|
السياسة
والمقدس في العراق
(من أوهام الآيديولوجيا إلى آيديولوجيا الوهم)
أ.د ميثم الجنابي
إن السبب
الذي يجعل السياسي كثير التشدق بكلمات "المقدس" و"الدفاع
عن المقدسات" وما شابه ذلك يقوم أساسا في افتقاده المقدس.
إذ ليس هناك من شيء بعيد عن المقدس، بوصفه المجرد عن
الابتذال، أكثر من السياسة. مع أن السياسة تتضمن مساعي
تجسيد الحق والعدالة وغيرها من القيم التي تشكل المضمون
الملموس لتجليات المقدس. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار كون
كلمة المقدس من بين أكثر الكلمات تعقيدا بالنسبة الى
التفسير العقلاني والتأويل الوجداني وذلك بسبب صعوبة حصر
مضمونها بأمور هي نفسها عرضة للزوال، من هنا يتضح تعقيدها
حال ربطها بالسياسة. إذ لا يمكننا عزل مضمون السياسة
وأسلوب فعلها وكيفية تجسيد وظائفها عن المصالح. والمصالح
مكون يتراكم ويجري التأسيس له بمعايير النفس والجسد في ظل
تباين أو اختلاف أو تناقض القوى والأطراف والجهات. فضلاً
عن الطبيعة المتغيرة نفسها للمصالح.
مع أن أصل
المصالح من المصلحة فإن ذلك لا يجعل منها في ميدان السياسة
ومعاييرها العملية وغاياتها الفعلية رديفا للصالح والأصلح
والصلاح. وذلك لان السياسة نفسها عادة ما تصبح جزءاً من
لعبة المصالح. وهي لعبة تحكمها في نهاية المطاف قواعد هي
بحد ذاتها مجموعة وسائل متبدلة متغيرة لا تحتكم إلى
الأخلاق المطلقة. وهو أمر طبيعي لان السياسية جزء من
الطبيعة المباشرة وليس من مكونات الروح المتسامي. من هنا
استحالة تناسق السياسة والمقدس. فلكل منهما ميدانه ووسائله
وغاياته. ومع أن أحدهما يحدد الآخر في ميدان القيم ومستوى
تأسيسها النظري والعملي، إلا أن ذلك يبقى جزءاً من ارتقاء
أو انحطاط كل منهما. فليست السياسة فقط على استعداد
للانحطاط والرذيلة، بل والمقدس أيضا عندما يصبح جزءاً
منها.
فعندما
ننظر إلى ما حولنا من مظاهر الوجود، فإنها تشير جميعا إلى
أن كل ما في الكون عرضة للتغير والتبدل. ومن ثم فإن كل
القيم التي تبدو في مظهرها شديدة الثبات تنحلّ كما لو أنها
من مخلفات الماضي وبقاياه الميتة. وهي حالة تجعل من
الضروري أيضا إعادة النظر النقدية بفكرة المقدس وتأويلها
الوجداني بالشكل الذي يجعلها حية وإنسانية من حيث دوافعها
وغاياتها. لاسيما وان الكثير من الأعمال الإجرامية التي
جرى ويجري اقترافها في العراق حاليا عادة ما تؤطر وتقدم
على أنها جزء من تاريخ (مقدس) فقد مارست التوتاليتارية
البعثية والدكتاتورية الصدامية مختلف أصناف الإرهاب الشامل
تحت شعارات لا تتمتع بأية رؤية واقعية وتاريخية، ومع ذلك
حاولت أن تعطي لها أبعادا ما فوق تاريخية من خلال ربطها
"برسالة خالدة" لأمة لم تتكامل بعد! أما النتيجة فهي
الإفساد الشامل لفكرة القومية العربية وتشويه محتواها
وتخريبها الفعلي. وهي رؤية تشاطرها الكثير من الحركات
الدينية والدنيوية، اليسارية واليمينية، القومية
والاشتراكية في العراق. مما يعطي لنا إمكانية القول، بأن
ضعف الرؤية الواقعية والتاريخية المشار إليه أعلاه يختبئ
في معظم جوانبه وراء البحث عن صيغة أسطورية تلتهم كلمات
"المقدس" من اجل تبرير ضعفها البنيوي في ميدان العمل
السياسي وبالأخص فيما يتعلق ببناء الدولة الشرعية والنظام
الديمقراطي والمجتمع المدني.
وهو ضعف
لازم، في تاريخ العراق المعاصر، كيفية تشكل الدولة الحديثة
وابتعادها المتزايد عن كينونتها السياسية ومضمونها
الاجتماعي. مما جعل منها في نهاية المطاف كيانا مغتربا
اغترابا تاما ومناقضا لوظيفتها السياسية والاجتماعية،
بوصفها أداة لإدارة شؤون الحياة. وضمن هذا السياق يمكن فهم
"الجرأة" التي تميز كثرة الأفعال الإجرامية التي يجري
اقترافها وتقديمها على أنها جزء من الدفاع عن "المقدسات".
وهي أفعال تفترض الإدراك الواعي والمحدد ضد من يجري
تنفيذها، وبالتالي، تتضمن قدرا من "الوجدانية" و"الروحية"
و"التاريخية" في تنفيذها. بمعنى أنها تحتوي على تأسيس فكري
وأيديولوجي وسياسي لقيمتها الفعلية في الصراع الدائر في
العراق. وهي أفعال تشير من حيث مقدماتها ومجرياتها ومغزاها
إلى أنها جزء من المعترك السياسي والاجتماعي والثقافي في
العراق. وفي بصماتها تشير إلى قوى تتصف بمستوى عال من
التعصب العقائدي، الذي أكثر ما يميز في ظروف العراق
الحالية التيارات الراديكالية الشيعية والسنية، أو
الاصوليات الجديدة فيه.
فمن
الناحية الظاهرية والشكلية لم يكن تخريب وتدمير "الأماكن
المقدسة" فعلا غريبا في تاريخ الدول والأمم والأديان، بما
في ذلك في تاريخ الإسلام. فقد جرى هدم وتخريب الكعبة مرارا
بدأ من الأموية وانتهاء بالوهابية. وبغض النظر عن اختلاف
البواعث والغايات، إلا أن النتيجة المعنوية كانت واحدة على
الدوام، ألا وهي هدر القيمة الوجدانية لفكرة "المقدس". ومع
أن الإسلام لا يقر بقدسية المكان الجغرافي، إلا انه يتضمنه
سواء في موقفه من "وادي الطوى" و"بيت الله الحرام". لكن
مضمون الموقف الإسلامي يقوم في رفع شأن الأبعاد المجردة
للحق، كما في الآية القائلة "أينما تولوا وجوهكم فثم وجه
الله". وهي فكرة تجرد المقدس عن الحصر في مكان معين. بمعنى
سموه عن الحصر والحشو والتجسيم. وليس مصادفة أن يروى عن
الخليفة عمر بن الخطاب هو يقبل الحجر الأسود، قوله بأنه
يعلم بأنه مجرد حجر، ولولا انه لم ير النبي محمد يقبله لما
قبله. وهو موقف يشير إلى تقليد الفعل الظاهري وقيمة
التقاليد المعبرة عن معنى الانتماء الوجداني لا غير. وهي
رؤية واقعية وعقلانية تتصف بعمق ثقافي هائل بالنسبة إلى
تراكم القيم والمواقف التاريخية الاجتماعية. وليس إلا
الانحطاط التاريخي لعالم الإسلام وجمود ذهنيته الثقافية هو
الذي جعل من الحجر الأسود مجرد حجر لا غير، وبالتالي تحويل
شعائر الاقتراب منه إلى فعل مقدس، مع انه لا قدسية فيه كما
هو. وليس مصادفة أن يدور بعض المتصوفة حول حجر يضعه في
بيته ويتبرع بأموال الحج للأيتام والفقراء. وإلا فكيف يمكن
فهم صرف الأموال الكبيرة من اجل تحسين شروط الحج، بينما
تتكرر النتيجة سنويا، وهي موت العشرات والمئات وهم يرشقون
حجرا بحجر! بينما لم يكن المعنى والمضمون الوجداني للرمي
سوى رمي حجارة النفس أو وثنيتها من اجل تنقيتها باسم الحق.
فعندما نتأمل تاريخ الأحداث التي رافقت "قتل الشيعة" و"هدم
أماكنهم المقدسة" في زمن التوتاليتارية والدكتاتورية
واستمرار بعض نماذجها الإرهابية في الوقت الراهن، فإننا
نستطيع العثور على قدر من التوليف المفتعل لتقاليد اتسمت
تاريخيا بالتعصب والجمود ونفسية الانتقام المتربية بأحضان
الاستبداد والانعزال الثقافي، أي كل ما يمكن دعوته
بالوثنية الهمجية. وهي أيديولوجية تشكل في الواقع مضمون
الفعل السياسي لمن يمكن دعوتهم بالغلاة الجدد! إذ لم تكن
مظاهر الإرهاب في العراق كما تجسدت في مجازر كربلاء
والكاظمية والنجف في أيام عاشوراء من العام 2004، على سبيل
المثال، سوى الصيغة "المقدسة" لاستمرار تقاليد الإرهاب
السياسي الشامل للتوتاليتارية البعثية والدكتاتورية
الصدامية. وان ما جرى ويجري من انفلات إرهابي الآن ضد
المدنيين ورجال الشرطة وقوات الحرس الوطني (النواة الجديدة
للجيش الوطني العراقي) سوى التعبير النموذجي عما يمكن
دعوته بالاستظهار السياسي العابر للأمراض المزمنة الموروثة
من بقايا المرحلة السابقة وتقاليد الاستبداد. إذ نعثر فيها
ليس فقط على محاولة إثارة الفتنة الطائفية، بل واستمرار
لها. والقضية ليست فقط في أنها استهدفت شعائر الشيعة
والشيعة أنفسهم، بل ومراكز تاريخهم الوجداني والروحي. وهو
الأمر الذي يشير إلى بروز وتبلور ظاهرة جديدة في تاريخ
العراق السياسي المعاصر لا ينبغي البحث عن جذورها في
"القوى الأجنبية" أيا كانت مثل "المحتل" و"القاعدة"
وغيرها. فهي قوى "تشترك" من حيث وجودها السياسي وصراعها
"العالمي" في العراق، إلا أنها لا تحدد مضمون ومسار الصراع
فيه. إن جوهر الصراع القائم في العراق اليوم يقوم بين
ممثلي تقاليد الاستبداد والدكتاتورية والتوتاليتارية من
جهة، وقوى الديمقراطية والدولة الشرعية والمجتمع المدني من
جهة أخرى. وإذا كانت القوى البعثية ـ الصدامية التي كانت
تمثل تاريخ الاستبداد والدكتاتورية والتوتاليتارية قد
تعرضت إلى هزيمة سياسية ساحقة، فان رصيدها الأيديولوجي
والاجتماعي مازال يتمتع بقوة نسبية في العراق. وهو رصيد له
موارده القوية على الصعيد المحلي والعربي والإسلامي
المتمثل بالقوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية
التي ارتبطت به سياسيا وتاريخيا طوال وجوده في سدة الحكم.
وهي القوى التي أطلق عليها تسمية "الغلاة الجدد" في
العراق. أنها القوى التي تحاول استلهام فكرة المقدس
المزيفة من اجل تحويلها إلى غطاء سياسي لاستعادة بنية
الاستبداد والدكتاتورية التي كان العراق البعثي الصدامي
"كعبتها المقدسة".
بعبارة
أخرى، إننا نعثر في هذا النموذج من الأفعال على انحدار
وانحطاط المقدس إلى حضيض الرذيلة السياسية! وذلك لان فكرة
المقدس هنا لا تهدف لغير استعادة تقاليد الاستبداد التي
وجدت نماذجها المتنوعة في صعود الهامشية إلى السلطة وسيادة
النزعة الراديكالية. وهي الحالة التي أدت إلى صنع
توتاليتاريات دنيوية ودينية، ليس الغلاة الجدد سوى نموذجها
الأكثر همجية. بمعنى أنها الحالة التي تشير إلى تزاوج
وتوليف التقاليد التوتاليتارية الدينية والدنيوية. وهي
نزعة لم تكتمل بعد ولا تشبه في شيء تقاليد الحركات
الإسلامية(السنية) بدءا بالوهابية وانتهاء بحركة طالبان
والقاعدة. إلا أنها عرضة للزوال السريع مقارنة بأمثالها
لأنها تجمع بين قوى متناقضة لا يجمعها سوى العداء العلني
والمستتر لفكرة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي
والمجتمع المدني، أي ضد التيار الكاسح للتقدم والحرية، أي
لحقيقة المقدس في ظروف العراق الحالية.
وهو الأمر
الذي يضع بدوره مهمة النقد العقلاني العميق لتقاليد
المدارس الإسلامية السياسية السنية منها بشكل عام وفي
العراق بشكل خاص. والقضية هنا ليست فقط في أن هذه المدارس
اتسمت في التاريخ الحديث بنزوع حاد نحو التطرف والغلو، بل
ولوقوفها السياسي الطويل إلى جانب القوى التقليدية
وأنظمتها الاستبدادية. وهي تقاليد ميزت تاريخيا الفكرة
"السنية" منذ انحطاط المعالم الكبرى للحضارة الإسلامية،
وبالأخص بعد سقوط بغداد في منتصف القرن الثالث عشر. ولعل
مهزلة المفارقة التاريخية الآن تقوم في محاولة هؤلاء
الغلاة الجدد استعادة تقاليد المدارس الحنبلية الضيقة
والوهابية بشكل خاص بعد ممازجتها بأفكار ونفسية
الدكتاتورية الصدامية.
والشيء
نفسه ينبغي تطبيقه على التشيع، بوصفه التيار الذي لم يخل
تاريخه من كثرة الغلاة. لكنه غلو عقائدي وفكري ووجداني في
جوهره. من هنا سموه وتسامحه النسبي وعنفوانه البطولي في
مواجهة الاستبداد والدفاع عن الحق. بينما لا تجعل
الحنبليات ومختلف "الأصوليات" الضيقة من الإسلام سوى
تصوراتها الفجة وتقليديتها المتحجرة عما تراه "مقدسا".
وليس هذا المقدس في الواقع سوى الصيغة الأيديولوجية للتعصب
والانعزال الثقافي والاغتراب عن قيم الحضارة الإنسانية
وتاريخها الموحد. وهو غلو يقف من حيث الجوهر على هامش
الحركة العامة للظاهرة الإسلامية الكبرى بوصفها عملية
عالمية لصيرورة المركزية الإسلامية الجديدة. وهو الأمر
الذي يجعل من الضروري التصدي للغلاة الجدد ووثنية إرهابهم
"المقدس" من جانب التيارات الإسلامية السياسية من خلال
النقد العقلاني للغلو الإسلامي السلفي.
غير أن
التصدي الفعلي للغلاة الجدد وإرهابهم "المقدس" ممكن فقط من
خلال بناء أسس ومرتكزات الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي
والمجتمع المدني. فهو الثالوث القادر على حمل الوحدة
الوطنية العراقية وعمرانها الشامل. والعمل في الوقت نفسه
على بناء أسس ما ادعوه بالإسلام الثقافي، أي الإسلام الذي
تتحدد ماهيته بقيمة المرجعيات الثقافية العقلانية
والإنسانية المتراكمة في تاريخه الكليّ، وليس بمفاهيم
وتصورات وأحكام فرقه المتنوعة والمختلفة. فهي العملية
القادرة على تقديم بديل إيجابي وفعال يولف بين التيار
الديني والدنيوي في العراق في مواجهة سبيكة التوتاليتارية
الدينية والدنيوية للغلاة الجدد ووثنية إرهابهم "المقدس".
ولعل الصيغة الأكثر استجابة لتوليف الرؤية العقلانية
والوجدانية من جانب الحركة الدينية (الإسلامية) والدنيوية
(العلمانية) في العراق الآن، ورفعها إلى مصاف الحدس
الثقافي، هي الفكرة القائلة، بان المقدس هو المتجرد عن
الابتذال. وليس هناك مقدس من هذا القبيل في ظروف العراق
الحالية والعقود القليلة القادمة أكثر من وحدة الدولة
الشرعية والنظام الديمقراطي الاجتماعي والمجتمع المدني.
وهو الأمر الذي يفترض بدوره صياغة الرؤية الواقعية
والعقلانية للبدائل. بمعنى تجريدها من ابتذال المقدس
العقائدي مهما كان شكله ولونه. خصوصا إذا أخذنا بنظر
الاعتبار تاريخ الدولة الحديثة ونماذج الفكرة السياسية
والأحزاب والأيديولوجيات في العراق، والذي يجد انعكاسه
النموذجي في تاريخ ونوعية الشعارات المرفوعة بوصفها الصيغة
الوجدانية المشحونة بكلمة المقدس. وهي وجدانية تقترب من
حيث مقدماتها الفكرية من الأوهام وتتمازج بها في الهتاف
والتوجه العملي. إننا نعرف جيدا بأن للأوهام قوتها الجارفة
التي تقهر أحيانا حتى الحقائق الكبرى. وهي مفارقة غريبة
لكنها معقولة بموازين التاريخ والواقع والوعي. فقد وقف
الفكر الفلسفي على الدوام أمام إشكالية تحديد الحقيقي من
الزائف. وإذا كان من الممكن إدراكهما في المنطق بمقولات
الصواب والخطأ، فان هذا التمايز يتلاشى أمام الرؤية
الوحدانية للتاريخ والنشاط الإنساني الخارج عن شكليات
المنطق وحدوده الضرورية في بناء العبارة والمعنى. غير أن
هذه الوحدانية نفسها جعلت من الحقيقي والزائف محور
اهتمامها الجوهري، لأنها أرادت من وراء ذلك كشف المعنى
المفترض أو الغاية المتسامية أو الوجوب الوجودي والأخلاقي
في الظواهر والأشياء والأفعال. وإذا كانت الرؤية الدينية
قد افترضت المعنى والغاية والوجوب وراء الحياة وجسدته
بمفاهيم الوعد والوعيد والثواب والعقاب والجنة والنار دون
أن تهمل حدوده الأرضية (على الأقل في الإسلام) فإن
النظريات التي جعلت من المطلق الإلهي ميدانا لتأمل الحرية
الإنسانية واضطرارها المجبور، حاولت من خلال نماذجها
المتنوعة صياغة الأسلوب المناسب في إدراك علاقة "الحقيقي"
و"غير الحقيقي" في التاريخ. ومن حصيلة هذه المحاولات ظهرت
مختلف التفسيرات والتأويلات السياسية التي ارتدت لباس
الأيديولوجيا العملية لكي تثبت لنفسها وللآخرين على أن ما
تقوله هو الحقيقة النهائية والغاية المتسامية للوجود.
وبهذا نقف من جديد أمام الفكرة القائلة، بأنه ليست الحقيقة
فقط غير متناهية، بل والأوهام أيضا!
إذ تبرهن
التجارب التاريخية للأمم والحضارات على أن للأوهام قوة
تعادل أحيانا قوة الكوارث الطبيعية. وتزداد قوتها تدميرا
عندما تتلألأ من خلال ما يمكن دعوته بالقيم والعبارات
"المقدسة". مع أننا نعلم انه لا قدسية في اللغة والقيم بحد
ذاتها، باستثناء تمثل وتمثيل الفضائل التاريخية القادرة
على تأسيس التحرر الشامل والسعادة. وهو تمثل وتمثيل تسعى
لتحقيقه مختلف القوى الاجتماعية والسياسية على امتداد
التاريخ. إذ ليس التاريخ العالمي والسياسي منه بالأخص سوى
المسار الذي تتكسر في دروبه مساعي البشر لتحقيق الأحلام
"المتسامية". وهو الأمر الذي يبرهن على أن "الحل النهائي"
في كل فعل تاريخي كبير هو وهم تاريخي، وان "الحل النهائي"
الحقيقي يفترض الإقرار بعدم تناهي الحلول وشرعية البدائل
والاحتمالات المتنوعة. وهو استنتاج يعكس طبيعة الخلاف
التاريخي الذي طبع وما يزال يطبع الفكر في مختلف مدارسه
واتجاهاته وأصنافه. بمعنى الخلاف بين أيديولوجيا الأوهام
الكبرى وبين الرؤية الموضوعية للتاريخ ومساره الواقعي.
وليس
المقصود "بالأوهام المقدسة" هنا سوى تلك التي ترتقي إلى
مصاف العقائد الإيمانية المتوارثة والمقتلعة من جذورها
الأولية. وبالتالي فإنها عادة ما تجعل من وقوعها "الواعي"
في اسر العقائد الموروثة مصدرا للتفاخر والاعتزاز، مع ما
يترتب على ذلك من استعادة "حية" لمسار الأحداث القديمة
وتذوقها الجديد خارج إدراك معنى الحقيقة القائلة بأنه لا
تكرار في الوجود. إذ لا تكرار بتاتا! وهي ممارسة تؤدي
بالضرورة إلى استلهام العبارة لا المعنى، واستنساخ الرمز
لا محتواه الثقافي (التاريخي) ومن ثم الولع بترهات الماضي
عوضا عن بذل الروح المعاصر من اجل حل الإشكاليات الواقعية
الكبرى القائمة أمام المجتمع والدولة. وهي نتيجة عادة ما
تؤدي إليها الأيديولوجيات الكبرى المصابة بمرض "الأوهام
المقدسة"، التي تنطلق في رؤيتها للواقع من يقينها الجازم
بأن ما تستلهمه من الماضي هو الوحيد المقدس، وبالتالي فإن
ما تقوله وتفعله وتسعى إليه هو غاية "نهائية" للوجود.
بينما لا تدرك هي الحقيقة البسيطة القائلة، بأنه لا نهاية
في الوجود، وان أقصى ما تسعى إليه لا يتعدى كونه رؤية
عابرة وتعبيرا عن غايتها الخاصة. إذ ليس هناك من غاية
نهائية للأيديولوجيا أيا كانت سوى تجسيد ما تعتقده غاية
عليا. وليس هذه الغاية العليا في الواقع سوى تصوراتها عما
تقف عند حدوده التاريخية فقط. فالأحداث والأفعال والممارسة
السياسية والمهمات العملية هي أمور محدودة على الدوام. ولا
يمكن للأيديولوجيا أيا كانت أن تتعدى في أحكامها وتقييمها
للأحداث هذه الحدود. وهي حقائق لا يمكن للأيديولوجيات
العملية "الجماهيرية" أن تتمثلها وتمثلها.
إذ تبرهن
التجارب التاريخية لجميع الأمم والحضارات على أن
الأيديولوجيات الكبرى حالما تتغلغل في الوسط الجماهيري
فإنها تؤدي بالضرورة إلى ابتذالها وإضعاف مستواها النظري.
وهي نتيجة مرتبطة بواقع انتشارها الواسع بين أناس يفتقدون
عموما إلى التأهيل المعرفي. مما يؤدي إلى تغيير المضمون
الفعلي الأولي لما كانت تريده هذه الأيديولوجية، وفيما بعد
إلى استفحال دورها التخريبي. وليس غريبا أن تتحول
الأيديولوجية الثورية إلى أداة للقمع الشامل، بينما تصبح
الأيديولوجية القومية (كما هو الحال عند البعث) أيديولوجية
التخريب الشامل للروح والجسد الفردي والاجتماعي والدولتي
والتاريخي والثقافي.
وهي ظاهرة
تميز في الإطار العام آلية فعل العقائد الكبرى في الوسط
الجماهيري، بغض النظر عن مستوى التطور الاجتماعي الاقتصادي
والثقافي. وهو "القدر" الذي ميز على الدوام الأديان
العالمية والنظريات العقائدية الكبرى بفعل سيادة المبادئ
الموحدة (الواحدية والوحدانية) فيها. وأعطى ذلك للجميع
إمكانية الانتماء إليها والبقاء ضمن حيزها رغم تباين
المعارف والأذواق. بمعنى عدم تعارض البقاء ضمن حيز
"الإيمان" والارتقاء إلى مصاف المرجعية في العلم والعمل.
وإذا كانت هذه العقائد ما تزال تفعل فعلها في استثارة
وتنظيم القوى الاجتماعية والسياسية والروحية، فأنها تفرز
مع ذلك عناصر التقليد والتقييد بسبب وجودها في "نظام
الفوضى"، أي في ظل ضعف وهشاشة البنية الحقوقية للدولة، مما
يؤدي في الأغلب إلى جعلها أداة بيد البيروقراطية الحزبية
(السلطوية والمعارضة). وليس مصادفة أن يؤدي ذلك إلى
انتشارها بين أكثر الناس جهلا بمبادئ العقيدة وأبعدهم
أحيانا عن أخلاقياتها المعلنة.
وهي حالة
تطرح مهمة تجاوز الأيديولوجية العقائدية بالشكل الذي يذلل
إمكانية تحولها إلى مبادئ ثابتة. بمعنى تذويب عناصر
العقيدة في الرؤية السياسية المتجددة والمتبدلة والمتغيرة
لا جعلها أيديولوجية ملزمة. وهذا يستلزم بدوره تحرير
الأحزاب من الأيديولوجيات المقننة، والتمسك بمبادئها
المتسامية العامة فقط. فبقاء الأحزاب السياسية قوى سياسية
فاعلة يشترط عدم تقيدها "بمنهجية" أيديولوجية صارمة. وذلك
لان ميدان فعل الأحزاب خال من المنهجيات، فضلاً إلى صعوبة
بل واستحالة حد المنهجية بمعايير السياسة. أما الإلحاح
والانهماك في التنظير لها والجهادية المبدئية من اجلها
فانه لا يؤدي إلا إلى صنع أساليب متنوعة للقمع المباشر
وغير المباشر وهمجية مكتفية بذاتها. وهو قمع عادة ما يتخذ
صيغة التبرير "المقدس" بعد سكبه بعبارة (الخلود)
و(الخالد).
فمن
الناحية الفلسفية ليس الخلود سوى حالة وجود الأشياء كلها.
بمعنى انه الصيغة الفعلية لتحول وتبدل وتغير واستحالة
الأشياء والظواهر بصورة غير متناهية. ذلك يعني أن الجوهري
فيه هو التغير والتبدل وليس الثبات. لكن حالما يجري تحجيره
في الزمن والأفراد والشعارات، فإنه يؤدي بالضرورة إلى خرق
قانون وجود الأشياء نفسها، مع ما يترتب على ذلك من مساع
لتثبيته في الزمن والأفراد والشعارات. وهو تناقض لا يمكن
حله إلا بالاستعمال الدائم للقوة والعنف والقهر والإكراه
والكذب والدجل. بينهما هي قوى مستنفذة. من هنا خطورة
"الخلود" و"المقدس" أو توليفهما في "الخلود المقدس"
بالنسبة إلى الأيديولوجيا أيا كانت، لأنه يجبرها في
النهاية على استعمال أساليب الإكراه والدجل، التي تستنفذ
قوة الأيديولوجيا مع مرور الزمن لتحولها إلى هراوة خشنة.
فالخلود،
الصيغة المجردة ـ الملموسة عن المقدس، أي عن مصدر الحرية
والحق والإبداع. كما أنه الكيان المتعالي الذي لا يباع ولا
يشترى مثلما نراه ونسمعه فيما نصطلح عليه بكلمات متنوعة
مثل الله والمطلق وحقيقة الحقائق والروح والخير والجمال.
ومن ثم ليس للأيديولوجيا قدرة على احتواه وتمثله، بسبب
انتمائها إلى عالم المصالح المتغيرة والمتبدلة. بعبارة
أخرى إن مهمتها الحقيقية تقوم في البقاء ضمن عالم
المتغيرات وتمثلها بطريقة واقعية تجعل من كل ما تقوله
وتفعله جزءا من اجتهاد المعاصرة. إذ ليس إضفاء "الخلود"
على الأحكام الأيديولوجية سوى الصيغة المقلوبة لمحاولات
التعويض عن نقص الحاضر وإضفاء صفة المقدس على طموح الأفراد
والأحزاب. في حين تبرهن التجارب التاريخية للأمم جميعا على
أن إضفاء صفة المقدس على المطامع السياسية للأفراد
والأحزاب يجعل من "خلودها" هراوة أبدية! من هنا ليست
عبارات وشعارات "لزعيم الخالد" و"الرفيق الخالد" و"حزبنا
الخالد" أو "شعارنا المقدسة" و"غاياتنا المقدسة"
و"مقدساتنا" و"قدس الله سره" وما شابه ذلك سوى الصيغة
الأيديولوجية لسلب التاريخ والمستقبل عوضا عن مواجهة
الإشكاليات الواقعية والتعامل معها بمنطق المعاصرة
المستقبلية.
وفيما لو
انتقلنا إلى تحليل جميع الشعارات الايديولوجية الكبرى عند
البعثيين أو الشوعيين أو الاسلاميين، فإننا نقف أمام
اشتراك جوهري في الرؤية الأيديولوجية، وبالتالي توقع
إمكانية الاشتراك في الأعمال والنتائج.
فقد كان
شعار البعثيين "أمة ذات رسالة خالدة" تعبيرا أيديولوجيا
مفرطا يقوم فحواه في تجاهل بل واحتقار قيمة التاريخ الفعلي
بالنسبة إلى وعي الذات القومي. والقضية هنا ليس فقط في انه
لا وجود أساسا لرسالة خالدة عند قومية من القوميات أو أمة
من الأمم انطلاقا من أن ما تقوم به أية أمة هو استمرار
ونتاج لتاريخها الخاص وبالتالي فإن "رسالتها" لنفسها لا
لغيرها، بل ولان أية محاولة لإعطائها طابعا شاملا سوف يؤدي
بالضرورة إلى التعالي على الآخرين وسيادة عقدة التفوق
العنصري. وهو تفوق وهمي يستمد مقوماته من الوهم
الأيديولوجي الصرف عن توظيف فكرة "الخلود" و"المقدس" على
متطلبات السياسة. إذ ليست "الرسالة الخالدة" في الواقع سوى
الصيغة الأيديولوجية عن أن ما تقوم به هذه الأمة هو فعل
"مقدس" يتسامى على ما تقوم به الأمم الأخرى. أما النتيجة
فهي التخريب الدائم للرؤية الواقعية والنقدية والعقلانية،
وبالتالي احتقار كل القيم الإنسانية والاكتفاء بالهراوة
والإكراه والعنف المنظم في التعامل مع المجتمع والدولة
والأفراد والفكر. ولعل تاريخ تجسيد هذا الشعار في العراق
هو الصيغة النموذجية لذلك. أما شعاراته العملية المكملة له
عن الوحدة والحرية والاشتراكية، فقد تجسدت في تجزئة شاملة
للفرد والمجتمع والدولة والقومية، واستبداد لا مثيل له،
واشتراك منظم لسرقة الماضي والحاضر والمستقبل والثروة
والروح والفكر والأخلاق.
أما "شعار
الشيوعية" في العرف الأيديولوجي، فإنه لا يتعدى التصورات
الدينية الإيمانية العادية عن الجنة والجنان، أي الهدوء
الخالد والأبدي. من هنا قيمتها غير المباشرة في استثارة
الخشوع الفردي والجماعي أمام محرابها السياسي في الحزب
والقادة. ولا يغير من ذلك شيئا كون الشيوعية من حيث رؤيتها
العقائدية الكبرى تناهض الفكرة الدينية بحد ذاتها وتقف إلى
جانب نقيضها النظري المباشر. إذ ليس الدين من وجهة نظر
الماركسية سوى الانعكاس الوهمي للواقع بعد إضفاء صفة
التقديس عليه. وبالتالي، فان إرجاع الأمور إلى نصابها
الواقعي وإدراكها بصورة علمية وموضوعية هو ضمانة القضاء
على "الأوهام المقدسة" أيضا. وهي رؤية نقدية متجانسة. إلا
أنها تعيد إنتاج هذه "الأوهام المقدسة" بصورة غير مباشرة
أو مقلوبة الفروة حالما تحاول تجسيدها في رؤية سياسية لها
حدودها الصارمة عن "الحقيقي" في التاريخ والمعاصرة
والآفاق. كما هو جلي في محاولاتها الأيديولوجية تقديم رؤية
شاملة للماضي والحاضر والمستقبل، قادرة على تمثل تجارب
جميع الشعوب والأقوام والثقافات. وهو أسلوب يؤدي بالضرورة
إلى صنع "أيديولوجية مقدسة" تقف خارج التاريخ، مع أنها
الأكثر اندماجا به من الناحية المجردة. مما يضعها في نهاية
المطاف ضد المسار الواقعي للتاريخ والثقافة والحق أيضا.
وهو أمر جلي في تجارب العالم المعاصر بأكمله!
أما
بالنسبة إلى موضوع الخلاص الشيعي، فإنه التمثيل
الأيديولوجي الانموذجي للعقائد الشيعية القديمة عن الغيبة
الكبرى والصغرى ونماذج التأويل بعبارة أخرى، إننا نقف
أمام نفس الظاهرة نفسها "التجريد" المتسامي للقيم
التاريخية عبر رفعها إلى مصاف الخلود، ومنه إلى التقديس
الدائم. أي أنها تربط الزمن الدائم (والدائر) بالفكرة
المتسامية ومن خلالها تحاول أن تعطي للمعاصرة قيمتها
الجزئية في كل شيء، بما في ذلك في الأفعال السياسية. وهي
صيغة مقلوبة لما ينبغي أن تكون عليه. إلا أن لها مبرراتها
في الفكرة اللاهوتية التي لم تتحرر بعد من ثقل الماضي. فهي
تعيد مزاج الفكرة الفلسفية نفسها عن الحقيقي وغير الحقيقي،
من خلال جعل التاريخ مسارا لا قيمة له ما لم يكن جزءاً من
فعل الخلاص (كما هو الحال بالنسبة إلى التاريخ الماضي قبل
الشيوعي بالنسبة إلى الشيوعية)، أو انه في أفضل الأحوال
"مقدمة" للخلاص. وهي صيغة وجدت انعكاسها في الدعوة الخاصة
بتأسيس "جيش المهدي". مع أن الصيغة البسيطة لفكرة المهدي
نفسها هي بحد ذاتها نفيا "للجيش" وقضاء عليه، لان "ظهور
صاحب الزمان" هو نفي للزمان أيضا! انه ملكوت الحرية الشامل
وتحقيق الوعد والوعيد "السماوي" في الأرض! وهي فكرة
تشاطرها الكثير من الأديان والعقائد، بمعنى اشتراكهم جميعا
في صنع "البنى العقائدية لفكرة المقدس" عوضا عن توجيه
الطاقة الاجتماعية لسكان المدن الفقراء والأرياف المنهكة
صوب العمل البنّاء من اجل "طائفة" هي في الواقع حقيقة
العراق، تعرضت في غضون عقود وقرون لأعنف أشكال الاضطهاد
والتدمير، وحملت بين جوانحها وجنانها أنبل القيم وأكثرها
سموا.
ولا تختلف
فكرة الرجوع إلى الإسلام المحمدي عند التيارات السنية
الراديكالية عن سابقتها، مع أنها ترجع إلى الماضي أكثر مما
تنتظر المستقبل. وهو خلاف ظاهري فقط من وجهة النظر
التاريخية والسياسية. لكنه يصب في مجرى الابتعاد نفسه عن
مواجهة إشكاليات المعاصرة بمقاييسها ومعاييرها ومتطلباتها.
وذلك لان افتراض "نقطة" أو "مرحلة" في التاريخ على أنها
نموذجه المطلق هو خروج على التاريخ نفسه. فهي رؤية أسيرة
لمزاج التقديس المزيف للماضي، ولا تتعظ بفكرة الإسلام
الوحدانية نفسها ومضمونها الثقافي. فما هو جوهري في تاريخ
الإسلام ليس "الإسلام" بل إبداعه الثقافي. فضلاً عن انه
الكيان الفعلي الوحيد في التاريخ والذاكرة والحقيقة.
كل ذلك
يوصلنا إلى استنتاج يقول، بان البحث عن فعل أو حالة أو شخص
أو رمز مقدس في التاريخ وجعله نقطة البداية والنهاية هو
سجود أمام أوهام أيديولوجية، لا تؤدي في نهاية المطاف إلا
إلى خلود بلا مستقبل! والشيء نفسه يمكن قوله والتدليل عليه
في حال تناول عشرات بل المئات من المفاهيم والشعارات
الواسعة الانتشار في ماضي وحاضر الحركات السياسية العراقية
المعاصرة. ومن اجل الاختصار اكتفي بالإشارة هنا إلى شعار
الشهادة والتمثيل دون الاستفاضة بكيفية ظهورهما في مختلف
الأيديولوجيات العراقية المعاصرة فمن الممكن تكثيف حصيلة
المواقف من شعار الشهادة في أن الجميع ترى فيها فعلا
للغناء وقربانا للفداء. وبهذا يكون كل منها يفعل بطريقته
الخاصة على استعادة ذهنية ونفسية الوثنيات القديمة وإعلاء
شأن حب الدماء وسفكها مع الكراهة الظاهرة له. ولعل التحليل
اللغوي والمضموني للشعارات والمواقف بهذا الصدد يمكنه
التدليل على ما في هذا الشعار من تمجيد وتقديس للغة العنف
المبطن. أما ما يخص التمثيل، فإن دراسته عند مختلف
الأيديولوجيات المعاصرة وأساليب التدليل عليه والدفاع عنه
توصلنا إلى أن كل منهم يرث نفسه فقط ويسعى جاهدا إليها:
الاشتراكيون والشيوعيون لا يرثون إلا أحزابهم، والقوميون
لا يرثون إلا قبائلهم وعائلاتهم، والإسلاميون لا يرثون إلا
تأويلهم وتفسيرهم النصوص، والوطنيون لا يرثون الوطن.
وهي
حصيلة مازالت تتمتع بقدر هائل من الدعم المباشر وغير
المباشر من قبل الأحزاب السياسية العراقية الكبرى
المعاصرة! وهي حالة يمكن التدليل عليها من خلال تحليل زمن
"مجلس الحكم الانتقالي" ومساعيه الحثيثة لتحويل المؤقت إلى
خالد. إذ أن تأمل تاريخ العراق السياسي المعاصر وطبيعة
التحولات العاصفة التي رافقت زوال الدكتاتورية وظهور "مجلس
الحكم الانتقالي" وكيفية فعله على الساحة العراقية
والعربية والدولية تضع من جديد اغلب الإشكاليات الكبرى
التي واجهها العراق في تاريخه الحديث على بساط البحث. ولعل
أكثرها جوهرية هي إشكالية الوعي السياسي الوطني للقوى
والأحزاب السياسية العراقية الحالية في مواجهة المصير
المأساوي الذي تعرض لها. وهو مصير يعبر عن حالة إشكالية
المقدس المعلن والسياسة الفعلية. وهي إشكالية نعثر عليها
في طبيعة المفارقة التاريخية والسياسية لانحسار ادعائها
الأيديولوجي بتمثيل "الشعب العراقي" وتعارضه الشديد في
الكثير من الجوانب المهمة لحياة الدولة والنظام السياسي
والمجتمع المدني مع سلوكها العملي في كل شيء! وهو تعارض
يستعيد في الكثير من عناصره الخطر الكامن بالنسبة إلى
تدمير الشخصية الوطنية، واقصد بذلك إمكانية انتقال الأطراف
إلى المركز، وصعود الهامشية إلى هرم السلطة، واستحواذ
الأقلية على مقاليد الأمور. وهو سلوك يعبر عن انغماسها
العميق في بقايا ومكونات البنية التقليدية، أي بنية ما قبل
الدولة العصرية والقانون المدني الفعلي. مما يعني بدوره،
أنها لم تستفد شيئا من تجربة القرن العشرين، وأنها مازالت
من حيث الجوهر خارج إدراك حقائق التاريخ العراقي ومعاناته
الفعلية. بحيث يمكننا رؤية ظهور رخويات جديدة في السلوك
العملي للقوى السياسية والاجتماعية التي شكلت لفترة قريبة
قوام مجلس الحكم الانتقالي، والتي مازالت تحكم نفسها بطرق
مختلفة. وهو واقع سوف يضع بعد مدة قصيرة الجميع أمام
استحقاقات كبرى قد لا تخلو من مأساوية حادة. وهي استحقاقات
مترتبة أساسا على بقاء هذه القوى السياسية ضمن إسار
النفسية الضيقة لفترة وذهنية "الانتقال". بمعنى بقائها ضمن
زمن الماضي وليس تاريخ المعاصرة والمستقبل. وذلك لان
اغلبها لم يدرك بعد ضرورة "الانتقال" بوصفها مرحلة عابرة
والاهم من ذلك أن اغلبهم لم يتوصل بعد إلى إدراك ضرورة
الانتقال من مستنقع التجزئة والخراب إلى عالم الوحدة
والبناء. وهو أمر يمكن ملاحظته في تغلغل وسيادة نفسية
المؤقت عند اغلب مكوناته بوصفها سعيا لتثبيته.
طبعا إن
هذه الحالة ليست معزولة عن تاريخ العراق الحديث، الذي لم
يعرف حقيقة فكرة ونموذج الحكم الثابت. فقد كان تاريخه منذ
عشرينيات القرن العشرين سلسلة من "الانقلابات" الحادة التي
جعلت منه ميدانا لمختلف التجارب الراديكالية، التي تتوجت
بصعود التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية.
وفيهما تجسدت بصورة "فاضحة" فكرة ونموذج "المؤقت" في كل
شيء. بحيث تحول "المؤقت" فيه إلى ثبات دائم. وفي هذا تكمن
إحدى السمات الجوهرية للخراب السياسي والاجتماعي الذي تعرض
له المجتمع والدولة في العراق المعاصر. إذ لا يعني
"المؤقت" هنا سوى طابعه العابر والزهيد. وهو الأمر الذي
كان يسحق بصورة متتالية فكرة التراكم، بوصفها جوهر التقدم
والتطور العقلاني والعملي للدولة والمجتمع.
فقد مر
العراق بكل الأزمنة السيئة. لقد مر بزمن "صلاح الوالي
وفساد الرعية"، وزمن "صلاح الرعية وفساد الولاة" ، وزمن
"فساد الولاة والرعية" هو زمن استمرار البعث وتكامل
التوتاليتارية والدكتاتورية ما بين عام 1968 و2003. وبغض
النظر عن الاعتراضات الجزئية الممكنة على ما في هذا
التوصيف العام، فان حقيقته تبقى واحدة، بمعنى التأكيد على
أن العراق لم يعش مرحلة "خيار الأزمان". لأنه لم يتحسس
ويعقل حقيقة الزمن الثابت في السلطة، بوصفها سلطة شرعية
مقيدة بالقانون وخادمة للمجتمع المدني. وهو الأمر الذي
يجعل من الحاضر والمستقبل قضية الرهان الفعلية. وبالتالي
التعامل مع "خيار الأزمنة" على انه الخيار الوحيد الممكن
والضروري بالنسبةإلى العراق من اجل تجاوز ضعفه البنيوي
الكبير منذ نشوء الدولة المعاصرة حتى الآن. وهو ضعف لا
يمكن تجاوزه دون المرور بزمن "اجتماع الصلاح في الراعي
والرعية"، أي في السلطة والمجتمع. وهو أمر ممكن التحقيق
فقط من خلال بناء دولة الحقوق الشرعية والمجتمع المدني.
مما يفترض بدوره المطالبة العامة والدائمة بسلطة قوية
للقانون ومجتمع مدني أقوى. وبالتالي ترابطهما الضروري،
باعتبار أن أي إخلال بأحدهما هو إخلال بالآخر، مع ما يترتب
على ذلك من خراب الاثنين. إذ للزمن بعد سياسي مهم هو
"زماننا نحن". وهو مضمون السياسة والمقدس الفعليين.
وإذا كانت
المرحلة المعاصرة من "الزمن العراقي" تدفع إلى الأمام
إشكالية السياسة والأخلاق، فلأنه بلغ الذروة التي أطلق
عليها ابن المقفع يوما تسمية "شر الأزمان". وهي رؤية
فلسفية ثقافية سياسية تكشف عن قيمتها العلمية والعملية
الكبيرة بالنسبة إلى ترتيب الرؤية الضرورية عن علاقتنا
بالزمن في الظروف الحالية للعراق لكي نجعل منها علاقة
جوهرية بمعاصرة المستقبل. ومن ثم إعادة ترتيب الزمن
بالطريقة التي تجعل منه "خير الأزمنة"ـ أي الزمن الثابت
والدائم، أي التاريخ الفعلي المجرد عن ابتذال قيم المقدس
الفعلية. ولا يعني ذلك من الناحية السياسية سوى العمل من
اجل تحويل الزمن إلى تيار المعاصرة وليس إلى مجرد الانهماك
الدائم من اجل ترميم العلاقة "الطبيعية" بين السلطة
والمجتمع.
فالتجربة
التاريخية للعراق في مجرى القرن العشرين كله تجعل من
الضروري الإجماع الملزم للحركات الاجتماعية والسياسية على
مبادئ عملية بالنسبة إلى بناء مكونات تيار المعاصرة، أو
معاصرة المستقبل فيه. ولعل أهمها هو الاقتصاد الديناميكي،
والنظام الاجتماعي العادل، والثقافة الإنسانية الراقية،
والعلم المتنور والتكنولوجيا الرفيعة، والتربية العقلانية
الشاملة. فهي العناصر العملية الوحيدة القادرة على تجاوز
ضعفه البنيوي. وفي وحدتها فقط يمكن بلوغ "خير الأزمنة".
ولا يعني خير الأزمنة بالنسبة إلى العراق المعاصر سوى بناء
أسس الزمن الذاتي، أي الزمن الذي ينفي الاغتراب والافتراق
الفعلي بين المجتمع والدولة، أي بين الزمن والناس، أو بين
التاريخ ووعي الذات. وبهذا المعنى يمكن اعتبار "الزمن
البديل" مسؤولية مشتركة للسلطة والمجتمع بقدر متكافئ تنهي
"الحكم المؤقت" بأشكاله كافَّة، ونماذجه، لا إعادة إنتاجه
والتعود عليه. فالزمن المؤقت والحكم المؤقت هو وهم. لان
الحقيقة في الثبات. وليس المقصود بالثبات هنا سوى تذليل
نفسية وذهنية إنتاج هالة المقدس المزيف في المشاريع
الجزئية والمبتورة للقوى التي تضع نفسها فوق الجميع باسم
الجميع مع ما يترتب على ذلك من تخريب لوعي الذات التاريخي
السياسي الذي اشد ما يفتقده العراق في ظروفه الحالية.
وهي
الحالة التي كشفت عن نموذجها التخريبي المكمل لما في
الممارسة السيئة للقوى التي شكلت للامس القريب قوام مجلس
الحكم الانتقالي. إذ نعثر في التيارات والحركات
الراديكالية الجديدة نموذجا جديدا لاستلهام فكرة المقدس من
مجال تجسيد مطامعها الجزئية ومشاريعها المبتورة بمقاييس
التاريخ والمعاصرة والبدائل العقلانية. ولعل البروز الجديد
للظاهرة الراديكالية، وبالأخص في نماذجها الإسلامية
الشيعية والسنية هو المؤشر الأول على ذلك.
وفيما لو
حاولنا تكثيف الرؤية النقدية للظاهرة الراديكالية فيما
يتعلق بعلاقة السياسة والمقدس في العراق الآن، فانه يمكن
صياغتها بالشكل التالي: إن المقدس الأوحد للراديكالية هو
يقينها الخاص بما تعتقده. وهو الأمر الذي يجعل من أفعالها
تضحية دائمة لا غاية منها سوى "البرهنة" على "صحة" و"عظمة"
عقائدها وشعاراتها المتعالية في سماء الأوهام. إلا أن
الراديكالية لا تتحسس الآلام لأنها تجرّب كل نماذج الكسر
العنيف على الآخرين، ولا تستمع لأي تأوه واعتراض ونقد
لأنها تجد في الآهات نغم الوجود وفي الاعتراض حجرة على
قارعة الطريق وفي النقد تشكيكا باليقين، ولا ترى الماضي
لأنها تحتقر تجارب الأسلاف، كما أنها لا تشاهد الحاضر لان
عيونها شاخصة صوب مستقبلها فقط. أما الحصيلة فتقوم في تحول
العقل عندها إلى هوى، والحدس إلى هراوة. وهي نتيجة يمكن
التدليل عليها في حال جمع الكلمات والعبارات والشعارات
والتبريرات التي رافقت جميع جبهات القتال. ففيها جرى
اختبار العلاقة بين السياسة والمقدس.
أننا لا
نرى ولا نسمع ولا نعثر على برنامج "صدري/ شيعي" أو
"أصولي/ سني" له علاقة بمكونات الدولة المعاصرة والنظام
السياسي والمجتمع والثقافة البديلة للتوتاليتارية
والدكتاتورية. وهو أمر يشير إلى الافتقاد للرؤية السياسية
الإستراتيجية والمشروع السياسي وغياب الرؤية الواقعية
والعقلانية لطبيعة التغيرات التي جرت في العراق. وليست
العبارات العامة عن "الدولة الإسلامية" و"المجتمع المسلم"
و"الثقافة الإسلامية" وما شابه ذلك سوى مفردات شكلية لا
قيمة لها في حال انعدام تحديدها الدقيق بمعايير الرؤية
السياسية والاجتماعية والثقافية، أي في حال انعدام برنامج
نظري وعملي يحدد الغايات والوسائل بصورة دقيقة. أما
العبارات التي نسمعها بين الحين والآخر فهي ليست أكثر من
صياغة "إسلامية" لمضامين التوتاليتارية والدكتاتورية.
وفي هذا
تنعكس أولا وقبل كل شيء الآفاق المسدودة للظاهرة
الراديكالية. وذلك بسبب عدم إدراكها طبيعة التحولات
الجارية في العراق، وعدم قدرتها على الانخراط الفعال في
الحياة السياسية الاجتماعية. من هنا بقاءها وبقاء خطابها
السياسي ضمن العبارات التي لا تتعدى في أفضل الأحوال لغة
الشعار السياسي المهيج لنفسية الفئات الرثة. وهو الأمر
الذي يقلص مع مرور الزمن قاعدتها الاجتماعية ويجعلها قوة
مناهضة لأبسط مفاهيم الحرية والتقدم الاجتماعي. وهي عملية
يمكن ملاحظتها الآن في تزايد وتوسع وتعمق الشرخ السياسي
والفكري والمعنوي بينها وبين المجتمع. وهو الأمر الذي يشير
إلى مستوى وحدود وديناميكية الاغتراب السريع بين الظاهرة
الراديكالية والمجتمع. وفي هذه العملية تكمن دون شك مؤشرات
انحلال تأييد الرابطة العقائدية (الأيديولوجية) بين المقدس
والسياسة في الوعي الجماهيري. وهي إحدى الضمانات الكبرى
لكي لا تكون السياسة جزءا من المقدس ولا المقدس جزءا من
السياسة. بمعنى ضرورة إدراك مقدمات وحدود ووظيفة كل منهما
على حدة، السياسة بوصفها علماً وفناً إدارة شئون الدولة
والمجتمع بمعايير الحقوق والاجتماع المدني، والمقدس بوصفه
كل ما لا يخضع لابتذال الدعاوى العقائدية والمصالح الضيقة
أيا كان شكلها وهدفها المعلن.
|