|
الديمقراطية بين الشعار واستحقاق الواقع
أ. د. متعب مناف
الديمقراطية
من التعابير المرنة المفتوحة القابلة للتقاطع ضمنِ
التعريفات الخاصة بها، وذلك عائد الى انها ممارسة (process)
اكثر منها مفهوماً او آيديولوجيا لذا فان وضعها في الحدود
الضيقة هذه انما يفقدها الكثير من المرونة مما يَحدّ من
قدرتها على التعامل مع الواقع السياسي/ الأجتماعي/
الأقتصادي ويسقط منها قابليتها على ان تكون دليلاً او
مدرسة يمكن ان يتم فيها او من خلالها صياغة نماذج لما يمكن
ان يكون عليه الحكم في مسؤوليته امام الناس/ الشعب/
المجتمع.
يترتب هذا
التاكيد على مرونة الديمقراطية والعمل على تحوليها الى
ممارسة، ان الحكومة التي يتم انتخابها المباشر من الشعب
وبشكل شفاف ان تديم صلتها بناخبيها وإلا تعمل منفصلة او
مستقلة عنهم، او ان تعتمد على ((التصرف باستقلال عن
المدنيين اوحتى إستعمال النقض ضد القرارات التي يتخذها
ممثلو الشعب، ومن دون هذا الشرط الأضافي قد يُصنَّف كثير
من الباحثين تلك الحكومات (المعسكرة) في امريكا الوسطى
الآن حيث لاوجود لأي سيطرة مدنية على العسكر على انها
ديمقراطيات... اي الميل على إجراء الأنتخابات وتجاهل أي
واقع سياسي آخر(1).
وَيُبيّن هذا
الوضع الدقيق للديمقراطية الذي يعود فيه صدقها الى
الممارسة وبالذات ان تكون السلطة فيها منتجة اولاً ومسؤولة
ثانياً امام شعبها/ مجتمعها مع ادامة لهذه المسؤولية التي
يجب ان تتحول الى علاقة حاكمة للرابط بين الدولة وناسها
الذين لهم الحق في سحب شرعيتهم للدولة وعن طريق البرلمان
(الجمعية الوطنية/ النواب) اذا أخّلت الدولة بشروط التعاقد
بينها وبين الشعب/ المجتمع.
اما ثالثاً
فإن مبدأ الفصل بين السلطات الى تنفيذية وتشريعية وقضائية
مع سلطة رابعة هي الإعلام/ الصحافة (Media)
على ان تعمل هذه السلطات منفردة لضمان استقلال وفاعلية كل
منها وتحركه ضمن حدود المسؤليات التي وضعت له دستورياً،في
الوقت الذي تتعاون فيه هذه السلطات ضمن جهد مشترك يتم فيه
حفظ كيان الدولة (بناءاً ومؤسسات واداء).
وهذا يؤكد
حقيقة هي ان الديمقراطية لايمكن ان تفعّل في جو يفتقر الى
فصل بين السلطات كما هو الحال في الثقافة السياسية في امم
الشرق إذ يتم تجميع القوة في الرأس او اليَدْ كي تكون هذه
الرأس فاعلة وقاطعة في قراراتها وتكون اليد قوية وباطشة
ومتفردة في فعلها.
مثل هذا
التركيز للقوة في الرأس والبطش في اليد وفي الثقافة
السائدة في شرقنا انما هو انعكاس للتركة الاجتماعية/
الاقتصادية/ الفكرية التي تمثّل الحاضنة لبناء المرجعيات
الفكرية الحاكمة في السلوك الذي تبنى وفقه الشخصية الاساس
(Basie
Personality)
في المجتمع، وما يمكن ان يكون رفض او قبول مثل هذه الشخصية
اي مدى تقاطعها او انسجامها مع ما يترتب على السلطة من
استحقاقات بشرط ان يكون ذلك ضمن متطلبات الانتماء والولاء
التي يجمع بينهما رباط المواطنة.
لقد ادركت
الثقافة السياسية في عراقنا وجواره العربي والمسلم
وامتداده الشرقي ان جمع السلطات في رأس واحدة او يد
باطشة،قد يعود الى صياغة قرارات فاعلة الا أَن ذلك لايمنع
أن تتحول مثل هذه القوة المركزة في رأس قوي او يد باطشة
الى الطغيان(Despotism)
او ما يسمى في ثقافة الحاضر السياسة (الدكتاتورية) إذ يجري
التفرد بالقرار السياسي بالذات انعكاساً للكارزماتية التي
يتمتع بها الفرد والمتأتية من انتسابه او ما قد يتصف به من
قدرات وقابليات وخبرات تسمو به فوق مصاف اقرانه من اسوياء
البشر.
ولتلافي تحول
مثل هذا الفرد الكارزمي (الخارق) الى الطغيان واتخاذه
القرارات المصيرية التي قد تصادر أَمن الشعب/ المجتمع، فقد
اشترطت ثقافة الشرق ان يجمع الرأس (المتفرد) بين القوة
والعَدْل وفق معادلة تجعل منه مستبداً عادلاً!
وهي من اصعب
المعادلات السياسية التي تحاول العديد من المجتمعات في
الحاضر وعلى امتداد الرقعة الجغرافية لعالمنا الثالث تحديث
مثل هذه الصيغة التقليدية لبناء الحكم والحاكم بالذات،
ولكن الناتج كان اما تسلطاً او فوضى ولتشخيص المحنة التي
تمر بها عملية استنبات الديمقراطية في اوساطنا العراقية
والعربية والاسلامية والشرقية والتي افترض ان تبدأ بدمقرطة
(Democratization)
النظام السياسي(الدولة/ السلطة) وتجعل من هذه الدولة/
السلطة مسؤولاً امام المجتمع وبشكل شفاف تتوقف عليه ليس
حاجة الدولة/ السلطة لان تكون منتخبة من الشعب/ المجتمع
وانما تظل تحس بان استمرار الدولة في سلطتها، انما يرتبط
بدوام الثقة التي يوليها المجتمع لدولته داعماً اياها
بالشرعية.
وافتراضياً
فان نجاح الديمقراطية على مستوى الحكم وربط استمراره بمدى
دعم قراره من الناس انفسهم، استفتاءً او عن طريق ممثليهم،
سلوك قد يؤسس لمشاركة فاعلة تجمع بين الدولة والشعب في
صناعة القرار، ومن ثم النزول بالديمقراطية من الدولة
كمؤسسة تنهض باعباء الوظيفة السياسية ملتزمة بتداول السلطة
الى المجتمع.
فالديمقراطية
السياسية التي تقبل بالمشاركة (التعددية) وتخضع للرقابة
والمحاسبة في ادائها،يمكن ان تتحول الى ديمقراطية اجتماعية
رائدها التسامح تقبل الاخر المختلف وتحترم خياراته في
الوقت الذي يكون القانون الذي يصدر عن دستور دائم احد اهم
ضوابط العلاقة المشروعة إذ يَصْبح حق التقاضي من اقدس
الاليات التي تومّن الحقوق والواجبات، وبالتالي اختزال
المجابهة بين الافراد مما يمهد لولادة (دولة القانون) الذي
يمكن ان يتوسط بين افراد المجتمع والدولة ويحول دون انفراد
السلطة بالفرد مما يؤسس لبناء امن اجتماعي يرتفع بالسلوك
الى المستوى الذي يحد من الخصام والتقاطع مما قد يحول
كمّاً من القوة المهدورة الى فعل اجتماعي مضاف.
مثل هذا
الانتقال من دمقرطة السلطة الى دمقرطة المجتمع انما ساهم
فيما يمكن ان نسميه بازمة الديمقراطية في البلدان التي
تحاول استيرادها واستنباتها، لان الديمقراطية وفي بلدان
الاخر وضمن الثقافة التي تنامت فيها، انما كان ذلك على
صعيد المجتمع قبل أن تنتقل الى صعيد السلطة إذ يتم الحَدّ
من سطوة هذه السلطة مع اخضاعها للرقابة والمحاسبة.
وبذلك كان
البدء بالدمقرطة الاجتماعية قبل ان يتحول الى الدمقرطة
السياسية، فالديمقراطية الاجتماعية هي اطول عمراً واكثر
رسوخاً على الصعيد الاجتماعي قياسا بفاعليتها على الصعيد
الساسي.
وعلى الرغم
من النجاحات التي تمت في مجال الديمقراطية الاجتماعية التي
رسمت بالفعل الحدود الخاصة بالحقوق والواجبات ضمن مساحة
فاعلية المواطنة ،فأن الديمقراطية وفي البلدان التي نشأت
فيها إِنما أَخْفَقَتْ ـ والليبرالية منها ـ ان تكون فاعلة
في المجال الاقتصادي.
فقد تقاطعت
الديمقراطية كمفهوم يؤكد تعظيم حق الفرد وتمكينه من تعزيز
رفاهه مع الاليات الحاكمة في حركة السوق التي قد تقصّر في
تأكيد مثل هذا الرفاه للافراد على الرغم من فتح مجالات
النفع امامهم.
لان هذا
الرفاه وتعظيم نفعه لا يعتمد على مدى اطلاق حرية الفرد
وتحقيق ما يمكن ان نسميه بالديمقراطية الاقتصادية،وانما
يعتمد على توفير الموارد (فعلى الصعيد النظري تعرضت
الديموقراطية الليبرالية للنقد على اساس افتراض ان المجتمع
الليبرالي قادر على تعظيم منافع الافراد ،اصبح محل شك
باعتبار ان هذا التعظيم مرتبط بنمط الموارد في المجتمع،
وان عدم مساس المجتمع الليبرالي بهذا النمط يؤثر في تكافؤ
فرص الافراد في تعظيم منافعهم، وان السوق يوزع المنافع
بحسب القدرة الاقتصادية للفرد وحجم ما يسيطر عليه من موارد
وليس وفقاً لعمله او حاجته.
وقد دعم ذلك
الاختفاء التدريجي للمنافسة الحرة في السوق والدخول في عصر
الاحتكارات(2).
وبذلك قصرت
الديمقراطية التي تحاول ان تربط بين تعظيمها لدور الفرد
وبين تعظيمه لما يحققه من منافع مادية نظرا لما ينفرد به
السوق من آلية قد تضحي بالفرد وقدراته وانجازاته لرفع
مكانة رأس المال فوق المجتمع ومحاولة تكثيف تراكمه لكي
يمكن اطلاق حرية اللاعب في السوق معتمدا على قاعدة مالية
ضخمة خاصة به. وان دنيا المال والاعمال لها عالمها
واحتكاراتها وآلياتها وايقاعها وسعيها لتكوين وفورات مالية
ضخمة توضع في ايدي قِلّة يمكن لها ان تكون حاكمة على
الصعيد المالي مما يقف بالضد من الديمقراطية التي يهمها ان
تقف الى جانب الفرد وتساعده في ترجمة طموحاته عن طريق
تعظيمها من خلال سوق مفتوحة تساعد على دفعها نحو مستويات
انجازية عالية .
ماهي مقومات بناء الديمقراطية والديمقراطية في العراق؟
ان بناء
الديمقراطية وتحويلها الى دليل سلوكي يعظم الحرية الفردية
في الوقت الذي يقبل الاخر والمختلف بالذات (live
& let live)
انما يتطلب توفر شروطٍ في المقدمة منها اطلاق ثقافة
ديمقراطية تؤمن بحق الفرد في الحياة والاختيار والاعتقاد
والتعبير قد تنسخ ـ كما هو الحال في اوساطنا المجتمعية ـ
ما يتعارض وتوجهات مثل هذه الثقافة التي تصنع الفرد/
الانسان/ المواطن في مقدمة اهتماماتها دون فرض تَوْصيفات
لما يكون عليه جنسه او أَاثنيته او دينه او الموقع الطبقي
الذي يشغله في المجتمع ومثل هذه الثقافة الديمقراطية التي
يتم اطلاقها لاحداث نقله سلوكيه في المجتمع وبالذات في
مجتمعنا لابد لها من ديمقراطيين يستطيعون بالفعل ان يؤمنوا
نجاح وفاعلية مثل هذه الثقافة التي قد تتقاطع والموروث
السياسي/ الاجتماعي الذي عشناه او عايشناه لحقب طويلة فما
هو الطريق الاسلم في تكوين مثل هؤلاء الديمقراطيين الذين
يوكل اليهم بالفعل تأمين نشر وتكريس مثل هذه الثقافة
الديمقراطية الجديدة؟
يتطلب بناء
نخبة جديدة تؤمن بالديمقراطية والاجتماعية بالذات، دون ان
تفهم كوسيلة لكسب مكانة سياسية او نفعية توظف لتمكين
(الدمقراطي) نخبة/ فرد من ان يلعب دوراً مستغلاً يؤمن له
القوة ويسهل له الحصول على مفاتيح المال والاعمال.
إن بناء مثل
هذه النخبة الديمقراطية التوجه هي احدى المعوقات التي ادت
الى تعثر تعميم الثقافة الديمقراطية في اوساطنا
الاجتماعية.
وبذلك تم نشر
الديمقراطية والسياسية بالذات بمجموعات نخبوية غير
ديمقراطية او انها تستغل الديمقراطية وسيلة للحصول على
المكاسب التي تمكنها من بناء مراكز سلطوية لها مستفيدة من
جهل او تجهيل القاعدة الشعبية التي تتعامل معها وترقب
مشاركتها في العمل السياسي او ذلك الخاص بالسلطة.
وبفعل هذه
الازدواجية في سلوك العديد ممن يكونون الجسم النخبوي في
عراقنا وعزل الاقدر منهم على الفعل بحجة مثاليتهم او
انتظار نُضْج الجماهير وارتهان القرار السياسي العراقي
لحركات داخلية او ضغوط جيرانية وخارجية ،ادت بمجموعها الى
ان تتحول الديمقراطية الى ممارسة غير مقنعة استهلكت
وبشكلها الليبرالي على صعيد العلاقة بين الشعب والسلطة دون
ان تنزل الى مستوى استحقاق الواقع الاجتماعي المعاشي.
ويمكن دراسة
اشكالية: شعار/ استحقاق لمدى تطبيق الديمقراطية وفي
المجتمع العراقي من خلال تتبع الممارسة العراقية في هذا
المجال والتي تنعكس وبشكل مباشر على مجمل العملية السياسية
في الراهن وترسم الملامح المستقبلية لعراق الدولة والمجتمع
في الغد.
وعلى الرغم
من البدايات الخجولة لهذه الممارسة الديمقراطية في العراق
،فانها تستحق الاهتمام لانها تمثل سبقا على مثيلاتها في
مصر ولبنان او حتى على امتداد المنطقة التي قد تجد
بداياتها في التنظيمات العثمانية (Tanzimat)
او المشروطة الايرانية التي حاولت ان تحد من الطغيانية/
الدكتاتورية عن طريق شرطها مما اوجد نوعا من الاختراق ـ
على محدوديته ـ لانفراد السلطة بالحكم من ان يكون هذا
الانفراد بحدود،اي اخضاع الدكتاتورية لشرط ان تكون تسمع
الارادة الشعبية. لقد خرجت الديمقراطية في العراق من تحت
عباءة الشعبية ((الشعبية وجهة نظر في اصلاح اجتماعي يستهدف
ضمان الاطمئنان والرفاه والتقدم للشعب على اساس فسح مجال
المساواة للجميع للتمتع بهذا الاطمئنان والرفاه والتقدم.
والشعب يتألف
في السواد الاعظم لا من طبقة خاصة والاطمئنان فيها يتحقق
لضمان حقوق الفرد واهمها:
حق الحياة
وحق الحرية والمساوة وحق العمل يكفل للفرد استخدام مواهبه
الذاتية لفائدة المجموع...
أما حق
الحرية فهو ضمان تمتع الفرد بحريته الشخصية ضمن حدود
القانون وافساح مجال التكامل الفكري له واظهار ارادته فيما
يتعلق بالشؤون العامة وتقديم ثمرات افكاره وتجاربه الشخصية
لفائدة المجموع ....
والشعبية
تستنبط الوسائل والاساليب التي تعمل بواسطتها لضمان
الاطمئنان والرفاه والتقدم للشعب من حياة الامة وحاجاتها
بصورة خاصة ومن تجارب الحياة البشرية بصورة عامة))(3).
مثل هذه
الافكار التي تؤشر بدايات رائدة مخترقة لثقافة العصر
بأكمله انما صيغت في بغداد/ العراق وفي مرحلة متقدمة من
التاريخ الاجتماعي ليس للعراق حسب وانما للمنطقة بأسرها في
الثلث الاول من القرن الماضي ( العشرين) حيث كان الركود
الفكري خانقاً وحيث انتفى أي من الحراك الاجتماعي.
فقد كانت
نسبة الامية الابجدية تزيد على 85% ومن يقرأ قد لايكتب
وكان لكل (100) الف من الناس طبيب واحد وهو غير مختص
يتقاسم احترافه مع عَشّاب مع شظف في العيش وطغيان للثقافة
الشعبية والخوف من الدين دون فهمه وغياب كلي للطموح
والتجربة .
لقد كان
المجتمع العراقي في ثلاثينيات القرن الماضي موزعاً بشكل
مجتمعات أهلية/ ريفية/ عشائرية في سلوكها ، قدرية متشائمة
في تفكيرها، عرفيّة في ممارساتها، يحتويها احتدام صراعاتها
الداخلية على بعض مفردات حياتها، ناسية صراعها الاساس ضد
التخلف والسعي لتحقيق طموح المستقبل ولم تقف الشعبية التي
هي الترجمة الامينة للديمقراطية والديمقراطية الاجتماعية
التي تبدأ بالمجتمع الذي لم ينظر اليه اكثر من كونه تجمعا
لعشائر او تجمعا لإرياف في تلك الحقبة التكوينية للشعب
العراقي، وانما حاولت ادراك العراقيين كامة اي انهم يمكن
ان يشكلوا كياناً بشريا/ ديموغرافياً بذاته ان لم يكن
لذاته ،في الوقت الذي ربطت فيه الشعبية بين تحقيق هذه
الامة (العراقية) وبين اتخاذها قرارها بالاطمئنان والرفاه
والتقدم ،وهي ثلاثية قد نفتقر الى تحقيقها ونحن نخوض
تجاربنا في الراهن لبناء الدولة،مع وجوب انفتاحنا على
تجارب العالم.
ولم تَقِف
الشعبية وهي الصيغة العراقية للديمقراطية وفي الثلاثينات
من القرن العشرين (الماضي) عند حدود التمنيات على الرغم من
اهميتها، وانما تجاوزت ذلك الى صيغ وآليات يمكن ان تتحول
فيها الشعبية/ الديمقراطية نفسها الى ادلة عمل وخارطة فعل.
فتحت عنوان
(الدولة وحقوق الفرد) حددت هذه العلاقة التي تمثل عصب
الديمقراطية السياسية قائلة (تقوم العلاقة بين الدولة
والفرد في الشعبية على حفظ التوازن بين سلطة الدولة من جهة
وحقوق الفرد المقررة من جهة اخرى بقصد تحقيق الحدّ الاعظم
من النظام والتعاون للحصول على اوفر مقدار من الاطمئنان
والرفاه والتقدم للجموع. ويعدُّ هذا التوازن في الشعبية من
اعظم مقومات المجتمع والاخلال به يؤدي الى الاستبداد الذي
يحرم المجتمع من الاطمئنان والرفاه والتقدم، ويجعله عرضة
الى الاضطراب .كما ان الاخلال به من جانب الفرد يؤول الى
الفوضى ويضر بالصالح العام .... لذلك وجب ان يكون للسلطة
ما يجعلها بوضع تستطيع معه المحافظة على التوازن بين حقوق
الفرد ومصالح المجتمع، وان يكون للفرد من الحقوق ما تكفل
الحيلولة دون تجاوز السلطة حدود صلاحياتها والاضرار
بالصالح العام(4).
ان هذه
المعالجة للشعبية التي هي الترجمة الامينة للديمقراطية
الاجتماعية ،انما تدلل على سبق عراقي في التعامل مع
الديمقراطية.
اذ رغم ان
الصياغات فيها عمومية وتوسيع للطموحات الى ما يقرب من
الاحلام دون رفدها بالوسائل العملية وتوفرها قاعدة رقمية/
احصائية يمكن ان يعتمد عليها كدالة في تنفيذ الاصلاحات
الديمقراطية محولة اياها الى مشاريع قابلة للتنفيذ ارتقاءً
بالواقع العراقي الذي مَرّ وما زال يمرُّ بحقب من المخاضات
والمحن والتجارب، فأن مثل هذا السبق في توظيف الديمقراطية
التي تبدأ بالفرد والمجتمع لتنتهي بالدولة راسمة آلية
مرتكزها (التوازن) الذي يجب ان يسود العلاقة بين الفرد
والسلطة والتي افترضت الشعبية/ الديمقراطية ان تكون
طبيعتها الموازنة بين الفرد والمجتمع، اي ان الدولة يمكن
ان تعمل على اصلاح/ تطوير/ تنوير/ تقدم المجتمع
بوصفها(ادارة عصرية).
وبذلك ترفع
الدولة عن مجتمعها الاغطية الثقيلة التي تراكمت عليه في
فترات من التراجع حولته الى مجتمع متخلف متردد كابت للفرد،
مما يحرر الفرد نفسه وينتقل بالشخصية العراقية من الخوف
والقلق والماضوية في النظرة الى الحركة والاستشراف
والتجريب والطموح لقد كُتب هذا المشروع الحضاري النهضوي
لنشر الديمقراطية في العراق وفي مراحل مبكرة من تاريخه
الاجتماعي بنفس (سوسيولوجي) فقد كان عبد الفتاح ابراهيم
الذي صاغ هذه الشعبية وصيرّها منهجاً تنويرياً من الروّاد
في دراسة علم الاجتماع منهجياً واكاديمياً لذا فقد اخذ
بوصفه ان الاصلاح/ التغيير انما يبدأ من تحرير الفرد من
ضغوط وتقليدية المجتمع وممارسته الابوية المُجحفة
والذكورية المظهرية التي تُجرب ضغطها التسلطي على المرأة
دون الرجل مع تغليب للتدين على الدين ومحدودية في الحركة
الاجتماعية ضمن حدود العشيرة والديرة في الريف، والطرف
والمحلة في المدينة ورفض للاخر الى حد الخوف والرهبة
والتهميش لذا فأن دور الدولة ـ وكما أكدته الشعبية/
الديموقراطية في العراق ـ هو ان يكون الركيزة الاساس
لاطلاق طاقات الانسان العراقي وليس لكبتها والدخول في
أحلاف مصلحية مع الشخوص المؤثرة اجتماعياً ودينياً
وعرفياً، لابقاء الفرد العراقي اسيراً لحجر ثقافي/ فكري/
معرفي يبقيه في دوامة من الحاجة والخوف والتردد وبذلك تسهل
عملية السيطرة والتسلط عليه .
وعلى الرغم
من التوجه الاجتماعي (السوسيولوجي) لواضع اسس الشعبية/
الديموقرطية، فانه اخذ بالاعتبار الطبيعة الانثروبولوجية
وليس العمرانية (الخلدونية) للشعب العراقي، وكانت من نتائج
مثل هذا التشخيص لطبيعة الشعب/ المجتمع/ الامة في العراق،
إن ولدت واحدة من أهم ماكتب في مجال الانثروبولوجيا في
أواخر الاربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي
ممثلة بأطروحة الدكتور شاكر مصطفى سليم التي تمثل سبقاً في
مجال الاثنوغرافيا في منطقتنا اسماها (الجبايش) او سكان
الاهوار في دلتا نهر الفرات.
الاسم له
دلالته، اذ اشار في المقدمة بان كل مكونات/ عناصر/ اثنيات/
ديانات/ طوائف/ عشائر اقوام الناس في العراق انما تتجمع
أصولهم لتحفظ في مياه هذه الاهوار.
وبذلك ايقظ
شاكر مصطفى سليم الوعي العراقي الذي غفا اوغيب بفعل
ماتعرض له العراق من شرذمة في الداخل نتج عنها النظر الى
المجتمع العراقي كاقوام وقوميات وديانات وطوائف واثنيات
وجهويات، وماعانى منه من اختراق وحروب وتجاوزات واستعمار
وانتهاكات لناسه وارضه وثرواته وثقافته وحقه في الحاضر
والمستقبل. لذا فالجبايش احد النواتج الغنية والمسؤولة
للشعبية الديمقراطية التي أطلقت قبلها بعشرين سنة والتي
كانت بالفعل بحاجة الى تأصيل يثبت تفرد وتماسك هذا الشعب/
الامة/ المجتمع، وأن حولته الجهالة والمصلحة الى مزق
وأقوام وطوائف يصدق عليها قول الجواهري الكبير.
ضج الجنوب
فقيل صنع خوارج
وشكى الشمال
فقيل صنع جوار
الخلاصة : الديموقراطية ونظرة مستقبلية:
إن الحوار
الخاص بالديموقراطية (نظرية/ ممارسة/ توطين) لابد من أن
يأخذ في اعتباره غلبة الشعار والشعارية على البحث في مجال
الديمقراطية مما يدفع بها الى الاغتراب عن الواقع المعاش
سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وفكرياً فلماذا
تحولت الديموقراطية الى مجرد شعارات تستهلك على الصعيد
السياسي لاغراض تعبوية او انتخابية - كما هي الحال في
الحاضر ؟
ولماذا لا
تستدمج الديموقراطية كي تتحول الى احد مفرادات السلوك على
صعيد المجتمع (علاقة الفرد بمجتمعه) أُسرية/ زواجية/
أبوية، وبالخصوص اشاعة مستوى من الامان والاطمئنان
الاجتماعي تجد ثقله وبفاعلية في التنشئة والعناية بالمراة
وجعلها بالفعل مواطناً من الدرجة الاولى مع احترام لكل
مكونات الطيف العراقي وبداية للمشروع الاجتماعي/ المجتمعي
على قاعدة التعدد وليس الاختزال وصولاً للتماسك
الاجتماعي؟
وهل ان ما
مر بالمجتمع العراقي من تصحر في العلاقات بين الدولة/
السلطة والمجتمع التي لم تخرج في حدود ممارساتها عن نطاق
الصلة بين السلطة والشعب والتي خلقت وخلَّفت تراكمات ضخمة
من العداء والاستعداءِ، نتج عنه كم من اللا ثقة بين
مكونات هذا الشعب يحول دون تلمس خط بداية لمشروع عراقي
يكون بديلاً لسيناريوهات المشاريع المطروحة على صعيد الحل
السياسي والتي يعوزها فهم دقيق وعميق للخصوصية التي قد
ينفرد بها المجتمع العراقي بناءً ووظائف وشخصية وثقافة ؟
لقد اثَّر
فينا هم الحاضر الى الحد الذي باعد بين ممارستنا العراقية
على خجلها - في اليموقراطية وبيننا، وبدأنا نتوهم أن هذا
الاداء/ التصرف (الديموقراطية) أنما هو غريب أو مغترب، فهل
يتفق مع موروثنا وبالاخص الديني منه؟ وللتخفيف من غربة
الديموقراطية عن المجتمع العراقي يمكن أن نورد بعض
الصياغات التي وردت في خلاصة الشعبية (1933): ((وجود
الدولة ضروري لضمان الاطمئنان والرفاه والتقدم للشعب على
ان تكون هذه الدولة ذات سيادة داخلية وخارجية تامة،
والسيادة للشعب لاتنفك عنه، أن تكون (الدولة) من حيث علاقة
الافراد بها دستورية ديمقراطية) فهل تصلح مثل هذه الصياغات
المخترقة للثقافة والمجتمع ليس في وقتها المبكر وانما في
الراهن من ان تكون منطلقات يتبناها المجتمع العراقي نخباً
وجماهير وبذلك يمكن أن تنزل مجتمعة بالديموقراطية من
الشعار الى استحقاق الواقع؟
الهوامش
1. د.ث شاهين
(1997) آليات التغير الديمقراطية في الوطن العربي ص 33
-34.
2. م.ن، ص35.
3. إبراهيم،
عبد الفتاح، 1933، الشعبية، بغداد .
4. م.ن،
ص187.
|