ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الحداثة والمجتمع التقليدي

قراءة في إشكالية التريف

الخريسان

المقدمة

تأتي هذه الدراسة في ضوء علم الاجتماع السياسي تهدف  الى معالجة ظاهرة مهمة من الظواهر الاجتماعية ـ السياسية، التي تنبع أساساً من عمليات التغير التي تحدث في المجتمع بفعل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تشهدها تلك المجتمعات.

هذه التحولات عادةً ما تحدث بصورة غير طبيعية وبعيدة عن السنن التي تحكم حركة المجتمعات، مما يعرض هذه المجتمعات  لهذه الظاهرة الخطيرة والتي لها التأثير الكبير  على سير المجتمعات في طريق التنمية السياسية - الاجتماعية - الاقتصادية او قل التنمية الشاملة، وسوف نعمل جاهدين لتقديم رؤية مبسطة عن هذا الموضوع المهم تاركين البحث المعمق في مثل هذا الموضع للمهتمين في هذا الجانب.

التريف:

عملية تحديد ما يراد بالتريف مهمة في هذا المجال لأن الكثيرين قد يقعون في الإدراك السطحي للمفهوم فيبدو لديهم، بان التريف هو صفة الريف ليصبح الشخص المتريف هو من يسكن المناطق الريفية لذا تأتي تحليلاتهم لا تحمل الكثير  من الصواب، لكننا إذا ما تعمقنا  في المفهوم نجده يتسع ليمثل حالة مثيرة ومهمة في ذات الوقت، إذ يصف تلك العملية المعقدة التي تمس النفس الإنسانية فتصبغها بصفات معينة لتنعكس أثارها على الفرد والمجتمع وإذا ما فككنا المفهوم اكثر، نجده يشمل تلك الحالة المرضية التي تصيب الإنسان فتجعل منه شخصاً غير مستقر.

وإذا ما أعطيناها تعريفاً فيمكننا القول إن التريف هو انتقال الإنسان من مجتمع الريف بمفاهيمه وأعرافه وتحالفاته إلى المدينة دون مروره بعملية تفكيك لتلك الأسس، وهذا ما يحدث حالة من التناقض العجيب ففي الوقت الذي يكون فيه الإنسان مدنياً  على السطح يبقى متريفاً في أعماقه ليبقى الريف بأعرافه وأحكامه وتحالفاته يحكمه في المدينة ويجب أن لا يفهم من ذلك دخول الفرد في حالة من ازدواجية في الشخصية كما وصفها الدكتور الوردي وانما ما نريده غير ذلك وان كان لا يبتعد كثيراً عنه.

 التريف وانعكاساته الاجتماعية:

للتريف تأثير ينصب على الفرد ومن ثم على المجتمع عموماً. فبالنسبة إلى تأثير التريف على الفرد فهو واسع وشامل ولعل ابرز تلك الآثار دخول الفرد في ازدواجية الواجب(الولاء) بين الولاء نـحو الدولة والمجتمع المدني والولاء نـحو الانتماء العشائري (الريفي) مما يُدخل الفرد في صراع داخلي مع نفسه أولاً ومع المجتمع العشائري او القروي والمجتمع المدني الذي يعيش فيه، ثانياً: ولكن في نطاق عملية التريف هذه التي يعيشها الفرد نجد أن الصراع في اغلب الأحيان يكون لصالح التريف، لأن الفرد يبقى وعلى الرغم من دخوله المدينة وعدم قناعته بما يفرضه الانتماء العشائري عليه  يخشى تفكيك ارتباطاته السابق ودخوله في ارتباطات جديدة، لأنه يجد نفسه في ضوء الارتباطات القديمة يحقق بعض المكاسب المضمونة التي قد يفقدها إذا تخلى عن هذه الروابط السابقة وهنا بيت القصيد كما يقال.

  أما اذا  بحثنا عن تأثير التريف في المجتمع  فأننا نجده يمتد ليشمل جوانب متنوعة،  لان المجتمع المتمدن (المتحضر) هو مجتمع يقوم أساساً على فلسفة الواجبات والحقوق، وليس على أساس الانتماء القبلي أو العشائري أو الجهوي(الاقليمي المحلي)، لذا تصبح مسألة  الانتماء الريفي مسألة خطيرة على المجتمع بعمومة خاصةً مع بقاء الولاءات الجهويه على حالها بالشكل الذي لا يساعد  على نشؤ المجتمع المدني بصورته التي وصفناها سابقاً.

    فالفرد يجد نفسه مجبراً على تقديم ولائه  إلى انتمائه الجهوي على حساب انتمائه للمجتمع (أي تقديم الاعتبارات العصبية على منطق المشاركة)، هذا ما يشكل تأثيرا في المجتمع، فمثلاً نجد أن الفرد ذو الانتماء الجهوي سوف يجعل من انتمائه معياراً في ضوئه يتم التعامل مع الآخرين فمن كان يوافقه في الانتماء يكون اقرب أليه حتى ولو كان ذلك الفرد على خطأ، وكذلك نجده يقدم من يشترك معه بالانتماء على الآخرين في كل شيء مما يجعل المجتمع يدخل  في  حالة عدم الانسجام الاجتماعي  وبالتالي يدخل المجتمع على أثره في دوامة من الصراعات التي تمزق المجتمع ولا تساعد في تحقيق الولاء و الانسجام الاجتماعي.

   ولا يقف الأمر عند ذلك بل نجد أن هذا التأثير يمتد ليشمل البنى الاجتماعية الأساسية في المجتمع كالأسرة والمدرسة، فالأسرة في حكم منطق التريف القاسي سوف تبقى كبوتقة تعمل على ممارسة الاستنساخ القيمي بالشكل الذي لا يساعد في إجراء عملية انسجام اجتماعي مع بنى المجتمع الأخرى، التي تحاول السير قدماً بالمجتمع لكن بقاء الأسرة خارج هذا الحركة يسبب العديد من الآثار غير الصحية للمجتمع، أما بالنسبة إلى المدرسة او البنى التعليمية والتربوية الأخرى فسوف تكون عرضة لهجوم التريف الخطير الذي أن تمكن من دخولها سوف يعمل  على تريفها وفقا للمفاهيم التي تخدم مصالحه، لتصبح العملية التعليمية والتربوية عملية تكريس نمط معين من القيم الاجتماعية و عزل هذه البنى الاجتماعية المهمة عن ممارسة دورها الفاعل والمؤثر في العملية التنموية  ومن ثمة تشكيل عائق أمام دخول المجتمع الى ميدان الحداثة التي تتطلب أجراء عملية تفكيك للبنى غير الفاعلة والمعيقة لحركة المجتمع نـحو الأمام والعمل على احلال بنى جديدة  بدلاً عن تلك البنى  القديمة غير الفاعلة والمؤثرة.

التريف وأثاره السياسية:

للتريف العديد من الآثار في  المجال السياسي، إذ نجد أن آثار التريف تكون خطيرة  في هذا المجال، خاصة إذا ما عرفنا بان المجتمعات التي يبرز فيها التريف تكون السياسة لها الدور الغالب في مجريات الحياة، بشكل يهدد مستقبل هذه الشعوب  لكون التريف سيكون بمثابة العائق الرئيس في قيام حداثة سياسية، لأنه لا يؤمن بالدولة وحدة رئيسية يتم في إطارها تحديد الفعل الاجتماعي للإنسان، وانما يسعى لتريف الدولة، فبدل أن تكون الدولة هي المسيرة لشؤون المجتمع، التريف  يجعل منها أداة لتعزيز تواجده وتقوية ولاءه الجهوي الضيق على حساب المصلحة المجتمعية العامة.

    لذلك نجد التريف يحتكر الدولة ويحولها إلى أداة قمع للآخرين غير المنتمين له، ويحاول قدر المستطاع إزالة مختلف البنى الأخرى المنافسة للمجتمع التي يجد فيها قوة تحاول  تحرير الدولة من هيمنته، وان احتكاره الدولة يعني وجود رؤية واحدة يجب على الجميع القبول بها هي رؤية التريف بشكل الذي يجمد عملية الإبداع الفكري والعقلي التي  بدونها لا يمكن تحقيق عملية الحداثة السياسية، والتريف لا يقف عند هذا بل يحتكر الموارد والقوة في المجتمع فتنشأ الكثير من الأزمات مثل أزمة المشاركة أو التوزيع أو الاندماج أو الهوية أو الشرعية أو الاستقرار، وذا أردنا الأجمال نقول أزمة الحياة ة بشمولها.

 النمو الحضاري ومشكلة التريف:

يسعى كل مجتمع من المجتمعات للعمل جاهداً من اجل تحقيق النمو الحضاري، ليمثل هذا التوجه قاعدة أساسية من القواعد التي تستند إليها المجتمعات في مسيرتها عبر التاريخ، هذه القاعدة قد لا تؤدي عملها في بعض الأحيان، إذ نجد البعض من المجتمعات بدلاً من ان تعمل على تعزيز رقيها الحضاري تسير بخط معاكس لما ينبغي أن تكون عليه، إذ التخلف وتراجع النمو الحضاري هو السائد فيها، إذ يسود الظلم ويعد الإنسان الذي هو غاية الحياة في أدنى مراتب الحياة، وبدلاً من أن تسود روح العمل والنمو في تلك المجتمعات نجد تلك الروح غائبة او مغيبه بفعل قوى الظلم والاستبداد التي تعمل جاهدة من اجل تكريس حالة التخلف وعدم النمو الحضاري لتبقى قادرة على التحكم في مجريات الأمور بشكل  يخدم مصالحها،لتدخل تلك المجتمعات في دوامة معقدة من التخلف وأعادة إنتاج التخلف أي تصبح ثقافة التخلف هي التي تحكم تلك المجتمعات بصورة يصبح فيها الخروج عن تلك الثقافة يمثل الخروج عن المقدس الذي يجب أن  لا يخرج عنه أحد.

    وإذا ما تعمقنا في الأسباب التي تكمن وراء ذلك نجد أن إحدى تلك الأسباب ولا نقول أبرزها  تتمثل في مشكلة التريف، تلك المشكلة التي تقف تياراً جارفاً أمام النمو الحضاري،  لكون التريف يعمل على تركيز البنى التقليدية في المجتمع تلك البنى التي ترفض التغيير او التغير وتقاوم قوى التجديد حفاظا على مصالحها، والتريف لا يسمح لقوى التجديد أن توجه له أي نقد أو انتقاد فهو يعد نفسه نهاية التاريخ والغاية النهائية للوجود، وعلى الطاقات في  المجتمع أن توجه لتكريس تلك الحقيقة وعدم السماح لقوى التغيير ان تبرز لتقول كلمتها، بهذا فإن التريف يحاول ان يعلن السيادة المطلقة له على الحياة طالما اصبح هو غاية الحياة وعلى الجميع أن يسعى لها بكل جهد.

التريف والمرجعية القيمية

لابد لكل مجتمع من منظومة قيمية تكون بمثابة المعيار الذي في ضوئه يتم تحديد السلوك الحياتي في المجتمع، وفي ظل هيمنة التريف على الحياة في أي مجتمع  سوف يقدم منظومته القيميه ويعدها المعيار الأساسي للسلوك الاجتماعي، و لا يكتفي بذلك بل يعمل جاهداً من أجل تكريس هذه المنظومة القيمية في الحياة من اجل تعزيز هيمنته الاجتماعية،هذا ما يصيب المجتمع بالشلل ويقتل الحياة، لكون المعيار الذي فرض على المجتمع هو ضد منطق التحضر الاجتماعي، بحيث  كل شيء يسير في المجتمع عكس ما مرجو منه فالعلم مثلاً لا يصبح الهدف منه توليد الإبداع وتعزيز العقلانية في المجتمع وانما يصبح أداة لأصباغ الشرعية على النخب المتريفة ـ المتعلمة التي تسعى للحصول على الدرجات العلمية بصورة غير شرعية من اجل احتكار المناصب العليا في البلاد، ما يجعل عملية التعليم غير مثمره ذلك لان المسؤولين على العملية التعليمية سوف يجدون أنفسهم يعطون شيئأ الى من لا يستحقه، في حين يجد الطلاب الآخرون من غير النخب المتريفة أنفسهم في لعبة تعليمية غير صحيحة من له نفوذ ينجح ومن ليس له نفوذ فهو وان نجح في الحصول على الشهادة فهو في الأصل سوف لا يحصل على شيء لان أهل التريف حصلوا على درجات علمية بطرق غير شرعية وأحتكروا معها المناصب، و نجد اهل التريف يحاولون ان لايغيروا قيم المجتمع  التي تكرس لهم السيطرة فهم مثلاً يحاولون قدر المستطاع إبقاء السيطرة للرجل في المجتمع  ليحتكروا هم فقط تلك الرجولة في السياسة، في حين تبقى للرجل  العادي السيادة في بيته على امرأته وأطفاله، طالما كانت المنظومة القيمية التي يقوم عليها المجتمع ترى الصحيح في ذلك وغيره خطأ أي الحط من شأن المرأة جزء من قيم التريف، ومع تريف السلطة يصبح قيمة ضمنية للنظام قد لا تتجلى في خطابه الأيديولوجي الذي يتوسل مفاهيم مزيفة، ولكنه يتجسد في السلوكيات الشخصية لرجال السلطة. أما الأطفال فحدث ولا حرج فهؤلاء ماهم ألا نتيجة شهوة ليس أكثر فقيم التريف لا تسعى بان تنمي عندهم القيم الأخلاقية العالية ولا حب العدل والرحمة، بقدر ما تحاول ان تزرع في قلوبهم الكره والأنانية والقسوة أي (تزرع في داخلهم الاستئساد على الأخر المختلف عشائرياً او قروياً او مصلحياً) حتى يصبحوا رجالاً وفقا لقيم التريف، وهذه المنظومة القيمية نجد أثارها في المؤسسات السياسية التي يعمد أهلها على تشكيلها بشكل يصبح معه من يخالفها خائن ولابد ان يطرد من عشيرة التريف الكبيرة (الدولة) أو مجنون لابد ان يحجر عليه وان يرمى مع المجانين لانه تجرأ على منظومة التريف القيميه لذلك يصبح على المثقف والمفكر والفيلسوف والعالم وطالب العلم والعامل والتاجر وكل من يمكن ان يسهم في تجديد حركة المجتمع ان يخضع للتريف وان يتريف طالما كانت قيم التريف هي دين المجتمع المطلق.

 

 

التريف والدين:

فالدين كما هو معروف للجميع ركن أساسي في اكثر المجتمعات الإنسانية، ونجده في المجتمعات المتريفة حاضراً بقوة، كلاعب متميز في لعبة التريف العجيبة، فالتريف يجد في الدين سنده القوي والمؤثر في إخضاع المجتمع لقيمه، وذلك من خلال إلباس تلك القيم لباس الدين، لإضفاء القدسية عليه وإعطاء شرعية لتلك القوة المتريفة لتركيز سيطرتها على المجتمع، ولا يقف تأثير الدين على ذلك وانما نجد التريف يوظف الدين أو الناطقين باسم الدين ليجعل منه وسيلته لشرعنة أفعاله، فالحرب تصبح حرباً مقدسة باسم الدين لمحاربة أهل الكفر، والمعارضة السياسية لأهل التريف تصبح بمثابة ارتداد عن الدين ليصبح المعارضون مرتدين ولابد من القضاء عليهم، ويسعى التريف كذلك في استخدام الدين او التفسير الخاطئ للدين من اجل تركيز سيطرته على المجتمع، فالفقر من الله والفقراء أحباب الله لذلك على الفقراء ان يقنعوا فالمرض والموت من الله لذا لا يجوز الاعتراض على امر الله، والزراعة مرتبطة بالماء والماء من الله لذلك علينا ان نرضى بقضاء الله وقدره، وطاعة الحاكم واجب شرعي من الله، لذلك لابد من الخضوع له،تقربا الى الله، هذا ما يجعل المجتمع يخضع لنوع من القدرية المميتة فهو لا يستطيع أن يفعل شيأً طالما الأمر كله بيد الله وهو غير راضيٍ عن الفقراء والمظلومين لانه متحالف مع النخب المتريفة، لابل هو أداة لتخويف الفقراء والمهمشين، الذين عليهم ان يبقوا يخافون من الله منذ الولادة حتى الممات ويصبح الخوف من السلطة المتريفة والخوف من الله واحد، فيعيش المجتمع في دوامة الخوف القاتلة التي تتحول الى ثقافه،ثقافة الخوف التي يضفيها التريف باسم الدين على الشعب، فالدين لم ياتِ لتحقيق المساواة والعدل ونشر الحب والإخاء بين بني الإنسان، والدين لم ياتِ ليزيل الأسس المادية التي تحكم الحياة، وليدفع الإنسان الى العمل والإبداع واعمار الحياة لتحقيق التكامل مع الله،وانما جاء ليكون سوطاً بيد النظم الظالمة واهل التريف لجلد الفقراء والضعفاء، ذلك لانه دين الأغنياء واصحاب السلطة، وما الله الا بضاعة احتكرها الأغنياء للتحكم بأسواق تدين الفقراء.

التريف والانسان

للتريف مع الإنسان قصة أخرى تروي لنا حالة من الحالات العديدة التي نجد فيها التريف، بارزاً، ليؤدي دوره المعهود، في قتل الحياة والحيلولة دون تنمية الإنسان ورقيه، فالإنسان في فلسفة التريف ليس له وجود، وان وجد فهو موجود موضوعاً وشيئاً من الأشياء العديدة التي يمكن بيعها وشراؤها بأبخس الأثمان، فاهل التريف لاتجد لهم أي عناية بالإنسان الذي يخضع لسيطرتهم، فهو ليس المرتكز الذي عليه يجب ان تؤسس الحياة، فالتريف نجده يلبس أسطورة معينه، ويجعلها بمثابة الثوابت التي لا يمكن الحياد عنها، ويمكن بالمقابل التضحية بكل شيء من أجلها حتى لو كان الإنسان ذاته، فالإنسان يجوع ويعرى، يقتل ويظلم يقاسي اشد أنواع الحياة،من اجل ان تبقى أسطورة التريف ثابتة،فالانسان في نظر التريف  ليس الذات الفاعلة بقدر ما هو موضوع خاضع لتحكم التريف.

التريف وثقافة الخوف:

نجد المجتمعات التي يمتطيها التريف، تعيش في الخوف، وعندما نقول تعيش بالخوف، لا يقف قصدنا عند حالة الخوف ذاتها، بقدر ما نجد الخوف بالنسبة إليها، الهواء الذي لا يمكنها الاستغناء عنه، لان الإنسان مثلما يعيش في ظل البيئة الطبيعية التي لا يمكنه العيش خارجها، فهو يعيش أيضا في بيئة ثقافية-اجتماعية لها أثر كبير في تشكيله الثقافي، لتحدد له ثوابت الحياة الثقافية وأسسها، ومع التريف نجد أن هذه البيئة الثقافية تقوم أساسا على عنصر الخوف، بل الخوف هو العنصر الفاعل والمؤثر فيها،ليصبح الإنسان في إطار هذه الثقافة يعيش على الخوف،فهو لا يخاف الخوف فقط، وانما يصبح الخوف إطار حركته، ويجد فيه خير وسيله لأشباع حاجياته وحل مشاكله الحياتية، فهو يربي الأطفال على الخوف، ويؤسس النشاط الاقتصادي - السياسي - الثقافي على الخوف،ويخلق بنيته المختلفة بالخوف، لتقوم هذه البنى بعملية إعادة إنتاج الخوف،ليصبح الخوف سيد الموقف كما يقال في ظل التريف.

التريف وأدلجة الحياة:

يحاول التريف أن يتبنى أيديولوجية (أسطورية) معينه، يستعين بها لتكريس شرعية وجوده، و لا يقف به الحال عند ذلك بل نجده، يوظف هذا الطرح من خلال العمل على أد لجة المجتمع بكل ميادينه المختلفة، لتكون حركة الحياة فيه انعكاساً لأيديولوجية التريف، بحيث لانجد شيأً يخرج عن هذه الأيديولوجية، مثلاً لا يكون هنالك شيأً أسمه العلم للعلم او العلم لطلب الحقيقة، فالتريف لايفهم او يحاول ان يتظاهر بأنه لايفهم ذلك، فهو يريد العلم أداة يتم بها إضفاء الشرعية عليه، والفن هو الأخر لا يكون للفن أو الحياة وانما الفن لخدمة أيديولوجية التريف او قل لخدمة التريف ذاته، لتمتد قائمة أدلجة الحياة لتشمل كل جوانبه السياسية والاقتصادية والثقافية، هذا الوضع سوف يدخل الفكر والمفكرين في حالة يكون فيها العقل قد تم اعتقاله، او أسره بأيديولوجية التريف وتسخيره خدمةً للتريف ذاته وليس للمجتمع، مما يدخل تلك البلاد في حالة جمود فكري طالما الحقيقة واحدة التي تحددها أيديولوجية التريف ولا يمتلك احد النطق بها الا اهل التريف، لتكون ثقافة الأبيض والأسود هي السائدة في المجتمع، ليتم من خلالها  ممارسة الإقصاء ضد كل من يقول حقيقة غير تلك التي تقولها أيديولوجية التريف.

التريف  وإضفاء الطابع الأمني على المجتمع:

نجد التريف يعلن رفضه للنظم التي تعمل على عسكرة المجتمع، فهو يرى بها نظم متخلفة لأنها لا تزال تتبع الوسيلة القديمة في ضبط المجتمع المنحرف في حين يدعو الى تبني اسلوب اخر اكثر تأثيراً هذا الأسلوب يتمثل في صبغ المجتمع كله في حالة  يسيطر عليها الأمن، فالأمن ومن يمثله هو الأول والأمن هو أول الأول، والأمن حالة لا تتمثل في تكثيف عدد رجالات الأمن وانما إشاعة ثقافة الأمن في المجتمع فطالما كان التريف يرى في المجتمع الخطر الأول الذي يهدده، فلابد له أن يرد على هذا الخطر بجعل المجتمع يخافه من خلال ثقافة الأمن، بحيث يصبح رجل الأمن الشخص المرهوب وذا المكانه والحضوة في المجتمع، فهو له الحق في فعل أي شيء واعتقال من يريد دون أي مبرر شرعي طالما كان هو  من يمثل الأمن،دون أن يدرك هذا  بأنه لا يمثل المجتمع أي انه لا يمارس مهمة الأمن لحماية المجتمع بقدر ما يمارس مهمة حماية النظام الظالم من الشعب المظلوم، هذا الشعب الذي لا يطلب اكثر من حقه في الحياة، ولكن أهل التريف، يرون في ذلك خطرا عليهم لابد أن يتم مكافحته بكل الوسائل، ليكن الامن وثقافته خير وسيلة لتحقيق ذلك. والمجتمعات التي تخضع لهذا الوضع، نجدها تبقى تتلفت حولها إذا تكلمت وإذا فعلت أي شيء تعتقد بأنه مخالف لثقافة الأمن، ونجدها تربي أولادها منذ الصغر على عدم الحديث عن أي شي  يتعلق بالسياسة لا من بعيد ولا من قريب، ومع الأيام يتولد لدى كل فرد في المجتمع رقيب ذاتي في داخله، يمنعه من قول او فعل أي شي، حتى لو كان ذلك مسموحاً به في ثقافة التريف التي يكون فيها المسموح ذاته ممنوعاً، هذا الحال، لا يعمل أكثر من تدعيم ثقافة الازدواجية في الشخصية عند الإنسان، الذي يصبح معارضاً للتريف في الخفاء وداعماً له في العلن، لتكرس ثقافة الخوف بدلاً من ثقافة الحرية، مما يشكل ذلك مشكلة كبيرة امام قدرة المجتمع على تحقيق حداثته السياسية.

التريف والدعم الخارجي:

طالما كان التريف في صراع مع الداخل، فلابد له من دعم خارجي،يمكنه من موازنة صراعه الداخلي مع المجتمع، وتلك المفارقة العجيبة، فبدلاً من أن يستمد التريف دعمه من الداخل لمواجهة الخارج نجد ما يحصل هو العكس، ولا يكتفي التريف عند ذلك وانما نجده يحتكر حتى الخارج، فالمعارضة في الداخل او الخارج لا تمتلك الحق في الحصول على الدعم الخارج، وان فعلت فهي عميلة له،وهدفه من ذلك معروف، هو استغلال الرفض الداخلي للخارج لدعمه للتريف في الداخل، للعمل من اجل تشويه سمعة المعارضة، لكي يتمكن من الانفراد في المجتمع وحده.

اما بالنسبة إلى المجتمع  ففي هذه الحالة نجده يعلن ان التريف ما هو الا عميل للخارج وينفذ له مايريد، متناسين بأنه التريف لايهمه صفة العمالة وانما ما يهمه الحصول على الدعم من أي طرف سواء كان داخلياً أو خارجياً، بحيث تصبح تهمة العمالة تهمه لا تكفي لمواجهة التريف الذي نجده، يستطيع تجاوزها بالركون الى جهات داخلية في بعض الأحيان إذا وجد في ذلك ضرورة، لتكون اللعبة الحقيقة او المواجهة ليس بين طرف عميل والشعب بقدر ما هي بين طرف ظالم وأخر مظلوم.

التريف وعلوم القوة:

ينطلق التريف من التقسيم الثنائي للمعرفة، أي المجال الإنساني والمجال الطبيعي،فهو يركز على المجال الطبيعي من العلوم فيجعل الأولوية لهذا المجال، وإذا ما بحثنا عن السبب في ذلك، نرى بان التريف يعتقد أن هذا المجال يمثل له الجانب القوي في الحياة، فالطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والرياضيات…الخ، هي علوم يستطيع من خلالها، تحقيق التقدم المادي الذي يسعى أليه،ضان بأنه لا يتطور ألا بهذا النوع من العلوم، لذا نجده يقدم هذه العلوم في الحياة ويعمل على إعطاء الامتيازات الكبيرة لمن يعمل في هذه المجالات، ولا يقف عند ذلك بل يعمل على جعل ذلك جزءاً من ثقافة المجتمع، بحيث تصبح النظرة الى تلك العلوم نظرة تضفي على من يمتهنها التمييز، في حين يحاول على عكس المعادلة مع العلوم الإنسانية، التي لاتجد من العناية ما يوازي العلوم الطبيعية، والتريف منطلقه في ذلك اعتقاده بأنه تلك العلوم الطبيعية هي التي سوف تعزز قدرته على السيطرة في الداخل والهيبة في الخارج.

وغاية التريف لاتقف عند ذلك، فهو يعتني بالعلوم الطبيعية ويهمل العلوم الإنسانية لكون هذه الأخيرة علوم تركز على دراسة الإنسان والمجتمع، مما سوف يولد له الكثير من المشاكل الداخلية،فهو لا يريد للمجتمع علوماً تحرك به التفكير في تكوينه الداخلي،أي لا يريد له علوماً تقول له من أنت، وما حقوقك؟ وبم يتميز عليك من هو في السلطة ليحتكرها له،وانما يريد التريف ان يبقي هذا الإنسان محكوماً بمرجعيته الفكرية القاتلة التي تشل النفس الإنسانية،وتكسر الإرادة، بحيث لا يصبح للإنسان أي قدرة للتعامل مع الجانب الاجتماعي بالحياة، وانما فقط في الجانب المادي الذي تمثله العلوم الطبيعية.

هذه الإشكاليات وغيرها التي يحملها التريف تشكل عائقاً امام بناء مشروع حداثوي، يكون علاجاً للخروج من مرحلة المجتمع التقليدي  والدخول الى المجتمع الحداثوي.

 

المصادر:

1.  الرفاعي، إسماعيل شاكر ، تشريح الاستبداد: النظام العراقي نموذجاً، بيروت: دار الكنوز الأدبية، 1990.

2.  صاغية، حازم، بعث العراق سلطة صدام قياماً وحطاماً، بيروت: دار الساقي،2003.

3.  السعيد، حسن، نواطير الغرب، بيروت: مؤسسة الوحدة للدراسات، 1992.

4.  ابراهيم، د. فرهاد، الطائفية والسياسية في العالم العربي: نموذج الشيعة في العراق، مصر: مكتبة مدبولي، 1996.

5.   عبد،كريم، الدولة غير المثقفة، بروكسل: المركز العربي للفنون والآداب1995.

6.  عبد، كريم، الدولة المأزومة والعنف الثقافي:عراق ما بعد الحقبة الثورية وأسئلة المستقبل،بيروت:الفرات للنشر والتوزيع2002.

البحوث:

حميد الهاشمي،المرأة ومأزق تلازم القيم العشائرية والتفسيرات الدينية

Uluminsania.com/a72

8.  حميد الهاشمي، عسكرة المجتمع العراقي: رؤية انثروبولوجية في مظاهرها وآثارها السلبية، uluminsania.com

9.  عبد الوهاب حميد رشيد، جذور ازمة العنف السياسي في العراق: قراءة في المواريث التاريخية، مجلة علوم انسانية، العدد6، سنة 2004 uluminsania.com

10.  د.عقيل نوري محمد، إشكالية النظام الاجتماعي: تصورات متباينة في فهم أزمة الذات والمجتمعuluminsania.com

11.  د. عقيل نوري محمد، علم الاجتماع بين جدلية الدين والسياسة:في ضوء المشهد العراقيuluminsania.com