|
عن المجتمع المدني وآفاق المستقبل
أ. د طالب مهدي الخفاجي
المجتمع المدني نظرة تاريخية
لعل من
المفيد النظر في تصوير المجتمع المدني في تاريخ الفكر
الفلسفي في الحقبة التي سبقت الحداثة، ان البحث التاريخي
يعمق النظرة او الرؤية في اساس المجتمع المدني، ان هذا
الأمر يجعلنا نملك القدرة والتمييز بين امرين الأول فهم
الأختلاف بين تصور المجتمع المدني قبل الحداثة، والأمر
الثاني بين المجتمع المدني في الحداثة.
فاذا اتضح
هذا اصبح الأمر سهلاً ان نفهم وندرك لماذا وضع كل من (هوبز
ولوك 1632 ـ1704) المجتمع المدني التقليدي موضع التساؤل
وفي كتاب افلاطون ( 427 ـ 347) ق. م الجمهورية يرسم صورة
للمجتمع المدني العادل او الدولة المثالية، فعند افلاطون
تؤسس وحدة الدولة وقوتها على العقل. ونشأة المجتمع عنده
تعود الى حاجة افراد المجتمع التي لايمكن اشباعها الا
بالتعاون بين افراده مع بعضهم البعض. وارسطو(384ـ322ق.م)
يتحدث في كتابه السياسة عن المجتمع المدني حديثه عن
المجتمع السياسي. فالمجتمع المدني عنده كينونة سياسية
اخلاقية وليس عقداً ولا اتفاقاً بل هو نمو طبيعي من الاسرة
الى القريةالى دولة المدينة وينظمها الدستور والقانون.
اما الفارابي
(260-339هـ) فهو يتحدث في كتابه (آراء اهل المدينة
الفاضلة) قائلاً: ان المجتمع المدني يتطابق مع المجتمع
السياسي، فالمدينة الفاضلة هي الدولة الفاضلة.
وعند القديس
أَوغسطين (393-430م) في كتابه (مدينة الله) تخضع فيه مملكة
الارض الى مملكة السماء. فكل سلطة مصدرها الله. والنظام
الاجتماعي مستقر طبقاًلارادة الله. وفي ضوء هذا يتضح لنا
ان المجتمع وبما ينطوي عليه من نظم وقوانين ليست نابعة من
البشر انما مصدرها الله وهي حكم الهي. والامر عند (توما
الاكويني) (1225-1274م) الذي سعى الى خلق موازنة ووفاق بين
المسيحية وارسطو. وهو في تصوره هذا يأخذ رأي ارسطو في
النظام العقلاني للمجتمع ومن ثم يرده الى الله .فالله هو
مؤسس النظام العقلاني لا في المجتمع فحسب بل في الكون كله.
وقانون الطبيعة بوصفه قانون العقل امر الارادة الالهية هو
اساس النظام(1).
ان المدينة
او الدولة عند (مارسيل دوبادوا) وهو من تلاميذ ابن رشد ذهب
في كتابه (المدافع عن السلام سنة 1324) مجتمع كامل القدرة
على ان يوفر لنفسه كل ما يحتاج اليه لكي يحيا حياة طبيعية
في هذه الدنيا وفي الاخرة. ويفصل مارسيل بين العقل والدين،
ويرى من العبث ان تزج بالدين في مسائل العقل اي مسائل
الدنيا. ويعتقد ان رجال الدين جزء من المجتمع المدني، طبقة
تماثل غيرها من طبقات المجتمع... والعقل عنده اساس المجتمع
المدني، وهو قانون وضعي من عمل المواطنين جميعاً انهم سلطة
التشريع ويأتي القانون المدني باوامره ونواهيه في الالتزام
بها تكون الحياة الطيبة للانسان والمجتمع(2).
وبقي الكتاب
المقدس صندوقا مغلقا بعيداً عن اجراء اي حوار معه ولكن
اصبح الامر ممكنا اي فحص الكتاب المقدس والحوار معه بعد
ظهور حركة الاصلاح الديني عند(مارتن لوثر) (1438-1546م)
وهكذا نجح (مارتن لوثر) في وضع حد ونهاية للرؤية الاحادية
في الدين وكانت التعددية الدينية هي الناتج الضروري وفي
ضوء التعددية الدينية يثير لوثر سؤالا عن علاقة الدين
بالمجتمع فيعارض القائلين بحكم الانجيل. واعتقد بان
العلمانية نظام اجتماعي، الحكم فيه للقانون المدني ويتساوى
امامه الجميع .
والقضية التي
تحتاج منا الى وقفة هي تصور هوبز ولوك للمجتمع المدني.
الاشكال الاساسي الذي يثيره هوبز هو ان تصوره للدولة
بوصفها قوة مرعبة تجبر البشر على اطاعتها بالقوة من خلال
الالتزام باحترام القانون. هذا التصور للدولة كفيل بان
يجعلها الجهة التي تهدد الحرية التي تعد حمايتها وحماية كل
حقوق افراد المجتمع هدفا اساسيا من اجله قام المجتمع
المدني عند هوبز. اما رؤية (لوك) فهي تقوم على تسليمه
بالقانون الطبيعي في حالة الطبيعة. الا انه يعود فيتطابق
رأيه مع رأي هوبز بان الاستمتاع بالحرية والملكية في حالة
الطبيعة غير مؤكد انه بهذا الموقف يقر الصراع في حالة
الطبيعة. والعلاج عنده في اقامة المجتمع المدني، وحكومة
تخضع لراي الاغلبية ومقيدة بشروط يمنعها من ان تتحول الى
دولة دكتاتورية. والسؤال هو كيف يمكن حماية الاقلية من
استبداد الاغلبية؟ والسؤال الاخرهل تستطيع الحكومة المقيدة
على التغلب على الصراعات المتدفقة عن حالة الحرب بدون
الحاجة الى القوة؟
ربما يكون
رأي لوك بالتسامح فضيلة مدنية عندما تمارس تكون عاملا قويا
في تجاوز الصراعات او على الاقل تهدئتها. والسؤال الاخر
يتعلق بالعلمانية وبقدرتها على خلق شروط ملائمة بالمجتمع
المدني تمنع الحكومة المقيدة بالاغلبية من الانحراف عن
هدفها الاساس.
هذه كانت
مقدمة سقناها للدخول الى الموضوع فنقول: برز خلال العقد
الاخير اهتمام استثنائي بمفهوم المجتمع المدني. في العالم
عموما والعالم العربي خصوصاً يصعب حصر الكتابات الغربية في
هذا الباب، لكن يكفي التذكير بدعوات (جون كين) الى اقامة
مجتمع مدني عالمي. كذلك برزت حركات وظهرت دراسات تدعو الى
المجتمع المدني في امريكا اللاتينية وافريقيا. ان معظم تلك
الدراسات والابحاث اتخذت طابعا سياسيا يتكئ على فهم تاريخي
او نظري يضع مفهوم المجتمع المدني في تضاد مع الدولة،
تعبيرا عن هيمنة الدولة ورغبةً في الفكاك من اسر هذه
الهيمنة. ان العناية المذكورة بشأن المجتمع المدني سواء
أكان حقيقياً ام غير حقيقي، انه لايأتي من فراغ انما هناك
تحول حضاري يستدعي ذلك الأهتمام. ان التحول الحضاري كما
يبدو واضحاً نابع من أنهيار العالم القديم بكل ما يحمله من
عادات وافكار وقوانين ومفاهيم. فالدولة الشمولية/
الأشتراكية تقوضت بينما تتعرض الدول الليبرالية/
الرأسمالية لمساءلة عسيرة تهزها هزاً.
ان التحول
الذي اشرنا اليه لايأتي من فراغ انما نستطيع القول انه
يخلف وراءه ما يعادل الفراغ. وهذا الفراغ يحتاج ـ بالتأكيد
ـ الى ما يملؤه.في هذه النقلة الحضارية يبدو ان العالم
العربي آخر من يطل وبعبارة اخرى آخر القادمين حتى
بالمقارنة مع قارتي افريقيا وامريكا اللأتينية.
والآن نود ان
نعرّف ما معنى المجتمع المدني. انه مجموعة التنظيمات
التطوعية الحرة، التي تملأ المجال العام بين الأسرة
والدولة لتحقيق مصالح افرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير
الأحترام والتراضي والتسامح والأدارة السلمية للتنوع
والخلاف. وتشمل تنظيمات المجتمع المدني كلاً من الجمعيات
والروابط والنقابات والأحزاب والأندية والتعاونيات. اي كل
ما هو غير حكومي وكل ما هو غير عائلي او إرثي (من
الوراثة). وينطوي مفهوم المجتمع المدني على ثلاثة أُسس او
اركان وهي:
1. الفعل
الأرادي الحر:ان المجتمع المدني يتكون بالأرادة الحرة
لافراده ولذلك فهو غير((الجماعة القرابية)) مثل الأسرة
والعشيرة والقبيلة.ان المجتمع المدني في ضوء ما تقدم هو
غير الدولة التي تفرض جنسيتها او سيادتها وقوانينها على من
يولدون اويعيشون على اقليمها الجغرافي دون قبول مسبق
منهم.والناس ينضمون الى المجتمع المدني لغاية هي تحقيق
مصالحهم والدفاع عنها سواء أكانت المصلحة مادية ام معنوية.
2. التنظيم
الجماعي: قلنا ان المجتمع المدني يضم تنظيمات ونوادٍ
واحزاب، وان كل تنظيم منها يضم مجموعة من الأفراد اختاروا
عضويته بمحض ارادتهم الحرة،ولكن ذلك يجب ان يتم وفق شروط
على رأسها التراضي بشأنها او قبولها ممن يؤسسون التنظيم او
ينضمون اليه فيما بعد.
ان المجتمع
المدني اذاً هو الأجزاء المنظمة من المجتمع العام.
والمجتمع المدني هومجتمع ((عضويات)) فبقدر ما يحمل اي
مواطن من بطاقات عضوية بقدر ما يكون عنصراً ناشطاً في
مجتمعه المدني. ومن لايحمل بطاقة عضوية في تنظيمات المجتمع
المدي يُعد مهمشاً. او من المستضعفين في اي مجتمع معاصر.
3. الركن
الأخلاقي السلوكي وينطوي على قبول الأختلاف والتنوع بين
الذات والآخرين، وعلى حق الآخرين في ان يؤسسوا منظمات
مجتمع مدني تحقق وتحمي وتدافع عن مصالحهم المادية
والمعنوية.
المجتمع المدني والديمقراطية:
هناك علاقة
ورابطة متينة بين المجتمع المدني والديمقراطية وخاصةً فيما
يتعلق بحق الأختلاف في الآراء وفي المصالح المادية
والمعنوية فهذا الركن (اي الأخلاقي والسلوكي) هو جوهر
الديمقراطية،بل ان الديمقراطية هي الجانب السياسي للمجتمع
المدني. فهي صيغة سلمية لادارة الخلاف والتنافس والصراع
طبقاً لقواعد متفق عليها من كل الأطراف. ومن الأمور التي
تبدو واضحة هي ان منظمات المجتمع المدني تكون بمثابة مدارس
للتنشئة السياسية على الديمقراطية.فسواء أكانت جمعية او
نادٍ رياضي او رابطة ثقافية او حزباً سياسياً... فانها
تُدرب اعضاءها على الفنون والمهارات اللازمة للديمقراطية
في المجتمع الكبير. فضلاً عن ذلك ان منظمات المجتمع المدني
هي في الأساس منظمات مصالح تنتمي وتدافع عن هذه المصالح في
مواجهة المنافسين والخصوم من جماعات المجتمع المدني
الأخرىوعلى مواجهة الدولة في الوقت نفسه، ملتزمة بالأدارة
السلمية للأختلاف. وبهذا المعنى فانها جزء لايتجزأ من
النظام الديمقراطي العام ان وجد فعلاً. وجزء لا يتجزأ من
الشروط اللآزمة لوجود مثل هذا النظام وصلاحه او التمهيد
لنشأته ان لم يكن موجوداً بالفعل.
قلنا ان
العلاقة متينة بين المجتمع المدني والديمقراطية هذه
العلاقة واجتياح العالم برياح ديمقراطية جعلت عالم السياسة
الأمريكية المعروف (صموئيل هانيجتتون) وغيره يطلقون مصطلح
(الموجه الثالثة) على ما يجتاح العالم من رياح ديمقراطية،
بدأت في البرتغال عام 1974واستمرت على طوال العقدين
التاليين، وامتدت من جنوب اوربا الى جنوب امريكا والى جنوب
افريقيا ومن شرق اسيا الى شرق اوربا. فخلال الحقبة الزمنية
من عام (1974-1994) تحولت ستين دولة من انظمة شمولية او
دكتاتورية الى انظمة ديمقراطية هذا التحول اطلق عليه علماء
السياسة (الموجة الديمقراطية الثالثة) لانه سبقتها موجتان
خلال القرنين الماضيين.الموجة الاولى كانت في اعقاب
الثورتين الامريكية والفرنسية في اواخر القرن الثامن عشر
وامتدت زمنيا الى ما قبل الحرب العالمية الاولى وشملت نحو
عشرين دولة معظمها في اوربا والامريكتين.اما الموجة
الديمقراطية الثانية فقد شغلت الحقبة الزمنية التي تلت
الحرب العالمية الاولى(1920-1960) وشملت نحو ثلاثين دولة
وفي كل الاحوال اصبح عدد بلدان العالم التي شملتها الموجات
الديمقراطية الثلاث تجاوزت المئة حاليا من مجموع نحو مئة
وثمانين دولة مستقلة من اعضاء الامم المتحدة.
وفي ما يتعلق
بالاقطار العربية فان الموجة الديمقراطية الاولى لم تشملها
على الاطلاق ثم شملت الموجة الثانية (1920-1960) عددا
قليلا منها وهذه الاقطار القليلة ارتد معظمها عن
الديمقراطية. وفي الموجة الحالية التي بدات 1974لانجد من
الواحد والعشرين قطرا عربيا سوى تسعة اقطار فقط ـ هي مصر
والمغرب والجزائر وتونس ولبنان والاردن والكويت واليمن
وموريتانيا ـ تشهد درجات متفاوتة من الديمقراطية بينما تظل
اغلبية الاقطار العربية ترزح تحت انظمة حكم غير ديمقراطي.
قلنا ان
العلاقة وثيقة بين المجتمع المدني والديمقراطية او التحول
الديمقراطي وتبدو واضحة ومنطقية ذلك ان الديمقراطية هي
مجموعة من قواعد الحكم ومؤسساته للادارة السلمية للعلاقات
بين الجماعات المتنافسة او المصالح المتضاربة .ومن ثم فان
الاساس المعياري للمجتمع المدني هو الاساس المعياري نفسه
للديمقراطية.واذا ابعدنا خط الديمقراطية المباشرة في
(اثينا) او(مجلس المدينة) جانبا لوجدنا ان تكوينات المجتمع
المدني هي افضل قنوات المشاركة الشعبية في الحكم ان هذا هو
جوهر المجتمع المدني كما استخدمه منظرو(العقد الاجتماعي)
وحتى هيجل وماركس وجرامشي. وكل ما فعله مستخدمو المفهوم من
المحدثين هو بلورته والتوسع في رصد مظاهره في المجتمعات
المعقدة المعاصرة وذهب بعض الباحثين الى مسألة تأخر التحول
الديمقراطي في الوطن العربي انه يرجع الى غياب او توقف نمو
المجتمع المدني وما يتعلق به من ثقافة سياسية وعن هذه
المسألة اعتقد بعض المستشرقين والعنصريين الى حد انكار
امكانية تطور المجتمع العربي، والانكى قالوا ان لامستقبل
للتحول الديمقراطي الحقيقي في وطننا العربي واذا دققنا
النظر في هذه الادعاءات في ضوء الواقع سواء قبل العصر
الحديث او في الوقت الراهن وجدنا ان المستشرقين ودعاواهم
على خطأ كبير فعلى الرغم من تشوه وتلكؤ التحول الديمقراطي
فان الوطن العربي اليوم يمر بعمليتي بناء للمجتمع المدني
وللتحول الديمقراطي والصلة بين العمليتين واحدة في جوهرها،
ففي الوقت الذي تنمو وتتبلور فيه التكوينات الاجتماعية
والاقتصادية الحديثة ،فانها تخلق معها تنظيمات مجتمعها
المدني التي تسعى بدورها الى ترسيخ دعائم المشاركة في
الحكم.
هل كانت هناك
مؤسسات مدنية عربية تقليدية؟ وللاجابة عن السؤال نقول: نعم
كانت في الوطن العربي مؤسسات قبل العصر الحديث وكان
المجتمع التقليدي قائما على سلطة سياسية تستمد شرعيتها من
مزيج من الغلبة العسكرية والمصادر الدينية(3). الا انه
يبدو واضحا للدارس والباحث ان المجال العام سرعان ما كان
يشغله عمليا كل من العلماء والتجار وطوائف الحرفيين
وقيادات الملل والنحل. اما خارج البؤرة المركزية فكان هذا
المجال العام يحتله الفلاحون والبدو. وكانت السلطة
السياسية تبتدئ في أجلى صورها في البؤرة المركزية الاولى
لهذا المجال العام. اما خارج البؤرة المركزية فكان ظهور
التكوينات الاجتماعية/ الاقتصادية يتفاوت وبصورة ملحوظة
ونادراً ما كانت محسوسة. وكانت التكوينات الاخرى وخاصة
القبائل شبه مستقلة او مستقلة تماما عن السلطة المركزية ان
لم تكن منشقة عليها. وعلى الرغم من ذلك فان هناك جماعات
وتكتلات متباينة تتعايش مع قدر كبير من الاستقلالية. كل
ذلك يجري خارج البؤرة المركزية المحصورة داخل اسوار
المدينة. اذاً كانت الطوائف والمذاهب الدينية والاقليات
العرقية تدير معظم شؤونها الداخلية من خلال قادتها
ورؤسائها الذين كانت في ايديهم الزعامة والسلطة القضائية
والادارية داخل جماعتهم الخاصة. ولم يكن الامر يخلو من بعض
التوترات والمنازعات داخل كل جماعة الا ان هذا الامر سرعان
ما يجري حسمه داخليا وفي بعض المنازعات تتدخل السلطة لحسم
الامر(4).
وهنا نود
السؤال، كيف يتم التوازن او الحفاظ على هذا التوازن في
ادارة المجتمع؟ ان هذه المسألة مهمة ذلك اننا نقول: ان
التوازن والحفاظ عليه يتم من خلال التدرج الطبقي المحدود،
اومن الاستقلالية النسبية للحرف والسكن والموارد (ومعظمها
من الاوقاف او الحبوس) اما التكافل الاجتماعي فكان يقوم
على اساس المهنة او الدين او المذهب والسلطة المركزية
تتولى جمع الظرائب واقامة العدل بالشريعة وتحافظ على
النظام العام والدفاع وكانت ترعى الفنون والعلوم احيانا
اما الخدمات الاجتماعية والمهام الاقتصادية المباشرة فلم
تكن من الالتزامات المتوقعة من (الدولة ) بل كانت تترك في
الغالب للجماعات المحلية وبهذا فان المجتمع العربي
التقليدي لم يعرف مرادفات المؤسسات المدنية وحسب بل انه
عاش فيها. فكان الافراد يعتمدون على هذه المؤسسات في
الحفاظ على هويتهم والوفاء بكثير من احتياجاتهم الاساسية
وكانو محصنين نسبيا من التعامل المباشر مع السلطة
السياسية(5).
وبشأن الدولة
العربية الجديدة بين التمدد والانكماش نقول: ان الدولة
العربية كلها او معظمها نشأت بامر من القوى الاستعمارية او
ان القوى الاستعمارية هي التي وضعت الاسس لمعظم الدول
العربية(6). وكانت تحمل في ثناياها العديد من التشوهات
بدءاً من المشكلات المفتعلة على الحدود المصطنعة وانتهاءً
بالضعف الداخلي لمؤسساتها وقد واجهت هذه الدول منذ نشأتها
مشكلات وتحديات من الداخل والخارج على حد سواء. فهي لم
تستفد مما في تراثها من حكمة المؤسسات المدنية التقليدية
(قبل الحديثة) كما انها لم تسمح بمساحة عامة كافية
للمؤسسات الحديثة لكي تنمو وتزدهر.
ومما يلاحظ
ان الوطن العربي شهد ظاهرة تنطوي على نمو اجتماعي واقتصادي
في العقود الثلاثة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية وهي
الحقبة التي وُلدت فيها معظم الدول العربية المستقلة. إلا
ان هذا النمو كان فجائياً غير متسق مما ادى الى بناء
اجتماعي اقتصادي مشوّه. واخذت هذه الدول التي نالت
اسقلالها في الخمسينيات والستينيات في وضع خطط طموحة
للتوسع التعليمي والصناعي. ونتيجةً لذلك نمت طبقتان
جديدتان نمواً مطرداً وهما الطبقة المتوسطة الحديثة
والطبقة العاملة الجديدة وكانت السمة الغالبة على معظم
الدول العربية،هي التخطيط المركزي والسيطرة على السياسات
الأجتماعية والأقتصادية. وفي مقابل هذا اشهدت حقبة العقدين
التاليين (السبعينيات والثمانينيات) مزيجاً من السياسات
الأجتماعية والسياسية المشوشة.وقد نتج عن هذا طفرة كبيرة
اغرت العديد من الدول الفقيرة ذات الكثافة السكانية بتبني
سياسة الانفتاح الاقتصادي الليبرالي من دون تخطيط للسيطرة
على تداعيات السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي سادت في
العقود السابقة .هذه السياسة المشوهة دفعت تلك الاقطار إلى
تجريب ثلاثة انماط اقتصادية وهي القطاع العام والقطاع
الخاص والقطاع المشترك.
ان الاشكالية
التي يلاحظها الباحث هي زيادة مأزق الدولة في الوطن العربي
بسبب الصراعات الاقليمية والداخلية القديمة التي بقيت من
دون حلٍ او ابقاها الاستعمار على هذه الصورة لكي تكون
عاملا مساعدا له لتمرير سياسته التي تسعى الى بسط هيمنته
الاستعمارية. يضاف الى ذلك فشل الحكومات العربية في الحقبة
بعد الاستقلال في ادارة الصراع. ومن الصراعات المؤجلة
الصراع العربي الاسرائيلي والصراع العراقي الايراني
والصراع التشادي الليبي والصراعات القائمة في كل من لبنان
والسودان والصومال والصحراء الغربية والصراع العراقي
الكويتي(سابقاً) ومن هذه الصراعات من استخدمت السلاح ومنها
من استمر حقبة ليست قليلة مثل الحرب العراقية الايرانية.
هذه الصراعات كانت باهظة التكاليف سواء على المستوى المادي
او البشري وتحتل منطقة الشرق الاوسط المرتبة الاولى في
العالم الثالث من حيث شراء السلاح بمتوسط(100) مليار دولار
سنوياً خلال العقدين الاخيرين .ويبلغ مجموع الانفاق على
الدفاع ضعف ذلك المبلغ.وهكذا تم انفاق او تبديد ما يقارب
من (400) مليار دولار على الاغراض العسكرية دون التوصل الى
تسوية لمعظم الصراعات المذكورة. وقد تراكم الانفاق الى
(2300) مليار دولار وهي مجموع الاهدار الناتج عن الصراعات
في المنطقة*.
الهوامش:
1. جورج
سباين، تطور الفكر السياسي، ج2، ترجمة حسن جلال العروسي
دار المعارف، مصر، ص350ـ 362.
2. م. ن، ص،
401ـ415.
3. يونان
لبيب رزق، مصر المدينة، القاهرة1993.
4. م. ن،
ص40ـ84.
5. م. ن،
ص141ـ142.
6. سعد الدين
ابراهيم وآخرون، المجتمع والدولة في الوطن العربي، منتدى
الفكر العربي، ص19ـ24.
*أفدنا
كثيراً من مقدمة الدكتور سعد الدين ابراهيم وهي مقدمة
لكتاب الدكتور فالح عبد الجبار، الدولة والمجتمع المدني
والتحول الديمقراطي في العراق.
|