|
الحواجز
الاجتماعية والثقافية
في
الإسلام في الشرق الأوسط*
تأليف: برنارد لويس
ترجمة: خضير اللامي
ادرك المراقبون في الشرق الاوسط، في غضون القرنين الثامن
عشر والتاسع عشر وبدايات القرن العشرين، على نـحو متزايد،
التباين في القوة العسكرية بين الشرق الاوسط والدول
الغربية، وركزوا اهتمامهم على صنع الاسلحة وادارة الصراع.
وبعد ذلك ، انتبهوا الى الانتاج الاقتصادي وادارة الحكومة،
ووجدوا أن المصادر الاولية تميل في صالح الغرب. وقد حاولوا
من خلال فحص تلك الاشياء، ان يجدوا ما هو اكثر تميزاً
وتفاوتاً بما يتعلق بطريق الغرب في التعامل مع هذه الاشياء،
من أجل معرفة مصدر التفوق الغربي.
خلال بحث هؤلاء المراقبين عن الغامض من أسباب التفوق
الغربي فانهم نظروا في الغالب الى ما كان مرئياً وملموساً
مما يختلف عن اسلوبهم في انجاز الاشياء. ثم حاولوا ان
يتبنوا ويحوروا واخيراً ان يشتروا المصادر المنظورة للقوة
والازدهار (عسكرياً واقتصادياً وسياسياً) وعلى هذه الحقول
الثلاثة ركزوا جهودهم الرئيسية، وبنتائج محدودة واحياناً
سلبية.
ولكن ثمة مظاهر لاختلافات اخرى، بين المجتمع الاسلامي
والمجتمع المسيحي. اكثر عمقاً. مما لاحظه هؤلاء المراقبون.
وسأحاول ان اوضح ثلاثة من هذه المظاهر، باقتباس ما قاله
بعض زوار الشرق الاوسط الى الغرب. وهذه المظاهر الثلاثة
تركية فحسب. ذلك ان الاتراك كانو سباقين في زيارة الغرب
لحقبة من الزمن. اذا لم نقل، انهم المسافرون الوحيدون الى
اوربا.
الاقتباس الاول ذكره ايفليا جلبي (Evliya
- Cclebi) الكاتب التركي
المعروف في عصره الذي زار فينا في عام 1665. بصفته جزءاً
من بعثته الدبلوماسية العثمانية. وفي سياقات طويلة
وتفصيلية للعاصمة الامبراطورية ولمغامراته هناك. وصف
ايفيليا مشهداً رائعاً جداً قد رآه بنفسه: رأيت في هذا
البلد مشهداً رائعاً فاينما يقابل الامبراطور امرأة في
الشارع فانه يبادر لمعاملتها باحترام، فان كان ممتطياً
حصاناً ، يوقف حصانه لتمر المرأة. وان كان راجلاً فانه يقف
لحييها بطريقة مهذبة. فينزع لها قبعته، فتبادله المرأة
التحية . بعد ذلك وبعد مرورها يستمر الامبراطور في طريقه.
انه في الواقع مشهد استثنائي. ويبدوا أن في هذا البلد أو
بصفة خاصة في اراضي الكفار، فان المراة لها القول، اذ انها
تحظى بالكرامة والاحترام النابع من احترام (ماري) الأم.
ونموذجي الثاني يأتي من دبلوماسي عثماني اخر في فينا، هو
السفير (مصطفى حتي افندي) (Mustafa
Hatti Efendi) الذي وصف في
تقرير له، مؤرخ في عام 1748 زيارة الى مرصد بوصفه ضيف
الامبراطور ويتحدث عن وسائل غريبة ومواضيع مدهشة، شاهدها
هناك:
يقول وهو يصف لنا احد الاختراعات: ثمة غرفتان متجاورتان.
توجد في احداهما عجلة، وفي تلك العجلة ثمة كرتان كبيرتان
مصنوعتان من مادة الكرستال. وملحقة فيهما اسطوانة فارغة ،
اضيق من قصبة المزمار ، ومنها تمتد سلسلة طويلة الى الغرفة
الاخرى. وعندما تستدير العجلة تجري ريح نارية عبر السلسلة
الى الغرفة الاخرى. حيث تتدفق من الارض، فان لمسها شخص ما،
فان تلك الريح تضربه وترج جميع جسمه. والمدهش. أن ممسك هذه
السلسلة إن إن أمسك شخصاً آخر انتقلت الصدمة إليه، وهكذا
الى ان تتشكل حلقة من عشرين او ثلاثين شخصاً فجميعهم يشعر
بالصدمة ذاتها في الاصبع و في الجسم كما هو حال الاول
وعندما حاولنا أن نكتشف السبب بانفسنا ـ إذ أنهم لم يعطونا
تعليلاً لتلك الظاهرة ـ بدا لنا ان كل شيء عبارة عن لعبة
محضة لا تستحق ان نبحث عن معلومات ابعد عنها.
وثمة اختراع اخر ... يحتوي على قناني زجاجية صغيرة ،
رايناها تقدح باتجاه حجر وخشب ، دون ان تنكسر القناني او
تصاب بشيء. ثم توضع شظايا من الصوان في القناني ، وتقاوم
هذه القناني السميكة تأثير الحجر والخشب، تتحلل الى نوع من
الدقيق، وعندما نسال ما معنى ذلك؟! يقولون لنا عندما يتمدد
الزجاج بفعل النار ، ويدفأ في ماء بارد، يتحول الى ذلك
الدقيق . اما نـحن ، فأننا نعد ذلك الجواب منافياً للطبيعة
في خدعتهم الفرنجية.
أما مشهدي الثالث فنأخذه من السفير العثماني واصف أفندي
(Vasif Efendi)
الذي عاش في أسبانيا من عام 1787 إلى عام 1789 الذي يصف
فيه ارتباطاته الاجتماعية، قائلاً: يُعجب الاسبان أثناء
وجبات الطعام.. بالموسيقيين الذين رافقوا بعثتنا، تحت أمرة
الملك، كما أن النبلاء دعونا واحداً بعد الآخر إلى وجبة
العشاء. ومع ذلك عانينا الضجر من العزف الموسيقي.
تؤشر المواضيع الرئيسية لهذه الاقتباسات الثلاثة،
لـ(المرأة والعلوم والموسيقى)، اختلافات حاسمة، في الهدف
والموقف والفهم، بين حضارتين متجاورتين.دعونا ننظر اليها
بدقة أكثر.
كان الاختلاف في وضع المرأة في الحقيقة، واحداً من أغلب
التناقضات الحادة بين الممارسة المسيحية والممارسة
الإسلامية. وقد نقلها أغلب المسافرين من الاتجاهين.. تحرم
المسيحية، في جميع الكنائس والطوائف تعدد الزوجات وامتلاك
المحضيات. ويسمح الإسلام مثل أغلب المجتمعات غير المسيحية
الأخرى بتعدد الزوجات وامتلاك المحضيات. كان الزوار
الأوربيون للأقاليم الإسلامية قد أُسروا بما قد عرفوه، أو
إذا ارتأينا الدقة، ما قد سمعوه فيما يتعلق بنظام الحريم.
وبعضهم يتحدث عن حسد مكتوم، والمعلومة غير دقيقة لما قد
يتصورون أنه يكون حقوقاً وامتيازات للزوج المسلم ورب
البيت. ويتكلم الزوار المسلمين إلى أوربا بدهشة، وأحياناً
برعب على اللااحتشام وتمرد المرأة الغربية، وعن الحرية
المطلقة وإذعان الرجل للمرأة، فضلاً عن افتقار الغيرة لدى
الرجال الأوريبيين الذين يواجهون اللاأخلاقية والاتصال
اللاشرعي عند المرأة وانغماسها في الملذات. فإننا نجد هذه
المشاهد حتى في أغلب المكانات غير المتوقعة. وهكذا، وعلى
سبيل المثال، يتحدث السفير المغربي الذي كان في أسبانيا
عام 1766 عن الحرية والطريقة السهلة للحصول على السيدات
الاسبانيات وعن غياب الاحساس الذكوري بالشرف بين
أزواجهن(4). فإن كان انطباعه هذا عن البلاط الأسباني فإن
المرء يرتعد فرصاً من التفكير بما قد كتبه عن سفراته إلى
أوربا.
وكان الانطباع الذي تولد عند ايفيليا جلبي يعبر تماماً
عن استجابة الشرق الأوسط الطبيعية تجاه المجاملة المعتادة
التي يقدمها امبراطور النمسا لإمرأة. وأشار صراحة إلى أنه
نفسه لم يكن ليعتقد بالقصة لو لم يشاهدها بعينه. فشرحه
للاحترام الاستثنائي الممنوح للمرأة في العالم المسيحي يجب
أن لا يصرف النظر عن كون هذا الاحترام عملية عبثية. وبصفة
خاصة، إذا كان المرء يعتقد ـ طبقاً للتقاليد الإسلامية ـ
أن الثالوث المقدس (الرب، والمسيح ومريم) (Trinity)
يدينه الإسلام لأنه يقترب من الشرك والتجديف.
وثمة الكثير من القصص الاستثنائية التي يمكن قصها، ففي
سبيل المثال، إن وحيد أفندي (Vahid
Eefndi) الذي سافر عبر أوربا
بوصفه سفيرا عثمانياً في باريس عام 1806، وصف رحلته
والأمكنة التي مكث فيها بتفاصيل دقيقة. وهذه واحدة من
القصص: ((كان حاضراً في أحدى المآدب الأوربية، كثير من
النساء. وكن يجلسن إلى مائدة الطعام، بينما يجلس الرجال
خلفهن ويراقبوهن كحيوانات جائعة بينما هن يتناولن الطعام
فان شعرن بالشفقة على حالهم قدمن لهم بعض الطعام واذا لم
يشعرن بذلك يبقى الرجال في جوعهم)) لا اعرف اين سمع بهذه
القصة بيد انها لم تكن غير محتملة اكثر من بعض القصص التي
رواها زوار الغرب عن ما يجري حول الحريم في المجتمع
الإسلامي.
فوضع المرأة مع أنه يشكل ـ على الأرجح ـ الأكثر والاعمق
تباينا بين الحضارتين ما يجعله يثير الانتباه اكثر من
قضايا السلاح والمصانع والبرلمانات ولا يختلف الغربيون
كثيرا عن الشرق اوسطيين في هذا الموضوع*.
وطبقا للشريعة الاسلامية ثمة ثلاثة اصناف من الناس الذين
لا يستفيدون من المبدأ العام للاسلام في الشريعة والمساواة
الدينية . هم (الكفار والعبيد والمرأة) فمن الواضح ان
المرأة تحتل الموقع الاول في هذا المجال اذ بامكان العبد
ان يتحرر من مالكه والمشرك يتحول الى غير دينه وبارادته
بيد ان المرأة هي المخلوق الوحيد المحكوم بالبقاء على شرطه
الاجتماعي.
واحدثت * عملية نشوء القوة الغربية وانتشار نفوذها
متغيرات هامة في العناصر الثلاثة اعلاه ، مأ ادى لأن توجه
القوى المسيحية عنيتها للرعايا المسيحيين في الدول
الاسلامية تستخدم نفوذها الكبير والمتنامي ليضمن لهم
المساواة المشروعة والامتيازات الاقتصادية لدفعهم باتجاه
الانعتاق. وقد كان المسيحيون هم المقصودون، واستفاد اليهود
عرضا من هذا الموضوع.
وتشكل العبودية ايضا قلقا للقوى الاوربية وبصفة خاصة
المملكة المتحدة التي الغتها داخل امبراطوريتها في مستهل
القرن التاسع عشر وتعاملت مع تجارة العبيد بوصفها جريمة
انسانية كما هو حال القرصنة التي يجب ان تخمد وتعاقب اين
ما وجدت على البر والبحر . وفي اواخر القرن العشرين الغيت
العبودية في الشرق الاوسط مع استثناءات محلية . قليلة.
اما الصراع من اجل حقوق المرأة فبرهن على صعوبة اكبر
وما زالت نتيجة ذلك الصراع بعيدة عن الوضوح فالقوى
الاوربية التي استخدمت نفوذها بل وحتى جيوشها لغرض الغاء
نظام العبودية، وتحرير غير المسلمين منها، لم تظهر اية
جدية لانهاء خضوع المرأة. ويبدو ليس ثمة بصيص امل. صحيح ان
الاصلاحيين في الشرق الاوسط او الناصحين لهم من الاوربيين
كانوا يعنون بهذه القضية . إلا أن متابعت القوى
الامبريالية لهذه المسألة اتسمت بالحذر الشديد. تجنا
لتعبئة اراء المسلمين ضدهم دون فائدة. وفي مناطق معينة من
الاستعمار مثل شمال افريقيا الفرنسية واسيا الوسطى
السوفيتية ، ثمة طبقة من المسلمين المتعلمين يشبهون في
ثقافاتهم اسيادهم الامبرياليين وقد اقتدوا بهم في
ممارساتهم بخصوص معالجة مشكلة المرأة. ولكن كان هذا باية
حال أمراً محدودا وهامشيا.
ومع ذلك فان الصراع من اجل تحرير المراة ، خلق بعض
التقدم في المجال الاقتصادي والاجتماعي في الاقسام الاكثر
تقدما في المنطقة واصبح هدفا رئيسا لمختلف مدارس انبعاث
الميليشيات اسلامية. وبصورة خاصة ، اية الله خميني الذي
اعطاها مكانا متمايزا في اتهامه لذنوب وجرائم الشاه. ومن
وجهة النظر التقليدية، فان تحرير المرأة .. وخاصة ، السماح
لها في الكشف عن وجهها ، وذراعيها، وساقيها، والاختلاط
الاجتماعي في المدارس، او العمل مع الرجل ـ هو تحريض على
اللااخلاق والاختلاط وطعنة مميتة الى اعمق اعماق المجتمع
الاسلامي، والاسرة المسلمة، والوطن. وتستمر المعركة هكذا!
والمثال المبكر الذي ادرجه في ادناه ، يمكنني من مناقشة
مبدئية لحقوق المرأة جاء في موضوع كتبه نامق كمال كاتب
القرن التاسع عشر .واحد قادة الشباب العثماني (Young
Ottomans) ونشر في صحيفة
تصويرالافكار (Tasvir Iefkar)
في عام 1867:
اننا نرى نساءنا وجبة طعام وهدفا غير نافع للبشرية
باستثناء الانجاب، وببساطة تعد وجبة طعام لذيذة ، مثل آلات
الموسيقى، او الجواهر، وبرغم انهن يشكلن نصفنا، نمنعهن من
الاسهام من مساندة واصلاح الاخرين، وبهذا يصاب مجتمعنا كما
يصاب جسد الانسان بالشلل في جانب منه، والمرأة ليست خاضعة
فكريا وجسديا للرجل. خاصة وأن المرأة كانت في الازمنة
القديمة تشارك في جميع نشاطات الرجل بما فيها الحرب،
والمرأة الريفية تشارك في الزراعة والتجارة ... وهنا
السؤال يطرح نفسه ، لماذا تحرم المراة بيننا بهذه
الطريقة؟ هل لانها جاهلة بحقوقها؟
عندما كتب نامق كمال هذا الموضوع كان شابا راديكاليا
وبعد مدة قصيرة ذهب الى المنفى في باريس حيث انضم مع اخرين
الى مجلات تحريضية معارضة ولكنه عاد الى تركيا عام 1870،
ووضف طاقاته الكبيرة كاتبا وناشطا ولم يعد على اية حال الى
هذه الثيمة الخاصة ، وكرس اغلب طاقاته في المواضيع
المتعلقة في البلد والحرية بعبارة اخرى في الوطنية
والليبرالية. تغير نامق كمال ، وتغير اخرون بعده. فاذا لم
تتغير عقولهم فهم يتغيرون نـحو الافضل.
ولكن ليس الجميع .ففي عام 1899 ظهر كتاب لافت للنظر
باللغة العربية بعنوان تحرير المرأة (The
Liberation of woman) ألفه قاسم
امين وهو محامي مصري شاب درس في باريس وكانت له صديقة
فرنسية يبدو ان لها تاثيرا واضحا عليه. وعندما كان هناك
تحول الى مدافع متحمس لحقوق المرأة. وثيمة كتابه هو الحاجة
الى تحسين ظروف المراة عن طريق تعليمها . وهكذا نمنحها
مدخلا للحياة الاجتماعية والحرفية. واقترح بصفة خاصة الغاء
الحجاب واعادة تاويل الآيات القرآنية التي عادة ما اولت
لاقرار تعدد الزوجات وامتلاك المحظيات وحق الرجل في طلاق
زوجته، وجادل من اجل تحرير المرأة مؤكدا: هل سيكون المجتمع
الاسلامي نفسه حرا دون ان يكون اعضاءه احرارا؟ وبرغم
محاولاته لتبرير اراءه الثورية. فقد أثار كتابه ردة فعل
قوية جدا في المؤسسة الاصولية في مصر وفي مكانات اخرى.
ولكن الكتاب استمر في الانتشار وترجم الى اللغة التركية
ولغات اخرى. وكان له تاثيراً كبير اً وبصفة خاصة في الجيل
النسوي الناهض وقد تعلم بعض النسوة القراءة والكتابة
لتوفير فرصة قراءة هذا الكتاب.
والتغييرات العملية في موضوع المراة تاتي بطرق عدة
وناشئة عن ظروف اغلبها تعزى الى النموذج الغربي الاصيل.
فالغاء نظام العبودية يزيد الطلب على النظام اللاشرعي
للمحظيات. برغم انه بقي حقبة زمنية في بعض المناطق لكنه
توقف ان يكون شائعا او مقبولا. وفي اقطار قليلة وبصفة خاصة
تركيا، وتونس، وايران الشاه فان نظام تعدد الزوجات ما زال
ساري المفعول. وفي دول اسلامية اخرى ما زال القانون فاعلا
ويطوق قيودا شرعية بيد انه لم يكن مقبولا اجتماعيا بين
الطبقات العليا والوسطى في المدينة. وبصرف النظر عن عدم
جدواه اقتصاديا بين الطبقات السفلى في المدينة. اما تعدد
الزوجات فهو نادر جدا الان خارج الجزيرة العربية حيث يمتلك
الرجال الثروة والموارد.
فالتقدم الواسع والمبكر يحدث عندما تكون المراة في
الموقع الاقتصادي، وان كان تحت الحكم التقليدي فهو الى حد
ما جيد وافضل بكثير من وضع المراة في معظم البلدان
المسيحية قبل تبني التشريع الحديث. فالمراة المسلمة زوجة
وبنت تمتلك حقوق الملكية المحدودة جدا التي يعترف بها
القانون ويضفي عليها الصبغة الالزامية.
وكانت المتطلبات والمتغيرات الاقتصادية الحالية عاملا
رئيسيا. كما اوضح نامق كمال. فالمراة الريفية منذ زمن بعيد
تشكل مفصلا هاما في القوة العاملة. فكانت بالنتيجة تتمتع
بحرية اجتماعية لا تتمتع بها اختها في المدن. وتحديث
الاقتصاد يحمل معه الحاجة الملحة الى المراة العاملة. وقد
تضاعفت هذه الحاجة عدة مرات في غضون سنوات الحرب التي
تورطت فيها الامبراطورية العثمانية بين سنتي 1911و 1922
عندما كان كثير من الرجال في القوات المسلحة كانت المراة
بحاجة الى الاستمرار في تسيير شؤون الحياة، وهذا له نتيجة
هامة في التعليم وزيادة متوازنة في عدد النساء اللائي دخلن
في الكليات والجامعات لاكمال دراستهن كما نجد في اخر
الحقبة العثمانية مجلات تعنى بشؤون المراة تحرر من قبل
النساء والرجال وشرعت المراة في ممارسة ما يسمى (المهن
النسائية) كالتمريض والتدريس، وفي وقت قصير تغلغلن في
الحرف الاخرى.
بيد ان رد الفعل كان يتنامى وكان اقبال النساء على الحرف
التقليدية مثل التدريس لايروق للأسلاميين السلفيين وكان
الخميني في مواعظه وكتاباته الدينية قبل وبعد الثورة
الاسلامية 1979 يتحدث بغضب شديد عما سماه فجور محتم وذكر
ان هذا نتاج عن تدريس النساء للاولاد المراهقين.
اما كمال اتاتورك مؤسس الجمهورية التركية فقد اتخذ موقفا
مناهضا تماما. ففي سلسلة له من الخطب في بداية القرن
العشرين جادل ببلاغته المعهودة عن تحرير تام للمراة في
الدولة والمجتمع التركي. بهذه العبارات خاطب أتاتورك شعبه
عدت مرات: (هذه هي مهمتنا العاجلة الحالية، مهمة اللحاق
بالعالم الحديث ولا نستطيع ان نلحق بالعالم الحديث اذا
نـحن حدثنا نصف سكاننا فحسب. هذا تسويغ مدهش للجدال في
بداية القرن العشرين بيد انه جاء من مصدر غير متوقع من
باشا عثماني وجنرال، ولكنه مع ذلك، مؤسس تركيا الحديثة
ايضا.
واصبحت حقوق المراة في الجمهورية التركية جزء من
الايديولوجية الكمالية الرسمية ولعبت المراة دورا متزايدا
في الحياة العامة وبغض النظر عن تركيا فان مسالة الحقوق
السياسية كانت غير مهمة نسبيا في المنطقة باستثناءات قليلة
وانظمة برلمانية غير مستقرة منحت على وجه التقريب الانظمة
الفردية السيطرة اما عن طريق الجيش او الحزب ويبدو ان
موضوع الحقوق السياسية على اية حال لا معنى له في هذه
المجتمعات. اما في تركيا فكان على العكس من ذلك فان الحقوق
السياسية اكتسبت اهمية خاصة.
وينزع الغربيون بطبيعتهم الى الافتراض ان انعتاق المراة
هو جزء من عملية التحرر وبناء على ذلك فان حال المراة
سيكون افضل في ظل الانظمة الليبرالية منه وفي ظل الانظمة
الاوتقراطية. ومثل هذا الافتراض سيكون مزيفا ويحصل العكس
حيث يلاقي انعتاق المراة نجاحا كبيرا في بعض الاقطار
العربية. العراق واليمن الجنوبي سابقا وكلاهما يرزحان تحت
نظام قمعي ويتلكأ في مصر الدولة الاكثر تسامحا وانفتاحا في
المجتمعات العربية. وفي مثل تلك المجتمعات ما يزال الرأي
العام فيها حصرا على الرجال وخاصة بين المحافظين منهم. وقد
عانت قضية حقوق المراة معارضة شديدة في البلدان التي فيها
سلفيون يمارسون نفوذا مثل ايران وافغانستان، التي يحكمونها
. كما هو معروف الان، وكان تحرير المراة عن طريق حكام
محدثين هو واحد من أهم التحديات التي يواجهها الاصوليين
والراديكاليين ، والغاء هذه النزعة هو في مقدمة اجندتهم.
ويقبل اغلب المتطرفين والمناهضين للغرب هذه الايام
الحاجة الى التحديث، والحاجة الى الاستخدام التام
للتكنولوجيا. وبصفة خاصة تكنولوجيات الحروب والدعاية.
وبرغم ان الصناعة تأتي من الغرب فانها تقبل باعتبارها
ضرورة. فقضايا المرأة غربنة، من وجهة نظر المحافظين
السلفيين والاصوليين والراديكاليين وليس ضرورة وتضليلا
لحقيقة القيم الاسلامية.
والتباين بين الحداثة والغربنة، واضح، ولكن ليس حصرا في
العلاقة بين الرجل والمرأة ويمكن ان نلاحظه في الاصلاحات
التي طرأت على الازياء التي بدأت في نهاية القرن الثامن
عشر، واستمرت وبشكل متقطع احيانا منذ ذلك الحين وبدأت
العملية عندما شكل السلطان الافواج الجديدة من العسكريين
على الطريقة الغربية، مجهزين باسلحة غربية، يقودها ضباط
وضباط صف غربيون وكان من الطبيعي ان يلبس السلطان جيشه زيا
غربيا موحدا. وفي الحقيقة فان احدى الوثائق تحث على
الاصلاحات وتذكر بوضوح الازياء العسكرية للجيش والفائدة من
استخدام ذلك الزي باعتباره بسيطا ومتميزا .
ومن الزي العسكري ، شملت الاصلاحات الزي المدني. إذ
يرتدي الموظفون البيروقراطيون السروال والسترة الطويلة،
بدلا من ملابسهم القديمة المريحة. وبقيت الخوذة، والطربوش،
والعمة والكوفية لتميزهم عن الغرب. فمن يزور مقبرة عثمانية
سيجد شواهد القبور المزخرف بالنقوش، وفي اعلاها غطاء رأس
الجندي، وبالامكان تشخيص قبر ضابط انكشاري او قاض او اي
شخص اخر.
ولكن هذا قد تغير . وبقي جنود الشرق الاوسط ولحقبة طويلة
يرتدون الزي الاوربي مع الخوذة الاسلامية واهمال القبعة
الاوربية ذات الحافات التي تعوق عبادة المسلم من جهة
ولانها تعد رمزا للكافر . وفي تلك الايام كانوا يرتدون
قبعة (Sapka giymek)
وهي قبعة تركية لكي لا يقال عنهم انهم مرتدّون. اما اليوم
فان القوات المسلحة والموظفين وقسما كبيرا من الرجال
المدينيين (نسبة الى المدينة) قد تبنوا اسلوب الزي الغربي
بما في ذلك دبلوماسيو الجمهورية الاسلامية الايرانية الذين
يرتدون البدلات الغربية لكنهم مع ذلك لا يرتدون ربطة العنق
التي تعد من رموز ثقافة الغرب وربما شكل الصليب تحديداً.
وتظهر استجابة الشرق الاوسط للعلوم الغربية تشابهات
مفيدة مع الاستجابة الانثوية. كما تعرض التباينات الحادة.
في البداية كان التشابه الاول مثل الثاني ولكنهما تشابهان
سلبيان وجديران بالازدراء ولم تكن تعليقات (حتي افندي) غير
نموذجية لان فوائد التربية العلمية لا تشبه تلك المتعلقة
بتحرير المراة، لان الاولى كانت مرئية وملموسة وعاجلة
وحدثت بداية في الشؤون العسكرية التي كانت تحضى بالاهتمام
الاول في الاصلاحات وبعد ذلك في مظاهر الحياة الاخرى مثل
التدريس في علوم السلاح والملاحة ومن الضروري نقل معرفة
العلوم العسكرية الحديثة والمعلومات البحرية.
وفي غضون القرن التاسع عشر ازداد عدد الشباب المسلم
واغلبهم من الضباط والموظفين ومعظمهم عثمانيون بدأوا بطرح
الاسئلة: كيف يتهيا لاوربا وهي اصغر القارات، ان تكون اكبر
قوة في العالم الحديث وان تفرض سيادتها على العالم. والبعض
الاخر يتساءل عن نطاق سعة المعرفة - وذهب مصطفى سامي (Mustafa
Sami) السكرتير الاول في
السفارة العثمانية في باريس ولاحظ باندهاش في مقالة له
نشرها عام 1840 :" ان جميع الاوربيين نساء ورجالا تلقوا
تعليما يقدر بعشر سنوات ويعرفون القراءة والكتابة وثمة
مدارس خاصة لتعليم الصم والبكم. اكتشف الاوربيون بفضل
علومهم طرقا للتغلب على مرض الطاعون والامراض الاخرى كما
اخترعوا وسائل ميكانيكية للانتاج الجمالي "وتحدث عثماني
اخر يمتلك خبرة دبلوماسية هو صادق رفعت باشا (Sadik
Rifat Pasha) عن اهمية انجازات
الاوربيين في: "علوم الفضاء والموسيقى والطب... والسياسات
العالمية والعلوم العسكرية والزراعة والحيوانات والمعادن
وعلم التشريح.." ولاحظ ايضا ان ليس هناك من لا يقرأ او لا
يكتب من الذين التقاهم في اوربا ربما هذا القول فيه مبالغة
في منتصف القرن التاسع عشر ولكن المرء القاصر يقارن الفارق
بين الظروف التي وصفها وتلك التي في وطنه.
وخلال منتصف القرن التاسع عشر شدد المثقفون العثمانيون
بقوة على اهمية العلوم وذهب البعض منهم ابعد وتحدث عن
الصراع بين العلوم وما قد يسمى بحذر (Fanaticism)
او بمعنى اوضح بين العلوم والدين وازداد عدد الكتب العلمية
المترجمة وكثيرا ما تتصدرها مقدمة توضح اهمية العلوم في
التقدم في المجالات كافة.
اما الفلسفة المادية وبعدها الفلسفة الوضعية فقد وجدتا
ايضا مترجمين وكان احدهم الكاتب الشهير العالم والفيلسوف
الانجلو - امريكي جون وليام درابر (William
Draper) الف كتابا عن تاريخ
الصراع بين الدين والعلم ونشر عام 1872 في الولايات
المتحدة الامريكية وترجم الى اللغة التركية ونشر في
استنبول عام 1895 وثمة كاتب مادي اوربي اخر هو فريدريك
كارل بوخنر 1824- 1899 فقد اثر هو واوغست ام كونت (Auguste
Conte) بشكل خاص و فاعل في
التفكير السياسي لحزب الاتراك الفتيان (Young
Turksh) ومقلديهم من بين الشعوب
الاسلامية.
وبرغم جميع هذه الجهود وبرغم تاسيس المدارس وكليات
العلوم وفي الغالب كل الجامعات الجديدة وتاسيس العلوم
الحديثة كانت الوتيرة بطيئة ومقاومة الشرق الاوسط الاسلامي
لقبول العلوم اكثر جلاء. ان الاسهام الهائل للحضارة
الاسلامية في العصور الوسطى هو نتيجة نشوء العلوم الحديثة
وفي تنمية وتحول مختلف فروع العلوم.
وما كان دور العالم الاسلامي في القرون الوسطى يقصر على
جمع هذه العلوم بل طور العلماء القروسطيون واقتربوا مما
كان يستخدمه القدماء ـ التجربة واحدثوا حقا تقدما رئيسيا
في جميع العلوم من خلال هذه الوسائل وغيرها . وقد شكل هذا
الأمر نقلة في الغرب القروسطي فقد ذهب الطلاب المتلهفون
الى الدراسة الى مراكز التعليم الاسلامية في اسبانيا
وصقليا. بينما ترجمت النصوص العلمية الاخرى من العربية الى
اللغات اللاتينية بعضها اصلي والبعض الاخر محور من الاعمال
الاغريقية القديمة.
وبعد ذلك ثمة تغيرات دراماتيكية على وجه التقريب حدثت في
نهاية القرون الوسطى. ففي اوربا تقدمت الحركة العلمية بشكل
مذهل في عهد النهضة اعقب ذلك الاكتشافات والثورة
التكنولوجية والتغيرات الاخرى الهائلة على المستويين
الفكري والمادي التي سبقت وصاحبة وتبعت تلك الاكتشافات،
ووصل البحث المستقل الى نهايته في العالم الاسلامي فعليا.
وكانت العلوم في اغلب اقسامها قد تنافست في تبجيل العمل
المعرفي وهناك بعض الاختراعات العملية ـ وهكذا في سبيل
المثال موضوع التفقيس في مصر والتطعيم ضد امراض السفلس
والجدري في تركيا وكانت هذه المواضيع لا نراها على انها
جزء من العلوم ولكن بوصفها وسائل علمية ونعرفها بداية عن
المسافرين الغربيين.
والمواقف المتغيرة في الشرق الاوسط والغرب في التنمية
وقبول المعرفة العلمية دراماتيكياً متمثلة في اكتشاف
الدورة الدموية وفي التاريخ الغربي للعلوم يجير عادة في
صالح الطبيب الانجليزي وليام هارفي وصانع ملحمة : " مقالة
عن حركة القلب والدم (Essay on The
motion of the Heart and Blood)
التي نشرت عام 1628 وتحولت النظرية والممارسة الى حقل الطب
وقد سبق اكتشافه العظيم وساعده عمل الطبيب والثيولوجي
الاسباني ميغويل سرفيتوس (Maguel
Serveto) والمعروف باسم ميكائيل
سرفيتو ( 1011- 1553) (Michael
Servetus ) الذي بدوره مدين في
تاريخه العلمي للاكتشاف الذي نشر عام 1553 عن الليزر او
دورة الشرايين الرئوية للقلب هذا الاكتشاف كان حدسا
لتفاصيل مشابهة ومدهشة لما قام به الطبيب السوري ابن
النفيس في القرن الثالث عشر . ومن بين كتاباته البحث الطبي
الذي يتمرد فيه على السلطة الاوربية لجالينوس وابن سينا.
نشر نظريته عن الدورة الدموية باصطلاحات شبيهة بتلك التي
استخدمها سرفيتوس وتبناها هارفي
Harvey، ولكنها لا تشببهها
وتعتمد على استنتاج نظري اكثر من التجربة . وثمة عالم
مستشرق قد برهن على احتمال معرفة سرفيتوس باكتشاف ابن
النفيس. وقد حصل ذلك بفضل عالم عصر النهضة اندريه الباغو (Andrea
Alpago) الذي توفي (1520 م ) .
والذي انفق سنوات كثيرة في سوريا جامعا ومترجما المخطوطات
الطبية العربية. كان ابن النفيس طبيبا ناجحا وثريا توفي عن
عمر ناهز الثمانين. كان ارمل، لم ينجب اطفالا، وترك خلفه
منزلا فارها. واهدى مكتبته وعقاره الى مستشفى القاهرة.
وبقي كتابه ونظريته غير معروفتين وليس لهما تاثير في
ممارسة الطب. اما سرفيتوس فقد اعتقل في جنيف في الرابع عشر
من اب عام 1553. واتهم بالهرطقة والتجديف. وكانت السلطات
البروستانتية قد طالبت كالفن (Calvin)
أن يتراجع عن آرائه وإلا واجه العقوبات. ورفض سرفيتوس.
وأدين في السادس والعشرين من تشرين الأول أكتوبر 1553،
وأحرق في اليوم التالي بوصفه مهرطقاً وبقي عمله الطبي
مشكلاً القاعدة لتقدم العلوم الإنساسية، في السنوات التي
تلت حرقه.
وثمة مثال آخر، عن توسع الهوّة التي يمكن رؤيتها في
كارثة مرصد كبير بني في غالاتا (Galata)
في استانبول في عام 1577، عن مبادرة تقي الدين 1526- 1585(Taqial-din)
وهو شخصية كبيرة في تاريخ العلوم الإسلامية ومؤلف كتب
عديدة عن علوم الفلك، والبصريات، والساعات الميكانيكية.
ولد تقي الدين في سوريا أو مصر. درس في القاهرة، وبعد أن
عمل قاضياً ولاهوتياً، ذهب إلى استانبول حيث عين رئيس
منجمين (Munejjim bashi)
لدى السلطان سليم الثاني وبعد سنوات قليلة أقنع السلطان
الجديد مراد الثالث بأن يسمح له ببناء مرصد، يمكن مقارنته
في تجهيزاته التقنية وملاكاته المتخصصة مع مرصد المنجم
الهولندي تيكو براهي (Tycho Brahe)
بيد أن المقارنة انتهت وقد أنجز العمل في مرصد تيكوبراهي
وكان افتتاحه يعد تطوراً هائلاً في مجال العوم الفلكية.
أما مرصد تقي الدين فقد دمرته فرقة انكشارية بأمر السلطان
وبتوصية من المفتي الأعلى.
وانعكست العلاقة بين العالم المسيحي والإسلام في مجال
العلوم. فالذين كانوا أتباعاً أصبحوا اساتذة، والذين كانوا
أساتذة تحولوا إلى طلاب مستائين ومشاكسين. وكانت تدفعهم
الرغبة القوية إلى قبول انتاج علوم الكافر في الحروب
والطب. إذ تصنع اختلافاً بين النصر والاندحار، بين الحياة
والموت. بيد أن السياقات الاجتماعية والسياسية (Socipolitical)
والفلسفية برهنت على صعوبة أكبر للقبول أو حتى الاعتراف.
فهذا الرفض هو من أكثر الاختلافات الحادة بين الشرق
الأوسط وأقسام أخرى من العالم اللاغربي التي بطريقة أو
بأخرى تحملت عبئ الحضارة الغربية. وفي الوقت الحاضر، قام
علماء في أقطار آسيوية عديدة باسهامات هامة في حركة علمية
واسعة. ولم يعد كل شيئ غربي باستثناء بعض المقاطعات، غربية
السمة في الشرق الأوسط وبعض العلماء في الشرق الأوسط
يعملون في الغرب. واسهامات الشرق أوسطيين ـ كما انعكست في
سبيل المثال في صحف متميزة عالمياً تلك التي على حافة حادة
من التقدم العلمي بالمقارنة الواهية مع المناطق اللاغربية
أو مع سجلها الماضي. فالاستجابة إلى الموسيقى الغربية
والسؤال الأكبر عن التغيير الثقافي الذي نشأ يستحق العناية
التامة.
الهوامش
* لدينا مثال مفيد عن ذلك، هو اوبرا عايدة، للكاتب
الشهير ويردي (Verdi)
التي مثلت بأمر من خديوي مصر إسماعيل، وكان أول عرض لها في
القاهرة بمناسبة عيد رأس السنة عام 1870م. وتستند الاوبرا
لخلفية مصر القديمة وقد اقتبس ملحنها وكاتب أبياتها من
عالم الآثار المصري الفرنسي أوغست ماريت الذي عادة يكنى
بلقبه المصري ماريت باشا. المهم في هذه الاوبرا أن المشكلة
المركزية للحكاية تتحدث عن ورطة الجنرال المصري المنتصر
راداميس الذي مزقه حب امرأتين أيزيس ابنة الفرعون وعايدة
العبدة الأثيوبية ابنة الملك الأثيوبي، الذي كانت مصر في
حرب معه، وقد أتهم راداميس بالخيانة التي قادته أخيرا إلى
حتفه، ويشكل هذا الحب مأزقاً مؤرقاً لا معنى له في مصر،
إلا من جهة المسيحية الأوربية في القرن التاسع عشر. أما في
زمن الفراعنة أو زمن ويردي. فإن بإمكان البطل أن يمتلك
المرأتين، الأميرة عن طريق الزواج بوصفها زوجة له والعبدة
عايدة بوصفها هدية أو محضية. على هذا الأساس فكان ويردي
ومؤلف الأوبرا ليبيتس يبعثان برسالة ذكية، إلى أنصارهما من
المصريين، وهو الأحتمال الأقرب. ولم يعلما ببساطة أو يهتما
بوضع المرأة في مصر.
|