ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

حرب قصف العقول وكسب القلوب

القوة الناعمة في تحولات الخطاب السياسي الاميركي 

سعد سلوم

شبح الإرهاب الصاخب

ليس  الإرهاب الشرق أوسطي محض وباء  ظهر نتيجة غضب الهي على الحياة المدنية الحديثة ولا هو عصا الله يسوط بها الإنسان الحداثوي الذي نسي جوهره الروحي فانفصل عن معنى ذاته ودخل صراعا لا ينتهي مع نفسه ضد نفسه وضد الأخر ـ في صورة العدو.

انه نتاج ليس منقطعا عن أسباب تتعلق بالبنية الاجتماعية والاقتصادية لعالمنا المعاصر والخلل الذي يسم عولمة أزمنتنا الراهنة:لذا كانت طريقة النظر إلى المتطرفين من الذين عاثوا فسادا في العراق وفي أجزاء كثيرة من العالم كنماذج (فرانكيشتاينية) أو مسوخ من عالم ما قبل التاريخ، هي في جوهرها نظرة تنم عن استخفاف وسطحية تغفل عن القوة التي تنطوي عليها إيديولوجيتهم وتأثيرها الذي يتغذى على أسباب الحقد والكره للذات ـ بسبب فشل مشروعها وللاخر ـ بسبب نجاح مشروعه. ويبقى الجهد الحقيقي لفهم الإرهاب وطبيعة القوة التي تدفع إنسانا ما لتفخيخ نفسه ونشر موته الخاص إلى نطاق انتشاري يبعثر جسده إلى ألف علامة استفهام  لا تجيب على ابتسامته الغريبة  المنتشية بلذة الموت.

والإشكالية الكبيرة التي تواجه استراتيجية الخطاب السياسي الاميركي اليوم يثبتها الاخفاق الذي منيت به سياسات معالجة الإرهاب واستئصال جذوره. وان محاولة الإجابة عن أسباب انطلاق مارد العنف الإرهابي المتفجر قد يقتضي تقديم قراءة للظاهرة على أسس علمية مما يسبب حرجا كبيرا في تناول لعقائد وتحليل لأسباب قد تظهر الباحثين بمظهر المتعاطفين مع سلوك الأشخاص موضع الدراسة ـ وهو ما حصل بالنسبة لكتاب ذوي مكانة عالمية كدريدا وبودريار، مما يدفع معظم المراقبين والكتاب للانخراط في ترديد ما كتب أو التنويع على الآراء السائدة أو الاكتفاء بالرصد البارد لاتجاهات وميول يغذيها نسغ السياسات المحلية والدولية التي تتجنب تصوير جبهة الإرهاب كنوع من الثورة المضادة.لكن مهنة جديدة راحت تلوح في الافق لكثير من الباحثين والخبراء واصحاب المعلومات: خبير في ارهاب الدولة، مختص في الارهاب الدولي، بروفسور في التفجير  الانتحاري، باحث في استراتيجيا الحركات الارهابية الشرق اوسطية!،محلل سايكولوجي مختص بخاطفي الطائرات.. الخ وانتشرت المعاهد التي تدرس الارهاب ومراكز البحوث المتخصصة وربما سنسمع عما قريب عن كليات تدرس علوم الارهاب وتتضمن ما لاينتهي من تخصصات علومه وتفرعاتها اذ ان علم الارهاب اخذ يتسع ويمتد وتكثر فروعه وراح تخصص التخصص يفرض نفسه مع تنوع العمليات الارهابية وتنوع مرجعيات التحليل،ربما ليوازي فقه الارهاب ودعاته وكهنته ومريديه في المدراس الدينية التي تخرج كل عام أفواجا جديدة من عشاق الموت. واخذت حمى جديدة لملاحقة شبح الارهاب وهو يتكون وينسج خيوطه داخل العقل البشري منذ تعلم أحرف النطق الاولى فذلك الشبح ـ الوباء لا يظهر فقط على سبورات المدارس الإسلامية التي تظهر آيات تمجد الحرب على الكفار في ظل وضع تعليمي ضحل وتجهيل مقصود وتراكمي حتى بات وثنا يصعب كسره بعصا التقنية أو الحداثة وليس هو بالتمام شبح هوليودي مصنع خصيصا لإزجاء الفراغ الذي يتناب صناع الحروب بعد تساقط معسكر أعداءهم، وأن يكن تفريخه بالأساس من دمية الاصولية الاسلامية التي حشتها الولايات المتحدة بالقش لكي ترعب بها المد الشيوعي فاذا بها مثل  تشاكي ـ دمية الرعب ـ في الفلم الهوليودي الشهير متعدد الأجزاء ـ تصبح حقيقة واقعة وتعض ذراع من أسهم في صنعها وتنبعث فيها روح الكره العميق لأسباب الحياة البشرية وتنتنابها حمى الدمار  فتشعل النار من حولها متغذية على الكراهية التي تنمو على تربة النفور من الثقافة الأمريكية التي تروج لأنماط استهلاكية تسطح الحياة والوعي ولثقافة العنف والجنس و تنبثق معها ومن خلالها هواجس فشل الحداثة العربية كتنفيس عن الخذلان بمشاريع التحرر الوطنية وخيبة المواطن بشكل ومضمون سياسات حكومته التي تراوح في مكانها بل أعمق من ذلك تريد ان تراهن على الاحتياطي الحضاري الهائل من الشعور بالغبن والامتهان جراء السياسات الاستعمارية وانماط الهيمنة ما بعد الكولينيالية وهو ما ليس معزولا عن الاستجابة العنفية لسياسات ازدواجية المعايير التي تخفي من ورائها استخفافا بمن هم أدنى من واضعي ومنفذي القرارات الدولية.

استراتيجية الساعة الخامسة والعشرين

كانت السياسات العلاجية الأمريكية التي انبثقت بعد تدمير برجي التجارة العالمية(البرجان التؤامان)، أي في الساعة الخامسة والعشرين من انطلاق قوى الشر من مكامنها !هي سياسات فوات الأوان التي تعالج الظاهرة على مستويات  يثير كل منهما إشكاليات تساعد على انتشار الوباء وتعميق دفاعاته ضد أسلوب المعالجين وأنواع علاجاتهم التي كانت أضرارها الجانبية مما يساعد على استفحال الظاهرة وتأبيد تأثيراتها وتحصنها ضد أمصال الوقاية والعلاج.

لذا جاءت سياسة نشر خيمة الخطاب الإعلامي على صحراء بلاد العرب بعد أن استبدلت كاريزما لورنس العرب بسحر التقنية الهائل التأثير وكأن ذلك كفيل بان يلقي الإعرابي الصحراوي بأسلحته ويتبع أنبياءه الجدد الذين يتكلمون برطانة رموز الكيبورد الحاسوبي عن أساطير جديدة ويعدونه بفردوس الديمقراطية والاستقرار بعد أن فشل سادته المحليون في الحفاظ على هيبة مكة!. ذلك في الوقت الذي لم تتوقف فيه الآلة الحربية عن نشر منتجاتها الجديدة وتجريبها على قبيلة الفئران الجديدة التي يولد منها جيل جديد في  كل لحظة تشتد فيها نيران الابادة.

 وقد ادرك القائمون على السياسة الأمريكية بان طبيعة الحرب ضد الإرهاب يجب إن لا تأخذ الطابع العسكري الصرف(القوة الخشنة) بل يجب ان يتساوق معها جهد حقيقي لفهم هذه الظاهرة العنيفة والتصدي لها على مستوى الأفكار أي على مستوى أيديولوجي لأنها معركة تدور أساسا حول كسب العقول والقلوب،أي حول صورة الولايات المتحدة في عيون الآخر وهو ما دفع بهم في النهاية لإدراك ضرورة التأكيد على وسائل (القوة الناعمة) لا سيما الأعلام والثقافة لخلق أرضية مناسبة لتحقيق تحول نوعي في المنطقة والقضاء على وباء الإرهاب. ولكنهم جوبهوا بعدو صعب المراس  مزود بأسلحة لامرئية،ذلك أن استراتيجية القبلة الناعمة قد لا توقظ الأميرة العربية من سبات الاستسلام للجهل والتطرف لا سيما في ظل حجم التأثير الكبير الذي يمارسه وحش المنظمات الأصولية الإرهابية على نفوس وقلوب الاجيال الشابة في المنطقة العربية والتي يضيق أفق مستقبلها وتدفن في رمال الواقع أحلامها طبقا للمزاج السياسي المتقلب لأنظمة المنطقة وتندفع كرد فعل طبيعي للاستجابة للتطرف ولتعميق أسباب الكره لامريكا،مصدر الطغيان العالمي وحاضرة المتربول المعاصرة. التي تريد أنشاد أغنية الديمقراطية على خراب المسرح الذي قامت بإحراقه.

جوزيف ناي وسحر القوة الناعمة

وقد تنبه (جوزيف سي ناي) عميد كلية كيندي و هو رجل له سجل حافل في تقديم المشورة السياسية للمخابرات الأمريكية ووزارة الدفاع .وكان قد حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد وعين مدرسا بهذه الجامعة حتى عين عميدا لكلية كندي عام 1995. تنبه ناي إلى وجوب التفريق بين نوعين من القوة للولايات المتحدة هما القوة القاسية (الصلبة أو الخشنة) و القوة الناعمة. فالأولى عبارة عن القوة العسكرية و الاقتصادية وهما قوتان هائلتان عند الولايات المتحدة،والثانية هي عبارة عن الانفتاح و الأفاق و قوة المثل العالية الثقافية و يؤكد(ناي) أن الولايات المتحدة فقيرة في هذا الجانب. لهذا السبب عجزت عن تحقيق شيء ذي بال في العراق رغم أن قوتها العسكرية كافية لتدمير العالم العديد من المرات.

والاهم إن ناي قد فطن إلى أن وحش المنظمات الإرهابية يمتلك قوته الناعمة وهو ما يتمثل في قدرتها على جذب الأتباع والأنصار، واستخدام الإنترنت وتقنيات الاتصال المتطورة لتحقيق أهدافها(1). وإذا كانت الشيوعية قد مثلت أكبر تحديات القوة الناعمة إبان الحرب الباردة فإن أكبر تحد يواجه واشنطن حاليا هو الأيديولوجيات والمنظمات الراديكالية الإسلامية،ولا سيما المذهب الوهابي المتشدد الذي رعته السعودية،ورعت معه الجماعات المتطرفة قبل أن يتحول دعمها للتطرف وبالاً عليها. وقد أثبت تنظيم القاعدة شعبيته الواسعة في استطلاعات الرأي التي أجريت في إندونيسيا وباكستان والأردن والمغرب وفي أراضي السلطة الفلسطينية، عقب تدمير البرجين التوأمين.

ويؤكد ناي استحالة نشر الديمقراطية بالقوة، وتكمن في رأيه مفاتيح النجاح في: السياسات التي تسمح بانفتاح اقتصاديات الإقليم،والحد من السيطرة البيروقراطية، وتسريع النمو الاقتصادي، وتحسين أنظمة التعليم، وتشجيع إجراء التغيرات السياسية على مراحل. القوة الصلبة كانت هي الكلمة الأسهل في عبارة (افتح يا سمسم) التي تعد المنطقة بكنوز الديمقراطية ، كما يتضح من تجربة الحرب على العراق، لكن التحول  الحقيقي للمنطقة يحتاج إلى  كنز القوة الناعمة، إلى جانب وسائل أخرى(2). وهذا الاتجاه بات ينعكس في  تحولات الخطاب السياسي الأمريكي.

 

 

حرب الافكار حول جنود المستقبل

جاءت تحولات الخطاب السياسي الأمريكي لتعكس عناية  بالقوة الأيديولوجية للإرهابيين ومن ثم تتضمن اعترافا بمقدار التأثير الهائل لعقائدهم وأفكارهم وقد جاء الاعتراف الاول في مذكرة حملت عنوان:حرب الافكارWar of Ideas صدرت بتاريخ 16-10-2003. وهذه المذكرة التي وجهها دونالد رامسفيلد(وزير الدفاع)الى مساعديه تحث على إبتكار وسائل جديدة(افكار)لخوض الحرب ضد الارهاب وهزيمته.ليس فقط بالقوة العسكرية ولكن من خلال الافكار وكسب العقول والقلوب.

والاحباط الذي تعبر عنه المذكرة يتضمنه تساؤل رامسفيلد في الوثيقة:هل نحن نكسب الحرب ضد الارهاب العالمي أم نخسرها؟.وقد أشارت المذكرة ثلاث مرات الى خطر المدارس الدينية في العالم الاسلامي(حواضن تجنيد المتشددين الشبان)وطرح رامسفيلد تساؤلا حساسا حول محاربة نفوذ هذه المدارس الاسلامية المعادية:هل ينبغي عمل ذلك بصورة سرية أم علنية؟.

ولإن الصراع يدور حول الاجيال اللاحقة وتحديدا صراع على امتلاك قلوب المجندين المستقبليين للارهاب فإن  السؤال حول حاجة الولايات المتحدة الى خطة كبيرة ومتكاملة يجيب عليها اقتراح رامسفيلد حول ضرورة حصول المخابرات الاميركية على تفويض الرئيس جورج بوش للقيام بعمليات سرية ضد هذه المدارس أو انشاء مؤسسة خاصة لدفع هذه المدارس الى اتخاذ مسار معتدل. واستكمالا لفكرة المذكرة طرح رامسفيلد فكرة أقامة"وكالة معلومات في القرن الحادي والعشرين في الحكومة"للمساعدة في معركة كسب العقول والقلوب.[للمزيد انظر: نبال خماش،امبراطورية الاكاذيب- مصطلحات الخداع الاميركي بعد احداث11 أيلول.

صراع الرؤى والانتصار

 في الحرب الإيديولوجية

وبحسب نشرة واشنطن التي يحررها  ديفيد أنثوني ديني، بتاريخ ، 20 آب/أغسطس، 2004 ـ ذهبت  كوندوليزا رايس  يوم كانت تشغل منصب  مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي في سياق استعراضها لجهود الحكومة الأميركية لمحاربة التطرف الإسلامي في الشرق الأوسط في خطاب ألقته في التاسع عشر من آب/ أغسطس من ذلك التاريخ إلى  إن الانتصار في الحرب ضد الإرهاب سيحتاج إلى حرب أيديولوجية.

وشددت رايس في خطاب ألقته في المعهد الأميركي للسلام بواشنطن على الطبيعة الطويلة الأمد للصراع مع الإرهابيين. وأشارت إلى أن لجنة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر دعت إلى ضرورة توفر إستراتيجية تكون ذات طابع "سياسي بقدر ما هو طابع عسكري" لشن "صراع للأفكار" لهزيمة الإرهاب الإسلامي.

وقالت رايس "إن الرئيس بوش وأعضاء حكومته لم يكونوا ليتفقوا أكثر من ذلك مع تلك الإستراتيجية" وإن الرئيس اعترف منذ بدء الحرب على الإرهاب "بأن المسألة تتعلق بصراع في الرؤى بقدر ما هو صراع سلاح". ونقلت رايس عن أول خطاب عن حال الاتحاد للرئيس بوش قوله "إن أميركا ستتخذ جانب الرجال والنساء الشجعان الذي يدافعون عن القيم حول العالم، بما في ذلك العالم الإسلامي، لأن لدينا هدفا أعظم من القضاء على التهديدات واحتواء مشاعر الاستياء. فنحن نسعى إلى وجود عالم عادل وسلمي يتعدى الحرب على الإرهاب".

وأضافت رايس قائلة "إن الرئيس بوش حوّل كلماته إلى أفعال." ومضت في تحديد عناصر الإستراتيجية الرامية إلى جلب الحرية للشرق الأوسط:

ـ دعم حرب أفغانستان والعراق ضد الإرهابيين والتطرف وجهود هاتين الدولتين لتشكيل حكومتين ديمقراطيتين.

ـ التعاون مع منظمة حلف شمالي الأطلسي (الناتو) ومجموعة الدول الصناعية الثماني لمساعدة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا الكبيرين على "خلق الوظائف، وزيادة الحصول على رأس المال، وتحسين مستوى تعلم القراءة والكتابة والتعليم، وحماية حقوق الإنسان، وتحقيق التقدم نحو الديمقراطية".

وهكذا يتساوق في استراتيجية رايس جهد القوة الخشنة (الحرب العسكرية ضد الإرهابيين في افغانستان والعراق) مع الجهود الرامية لخلق حكومات ديمقراطية فيهما  ويتم ذلك أيضا في ضمن سياق عام لتحسين الأحوال المعيشية ودعم متطلبات المجتمع المدني في المنطقة العربية ككل(الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) وهي مهمة سوبرمانية لا تستطيع الولايات المتحدة تنفيذها دون دعم المجتمع الدولي ـ اوربا الغربية بالذات- ولكن ترتيب الاولويات في هذه الرؤية قد يقتضي المضي في اعتماد القوة الخشنة للقضاء على العقبات في وجه المشروع الامريكي.

الحجج المضادة وستراتيجية المراحل

وبتاريخ 15من اذار 2005 اشار وكيل وزارة الدفاع الامريكي (دوغلاس فيث) إلى  إنه يجب التصدي لعقائد الإرهابيين وهزيمتها بحجج مضادة إذ قال: (سيتعين علينا، لإلحاق الهزيمة بأعدائنا في هذه الحرب، أن نقوم بأكثر من المهاجمة والتمزيق؛ سيتعين علينا أن نتصدى لإيديولوجيتهم بحجج مضادة تنتصر عليها). كما تضمن خطابه اعترافا بمدى جاذبية الايديولوجيات المتطرفة في نفوس وقلوب الشباب حيث قال (إن ما يدفع شرائح معينة من المسلمين في العالم إلى الانضمام إلى الجماعات الإرهابية أو مساعدتها هو إعجابها بالإيديولوجيات المتطرفة وميلها إليها). وكانت لفيث اشارة  الى توصيات لجنة الحادي عشر من أيلول التي أكدت في اعقاب ذلك الهجوم الشهير اهمية تحقيق الانتصار الايديولوجي وليس العسكري فحسب وهو ما أكدته رايس قبله إذ أضاف( وكما أشارت لجنة 11/9، ينبغي أن يكون هدف الولايات المتحدة، علاوة على مهاجمة الجماعات الإرهابية، "تحقيق الغلبة (...) على المدى الأطول على الإيديولوجية التي تؤدي إلى بروز الإرهاب الإسلامي).

ويرسم فيث إستراتيجية ذات مراحل في معركة الأفكار ضد الارهاب الدولي  إذ يرى أن (الجزء الأول هو الجهد المبذول لنزع الشرعية عن الإرهاب -جعله غير مشروع- إن الاستهداف المتعمد لمواطنين عاديين يقومون بأمور حياتهم اليومية في المكاتب والأسواق ومثل هذه الأماكن ليس أسلوباً سياسياً يستحق المديح أو الصفح من قبل الناس الطيبين المحترمين) ويستشهد فيث بالرئيس بوش الذي ذهب الى إن (سياسة الولايات المتحدة تهدف إلى جعل الإرهاب مثل تجارة الرق أو القرصنة أو الإبادة الجماعية- نشاطات لا يمكن لأي شخص يطمح لأن يحظى بالاحترام أن يتغاضى عنها، ناهيك بأن يدعمها. وهو هدف طموح بتغيير طريقة تفكير الملايين من الناس). ويضرب فيث بعض الامثلة الجديرة بالالتفات إليها بشكل خاص، اهمها جهود بريطانيا لوضع حد لتجارة الرقيق الدولية في القرن التاسع عشر. وقد كان ذلك الجهد عملية طويلة واسعة النطاق ومتعددة الجوانب. ولتجربة البحرية البريطانية أثراً رئيس فيها، كما فعلت الكنيسة. وعمل صحفيون ودبلوماسيون وشخصيات جامعية في سبيل القضية. واستغرق الجهد أكثر من خمسين سنة، ونجح في نهاية المطاف ليس فقط في قمع تلك التجارة المحزنة، إلى حد كبير، وإنما أيضاً بجعلها غير مشروعة (نزع الشرعية عنها). وفي نهاية القرن التاسع عشر، لم يبرر العالم المتحضر تجارة الرقيق أو يتسامح بشأنها، كما كان يتم عادة في بداء ذلك القرن. فقد غير الجهد البريطاني الطريقة التي كان يفكر ويتحدث ويتصرف بها ملايين الناس.

ويضيف فيث انه قد استُخدمت في حرب بريطانيا على تجارة الرقيق، بلغة اليوم، جميع أدوات السلطة القومية. فقد استخدمت القوة "الصلبة" (أي العسكرية) والـ"لينة". واستخدمت طاقات الحكومة والمجتمع ككل.

كما شدد فيث على دور المؤسسات غير الحكومية ومؤسسات الفكر و الرأي والجامعات ، في الصراع الإيديولوجي ضد الإرهاب. حيث أنها حسب رأيه تشن معركة الأفكار في الحرب ضد الإرهاب بشكل أكثر فعالية مما يمكن للحكومة الأمريكية..  وبعد نزع الشرعية في استراتيجية هزيمة الدعم الإيديولوجي للمتطرفين. يشير فيث الى عنصر أخر انصرف الرئيس بوش الى تأكيده في خطاباته الأخيرة: تعزيز المجتمع المدني والحرية السياسية والحكم الذاتي. وكما قال في خطابه بمناسبة تنصيبه لفترة رئاسية ثانية: "إن بقاء الحرية مستمرة في بلدنا يعتمد بشكل متزايد على نجاح الحرية في بلدان أخرى. وأفضل أمل (لحلول) السلام في عالمنا هو امتداد الحرية في جميع العالم. إن مصالحنا الحيوية وأعمق معتقداتنا أصبحت الآن واحدة".

مشروع طروادة في المختبر العراقي

 يواجه المشروع الأمريكي في المنطقة وصورة الولايات المتحدة أمام المجتمع الدولي أكبر تحد تاريخي تخوضه الذات  الأمريكية أمام الاخر،لاسيما في ما يتعلق بمخرجات الوضع العراقي ومستقبل دولته المعاصرة(3) بعد أن باتت نزعة التشكك هي الطاغية وتعمق ارتباط سكان المنطقة أكثر فأكثر  بعذاباتهم التي طالما تجاوزتها الحسابات السياسية ولا يزال الموقف الشعبي العام يستنكر موقف الإدارات الامريكية  المتعاقبة التي  ظلت على الدوام تأخذ جانب الطغاة والمستبدين وتساندهم ضد شعوبهم بل انها كثيرا ما تنكّرت للانظمة الديمقراطية وعملت على الاطاحة بها، ولهذا فلا عجب في ان  الكراهية التي تكنها للولايات المتحدة بعض الشعوب المظلومة عميقة وتحتاج معالجتها إلى طول صبر وسياسات ثابتة واستراتيجيات ذات جدوى. وبدون أستئصال الاسباب الحقيقية لجذور هذا الكره العميق  يبقى الخطاب السياسي  مأخوذا بحمى الخداع الذاتي  ومجهزا للتعليب من أجل الاستهلاك المحلي والدولي وتلميع صورة بهتت الوانها بحيث تحتاج الى ما هو أكثر من اعادة طلاء ألوانها(4).

 ويظل السؤال يلح: هل يمكن معالجة جذور العداء للولايات المتحدة  بتغيير نبرة الخطاب السياسي أو تقديم الدعم والتمويل لاتجاهات جديدة ـ من حيث الاسلوب ـ مشتركة من حيث الجوهر والهدف؟ الحقيقة ان التحدي الذي يواجه المشروع الامريكي في المنطقة  هو تحد لا يمكن تجاوزه من دون تعديل السياسات الامريكية ذاتها ومن ثم تغدو تحولات الخطاب السياسي الامريكي و يغدو التأكيد على جوانب جديدة في الاسترتيجية الامريكية بمعزل عن احداث تحول نوعي في انماط التوجهات الامريكية محض عبث لا طائل من ورائه.

 

 

هوامش

*يشكل هذا المقال الجزء الثالث من دراسة نشر جزؤها الاول والثاني في مجلة النبأ.

1.  يرفض ناي تشخيص الصراع الذي تخوضه الولايات المتحدة ضد الإرهاب الإسلامي بأنه صدام بين الحضارات، ويصفه بأنه حرب أهلية داخل الحضارة الإسلامية بين المعتدلين والمتطرفين، ويرى أن الولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى لن تنتصر إلا إذا انتصر المسلمون المعتدلون. ويدعو ناي إلى تبني سياسات تساعد المعتدلين، وإلى استخدام الدبلوماسية العامة بصورة أكثر فاعلية لشرح المصالح المشتركة التي تجمع بين الولايات المتحدة والحكومات والمجتمعات العربية والإسلامية.

2.  نرى من جانبنا أن ناي مصيب الى ابعد حد في مراهنته على  إمكانية استغلال وتوظيف وسائل القوة الناعمة لاسيما الجوانب الثقافية،فالثقافة الأمريكية كانت يوما ما بمثابة الفيروس المنتشر في جميع أرجاء المعمورة عبر أدوات غاية في الدقة والذكاء للاستحواذ على عقول وقلوب الكثيرين خاصة في العالم العربي‏,‏ ويجب عدم الاستهانة بما يمكن ان  تفعله الثقافة الجديدة القائمة علي جسر القوة الناعمة‏.‏‏لا سيما و ان المعركة الان هي معركة حول كسب العقول والقلوب وبالتالي فان الركون للجانب العسكري الخشن دون  التركيز على ادوات ناعمة يبقى امرا يسبب ارباكا للمشروع الامريكي في المنطقة ويعمق اسباب العداء.‏‏ولا سيما وان القوة الناعمة بما تحمله من مضامين إنسانية تركز على الثقافة في مواجهة السياسة وقوة التعبير والمنطق والحوار المتكافيء يمكن أن يعيد الثقة المتبادلة بين المنطقة والولايات المتحدة كما انها المدخل الاساسي لمعالجة جذور الكره لامريكا في المنطقة، وربما قد ان الاوان بالنسبة إلى الامريكين ليضعوا تسوية لاشكالية الجمع بين القوة والقيم في سياساتهم الخارجية وستكون التجربة العراقية هي الساحة الملائمة لهذه الملائمة.

3.  تواجه الولايات المتحدة اليوم ظهور تحديات حقيقية وتبرز  ضرورة لدور اعلامي جديد وصياغة لخطاب اعلامي متوازن ومدروس لكسب ود الشعوب العربية والمساهمة في بلورة عملية التغيير نحو الديمقراطية ومجابهة الارهاب في المنطقة العربية ولكن هل تراها ستنجح طبقا لنمط اداءها الحالي؟لانعتقد بذلك لأسباب كثيرة ويكفي ان نتأمل في بعض الوقائع التي يوحي الفشل المرتبط بها بغياب الرؤية والتعامل الفوقي الغافل عن ألامساك بإطار الصورة التي تشكل الواقع وليس تمزيقها على خلفية من التعنت والصلف اليوتوبي. وتلميع صورة الولايات المتحدة لن ينجح عبر استراتيجية الاداء الإعلامي الحالية فما نحن  بحاجة حقيقة له بالنسبة للقضية العراقية تحديدا  هو اعادة بناء العقل العراقي وتشفيف القلب العراقي  بدلا من قصف العقل العراقي بالمنتجات الثقافية الامريكية السطحية و التطبيل على مشاعر القلب العراقي المجروح بتاريخ دكتاتوريات الرعب وفوضى الحروب الدولية والاقليمية والمحلية ومنجزات الدمار الرهيبة.

4.  لا يمكن ان تتوقع الإدارة الأمريكية انها تستطيع الظفر بكسب سريع على نمط مكدونالدز في الوجبات السريعة. سيما وإن  تجميل صورة الولايات المتحدة لن ينجح عبر غناء (الراب) على جثمان القضايا المعلقة او بممارسة رقص (بريتي سبيرز) امام التراث العتيد من سوء الفهم او بالاستماع الى (مادونا) التي اهتدت اخيرا الى حكمة الكابالاه (التصوف اليهودي) والتي صرحت بوعظ رسالي (ليكن مظهركم مثل بريتي سبيرز ولكن فكروا على طريقة مادونا.

هوامش

[المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2004، ص105-108. ومجلة نيوزويك-الطبعة العربية بتاريخ2-11-2003].