ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الديمقراطية والحركات السياسية الإسلامية

وليد المسعودي

 

الديمقراطية نشأة ومفهوم

عرفت الديمقرطية قديما بأنها حكم الشعب، اذ تتكون من كلمتين هما demose وتعني شعب وcratis تعني حكم، هذه الديمقراطية لم تكن في حقيقتها سوى آلية او وسيلة من خلالها يستطيع النبلاء والطبقات الاكثر حضوة وغنى من ممارسة نموذجهم واطارهم السياسي والثقافي على الآخرين الذين يفتقدون المنزلة التي يمتلكون، إذا كان هنالك إقصاء وتهميش للفقراء والعبيد والنساء، ومن ثم نستطيع ان نسمي هذه الديمقراطية بديمقراطية النبلاء الذين كانوا يمارسون وجودهم وحياتهم الاجتماعية من خلال ذلك الانعكاس المثالي لكل ما يوجد من متناقضات مادية لها وجودها العياني المعاش، فالعالم القديم في نظر الماركسية يشكل مجتمعا طبقيا في صورته الأنموذجية كنمط انتاج عبودي، بحيث ان العبد نفسه لم يكن سوى اداة حية كما يرى ارسطو، ومن ثم لم يكن يستطيع ان يبيع قوة عمله لانه اشبه بالثور الذي لايستطيع ان يبيع عمله للفلاح، وذلك لان انسانية الانسا ن في نظر اليونان لاتوجد منفصلة عن صبغته الاجتماعية، بوصفه كائنا سياسيا(1).

احتجب هذا المفهوم اكثر من الف عام وذلك بسبب سقوط دولة اثينا من دولة اسبارطة، ومن ثم سيادة او انتشار المسيحية في اوروبا، وهنا المسيحية الكنسية المرتبطة بإرادة الكهنوت وسلطة البابا والملك المفوض بشكل الهي على المؤمنين من طبقات الجاهز الاجتماعي، الذين ينساقون بدورهم إزاء سلطة وكاريزما الملك والبابا ومجموعة رجال الكهنوت بشكل لاشعوري، خلال هذه الازمنة من القرون الوسطى سيطرت الكنيسة ولاهوتها المدرسي التقليدي، ومن ثم لم يكن هناك اية تطور يذكر لمفهوم الديمقراطية، فسلطة الملك سلطة الهية لاتستطيع ان تقف امامها اية قوانين من شأنها ان ترسخ الارادة البشرية للمجتمع او الافراد وحرياتهم، كانت هناك كلمة المطلق او فكرته على الارض كما يقول هيجل مساندا فكرة الدولة مجسدة لدى الملوك(2) ، ولكن طيلة هذه الازمنة كان هناك الصراع بين الكنيسة والدولة المرتبطة بالملك وبين الاقطاعيين الصغار والاقطاعي الاكبر، ومن ثم كان هناك نزوع ضد الطغيان والاستبداد، بين الاقطاعيين انفسهم كي لا يستأثر بالسلطة فرد او حاكم مستبد وخصوصا في ما يتعلق في المجالات التجارية، إذ كانت هنالك على الرغم من سلطة القرون الوسطى وظلاميتها مجالس تمثيلية محلية عامة يقودها الاغنياء من الاقطاعيين، مستثنى منها السكان جميعا وتنتخب من مجموعة من السراة الاقطاعيين إما بالتعيين او بالوراثة.

ومع بدء القرن السابع عشر بدأ الصراع يأخذ مجاله الاوسع، وخصوصا مع بداية ظهور المدن وتكون الفئات الجديدة من التجار والصناع المحليين قوة اجتماعية ستصبح فيما بعد الطبقة البرجوازية التي تأخذ على عاتقها مهام ترسيخ الديمقراطية بمعناها الحديث، والذي يشمل حق الانتخاب الحر ومراقبة الحاكمين وفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية(3)، ومن ثم سوف يحدث هناك تحوّل من الدولة الملكية القائمة على تركيز السيطرة ضمن دائرة قوى العائلة او العشيرة والتي تتوزع وتنتشر في جميع مؤسسات واماكن الدولة وخيراتها الى الدولة الحديثة الصناعية القائمة على تركزالثروات في يد طبقة جديدة صاعدة ألا وهي طبقة الموظفين والتجار الصغار، الطبقة البرجوازية، إذ تحولت الدولة من مجتمع يغلب عليه العمل في المصانع والمعامل والمتاجر على العمل في الحقول طبقة الاجراء الصناعيين على الفلاحيين، الرأسمال النقدي على الملكية العقارية كلها تطورات تنعكس على وظائف الدولة واجهزتها"(4) .

لقد مثلت المبادئ التي جاءت بها الثورة الفرنسية اساسا في غاية الاهمية لقيم المساواة والعدالة الاجتماعية والتحرر، ومن ثم اعطت دفعة متقدمة للبشرية من اجل الخلاص وبناء أنموذج انساني اكثر رقيا، ولكن سرعان ما يتدارك اي حدث او ثورة من شأنها ان تحدث انعطافة او قطيعة في تاريخ الجماعة البشرية اقلية لديها الكثير من الحضوة والامتيازات على حساب الاكثرية الرازحة تحت وطأة شروط انسانية في غاية التردي بحيث ذهبت شعارات الخلاص ادراج الرياح، عندما سيطر الاستبداد والتسلط الفردي من هذه الاقلية ومثالنا هنا نابليون الذي وقف الى جانبة الثوار انفسهم عند قيامة بتوسيع امبراطوريته عن طريق الفتوحات والحروب، ومن هنا بدأ الصراع يظهر مجددا بين القوى المستغلة والمستبدة وبين الاخرى التي تقف الى جانب الانحناء كأدوات واقعة تحت نير الاستغلال والاستلاب، إذ ظهرت النزعات القومية الداعية الى تكوين أنموذجها القومي الذي يشمل الذات الانوية عن طريق الاتحاد الجوهري بين اللغة والتاريخ، فضلاً عن نشوء الكثير من الحركات الاجتماعية والاحزاب الاشتراكية العمالية. لقد كانت كل هذه الاشكال السياسية تدعو الى النضال والعمل السياسي عن طريق استخدام العنف والثورة والتغيير الراديكالي الذي يصبو بدوره الى التحرر وتكوين دكتاتورية جديدة تختلف عن الدكتاتورية السائدة والمرتبطة بالقوى التي تملك وسائل الانتاج المادي والثقافي والسياسي... الخ، هذه الدكتاتورية كانت بديلا مؤقتا من اجل تحقيق الحلم او الطوبى الموعودة بها سواء للامة القومية الوطن او للامة البشرية الخالية من الطبقات والتراتب الاجتماعي القائم على التفاوت في الفرص والحظوظ في نظر مؤسسي الاشتراكية ماركس ولينين، ولكن كل ذلك لم يتحقق عند سيادة هذه النماذج القومية والاشتراكية، وذلك بسبب نزعة الاقصاء والهيمنة وتكوين حقول متعددة من الغاء الهوية الفردية فضلاً عن الغاء التطلعات الجماعية برمتها من خلال سيطرة جهاز الحزب الشمولي الذي اضفى الدكتاتورية وأيد الأنموذج طيلة هذه الازمنة من عمر هذه النماذج في كثير من البلدان الأوربية او عالم ثالثية، ومن هنا تأصل ذلك الأنموذج الرأسمالي على العالم اجمع بسبب فشل جميع هذه النماذج من التعامل مع الديمقراطية بشكل حضاري لانها في الاساس تفتقد الى الديمقراطية والتنظيم الليبرالي الحر داخل هرمية تكوينها السياسي.

هناك من يعرف الديمقراطية على انها مجموعة الضمانات المؤسساتية التي تسمح التوفيق بين وحدة العقل الممكنن وتنوع الذاكرات، بين المبادلة والحرية، ومن ثم هي سيادة الاعتراف بالاخر(5) وهنا يبين الآن تورين العلاقة المباشرة بين اقتصاد السوق من حيث الشكل الاقتصادي وبين العلمنة كتعبير ثقافي يندمج في اطار الديمقراطية الليبرالية التي يحركها بدوره اقتصاد السوق غير الخاضع الى الدولة او الحزب او الطبقة الشعبية، وهنا نتسائل هل يخلق اقتصاد السوق سيادة الاعتراف بالاخر؟ من المؤكد انه يعمل على ذلك ولكن ضمن حيز التأثير والارادة المرتبطة بقوة رأس المال، فاقتصاد السوق عندما يسيطر على النظام السياسي من المؤكد انه يكسب الطبقة السياسية التي تخدم بالضرورة المصالح التي تتطلبها السوق العالمية، ومن ثم تكون هناك طبقة مستفيدة على حساب  اخرى، ومن ثم  ينعدم الاعتراف بالاخر من حيث الشعور بالمساوة والعدالة الاجتماعية، بحيث كثيرا ما يشعر الناخب بعدم الجدوى من الادلاء بصوته او اجراء الممارسة الانتخابية مادامت محسوبة سلفا لدى هذه الطبقة او الحزب السياسي المدعوم من النظام العالمي للسوق او الشركات المالكة لرأس المال، وهنا من الممكن ان يكون السوق عاملاً مهماً في ضعف الديمقراطية بحيث يشعر المواطنون كما يقول الان تورين بأنهم مستهلكون اكثر من كونهم مواطنين وعالمييّ الانتساب اكثر من كونهم قوميين(6).

 

الديمقراطية والحركات السياسية الاسلامية

هناك بون شاسع بين قيم الاسلام السياسي من حيث الاعتماد المطلق على جاهزية التراث الاسلامي الثقافي بشكله الايديولوجي الرسمي من حيث تأصيل نموذج ثقافي سياسي اجتماعي يرتبط بالازمنة الذهبية للاسلام الاول من حيث تمثل ذلك الاطار الشكل الأنموذج الذي انجز من غيرمعاينة الظروف والاسباب والميكانزمات المؤثرة في ولادة ذلك الاثر الاجتماعي الثقافي السياسي للاسلام الاول، وبين قيم الجاهز الوضعي الحديث والمرتبط بالازمنة الحديثة التي اجترحتها ظروف واسباب وميكانزمات مؤثرة على جوهر المجتمعات البشرية في الغرب المعاصر على وجه الخصوص، هذه الديمقراطية تحمل تصورا مختلفا عن التصور الاول من حيث سيادة التعددية الفكرية والاجتماعية والثقافية داخل وعي المجتمع ، في حين ان الاسلام السياسي هناك اي ماهو سائد في مجتمعاتنا متعدد ومختلف وفقا لطبيعة التوظيف الثقافي والسياسي بين ماهو قديم وجديد، إذ نجد هناك بعض الحركات الاسلامية تعترف بسيادة التعددية والمجتمع المتعدد الافكار والثقافات والهويات ومن ثم هي تؤمن بالديمقراطية من حيث قيم الانتخابات وفصل السلطات وحقوق المساواة وحرية التنظيم السياسي والنقابي وحماية الحريات كافة، وذلك نجده لدى الكثيرين الذين يحاولون الدمج بين الشورى والديمقراطية على اعتبار ان الشورى هي الديمقراطية والعكس صحيح في ذلك إذ يقول راشد الغنوشي ان النظام الديمقراطي هو افضل الانظمة التي تمخض عنها تطور الفكر البشري، ومن ثم لاينبغي الاتكاء على عيوب هذا النظام لرفضه وإلا كان ذلك تفضيلا لحساب الدكتاتورية، فأن حرية منقوصة او منفلته خير من الاستبداد"( 7)، وهذا فيما يعنيه تبدل في جوهر النظرة الى الحرية وضرورتها، إذ طيلة تاريخ الاسلام الرسمي،  الاستبداد هو الأنموذج، ومن ثم هو قانون لدى المجتمعات المغيب عنها وعي الحرية وادراك الانسان الاخر بصورة مختلفة ومغايرة عن نسق ثقافتنا التقليدية، ولكن هناك من ينظر الى الشورى من خلال زاوية التطبيق الرسمي لها طيلة التاريخ العربي الاسلامي من خلال الاعتبار والتأسيس الحقيقي لسلطة منبثقة من (الملك أو السلطان أو الخليفة) ومن ثم تعتمد الشورى كمنفذاً او طريقاً ثانوياً، وانها مرتبطة بصاحب الصلاحية الملك في الشؤون والاحوال كافة، اي القول بالفصل بعد المشورة، وهنا يذكرنا بذلك الاسلوب المتبع من اكثر الحركات والاحزاب ذات النزعة القومية، الذي يتمثل بمقولة التنفيذ والاقرار والفصل في الامر والحقيقة والسلطة، ومن ثم يأتي النقاش والحوار بعد ذلك، وهنا لايوجد الرأي الذي يقول بإتباع الاكثرية من المجتمع بإعتبار هؤلاء اي الاكثرية (عوام) يجب ان تلجم كما اوضح ذلك منظر السلطة الرسمية ابو حامد الغزالي (وهنا نستدرك مقولة احد القوميين وهو ميشيل عفلق والمتمثلة بمقولة " نفذ ثم ناقش") علما ان موضوعة الشورى غائبة عن الدرس والملاحظة والاسترجاع لها طيلة الزمن الاسلامي الرسمي السلطوي، إذ هناك من يرى ان مفهوم الشورى القائم على تفضيل سلطة الملك وامره اولا، ومن ثم المشورة هو تفسير منحرف عن معنى الشورى في حقيقته المنبثق في القرن الاول الهجري من الاسلام الاولي، وهكذا تستمر طبيعة العلاقة بين الشورى والديمقراطية في تقابل وتماثل لدى البعض من خلال محاولة التوفيق بين الاثنين ومن خلال المعارضة والاختلاف النهائي بينهما لدى البعض الاخر من خلال اعتبار الديمقراطية تقود الى الفوضى والهلاك، ومن ثم تجاوز الاطار الأنموذج المرسخ طيلة ذلك الزمن، والذي من المؤكد يرتبط بالاستبداد والحكم النهائي المطلق ، فهذا ابن تيمية يفضل وجود طاغية جائر لسنة كاملة على النوم ليلة واحدة في فوضى او دون حكومة.

هل من الممكن ان تنخرط حركات الاسلام السياسي في اطار الديمقراطية، ومن ثم تستطيع ان تتجاوز نزعة الاقصاء والنهائية لديها، وخصوصا اذا تمت عملية التوفيق بين المرجعية الثقافية الاسلامية وبين المرجعية الثقافية الحديثة الوضعية؟ من الممكن ان يحدث ذلك، ولكن هناك من يرى ان عملية الاندماج تلك تتطلبها سياسة التكتيك والمناورة من اجل الحصول على المكتسبات السياسية، ومن ثم تبدأ عملية الفرض التاريخي بإعتبار ان اكثر الحركات السياسية الاسلامية تمتلك الجماهير، بحيث هي من تستطيع ان تفرض نموذجها واطارها خصوصا اذا كان القانون والدستور الذي يعمل ضمن مبادئ الديمقراطية مغيباً اثره وفعله، ومن ثم سيادة الركون الى التقية والخوف من الحركات السياسية التي تؤدلج المجتمع بأكمله وتبث له قيم الاطلاق القيمي والفكري، وهكذا نزوعا مستمرا من اجل السيطرة والهيمنة اكثر فأكثر حتى يؤدي الامر الى الغاء الاخر في حال توفر الفرص والامكانات المتاحة، وهنا نذكر ان هذا الامر ليس مقتصرا على الحركات السياسية الاسلامية التي تحاول ان تفرض نموذجها فحسب بل ينطبق ايضا على الحركات العلمانية السياسية المؤدلجة التي تريد ان تلغي قيم المجتمع وتبث لديه قيم الاخر ليس إلا، وذلك لانها تعمل على خلق قيمها المرتبطة بالشمولية والاستبداد عندما تجد الجماهير والطبقات الشعبية تقف الى جانبها، لان الطبقات الشعبية في كثير من الاحيان  اذا آمنت بإتجاه سياسي وذهبت معه الى غاية او حد نهائي من الايمان، فانها تعمل عند سيادتها على ممارسة الاقصاء والهيمنة للاخر المختلف والمغاير عن نسقها الثقافي السياسي، وتاريخ العراق شاهد على الصراعات والمشاحنات السياسية التي تقود الى العنف والتي قادت في النهاية الى تمثل دكتاتورية مانزال نعاني من اثرها في هذه الازمنة الحاضرة التي نعيش.

من الممكن ان تحدث عملية الاندماج بين الاسلام السياسي وقيمه وبين قيم الديمقراطية خصوصا اذا توفرت هناك دولة لها تأثير مباشر على الجميع، ومن ثم هي دولة منبثقه من المجتمع ولاتشكل عامل انفصال عنه، هذه الدولة تعمل على ممارسة الاعتراف الحقيقي بجميع العصبيات المتنوعه، وهنا تبدأ عملية التأثير المباشر لقيم الحداثه والديمقراطية من الدولة ذاتها وليس من الامة بحيث تسطيع ان تعيد للفرد قيمته وتعطي قدراً من التجربة الديمقراطية( 8) ولكن ذلك لايتم إلا في حالة تجدد الدولة ذاتها اي انبثاقها من المجتمع المدني المتحرر من  الكليشيهات الجاهزة كافة، ومن ثم احداث قطيعة جذرية من حيث المؤسسات والاجهزة والمفاهيم والقيم التي تنبثق لدى الدولة، ومن ثم تشكل اطارا جديدا قادرا على ترسيخ قيم التعددية داخل المجتمع من خلال العمل على تمثل قيم الديمقراطية ذاتها آنذاك من الممكن ان تبث الدولة (الديمقراطية) الى اكثر العصبيات تنوعا، ومن ثم شيئا فشيئا يترسخ في وعي الافراد عموما، ولكن تبقى هناك اشكالية تحقق ذلك ماثلة امام انظارنا من حيث وراثة الدولة في العراق لجميع مخلفات الدكتاتورية وقيم الاحزاب الشمولية التي لاتعي الاخر إلا من خلال مصالحها بالدرجة الاساس، فانه يصعب مع ذلك ولادة جيل او اجيال ديمقراطية بشكل فاعل واكيد.

 

الديمقراطية نسق ثقافي وافد

ان مناخ المجتمعات العربية الاسلامية من حيث البنى والقواعد والاطر الثقافية يتسم بالتضييق الكبير لكل ما من شأنه ان يرسخ الاستقلال والحرية على نطاق الافراد عموما، ومن ثم لايوجد هناك افراد غير خاضعين سواء لتبعية مؤسسية مرتبطة بالدولة، تعمل على وضع الكثير من القيود والعراقيل والموانع او تبعية مؤسسية ثقافية تتبنى الاطر الواحده والوحيده في التفكير والرؤية والتقبل والعيش، ومن ثم يغدو افق الانفتاح ضئيلاً الى حد بعيد، وذلك التضييق لايحمل صفة المطلق بل لديه المستوى النسبي من بلد الى آخر، فالحرية تنبثق من ذلك التأصيل الذي تمارسه المجتمعات المتمدنه على ذاتها عبر جهود ومساع وغايات ومصالح مجتمعية تؤسس قيم الحرية، ومن ثم تغدو معها هذه القيم مدركه وقابله للتطور بشكل دائم، وهنا نتسائل هل يمثل وعي الحرية احتكارا لشعوب ومجتمعات معينة او هي مثلما يقول عنها جان جاك روسو انها تشبه الاغذية الجامدة والعصارية او تلك الخمور السخية الصالحة لتغذية البنيات القوية المتعودة عليها، ولكن مع إرهاقها وتقويضها وإسكارها الضعفاء والنحاف الذين لم يخلقوا لها قط(9) هل ان مجتمعاتنا تشبه النحاف الذين لم يخلقوا للحرية ومن ثم لاتوجد هناك بنيات قوية من الممكن ان ترسخ لدى الضعيفة مكامن القدرة والاستمرارية والتطور والاختيار..الخ؟ من المؤكد ان النظرة الى الحرية كتفضيل له الخصوصية لشعب معين دون غيره من الممكن ان يدرج ضمن خانة النظرة الاستعمارية عن الشعوب التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار والتي كان يروج عنها انها شعوب قاصره غير مدركه لاتتوفر لديها المدنية ومن ثم يتوجب الوصاية عليها، ومن ثم انها شعوب غير قادرة على الابداع والخلق والتجاوز والنظرة الى الزمن بشكل تاريخاني مدرك، وهنا مثالنا الفيلسوف رينان الذي تكلم على قصور خلقي لدى الشعوب السامية فيما يتعلق بالفلسفة والعمل الفكري(10).

ان المجتمعات الحديثة استطاعت ان تجترح شروطا واوضاعا اكثر تقدما في مجالات شتى بدءا بالعلوم الطبيعية والانسانية وانتهاءً بالتطورات التكنلوجية وطبيعة المجتمعات المتمدنه التي تخضع لأنموذج له خصوصيته المختلفه عن الكثير من الشعوب والاقوام التي لم تستطع ان تحصل على أنموذج متقدم يوازي او يماثل ما لدى الاخر من امكانيات وفرص وقدرات، ومن ثم هي مجتمعات استطاعت ان تتشرب بقيم الجديد والمغاير عن نسقها التقليدي بعد تأثير عدة انساق ثقافية لديها من السلطة والقدرة على التأثير والتغيير بشكل دائم، لان المجتمعات البشرية تحكمها الانساق والقطائع التي تؤثر عليها وهذه الانساق مرتبطة بشروط السلطة وامكاناتها، فعلى سبيل المثال نجد ان الثورة الفرنسية احدثت قطيعة مع الماضي القروسطي لانها جاءت عبر منظومة كبيره من الافكار التقدمية التي استطاعت ان تشمل المجتمعات بأكملها اي المجتمعات الخاضعة لدى الشروط التاريخية للثورة الفرنسية، ومن ثم اصبحت الافكار الليبرالية جهازا ثقافيا مؤثرا على المجتمع ككل لان هناك نسقا ثقافيا تفرضه الدوله والسلطة ووجود ايديولوجيا المنتصر الذي يضفي قيمه، وهنا المنتصر الطبقة البرجوازية، كذلك الحال مع السرديات الكبرى التي تنتصر عبر التاريخ وتشكل اطارها من خلال الفاعلين الاجتماعيين، ومن ثم تغرق الاكثرية ضمن هذا النسق حتى وان لم يكن هناك تمثل حقيقي له داخل الروح البشرية لان الايديولوجية تغطي الجميع بشكل غير مدرك في اكثر الاحيان بحيث تصبح الدواء الشافي والحل السحري للاحلام والطموحات كافة، وهنا نقول ان نسق الديمقراطية كان غائبا عن وعي المجتمعات العربية الاسلامية على الرغم من وقوعها تحت تاريخ طويل من الالغاء لهويتها الانسانية، اذ لم يكن هناك من يستطيع ان يجترح ازمنة لم يعيشها او لم يتداركها من حيث وجود النسق الثقافي المختلف والمغاير عن الجاهز الثقافي السائد، الّلهُمَّ إلا اذا كان في عداد العبقريات والشخصيات الخارجه عن الازمنة وانساقها السلطوية، فنسق الديمقراطية كان غائبا إبان حقبة الانساق المتصارعة فيما بينها بين الشمولي الراديكالي، الثوري، المتحزب، الواحدي، وبين العقل البراغماتي، الذرائعي الذي من الممكن ان يبيع ويخون ويتحالف مع الاخرين من اجل اهدافه ومصالحه، هذه الانساق الثقافية أسهمت بشكل اساس في تخلف المجتمعات العربية الاسلامية التي لم تستطع ان تهضم قيم الحداثة، ومن ثم تشكل اطارها وأنموذجها.

ظهرت الديمقراطية كنسقاً ثقافياً في ازمنتنا المعاصرة نتيجة خروج الاخر البراغماتي منتصرا على الشمولي الاستبدادي، ومن ثم بقاء العالم ضمن سيادة القوى الواحدية التي تحكمه، ومن ثم يشكل ذلك خرقا جوهريا لقيم الديمقراطية ذاتها من خلال سيطرة هذه القوى التي تسعى الى فرض نموذجها وقيمها على العالم اجمع من اجل تمرير مصالحها وضمان تقدمها على حساب الشعوب المتأخرة عن ركب التقدم والحضارة، إذ يبقى خطاب الديمقراطية في المنطقة العربية لايمثل سوى مصطلح بستخدم في الصراعات السياسية وفي عملية التراكم الطويل الامد للهيمنة العقائدية أكثر مما هو مجال للاجماع السياسي يشمل مجتمعات هذه المنطقة بأكملها(11) هذه المقولة تستدرك الواقع السياسي العربي من خلال تبني أنموذج الديمقراطية ذاته، فالتنظيمات السياسية لاتتبنى الديمقراطية إلا من خلال محاولة إَضفاء طابعها وافكارها كأنها تحمل النهائية ومن ثم هي من تشمل معطيات النجاح والتفوق والارادة السياسية الناجعة.. الخ بحيث ينقسم العالم الى متناقضات متصارعة فيما بينها كل واحدة تريد ان تلغي الاخر وتفرض الأنموذج الاشمل والمكتمل ضمن اطارها الفكري والايديولوجي، ومن ثم يغيب عن عملية الصراع فكرة القبول والتسامح مادامت الثقافات ذاتها متصارعة فيما بينها كل واحدة تريد ان تلغي الاخر وتفرض النموذج الاشمل والمكتمل ضمن اطارها الفكري والايديولوجي، بحيث تغدو هذه الثقافات  لاتحمل طابع المدنية وتأسيس منظومة كبيرة من التسامح والتقبل بين التنظيمات السياسية ذاتها وبين المجتمع وافراده، كل ذلك يعتمد على طبيعة التحول نحو الديمقراطية من حيث التأسيس الحقيقي لمبادئها والمتمثلة بتحديد سلطة الدولة، والصفة التمثيلية، والمواطنية، من غير إلغاء لاحد هذه المحددات وسيادة واحد منها( 12) ومن ثم لاتكون الدولة قد أسّست لمقتضيات الوقت فتختلف هي والمواطنون الجدد او يختلف المواطنون والحكومة الجديدة ، بحيث تكون الدولة عرضة للارتجاج والانهيار كما يرى ذلك جان جاك روسو( 13) فالحرية السياسية اول ما تفعله هو ضمان حماية الطبقات المستضعفة وليس تنصيبها من اجل حماية من هم اكثر قوة واكثر ثروة من خلال ضمان الحقوق الشخصية للمواطنين.

 

خاتمة:

ان الديمقراطية لكي تتحقق من خلال كونها ذلك " النظام الذي يسُهم فيه اكبر قدر ممكن من الافراد في اتخاذ القرارات اكثر مباشرة ومساهمة ، ومن ثم يتم استبدال التصور العضوي للمجتمع برؤيه متفرده تتمثل عناصرها الرئيسة بفكرة العقد واستبدال الكائن السياسي بحسب ارسطو بالـ(الكائن الاقتصادي) والنفعية وبحثها عن السعادة من اجل الاكثرية"( 14) لابد ان تكون غير مقتصرة على:

1. سلطة العقل: حيث من الممكن ان يهدف او يسعى الى اضفاء طابع النهائية والجمود الفكري، وخصوصا اذا تم تأليه ذلك العقل بحجة الدفاع عن الأمة مثلا او عن القومية او عن الطبقة او الحزب.. الخ من الاساطير التي قد تؤدي الى انحدار العقل نحو المطلق.

2. مجموعات المصالح: قد يبدو هنا تناقضا مفاده ان الداعم المباشر الى الديمقراطية هي مجموعات المصالح، وذلك لانها في مقدمة المستفيدين من شكل الديمقراطية الليبرالية، لانها اي مجموعات المصالح تساعد في زيادة التراتب الاجتماعي للتفاوت بين الافراد والجماعات، ومن ثم تقف حائلا اما تطلعات الفئات والافراد من تحقيق المساواة او تقليص حجم التناقض الطبقي بين الافراد عموما.

3. النزعة القومية: كثيرا ما اضرت النزعة القومية وعملت على تعطيل تطور الديمقراطية وتحقيق مكتسباتها وذلك نجده واضحا وجليا لدى اكثر النزعات القومية في العالم العربي حيث كانت هذه النزعات قبل الاستقلال خالية من اي تصور او بناء لقيمة الديمقراطية. من الممكن كذلك ان تتحقق الديمقراطية من خلال دولة لاتكون السلطة فيها متعددة الرؤوس لديها تلك القدرة الشيطانية (وهنا تعبير رمزي) في الترقب والمحاسبة والعقاب اي انها توجد في كل مكان وذي تراتب افقي وعمودي وفي جميع الجهات كما كانت عليه الحال الدولة في العهد البائد في العراق، ومن ثم لا تكون لدى الدولة سوى مجموعة قوى تتمثل بـ:

1. قوى الامن اي بنية الامن التي من خلالها تستطيع ان تكون الدولة دركي او حارس ليلي يسهر على راحة المواطنين وحفظ وجودهم.

2. بنية الانتاج التي من شأنها ان تمارس عملية التطور الصناعي والعلمي داخل الدولة والمجتمع.

3. القوى المالية اي البنية المالية التي تعمل على التأ ثير المباشر في تطور العامل الاقتصادي للدولة والمجتمع.

4. واخيرا بنية المعرفة والمتمثلة بمنظومة معرفية لديها القدرة على الانتاج المعرفي المتزايد والمرتبط بالضرورة بالانفتاح المستمر على كل ماهو جديد ومجهول وغير مجرب من خلال جدلية الثقافة الديمقراطية نفسها والتي تؤثر التطور المعرفي العام والجمعي خدمة للمجتمع وتطوره بحيث لايكون هناك احتكار ثقافي ومعرفي معين، من خلال ذلك من الممكن ان يؤسس أنموذج ديمقراطي حقيقي له واقعيته ووجوده الاجتماعي والثقافي في ذهنية الانسان.

 

الهوامش

1. جان بيار فرنان، الصراع الطبقي والصراع السياسي في اليونان القديمة، لفكر العربي المعاصر، ع39، 1986، ص 60- 67، بيروت، مركز الانماء القومي.

2. جون لويس، مدخل الى الفلسفة، بيروت، دار الحقيقة، [د. ت] ص 154.

3. الجابري، د. محمد عابد، الديمقراطية وحقوق الانسان، ط2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،  1997، ص50.

4. العروي، عبد الله، مفهوم الدولة، ط7 [د.م.ن] المركز الثقافي العربي، 2001، ص62.

5. الآن تورين، ما الديمقراطية، دمشق، منشورات وزارت الثقافة، 2000، ص6.

6. م.ن، ص12.

7. بلقزيز، عبد الاله، الدولة في الفكر الاسلامي المعاصر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2002، ص 180.

8. مركز دراسات الوحدة العربية، ديمقراطية من دون ديمقراطيين، ط2،  بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000، ص 19.

9. روسو، جان جاك، اصل التفاوت بين الناس، القاهرة، دار المعارف،  1954، ص17.

10. ديمقراطية من دون ديمقراطيين، م. س، ص209.

11. م.ن، ص209.

12. الآن تورين، م.ن، ص 158.

13. روسو، م.س، ص 17.

14. الآن تورين، م.س، ص 14