم يتم معالجة مناهج التفكير، فثقافة الكره كانت موجودة في العراق في عقود الايدلوجيا غير الدينية، كون المنهج بقي ثابتا، والحقيقة بقيت تمثل الانا فقط، دون ان يحظ الاخر بادنى قبول. والا فما بال السحل بالحبال، والاتهامات بالعمالة، وهيمنة الحزب الواحد. ان التطرف والعنف لم يكونا سمة دينية فقط، انها منهج يجب ان يعالج بشكل جذري. جزء من هذا المنهج يتجسد بالتقديس، وجزء منه بالتعصب، وجزء منه بطريقة التفكير المنفعل للشرقي...!

فعلا لابد من ايجاد تغييرات جذرية في مناهج التدريس التي تؤسس لمناهج التفكير في العالم الاسلامي.

استحضار الماضي.. منظومة وعي اعمى!

هل سأل المسلم ذاته عن المنعطفات السوداء في تاريخ المسلمين؟ هل تساءل عن تلك الظواهر الدموية التي سادت عصورا اسلامية؟ ام اكتفى بالتبجح بالانجازات التي حققتها امبراطوريات الخلافة الثلاثة؟ اتذكر جيدا المداخلة التي قلتها في محاضرة للدكتور حسن حنفي بمكتبة الاسد بدمشق عام 2000 عندما تحدث عن ان المسلمين هم ارحم الفاتحين، فقلت له وقتها، هل سألتم انفسكم ماذا فعل المسلمون بعضهم ببعض؟ لا اتذكر ماذا كان  الجواب بالتحديد، لكني اذكر جيدا انه تحدث عن اعترافات الاخرين. وفي قناة الحرة قبل اكثر من عام ادى كلام اياد جمال الدين ـ رجل الدين (العلماني) العراقي ـ في برنامج ساعة حرة عن الدموية التي تحيط تاريخ المسلمين، الى استغراب الضيف الاخر وهو احمد عبد الغفور السامرائي وكان وقتها عضوا في هيئة علماء المسلمين، حيث تحدث عن ان هذا الحديث من قبل رجل دين مسلم عجيب ويثير الغرابة، وان على المسلم ان يتمسك بتاريخه.

المشكلة هي ان المسلمين يتمسكون بالجانب المشرق من تاريخهم، ويركنون جانبا اي حديث عن الدماء التي سالت وسفكت منذ بدايات العصر الراشدي، وحتى زوال سلطان بني العباس. بل انهم لا يريدون التصديق بوجود مجازر في تاريخهم، وان انتبهوا برروا، لدرجة ان بعضهم يجعل من قتل الصحابة لبعضهم البعض مجرد اجتهاد خاطئ. وهذا الكلام ذكرني بكلمة لزعيم الحزب الاسلامي في العراق طارق الهاشمي بعد تهديدات الزرقاوي للذين اشتركوا في الحكومة، الذي تحدث فيها عن ان اجتهاد الحزب قضى بالاشتراك بالعملية السياسية، وللاخرين اجتهاداتهم. فرجل بمستوى طارق الهاشمي وهو شخصية سياسية سنية مهمة غير قادر على أن يقف موقف صريح ضد ارهابي من العصر الحديث، كيف يمكن له ان يعترف بدموية الخلفاء؟

سيد القمني نقد هذه الظاهرة بشكل صريح عندما تحدث عما اسماه بثقافة (وامعتصماه)، حيث انتقد الكاتب اعتزاز المسلمين بالخلفاء رغم وجود العديد من الانـحراف في سلوكهم. عرض القمني لحادثة تلك المرأة التي استصرخت الخليفة العباسي المعتصم عندما اعتدى عليها الروم في عمورية، وعندما عرف الخليفة باستصراخها انتفض فولغ بدماء اهل عمورية(ص55). ومن ثم يتعرض الى كلمة هارون الرشيد المعروفة وهو يخاطب سحابة مارة (اذهبي اينما شئت فسوف يأتيني خراجك) فينتقد زهو المسلمين بمثل هذه الكلمات، ويشتد انتقاده على الفقهاء الذين تغافلوا حالة التهتك والبذخ التي يعيش فيها الناس انذاك »لكن الفقهاء كعادتهم كانوا يردون على انغماس هذا الخليفة في الملذات الدنيوية بانه يجب ان لا ننسى انه كان يحج عاما ويغزو عاما«(ص55). القراءة الايدلوجية للتاريخ، تدعو الى مثل هذا التمسك والتبجح، فالماضي بالنسبة الى المسلم يجسد ما افتقر اليه اليوم، بعد ان تدنى وضعه الى الحضيض. وهنا يطالب القمني المسلم باعادة النظر بهذا المنهج، ويبحث عن اساليب تناسب هذا الزمان، »حتى يجد لنفسه مكانا في هذا الزمان«(ص56). وذلك لان التمسك بالماضي لا يعبر الا عن عجز عن مواكبة الحاضر. من هنا فانه يعرض ثلاثة ملحوظات تتصل بهذا الموقف من التاريخ: فهناك استثمار رجال الدين لمأساة المسلمين، »من اجل الحصول على مزيد من مساحات السلطة والسيطرة بالدين، باعادة كل شي الى الدين، وان هزيمتنا الحضارية الماحقة هي نتيجة تخلي مسلمي بلادنا عن شروط دينهم«(ص57). وهنا لا اتفق مع الكاتب. لاني مقتنع بان الاكثرية من الفقهاء ورجال الدين يؤمنون بما يقولون. فالقناعة باقامة دولة اسلامية والعودة الى التاريخ لا تعبر عن نفاق وتجارة فقط، بل هناك من هو مقتنع بهذا الخطاب. فنحن لسنا امام تجارة، نـحن امام منظومة وعي خطيرة. التجار من رجال الدين يسهل التقليل من تأثيرهم، لكن يصعب الوقوف امام الوعي، الذي يستدعي التاريخ رغم كل ما يمكن ان يتضمنه في الحاضر. من هنا فان حديث الدكتور القمني تضمن شيئا من التسطيح، كونه يمثل تهربا من اصل المشكلة، وهي الوعي. والا كيف نبرر ثقافة (الاستشهاد) التي تطبقها الجماعات الدينية المسلحة. التاريخ بالنسبة الى المسلمين بما في ذلك رجال الدين، هو تجسيد للعقيدة التي يؤمنون بها، والقراءة الايدلوجية للتاريخ تفرض نفسها مابقيت منظومة الوعي، القائمة على اساس ان كل ماهو مرتبط بالدين صحيح. فهو يمثل ازدهار المسلمين، وهو يعبر عن اتساع الامبراطورية الدينية، وهو يجسد القوة والسعادة. من هنا يمكن ان نقول ان التبجح بالتاريخ ليس كذبة تسوق من خلالها رؤية منافقة، بل هي وعي ينتج رؤية عمياء.

العنف.. سطوة الايدلوجيا واستشراء الجهل

يعرض كتاب (اهل الدين والديمقراطية) رسالة وجهها الاردني ابو مصعب الزرقاوي، تضمنت تصورات القاعدة في العراق، واهمها بناء على النصوص التي ذكرها الكتاب:

اولا؛ تقسيم العراقيين الموالين له الى مهاجرين وانصار.

ثانيا؛ اعتقاده بان الولايات المتحدة ادركت ان الاسلام السني هو العدو الحقيقي، وان الشيعة هم نقطة ضعف المسلمين.

ثالثا؛ ان العدو الحالي له هو الشيعة، ويتحدث بصراحة عن وجود خطر لاقامة ما اسماها بدولة الرفض في المنطقة.

رابعا؛ انه سيعمل على القيام بتغيير النظم الخليجية والعربية.

فكيف حاكم الكاتب هذا الخطاب. هناك صراع بين الارهاب والحضارة، فالانسانية من وجهة نظر القمني تريد الحفاظ على مكتسباتها وفي المقابل فان الارهاب يخوض معركة موت ضد هذه الحضارة(ص114). فهو يرى ان هناك محاولة من قبل امثال الزرقاوي لاحتلال الارض، في معرض سرده لكلمة مؤسس تنظيم القاعدة في العراق »ان المارد الاسلامي اذا استيقظ فلن يقف دون ابواب روما وواشنطن وباريس ولندن«. فهناك حلم اسلامي باعادة التاريخ، قامت القاعدة بترجمة اوليات هذا الحلم على الارض، من خلال القيام بعمليات قتل واشاعة للفوضى واسعة في عموم الارض. اما ما يتصل بالشيعة في خطاب الزرقاوي، فان الكاتب يرى امكانية تفهم، وليس قبول، ان يصدر هذا الكلام من خارج على القانون، ولكن لا يمكن ان يُتفهم اذا ما صدر من رجال دين اخرين يفترض انهم اسمى من الارهاب(ص116). حيث يذكر نموذجين لرجال دين ليسوا من القاعدة تحدثوا بنفس لهجة الزرقاوي عن الشيعة. الشيخ صالح الفوزان عضو مجلس الافتاء السعودي الذي صرح في جريدة الحياة3-4-2004 بان الشيعة اهل باطل وضلال ولا يمكن التقارب معهم الا ان يتوبوا(ص116). والنموذج الثاني هو بيان وقَّعه 156 رجل دين سعودي يعترضون فيه على تغيير المناهج، وتضمن البيان ان الشيعة يقفون خلف رغبة الامريكان بتغيير المناهج الدراسية(ص116). وعلى هذا الاساس يبدو ان الزرقاوي شرعن لنفسه العنف ضد الشيعة، من هنا الا يمكن ان نتصور ان الجهل وصل الى الزرقاوي نفسه؟ والى 156 عالما سعوديا يرون ان الشيعة هم من دعا امريكا لان يقوموا بتغيير المناهج؟ ولا يتأسس الارهاب وفق رؤية بهذا الحجم من السطحية من وجهة نظر الكاتب، بل هناك ما هواكثر سطحية، فهو يرى ان عمليات القتل التي تصيب العراقيين سببها موقف غير دموي لشعب العراق امام الاحتلال الامريكي للعراق »لان معظم العراقيين اخذوا طريق المقاومة السلمية.. قاموا ينتقمون من جميع العراقيين بلا استثناء«(ص109).

اخطر ما في الارهاب انه يستند الى فتاوى شرعية او تغاض من قبل الفقهاء او تساهل في الخطاب. ولا شك ان الفتوى العلنية في الوقت الحالي اصبحت غير ممكنة نظرا لملاحقة الادارة الامريكية لكل من يطلق هذه الفتاوى. ولكن هناك تغاض، فهيئة علماء المسلمين كما يؤكد الكاتب تبرر افعال تنظيم القاعدة في العراق(ص111). وثم فان القرضاوي نفسه  قال، عند اتصال من قبل شخص تحدث عن ان (المقاومة) عندما تخطف شخصا له علاقة بالامريكان تحقق معه فان ثبتت ادانته يقطع رأسه، »من ثبت انه جاسوس فقتله مشروع بالاجماع، مادام الاخوة (لاحظ الاخوة) يحققون ويثبتون ان الشخص يعمل لمصلحة المحتل«(ص112). وهنا نرى القمني يشعر بقساوة هذا الكلام، وخطورته، وهو يتضمن حديثا عن اخوة القتلة للقرضاوي. ويضيف الكاتب كلاما يكمل فيه القرضاوي سوء فتواه »انهم يحققون معهم.. هذا امر واضح لا يحتاج الى اجماع علماء المسلمين.. هناك علماء مسلمين في العراق اجتمعوا واصدروا وقرروا وهم في هذا كفاة«(ص112).

حديث القرضاوي يشير، اضافة الى ماذكره القمني، الى خلل جديد في منظومة القيم التي يؤمن بها الفقيه المسلم، فاين غابت الدولة عن كل هذا؟ وهل حل محلها حكم العصابات لمجرد انها تمثل مقاومة؟ فدم الناس رهن برؤية مجموعة من الناس. والمشكلة هنا تكمن في ازدواجية المعايير، فالقرضاوي الذي استنكر تفجيرات القاعدة الامريكية في قطر، هو صاحب الحديث عن اهمية ما يفعله المقاومون في العراق. مثل هؤلاء الفقهاء هم من يؤسس للعنف، ويدفع الشباب المسلم نحو النار. من هنا يمثل الجهل المستشري في صفوف المسلمين، والتربية التي تؤسس لايدلوجيا شديدة التأثير، يمثلان الاساس الذي يدفع باتجاه عنف اوسع.

ويؤكد القمني على خطورة الدور الذي يلعبه الاعلام العربي(ص110)، الى درجة ان بعض الاجندة استغلت اعلام الدولة للقيام بالدور التعبوي لصالح الجهاد. وهو العامل الثالث الذي ينضمُّ الى الجهل والتربية. فالاعلام يقوم اولا ومن خلال الصور الدموية التي يعرضها بشكل مستمر، بجعل منظر الدم منظرا طبيعيا. وثانيا هو يعطي مجالا واسعا للترويج للعنف او لتغطية الارهاب من خلال نسبة العمل الارهابي الى اوساط خارج الاطار الديني. هنا تحديدا يرى القمني ان اتهام اوساط غربية واسرائيلية بالقيام بعمليات تشوه صورة الاسلام(ص111).

 

 

 

ماذا عن الشيعة؟

رغم ان قضية الارهاب تستند الى منطلقات دينية يشترك فيها السنة والشيعة، فان الشيعة على ما يبدو تمكنوا من تجاوز جزء من مؤثرات هذه المنطلقات، خصوصا بعد العنف الذي ذهبوا ضحيته. ولكن ما زال حزب الله وايران يدافعون عن العمليات الانتحارية في فلسطين. وحتى شيعة العراق فان بعض التيارات مازالت متمسكة بالعنف لفرض توجهاتها على الاخرين، ويتضمن كتاب "دليل المجاهد" الذي كتبه اية الله الحائري في الثمانينات فتاوى لا تبشر بخير، وهو كتاب يوزع من قبل مكتب هذا الفقيه حتى هذا الوقت في النجف. غير ان مستوى العنف في هذه الطائفة اقل من غيره نظرا للطابع التراجيدي الذي تنطبع به، وثقافة الانتظار التي يتمسكون بها.

بين الدين ورجال الدين

يطرح سيد محمود القمني سؤالا كبيرا، هل الاسلام هو سبب تخلف المسلمين؟ انه سؤال خطير تمنع الاوساط الدينية طرحه، فضلا عن الاجابة بنعم عليه. قارن الكاتب بين فترتين من تاريخ المسلمين، الحاضر الملئ بالاخفاقات، والقرنين الاول والثاني من الهجرة المتطورين. من هنا يرى "ان المشكلة ليست في الدين، ولا في اي دين، لكنها في كيفية استثمار هذا الدين" 128،فقد وظف الاسلاميون الاسلام اليوم لاهداف سياسية. ولكن يبدو انه غاب عن الكاتب ان هذا الدين تم توظيفه لنفس الاغراض في القرنين الاول والثاني من الهجرة، ورغم هذا حدث التطور. فالمسألة ليست مجرد توظيف للدين في اغراض سياسية محددة. انها اعمق من ذلك بكثير. انها العلاقة الطردية بين التاريخ والفكرة، بين الزمان والعلاج.

هنا طرح سيد القمني سببا يرتبط بالاسلام، انه »انعدام رأي اخر يؤدي الى جدل مثر ونقاش حول الدين وحول الحياة لتفرز جديدها«(ص128). فعلا ان الرؤية الواحدة التي يدفع باتجاهها الدين، وحصر التعددية داخل اركانه تمثل خطرا على الدين نفسه، لانها قد ادت الى صناعة منهج احادي سيكون مضادا للدين ان قرر المسلمون التخلي عما امنوا به، كما حدث ذلك في اوربا. وان غياب التعددية عن واجهة المجتمع وكتم الاصوات المغايرة يؤدي الى نتائج خطيرة. واذا كان المسلمون قد تمكنوا من فرض نمط من التعددية داخل البيت الاسلامي نفسه، فظهرت المذاهب الفقهية، والمدارس الكلامية والاتجاهات الفلسفية، فانهم اليوم غير قادرين على تطوير هذه التعددية. فهذا الحد من التعددية لن يكون مثمرا على طول الخط، لابد من تجدد وجوه التعددية، في حين ان التعددية الاسلامية بقيت عند حدود التصنيف التقليدي، اشاعرة ومعتزلة، شيعة وسنة، فلاسفة ومتكلمون ومتصوفة... وحتى التيارات التي ظهرت مؤخرا في المغرب العربي، بقيت من حيث التجانس خارج الدائرة الدينية، وأُجمع تقريبا على اتهامها بالكفر. فغياب العقل النقدي، وانتظار الحل من دون تعب، والقاء العبأ على فقهاء تم تحميلهم مسؤولية ليسوا قادرين على تحملها لوحدهم اضحى معضلة، جعلت من العنف حلا وحيدا للخروج من مأزق التحديات التي تفرضها الحضارة والاستحقاقات، فاذا بالعنف يؤسس لمأزق اخطر.

خاتمة

ان ميزة سيد القمني فيما كتب تكمن في:

اولا؛ في الجرأة الكبيرة التي تحدى بها تيار ديني جارف في مصر.

ثانيا؛ انه عالج القضايا بعيدا عن الجانب النظري، والمرجعيات الدينية.

لقدقام القمني بما لم يقم به نظراؤه من نقاد الفكر الديني الاخرين كـ(أركون والجابري وابو زيد) فقد تصدى بشكل مباشر في مقالات هذا الكتاب للخطاب الديني بتفصيلاته اليومية، ما جعل أفكاره سهلة ومنفعلة.

وحقيقة ان التيارات الدينية المتطرفة مثلت تحد كبير للمجتمع المسلم المعاصر، وانها ستبقى مهما تمكنت الحكومات من الانقضاض على بعض تجلياتها، لان المسـألة ليست مسألة جسم غريب يمكن استئصاله، انها ورم من نفس جنس اجسادنا، انها جزء من البدن الاسلامي، وهو بدن ان لم يتم اعادة علاجه سيبقى يفرز مثل هذه الأورام، لست معنيا بالولايات المتحدة او أوربا، هل هي على خير ام على شر؟، هذا شأنها، ولكن شأننا ان نقوم بإصلاح ذواتنا، الى إعادة النظر في ثوابتنا، وليس معنى إعادة النظر بالضرورة ان يتم تغيير تلك الثوابت، لا  لابد ان نفكر في مدى جداوها، ومدى علاقتها بهذه المجموعات التي صنعت الموت في كل مكان. اننا مطالبون اليوم بوضع حد لما انتج هذا الموت، لانه سيبقى فاعلا في اوساطنا، وسيدمرنا طائفة تلو الاخرى، وشخصا تلو الاخر.

الهوامش

1.  القمني، سيد محمود، أهل الدين والديمقراطية، ط1، 2004، دار مصر المحروسة.

2. الكتاب مجموعة مقالات نشرها الكاتب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ويعد السيد محمود القمني من الكتاب الذين لاحقوا التيار الديني المتطرف والمؤثر عربياً وتعرض لهجوم عنيف من قبل الإسلاميين، انتهى ببيان صادر من جهة دينية متطرفة، يتضمن تهديداً صريحاً ما دعى الكاتب إلى اعلان توقفه عن الكتابة حفاظاً على حياته وبقاءه بين أبناءه.