ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الدولة العراقية (النشأة والتحديات)

(ندوة مدارك)

 

على أثر المرحلة الجديدة (مرحلة ما بعد سقوط صدام) أفرز الواقع العراقي سؤال ما بعد الاستبداد؟

في فضاء الأجواء التي طرحت هذا التساؤل ومنذ اللحظة الأولى التي امتدت فيها يد أول عراقي على ممتلكات الدولة، بدا للكثيرين أن مفهوم الدولة غير واضح لدى الفرد العراقي، ولا مفهوم السلطة، وأن ثمة اختلاط أو عدم وضوح وخلل في عملية الفصل ما بين مفهومي السلطة والدولة، وهكذا هو الحال بالنسبة للمفاهيم الباقية خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار قيام بعض مكونات الشعب العراقي بتفجير وتفخيخ المكونات الأخرى الأمر الذي يكشف عن الخلل الخطير في بنية وفاعلية مفهوم المواطنة أيضاً.

من هذا الفضاء، انبثقت فكرة إنشاء مركز دراسات يعنى بمنظومة المفاهيم والقيم والمعايير التي تحرك السلوك الجمعي لدى الشعب العراقي، في سياق محاولة للنهوض بهذا الشعب عن طريق التأسيس لعملية إصلاح تبدأ من الجذر المفاهيمي القيمي لديه.

على هذا الأساس وتحت شعار (الدولة العراقية النشأة والتحديات) قام مركز مدارك ندوته الأولى التي دعى إليها كل من الدكتور عامر حسن فياض، والدكتور حيدر سعيد، لمعالجة واستكشاف البيئة التي انطلق في أحضانها مشرع الدولة العراقية وطبيعة التحديات الراهنة التي تعترض ذلك.

سيعالج المحور الأول (نشأة الدولة العراقية) الدكتور عامر حسن فياض.

د. عامر حسن فياض.

 لدي مجموعة من الأفكار ارميها على هذه العقول وأنتظر صداها حيث أنني لا أريد تصدير الصورة جاهزة بل سأنتضر أن تكتمل من خلال الحوارمعكم.

لابد لي من التأكيد بأننا نحتاج لما يسمى (بالثقافة الدولتية)، نحتاج لتعلم هذه الثقافة، فكما أوضح الأخ مدير الندوة هناك سوء فهم أو خلل في تركيب مفاهيم كثيرة مثل (الدولة، السلطة، الحكومة) عليه لا بد لنا من تحديد هذه المفاهيم بشكل صحيح، لكي نتثقف ثقافة دولتية أو نستحضر الثقافة الدولتية.

الدولة في تصوري ليست أكثر من تسمية لوحدة سياسية، بمعنى آخر أن الوحدات السياسية موجودة ووجودها قرين بوجود كل مجتمع، غير أن هذه الوحدات تتلبس تسميات عديدة، فعند اليونان تلبست الوحدة السياسية اسم دولة المدينة، وفي الشرق القديم، بالأحرى العراق القديم تلبست الوحدات السياسية اسم دويلات المدن، ثم ظهرت تسميات أخرى مثل الامبراطورية أو المملكة، إلى أن وصل المطاف للتسمية التي سنتحدث عنها الآن وهي تسمية الدولة.

الدولة معطى من معطيات الحداثة. بمعنى أنني لا أستطيع ان أتحدث عن الدولة ضمن إطار مفهوم التاريخ الإسلامي فربما نقرأ خطأ في الكتب التاريخية عن الدولة العباسية او الاموية، فالأصح إطلاق تسمية الحواضر أو المدن وليس الدولة.

الفكرة الأولى التي أريد طرحها عليكم، هي أن الدولة تسمية حديثة للوحدة السياسية الموجودة قديما.

هناك خلط وربما اكاديمي في كتب كثيرة تتحدث عن نظريات نشوء الدولة وهي في الحقيقة تتحدث عن نظريات نشوء السلطة. فعندما نتحث عن نظرية عائلية أو دينية أو عن نظرية الصراع أو التحالف أو التعاقد (العقد الاجتماعي). هذه النظريات جميعاً تخص نشوء السلطة السياسية بما في ذلك السلطة التي تتخذ شكل الدولة او السلطة التي تحكم الوحدة السياسية المسماة بـ(الدولة)

لنقترب أكثر بالنسبة للوحدات السياسية وتكوين الدولة الحديثة في منطقة يطلق عليها (المشرق العربي) حيث نلاحظ أن هناك قوانين تحكمت بوجود الوحدات السياسية في هذه المنطقة وفي تشكيلة السلطة فيها، وبالتالي في تشكيلة الدول ضمن إطارها.

هناك ثلاث قوانين أو ثلاث جدليات تتحكم بتشكيلة الدولة.

الجدلية الأولى: أن هذه المنطقة محكومة بما يمكن تسميته بـ(جدلية الوحدة والتجزئة) ففي تاريخ المشرق مرة نتلمس الوحدة ومرة التجزئة، فهناك جدل بين واقع نرى فيه أن الوحدة السياسية واحدة وواقع نرى فيه عكس ذلك. وحتى في وقتنا الحاضر لا نستطيع أن تتلمس توحد للوحدة السياسية بشكل تام، ولا تجزء لهذه الوحدة بشكل تام، بل يبقى الحال كأنه محكوم بمعادلة طرفاها الوحدة والتجزءةٍ. هذه الجدلية ما زالت تحكم الوحدات السياسية في هذه المنطقة بما فيها العراق.

الجدلية الثانية:  أو القانون الثاني الذي يحكم تأسيس الكيانية الدولتية هو قانون الداخل والخارج، فعلى سبيل المثال، بالنسبة للدولة العراقية الحديثة، (دولة العشرينات) نستطيع أن نطرح التساؤل التالي: هل كانت ولادة هذه الدولة استجابة لرغبة داخلية (عراقية) أم أنها كانت استجابة لرغبة خارجية، أم للرغبتين معاً؟

هنا نستحضر قانون الداخل والخارج، فهناك رغبة داخلية، وهناك رغبة خارجية، وهناك جدل بينهما، وقد تمخض عن هذا الجدل تشكيل الكيانية الدولتية، الأمر الذي يعني احتمال كون هذه الكيانية مشوهة للفترة الممتدة من العشرينات إلى وقتنا الحاضر. ولهذا السبب أقول أننا نحتاج إلى ثقافة دولتية.

الجدلية الثالثة: جدلية التقاليد الكبرى والتقاليد الصغرى.

التقاليد الكبرى قد تكون على شكل رموز ومعتقدات كبيرة كالدين. (الإسلام) في المشرق تقليد كبير، اللغة (العربية) مثلاً تقليد كبير، وهناك تقاليد صغرى، أديان ومذاهب، مع الإسلام. لهجات و لغات مع العربية. الأمر الذي يؤدي إلى نشوء معادلة أو جدل بين التقاليد الكبرى والضغرى. هذه الجدلية تشكل حضورا عند تشكيل الكيانية الدولتية، في المجتمعات الشرقية.

إذن لا يمكن أن نستبعد أياً من هذه الجدليات الثلاث عند البحث في تشكيل الدولة في العراق.

فبقدر تعلق الامر بتأسيس الدولة العراقية، لا أريد أن أكون سطحياً متطرفاً فأقول أن الدولة العراقية تشكلت بارادة ورغبة بريطانية صرفة. او اكون في الجانب المعاكس فأقول ان الدولة العراقية تشكلت بارادة ورغبة عراقية صرفة، هنا استحضر قانون الداخل والخارج فأقول بأن هناك رغبة مزدوجة ربما اتفقت في حقبة أول العشرينات لتكون هناك إرادة عراقية في تشكيل دولة. طبعاً لآ أريد أن أدخل في الكثير من التفاصيل،لاسيما مثلاً (ثورة العشرين) وطلبات المؤسسات السياسية العراقية، أو المضابط التي كانت تقدم والتي من خلال متابعتها نكشف وجود الرغبة العراقية بتأسيس الدولة. أيضاً لا أريد التحدث عن الطورانية ورد الفعل أزاء الطورانية أو الاستعمار ورد الفعل على الاستعمار أو المركزية المقيتة التي كانت تمارس من قبل السلطة العثمانية ورد الفعل عليها، لكننا نلاحظ أن هناك رغبات عند الولايات العثمانية (العربية وغير العربية) في أن تكون العلاقة بينها وبين السلطة العثمانية غير العلاقة المركزية، وقد تُرجمت بعض هذه الرغبات على شكل ثورات ضد تلك المركزية. هناك رغبة بالامركزية تطورت إلى الرغبة بالانفصال. هذه الرغبات تمخضت عن النزعة الطورانية التي هي نزعة عنصرية ليست موجهة ضد العرب فقط بل ضد كل من لا ينتمي للقومية التركية، ولهذا السبب لم تقتصر الثورات على المنطقة العربية فقط

أقول: بقدر تعلق الأمر بالعراق كانت الرغبة مزدوجة الأمر الذي أدى لنشوء دولة مشوهة، أي أن العراقيين عاشوا ضمن إطار دولة مشوهة ابتداء من العشرينات حتى وقتنا الحاضر. وقد يسأل سائل عن مواصفات الدولة غير المشوهة؟

التجربة الاوربية خلقت دولة غير مشوهة مع أنها كانت محكومة بجدل الداخل والخارج، حيث كانت الأولوية أو الرغبة الأثقل للرغبة الداخلية، لكن الرغبة الداخلية من أين تتأتى؟ بالنسبة للمجتمعات الإنسانية، في الحقيقة للجواب على هذا التساؤل نقول: بأن هناك مقومات، وقد أشرنا سابقاً إلى أن الدولة معطى من معطيات الحداثة (عصر الثورة الصناعية، الرأسمالية، نشوء الطبقة الوسطى) أي أن المقومات النموذجية ـ إذا أردنا أن نبحث عن نموذج نضري قائم على أساس التجربة الأوربية ـ لتشكيل كيان دولة حديثة هي.

1. المقوم الاقتصادي، الذي اختصره بالسوق الواحدة، فهل كان العراق سوق واحدة في فترة العشرينات؟ السوق الواحدة ركن اساسي من اركان قيام الدولة الحديثة بدلاً ان يكون هناك اسواق متعددة، انعزالية. الموقع الجغرافي للوحدة السياسية العراقية لم يكن يعيش سوقاً واحدة، إذن فثمة غياب للمقوم الاقتصادي.

2. المقوم الاجتماعي: الذي يكون على وفق النموذج الذي اخترناه هو الطبقة الوسطى، وعليه نتساءل هل كان هذا المقوم حاضرا عند قيام الدولة العراقية على غرار التجارب الحديثة؟ كانت الطبقة الوسطى في بذورها الأولى، ونستطيع أن نتلمس هذه الطبقة فيما نعتبره بديلاً لها، وهي الطبقة المتعلمة والمثقفة التي يطلق عليها (الأفندية).

3.المقوم السياسي: الذي يكون على وفق النموذج هو الدستور المدني، الذي يعبر عن عقد اجتماعي، وهذا المقوم كان حاضرا في الدستور وما ترتب عليه من مؤسسات، ابتداء بمؤسسة الملك وصولاً إلى الوزراء ثم البرلمان. المكون السياسي إذن كان حاضراً، وإن كان وافداً كأفكار، حيث يسميها غسان سلامة في كتابه عن (الدولة والمجتمع والسلطة في المشرق العربي) بـ(اللحظات الليبرالية)، إذ عاش العراق في الحقبة الممتدة من العشرينات وحتى الخمسينات حقبة ليبرالية تتوفر فيها مؤسسات ـ هي في حقيقتها مقوماً سياسياً لبناء كيانية دولتية عراقية متمثلة ـ كما قلنا ـ بالدستور والمؤسسات التنفيذية (ملك ووزراء) ومؤسسات تشريعية (برلمان) ومؤسسات قضائية (محاكم مدنية).

4. المقوم الفكري: يحتاج هذا المقوم في تشكيل الكيانية الدولتية إلى سيادة مفردات منها

أ. سيادة ـ وليس مجرد وجود ـ نزعات فكرية، تكون هي السائدة على الأخرى منها النزعة الفردية. وهنا نتساءل: هل كان العراق يعش نزعة فردية سائدة على غيرها (جماعية)؟ الجواب لا. قيمة العراقي في الدولة العراقية غير متولدة من كونه فرداً عراقياً بل من كونه ـ وحتى هذه اللحظة ـ جزء من جماعة. حتى في الدستور الحالي ثبت فقرة تقول: (الأسرة أساس المجتمع) وهذا بحد ذاته يعني ابتعاد وغياب وضعف في النزعة الفردية الضروري سيادتها باعتبارها مقوماً فكرياً لقيام دولة حديثة.

ب. النزعة العقلانية: أيضاً يجب أن تسود هذه النزعة، والتي هي ببساطة تحكيم المعيار العقلي عند تصويب اختيار الموضوعات أو تصويب الأحكام والنزعة العقلانية لا يمكن ان تعيش بدون نزعة علمانية.

بعد أن وضعنا المقومات النموذجية لبناء الدولة الحديثة نستطيع أن نحكم على تجربتنا في بناء الدولة  من خلال التساؤل عن وجود وعدم وجود المقومات النموذجية.

لهذا السبب أعود إلى التأكيد على حاجتنا للثقافة الدولتية وارجوا ان لايفهم من حديثي اني اتكلم عن فترة ولت عن العراق، وانما يمتد هذا الحديث ويخص فترة مازلنا نعيشها.

مدير الندوة:

دعوني أمارس حقي في التعقيب والتساؤل فأقول: لقد اشار الدكتور عامر فيما أشار إلى الخطأ الشائع في تسميت الحواضر الإسلامية (العباسية والأموية) بالدول، عليه أريد أن أسأل: هل أن سبب ذلك هو قيام تلك الحواضر على الدين وتمحورها عليه، الأمر الذي أدى لغياب أو تغييب واحد من أهم مقومات بناء الدولة (الشعب) أو المواطنة، بعبارة أخرى هل يعمل الانتماء للدين وهو يتجاوز الحدود على طمس وتغييب المواطنة ودورها الفاعل في التأسيس للدولة الحديثة؟

د. حيدر سعيد

بدأ أشكر مؤسسة مدارك على ثقتها ودعوتها الكريمة وأتمنى مخلصاً لها النجاح في مشهد ربما يكون الغائب الأساسي فيه هو ما يسمى بمؤسسات الأبحاث أو مراكز التفكير. أعتقد بأن عملية إعادة بناء الدولة في العراق تجري منذ 2003/4/9 بشكل ارتجالي والسبب الأساسي هو غياب هذه المؤسسات. لا يزال المفكرون العراقيون والخبراء العراقيون بعيدون عن عملية إعادة بناء الدولة وأصبحت  عبارة (حكومة التكنوقراط) عبارة مرعبة للساسة العراقيين المشغولين للأسف الشديد بعملية اقتسام السلطة وليس بناء الدولة.

ربما كان حادث 9/4 حدثاً مفصلياً في تاريخ العالم وليس في تاريخ العراق فقط، أي أنه لا يؤشر فقط لسقوط دولة بسبب ما عانته من أزمات عبر عملية بناء استمرت لثمانين سنة بل كان هذا الحادث على مستوى العالم هو إعادة تركيب للعلاقة مع الآخر أو مع النظام الكولينيالي، ولا أريد أن أقول الأستعماري لأنني أريد أن أفرغ هذه اللفظة مما اكتسبته من انفعالات البلاغة الثورية العربية. هناك علاقة جديدة مع الكولنيالية بدأت مننذ 9/4 الثورات الوطنية أو الثقافة الوطنية أو المدرسة الوطنية التي علمتنا بأن هذا المستعمر هو طامع وشرير ويريد أن ينهب خيراتنا في لحظة ما تعاملت مع هذا الشرير على أنه مخلص من دكتاتورية وطنية.

الطرف الجديد يريد أن يعيد بناء الدولة في العراق التي يسلم بأنها انهدّت بسبب أزمات بنيوية فيها، ولكنني أعتقد بأن السبب الأساسي الذي أعاق عمليت بناء دولة بالشكل الصحيح في العراق هو ما أسميه بـ(الوضع الشيزوفريني) الذي عاشته هذه العملية. فكرة الدولة بالضرورة، فكرة حديثة وهذا التنظيم السياسي في المجتمعات ظهر في العصر البرجوازي عند المجتمعات الغربية تحديداً. ليست هناك دولة قبل المجتمعات البرجوازية، وهذا لا يعني أيضاً أن الدولة هي الشكل المطلق للحياة السياسية ما بعد العصر البرجوازي،فقد نصل إلى مرحلة تنتهي فيها الدولة بمعنى لا تكون هناك دولة في المجتمعات البشرية بل قد يكون التنظيم السياسي وفق نمط آخر غير معروف ربما. وقد يسمى العصر الذي نعيش فيه الآن بعصر ما بعد الدولة، لأن كثيراً من مقومات الدولة التي ظهرت في المجتمعات الغربية قد انتهت. مفهوم السيادة التقليدي أو ما يسمى بالدولة (الويستفالية) نسبة إلى معاهدة وستفالية التي خلقت هذا النمط من الدول التي تحتكر السيادة وممارسة العنف على أراضيها. منطق الدولة الحديثة الآن بحاجة إلى إلى إعادة نظر، لأن مفهوم السيادة لم يعد كما كان عليه سابقاً، الآن اقتصاد الدولة مخترق من قبل ما يسمى بـ(الشركات متعددة القومية) فكرة الأمن القومي أيضاً مخترقة وكذلك الممارسة السياسية.

في العراق خلال العشرينات وفي المنطقة عموماً حاولت الكولنيالية البريطانية نقل الممارسات السياسية التي كانت تجري في ضل الدولة العثمانية التي تقوم على أساس السلطنة ومفهوم الخلافة وما إلى ذلك، إلى ممارسات سياسية حديثة من خلال تأسيس شكل سياسي حديث يقوم على أساس حكومة حديثة وبرلمان ونظام فصل بين السلطات وحياة حزبية وما إلى ذلك، ومن هنا أريد أن أختلف مع الدكتور عامر وأعتبر بأن الإرادة التي كانت وراء تأسيس الدولة العراقية هي الإرادة البريطانية فقط،، لكن لأن النموذج الغربي كان موجوداً في وعي النخب عملت هذه النخب على محاكاة ما يسمى بالمعجزة الأوربية ـ قياساً على مصطلح المعجزة اليونانية ـ وخاصة النخب العثمانية التي حاولت أن تقود الدولة في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر على وفق النوذج الأوربي. بالتالي هو نموذج واحد، وبالتالي أنا أسأل السؤال التالي: لو فرضنا أن هذه البمجتمعات لم يظهر في مخيالها نموذج الدولة الحديثة (الأوربية) هل كانت ستسير في طريق بناء الدولة كما انبنت في المجتمعات الغربية؟ أنا أشك في ذلك. بعبارة أخرى لم تكن هذه المجتمعات قادرة على أن تنتج دولة بالمعنى الحديث. إذن الدولة نقلت من التجربة الأوربية إلى مجتمعاتنا.

مفهوم الدولة الذي نتحدث عنه ـ ولا أريد أن أسهب بمفهوم الدولة على حساب مفهوم الدين ـ هو ما يسمى بالأدبيات السياسية بـ(الدولة الوطنية أو الدولة الأمة) هذه الدولة تقوم على اساس أمة متشكلة موجودة ومفهوم الأمة نفسه بحاجة إلى دراسة.

مفهوم الأمة ( Nation ) ظهر في المجتمعات الغربية في القرن الثامن عشر تحديداً، فبعد الثورة الفرنسية استعمل مفهوم الأمة بالضد من المصطلح الامبراطوري الذي كان يعني حكماً مرتبطاً بالدين تحديداً. بمعنى أن مفهوم الشعب أو الأمة يقابل الحكم الديني. إن الأمة أو هوية الأمة لا تتشكل في المجتمعات الغربية على أساس هوية دينية أو قومية، لأن مفهوم الـ (Nation) يساوي الهوية الهجينة، ما يؤدي لنشوء نوع من التوحد بين الهويتين السياسية والثقافية بل تكون الهوية السياسية هي الهوية الثقافية، فعندما تقول أنا فرنسي فهذا لا يعني أنك لست جزائرياً من ناحية الانتماء الأصلي، إذ ليس هناك تعارض بين الأمرين. عندما نقلت هذه التجربة أو فكرة الـ(Nation State) لم يكن مفهوم الأمة ـ بالمعنى الغربي ـ موجوداً في هذه المجتمعات، نحن كنّا أمة دينية، ما يعني أن هويتنا هوية دينية أو انتمائنا ديني أو قومي. حتى الاستعمار البريطاني قبل دخول العراق حاول أن يغذي النزعة القومية أثناء الثورة الحجازية وفي سعي لتفكيكها دفع نحو خطاب قومي.

إذن الدولة المتشكلة كان من المفترض لها أن تقوم على أساس هوية هجينة في مقابل أمة غير موجودة أمة عراقية مفترضة، طبعاً الملك فيصل استعمل مصطلح الأمة العراقية، ولكن الأمة العراقية كشعور لم تكن موجودة آنذاك، حيث كان الشعور الديني والقومي هو الذي يغلب عند العراقيين هذا الفصام بين الهويتين (السياسية والثقافية) حكم الدولة العراقية إلى تاريخ 9/4، وبالتالي كان ظهور الخطاب القومي في العراق وظهور دولة تستند إلى الهوية القومية في العراق بمثابة تعزيز لهذا الفصام.

أريد أن أبداً من الرفض الأول الذي وجد للدولة الحديثة في العراق وهو رفض رجال الدين الشيعة فبعد دخول البريطانيين سنة 1914 كانت أول حركة مقاومة له هي التي قادها السيد محمد سعيد الحبوبي في جنوب العراق واستمر الموقف عند فقهاء الشيعة وترجم إلى رفض دخول المؤسسات السياسية الأمر الذي أدى لمقاطعة الشيعة للانتخابات النيابية التي جرت سنة 1923 والتي على أساسها قام الدستور العراقي الأول سنة 1925، هذا الرفض في تصوري أساسه الأول ليس نوعاً من الصراع بين الدولة الديمقراطية والدولة الدينية لأنني أتصور بأن مفهوم الدولة الدينية لم يظهر إلا مع الأربعينيات والخمسينيات، مع ظهور الإسلام السياسي، الذي حصل آنذاك هو مقاومة قوى ما قبل الحديثة أو الحداثية لمفهوم الحداثة.

بقي فقهاء الشيعة بموقف متعفف من دخول الحياة السياسية في العراق، وقامت في العراق حينها دولة نستطيع أن نقول عنها أنها دولة لا تدار من قبل رجال الدين بل من قبل أشخاص مدنيين وإن كان الدستور العراقي سنة 1925 أثبت قضيتين القضية الأولى هي اعتباره أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، والقضية الثانية هي إقراره للمحاكم الدينية (المحكمتين الجعفرية والسنية) وهذه قضية محددة بالأحوال الشخصية، حيث يرجع المواطنون إلى المحاكم وبحسب انتماءاتهم الخاصة.

مع الخمسينيات ظهر الإسلام السياسي في العراق، الأخوان المسلمون أولاً ثم حزب الدعوة الإسلامية سنة 1957، وكانت هناك تنظيمات دينية شيعية عراقية ظهرت قبل حزب الدعوة، مثل جمعية الشباب المسلم، مع هذه الأحزاب ظهرت فكرة الإسلام السياسي، كان لفكرة الحاكمية لله التي طرحها أبو الأعلى المودودي الأثر الكبير على الأخوان المسلمين (سيد قطب، حسن البنا) ومنهم نقل حزب الدعوة هذه الفكرة ومن هنا ظهرت فكرة الدولة الدينية في العراق لكن خلال الحكم الدكتاتوري كانت هذه الفكرة مجرد دعوى لأحزاب معارضة، وهكذا ظلت الدولة بشكل ما، دولة علمانية. بعد حادث 9/4 تجدد الحديث عن هذه المسألة، ومع ذلك لم تشكل جدلاً حقيقياً لأن الطابع الصراعي في العراق في جزء كبير منه طائفي (سنة/ شيعة) وبجزء منه محاولة للحصول على حقوق قومية (الأكراد) وهكذا بقيت مواضيع استراتيجية كبرى منها علاقة الدين بالدولة لم تناقش بشكل حقيقي في العراق.

مع قضية الدستور تجددت هذه المسألة. مبدئيا؛ الأفق الذي تتحرك فيه هذه المسألة هو الآتي.

في طرف ما هناك مسألة الدولة الدينية وفي الطرف الآخر هناك قضية الفصل الكامل بين الدين والدولة، وهناك مسألة أخرى هي مسألة مدى تضمن القوانين العراقية للشريعة الإسلامية، إذن هناك ثلاث عناصر. قانون إدارة الدولة الذي هو الإطار القانوني للدولة إلى هذه اللحظة (آب 2005) أي قبل أن تقر مسودة الدستور الدائم، أحدث ثلاث سوابق فيما يخص العلاقة بين الدين والدولة لم تكن موجودة في كل الدساتير العراقية سابقاً، ومع أن هذا القانون متقدم جداً غير أنه في هذه المسألة وسع بشكل لافت من حجم الدين داخل دستور الدولة، السابقة الأولى هي (إن الإسلام مصدر من مصادر التشريع) هذه العبارة لم تكن موجودة في كل دساتير العراق منذ دستور سنة 1920 إلى دستور سنة 1970، السابقة الثانية هي (احترام الهوية الإسلامية للشعب العراقي) وهذه مسألة جديدة، السابقة الثالثة هي (عدم جواز سن قوانين تتعارض مع الشريعة الإسلامية) هذه السوابق الثلاثة أحدثها قانون إدارة الدولة وستبقى في الدستور الدائم، وهناك إضافات أشد وأخطر في الدستور الدائم.

الملاحظة الجديرة بالاهتمام أن كلا المسألتين (الدين والدولة، ومسألة الفصل الكامل بينهما) مسألتان غير مطروحتين في العراق أصلاً، بمعنى ليس هناك خطاب واضح في العراق ـ باستثناء بعض الخطابات القليلة ـ يدعوا إلى قيام دولة دينية بالمعنى الثيوقراطي الكامل على غرار إيران. من جهة أخرى ربما هناك علمانية ضعيفة جداً وغير مؤثرة في الساحة تدعوا إلى الفصل الكامل بين الدين والدولة على الطريقة الفرنسية أو الطريقة العالمية، ويبدوا أن مدار الصراع هو مدى تضمن القوانين العراقية للشريعة الإسلامية. لنحاول معاً فحص هذه المسألة ففقرة (الدين الإسلامي مصدر أساس للتشريع) وفقرة (عدم جواز سن قوانين تتعارض مع الشريعة الإسلامية)، لنلاحظ مدى فاعلية الشريعة الإسلامية داخل المتن القانوني في أي مجال تتعامل الشريعة الإسلامية أنا شخصياً أعتقد أن هذه الفاعلية لا تتجاوز 15% من المتن القانوني، خاصة وأن هناك تعاملات اقتصادية معقدة جداً لا علاقة للإسلام بها أصلاً بمعنى ليس للإسلام ولا للشريعة الإسلامية خبرة بهذه المضامين، هناك علاقات دولية ليس للإسلام خبرة بها، إذن هذه المسألة غير واقعية، ومن المستحيل أن يكون الإسلام مصدراً أساساً للتشريع لأن القوانين يجب أن تستند لنصوص دستورية وضعية والإسلام فقير إلى هذه الأشياء ولكن إذا كانت المسألة غير واقعية فلماذا تطرح في الخطاب السياسي الآن؟

أنا أعتقد بأنها تطرح بسبب محاولة لفرض هيمنة داخل المشهد السياسي العراقي، وعلى سبيل المثال لو أن الشيوعيين قاموا بإحداث انقلاب على نظام صدام أنا متأكد أن ديباجة الدستور ستتضمن فقرة تقول: (يجب أن نحترم نضال الطبقة العاملة في العراق) لماذا نحترم نضال الطبقة العاملة في العراق لأن هناك إرادة فرض هيمنة، من قبل السلطة في العراق، إذن طرح هذه المسألة غير الواقعية ترتبط بإرادة الهيمنة لدى الأحزاب الإسلامية السياسية لفرض هيمنتها داخل المشهد السياسي العراقي على هذا الأساس تحاول هذه الأحزاب اختزال أوجه العراق بالوجه الإسلامي، وتختزل عذابات العراق بالعذاب الإسلامي.

أيضاً هناك أجزاء كبيرة من الشريعة الإسلامية يتم استبعادها من التصريح والإشارة في معرض الحديث عن الدولة الدينية، مثل القانون الجزائي الإسلامي، بالتالي لنتفق على أمر هو انحسار الشريعة الإسلامية بقانون الأحوال الشخصية تحديداً، هناك  قانون جزائي إسلامي يحكم بقطع يد السارق وحدود إسلامية أخرى لا يطالب أي أحد وحتى الأحزاب الإسلامية بفرضها داخل القانون الجزائي العراقي.

الأحزاب الإسلامية تحاول أن تحدث ما يسمى في الأدبيات السياسية بالشاعرية الثورية ـ ولنأخذ الدعاية الانتخابية لقائمة الإتلاف سنجد أنها تؤكد على مسألة المقابر الجماعية، وهذا يعني لي بأنها كانت تحاول أن تكسب شيئاً من الشرعية الثورية بالمعنى التقليدي يعين السلطة التي لم تكن تقوم على أساس دستوري محدد مثل سلطة عبد الكريم قاسم، كانت سلطة لا تقوم على شرعية دستورية بل ثورية، سلطة حزب البعث كذلك، أحزاب الإسلام السياسي حاولت أن تخلق نفس الشرعية، على كل حال هي بدأت الآن بمحاولة الجمع بين الشرعيتين (الثورية والدستورية) من خلال الدستور الذي حاولت أن تكثف فيه من الشرعية الثورية.

أريد أن أشخص ثلاث اتجاهات حدثت بعد 9/ 4/ 2003 تحكم العلاقة بين الدين والدولة.

1 . الاتجاه الأول: ظهور دولة مدنية ـ وهذا ما أعتقد أنه سيسود في العراق ـ تُحكم من قبل مدنيين ولكن فيها نفوذ لرجال الدين، وهذه مسألة حاولت الأحزاب شرعنتها من خلال الإشارة إلى دور المرجعيات الدينية في الدستور، وهذا النموذج يسمى النموذج السعودي حيث تدار الدولة من قبل مدنيين هم أمراء آل سعود وهم العائلة المالكة ولكن من خلف الستار هناك حلف واضح وتاريخي بين الحركة الوهابية وآل سعود، وبالنتيجة أصبحت الدولة مجالاً حيوياً لنفوذ رجال الدين، اي لن تكون هناك دولة دينية مثل ايران، بل دولة مدنية يهيمن عليها رجال الدين، ودور رجال الدين في التأثير على الحراك السياسي في العراق واضح من خلال دورهم في الانتخابات وفي كتابة الدستور، ورئيس الوزراء العراقي الحالي يزور المرجعية ويقول أنها غير بعيدة من أداء الحكومة، هذا النوع سأسميه بـ(الإشراف الديني على الدولة) وهي المنظم الأساسي للحياة المدنية.

2. الاتجاه الثاني: أسميه عودة قوى ما قبل الدولة وهي القوى الدينية: الدولة كيان حديث، ولم يكن في الإسلام دستور، كانت هناك شرائع. الوضع في العراق وضعف وانهيار الدولة اتاح الفرصة لظهور جماعات دينية لا تعمل بمنطق الدولة الحديثة، بل تحاول ان تفرض ـ وبدون أساس قانوني ولا دستوري ـ الشريعة الإسلامية وبالإكراه على الناس، وهذه الجماعات والحركات ظهرت في جنوب العراق، أما مدن غرب العراق فتحولت إلى إمارات دينية لا تؤمن بأصل المنطق الحديث للدولة.

3. الاتجاه الثالث أسميه دولنت قوى ما قبل الدولة: بمعنى احتواء ودمج هذه القوى ـ التي لاتؤمن بالدولة الحديثة، وانما تؤمن بالتشريع القديم ـ داخل الدولة.

هذا باختصار طبيعة المشهد السياسي في العراق، العلاقة بين الدين والدولة تشكلت على أساس الاتجاهات الثلاثة السابقة. وهذا ما يعيد إلى الأذهان ما حدث في العشرينات، فإذا كانت مشكلة الحبوبي مع قيام الدولة العراقية مشكلة حداثة فإن الذي يحدث في العراق الآن كذلك، أي مدى قبول القوى الفاعلة للحداثة العلمية، ويبدو أننا وطوال ثمانين سنة لم ننجح بترسيخ مسألة الحداثة في بلدنا.

هنا بعد 9-4 تظهر لدينا قوى ما قبل الدولة سواء كانت قاومت الاحتلال او التي ارادت طرح نفسها من خلال اختصار العراق باسمها وبرامجها، واختزال العراق بوجهه الديني، هذه القوى تريد ان ترجع بالعراق الى ما قبل الحداثة (الخوف من الحداثة).

بالنتيجة نشاط هذه القوى في العراق يبقى محكوماً بالآتي:

1. اختراق ما قبل الحداثة، للدولة الحديثة، وهذا الاختراق في حقيقته نكوص حتى عن موقف فقهاء الشيعة ـ الإيرانيين وليس العراقيون ـ طوال القرن العشرين، ولا سيما موقف النائيني المتميز في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) من حركة المشروطة في ايران، وبالتالي فموقف فقهاء الشيعة نكوص حتى عن فكر النائيني،  كان امام رهان الشكل السياسي الحديث، في حين ان رجال الدين العراقيون الان يريدون ان يستبدلوا الشكل الحديث للدولة بقوى ما قبل الدولة.

2.الخرق الثاني هو ان تبقى قوى ما قبل الدولة فاعلة في العراق الحديث (القوى الدينية) لانه لن يسمح مرة أخرى للدولة أن تنشأ ككيان قوي حديث يفرض سلطة القانون.

أتمنى أن أكون قد وفقت في تناول جوانب هذا الموضوع المهم وشكراً جزيلاً لكم.

مدير الندوة:

قبل أن نفتح المجال للمناقشات، أود أن نستثمر ما طرحه الدكتور حيدر للإشارة إلى الخلل المفاهيمي، فهناك الكثير من المفردات التي تفضل بها تثير الجدل ليس بين الدين والدولة ولكن بين المسلم والدولة، فإذا كانت النتائج التي خرج بها الدكتور صحيحة والإسلام غير معني أساساً بالطرح السياسي وهو بالتالي لا يستطيع أن يدلي بدلوه بالنسبة للأطروحات السياسية الحديثة إذن فالجدل مفهومي، يكشف عن وجود إسقاط ذاتي يقع من الذات المسلمة على الإسلام في محاولة لتدويل الإسلام أو أسلمت الدولة، وهكذا تتأكد الحاجة لإجراء معالجة لمنظومة مفاهيم المجتمع العراقي، ولنورد مثالاً ، فقبل سقوط صدام، وعندما أصبح واضحاً أن أمريكا جادة في حربها على العراق، حدث جدل في الأوساط الإسلامية حول الموقف الشرعي من الحرب على العراق، فأمريكا (كافرة) وهي تشن حرب على دولة مسلمة، وفي مثل هذه الحالة يجب الوقوف مع المسلم ضد الكافر، مع قطع النظر عن التفاصيل لأخرى المتعلقة بظلم هذا المسلم أو بغاية الكافر من وراء حربه. وعندما لم يفت الفقهاء صراحة بوجوب نصرت (صدام)، بدا أن الموضوع غير مفهوم، فالنصوص الإسلامية صريحة بهذا الخصوص، بالتالي فالامتناع كان غير مبرر، لكن الحقيقة تكمن في أن مفهوم المسلم لم يكن ينطبق بصورة تامة على صدّام، كما أن مفهوم حرب الكافر لم يكن ينطبق ـ على الأقل من وجهة نظر الشيعة ـ على حرب أمريكا على صدام. هكذا ينكشف لنا أن كلا المفهومين بحاجة لمعالجة.

د. حيدر سعيد: في الجواب على سؤال: هل الخلل في الدين أم في المفهوم، أقول: بأن ليس هناك فرق بين الأثنين، ولنناقش ظاهرة أسامة بن لادن مثلاً، أو الفكر السلفي البشع الذي ظهر على الساحة الآن، في حادث الحادي عشر من أيلول قتل أكثر من ثلاثة آلاف إنسان، الذي قام بهذا القتل مسلمون، وهنا نقول: هل نستطيع أن نفصل بين الإسلام الحقيقي وبين أي فهم للإسلام؟

أنا أعتقد بأن هذا الفصل غير ممكن. النظرية النقدية المعاصرة تعتبر بأن كل وجهات النظر التي نكونها عن الأشياء هي مجرد فهم، يعني هناك فهم ما للإسلام، وهو في منطق ما حقيقي، وفي فهم آخر غير حقيقي. اسمحوا لي أن أسأل سؤال آخر: هل نستطيع أن نقود المسلمين إلى لحظة يتوائموا فيها مع الحداثة الغربية؟

أنا شخصياً اعتقد بأن هذا ممكن، ومثلما أعتقد بأن نظريات الفيزياء صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان أعتقد بأن نظريات السياسة والاجتماع البشري صالحة كذلك، بعيداً عن خرافة الخصوصية الثقافية، أو ما يسمى بالهوية، هذه الهوية التي ما زالت ترعبنا وتجعلنا نقاوم كل ما يمت بصلة للحداثة. هناك كليات في المجتمع البشري، كليات في السياسة وكليات في العلاقة. لنناقش القضية وفق المنطق الفقهي، ماذا نفعل لو لم يسمح الفقه الإسلامي بقيام دولة حديثة؟ هناك نقد كثر وجه إلى الفقه الإسلامي قام به مفكرون مسلمون مثل أركون، أبو زيد، الجابري، هذا النقد يقوم على أساس القول بأن ما نسبته 90% من التجربة الفقهية الإسلامية هي تجربة بشرية، تجربة ليست إلهية وبالتالي هي قابلة للنقد، معظم الفقه الإسلامي أنجزه بشر. أحمد بن حنبل بشر، وأبو حنيفة، الصادق عند أغلب المسلمين بشر، غير معصوم. نحن نفكر من خلال أصول أُصِّلت في مرحلة تاريخية معينة، يعني ربما كان في القصد الإلهي ـ ونحن يصعب علينا معرفة القصد الإلهي ـ من التشريع الخاص بإعطاء الذكر مثل حض الأنثيين أن يكون تشريعاً زمنياً، من الذي يستطيع أن يدعي أنه يعرف القصد الإلهي؟ لكن هناك عملية جعلت من القصد الإلهي قصداً لا زمنياً وهذه العملية هي عملية بشرية.

د. خليل مخيف الربيعي: ملاحظاتي الموجهة للدكتور حيدر.

لازم د. حيدر بين الحداثة وبين إبعاد الدين عن الدولة، وهذا الموضوع إذا صح فهو يصح في المجتمعات الغربية ولا يمكن نقل تجربته إلى المجتمعات الإسلامية، ولهذا ردد كثيراً فكرة الحداثة وقوى ما قبل الحداثة والمقصود هي القوى الدينية، وإذا صح ذلك فهو يصح في المجتمعات الرأسمالية، أو مجتمعات ما قبل البرجوازية التي تحدث عنها.

القضية الثانية هي بخصوص النائيني، الذي أعتقد بأنه قُرأ قراءات متعددة، فالنائيني من دعاة نظرية (ولاية الفقية) وإن لم تتحق ولاية الفقيه يقول بالتحول لنظرية الشورى، عليه فالنائيني لم يكن غير منظّر للدولة الدينية، لكنه تحول للشورى في حال عدم تحقق الدولة الدينية، وبالتالي ليس الإسلام السياسي هو صاحب أطروحة الدولة الدينية، وإنما قبل الإسلام السياسي كانت هناك تنظيرات صدرت بخصوص الدولة الدينينة، من الصدوق والمامقاني.

حاول د. حيدر أيضاً أن يربط بين تصور الشيعة لكفر الحكم وابتعادهم عن السلطة، في حين أن هناك مؤشرات تاريخية في بداية الدولة تؤشر إلى أن الشيعة اشتركوا في السلطة، وأن الذين أتوا بالملك فيصل هم، محمد باقر الصدر وجعفر ابو التمن، فضلاً عن أن هبة الدين الشهرستاني وهو رجل دين تولى منصباً في أول حكومة لمدة عام واحد.

هناك مسألة أخرى، هي ربط الحاكمة بحزب الدعوة، وأنا لم أجد في أدبيات هذا الحزب إشارة للحاكمية التي نادى بها أبو الأعلى المودودي، لأن حزب الدعوة انبنى على نظرية الشورى وليس على أساس الحاكمية، وهذه من التهم الموجهة من قبل أعداء الدعوة لهم، بأن مفكرهم كان التقاطياً وفكرهم فكر هجين.

قضية أخرى تاريخية، هي أن الإسلام لا يستطيع التواصل مع بعض القضايا السياسية المعقدة، أنا أعتقد أنك وقعت في تناقض، حيث أنك قلت بأن الإسلام يصلح لكل زمان ومكان ومع ذلك قلت أيضاً بأن لا يوجد إلا ما مقداره 15% صالح للتطبيق، في حين يوجد ـ ولا أعرف مقدار درايتك بالفقه الإسلامي ـ في الفقه منطقتين هما الثابت والمتغير، والمتغير هو ما سمّاه الشهيد الصدر بمنطقة الفراغ والتي تملاء من قبل علماء الدين، وأعتقد بأن هناك آراء لمحمد على تسخيري في البنوك وفي الأقليات وفي العلاقات الدولية، وإذا كان هناك عيب على القائمين على الدين وليس على الدين، لأنهم لم ينظّروا بما يخدم المرحلة.

نقطة أخرى أحب توضيحها هي موضوعة كون ضحايا النظام السابق هم من الإسلاميين، وهذه حقيقة فنسبة الإسلاميين من هؤلاء كبيرة، حيث لم يكن هناك غير التيار الإسلامي ممن يقاومون ذلك النظام باستثناء الشيوعيين وهم خلال عامي 77-78 قليلون ونسبة ما أعدم منهم أقل بكثير بالنسبة للإسلاميين، يضاف إلى ذلك الحركات الكردية المحسوبة على العلمانيين. أريد أن أختم بسؤال إلى الدكتور عامر هو: هل هنالك ملازمة بين العقلانية والعلمانية؟ بمعنى هل يمكن بناء دولة دينية تتصف بالعقلانية، أم لا بسبب ارتباط العلمانية بالعقلانية؟ سؤال آخر إلى الدكتور حيدر: أيهما أسبق بناء الدولة أم بناء المؤسسات؟ وشكراً لكم.

عمّار الكعبي: لديَّ ثلاث نقاط سأشير لها بشكل موجز.

النقطة الأولى: لقد تمنيت أن يشير الدكتور عامر إلى الخلط بين السلطة والدولة، وهذا الخلط تقع فيه حتى النخب السياسية والمثقفة بصورة عامَّة، الدولة هي مجموعة المؤسسات الموجود في البلد.

النقطة الثانية: تتعلق بالدكتور حيدر، أنا أعتقد بأن هناك سؤال حقيقي يقول: هل هناك خيار حقيقي بين الإسلام والديمقراطية؟ الذي أعتقده أن النخب السياسية وصلت إلى المستوى الذي وجدت فيه تقاطعات كثيرة بين الإسلام والديمقراطية، وحتى مسودَّة الدستور التي طرحت، نجد فيها الكثير من الثغرات التي تشير بشكل واضح إلى وجود تقاطع بين النمطين. حتى الآن هناك تدليس على الشارع العراقي الذي يصور له من قبل النخب السياسية أنه لا يوجد تقاطع بين الإسلام والديمقراطية وفي لحظة من اللحظات بعدة عدة سنين سيصل المجتمع العراقي إلى اللحظة التي يجد فيها أنه مجبر على الاختيار بين الإسلام السياسي ـ وليس الإسلام كنظام قيم ـ وبين النظام الديمقراطي.

النقطة الثالثة: بالنسبة لمنطقة الفراغ التشريعي، أنا أعتقد بأن محمد باقر الصدر صاحب أطروحة منطقة الفراغ كان قد وصل  للنتيجة نفسهاالتي وصل إليها الدكتور حيدر سعيد، حيث أنه اضطر للجمع بين تجاوز الشريعة لحدود الزمان وبين وجود الكثير من الثغرات داخل التشريع الموجود بين أيدينا. وهكذا كانت أطروحة منطقة الفراغ بمثابة الحل للإشكالية التي واجهها.

جعفر درويش: لديَّ ملاحظة صغيرة للدكتور حيدر، فأنا أراه يعتبر الغرب مرجعية لا نقاش فيها ويبدوا أنه يعتبر متبنيات الغرب متكاملة وغير قابلة للنقاش وهذا الموضوع يثير استغرابي، فما دمنا نناقش المقدسات فلماذا نتوقف عن مناقشة غيرها؟

د. حيدر سعيد: كل شيء قابل للنقاش، لكن حتى يكون النقاش موضوعي لا بد من أن اعتبار الحضارة الغربية جزء منّا، فهي حضارة عالمية، في هذه الحالة يمكن لنا مناقشة كل متبنياتها، أما إذا كان لدينا موقف عدائي منها، فلا يعود من الممكن لنا مناقشتها. في لحظة ما كان الإسلام هو الحضارة العالمية، والآن الغرب هو الذي يحتل هذا الموقع.

جاسم الصغير:

بالنسبة للأستاذ عامر أنا أتفق مع ما قاله بخصوص اعتبار الدولة معطى حداثوي غربي، لكن بالنسبة لنا في المشرق، ووفق رؤية معيارية لم نعرف الدولة إطلاقاً، فالدولة وكما يقول محمد جابر الأنصاري بحاجة لتوفر شرطين هما الثبات والاستمرارية، ودول المشرق لم تتوفر فيها أي من هذين الشرطين، بل شهدت انقطاعات حالة دون تبلور مفهوم الدولة.

بالنسبة للدكتور حيدر وفيما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة، أنا أعتقد أن الأصح هو فصل الدين عن السياسة وليس عن الدولة، فالفصل عن الدولة غير ممكن، حيث أنها مجموعة مؤسسات سياسية، والفاتيكان يقوم بمهمات أشبه بمهمات المجتمع المدني غير الربحية، وهو ليس بجهة سياسية. بقيت لدي ملاحظة صغيرة على مسودَّة الدستور تخص أيضاً علاقة الدين بالدولة، حيث أنها تعتبر الإسلام مصدر أساس للتشريع باعتبار أن أغلبية الشعب العراقي هم من الإسلاميين، وهنا أريد أن أنبه لسوء فهم، فأغلبية الشعب العراقي مسلمين وليسوا إسلاميين، باعتبار أن كثير من المسلمين يعتنقون أفكار حديثة (علمانية، ليبرالية، ديمقراطي..الخ) ومع ذلك هم يتبعون في حياتهم الاجتماعية عادات وأعراف إسلامية.

د. كامل المراياتي: أود أن أقدم شكري لمؤسسة مدارك على هذه الدعوة، وعلى هذه الندوة التي تعالج موضوعاً مهماً للغاية. لدي ملاحظة صغيرة، فقد فهمت في البداية بأننا سنناقش عملية نشوء الدولة، بمعنى كيف نشأت وما هي التحديات التي واجهتها، وما هي المستخلصات التي يمكن تسخيرها في عملية بناء دولة جديدة، وباعتقادي أن التحديات التي واجهت الدولة منذ نشأتها إلى حين سقوطها في 9-4، ـ وإن كنت أتحفظ على موعد سقوط هذه الدولة، فقد كان قبل هذا التاريخ داخلياً، ثم حدث الانهيار خارجياً في 9-4 ـ هي عدم التوازن بين الجانبين الاجتماعي والسياسي، بمعنى آخر أن بناء الدولة العراقية لم يكن مستوعباً للبعد الاجتماعي، فجاءت الدولة وكأنها بناء خارجي ليس له علاقة بالمنظومة الاجتماعية، هناك فجوة بين الدولة والمجتمع ربما يكون سببها الانتقال غير الحقيقي من مجتمع العشيرة إلى مجتمع الدولة، عليه ما الذي يمكن استخلاصة من أجل تجاوز مثل هذه الأزمة في الدولة الجديدة؟

هذا من جهة ومن جهة أخرى، أنا أختلف بمفردة واحدة مع د. حيدر، فهناك عموميات وهناك خصوصيات، وبالتأكيد أننا يمكن لنا الاستفادة من العموميات، لكن ضمن خصوصيات مجتمعنا العراقي العربي الإسلامي. أرى أن الحلقة الأساسية التي يجب مراعاتها هي تمييزنا بين حاجتنا لبناء دولة وحاجتنا لبناء فرد عراقي، وباعتقادي أننا كمجتمع ما نزال دون مستوى استيعاب المفاهيم التي طرحت والتي لها علاقة ببناء الدولة مثل مفهوم الحرية، الديمقراطية، علاقة الدين بالدولة، وهذا النقص في الاستيعاب سيؤدي لإشكاليات مستقبلية، نحن بحاجة لأن ننطلق من الواقع الاجتماعي في عملية بناء الدولة وليس من المتعالي المفاهيمي.

موسى الخافور: لقد تطرق الدكتور عامر إلى مفهوم الفتح الإسلامي، وأنا أريد أن نقف على هويتنا الحقيقية ففي أدبيات الغرب ليس هناك تعاطي مع الوجود الإسلامي على أنه فتح، بل على أنه استعمار حقيقي، وإلا بماذا تفسر بقاء العرب لأكثر من ثلاث عقود في أسبانيا؟

أختلف مع د. حيدر في جميع ما قاله باستثناء مفردة واحدة، في الحقيقة لقد قارن الدكتور بين حالتين، الحالة العراقية الحالية، التي تعمل على بناء دولة حديثة وديمقراطية، وبين حالة النظام العشائري السعودي القائم قبل أكثر من مئة عام، فهنا الدولة خاضعة لنظام برلماني وهناك خاضعة لنظام عشائري بحت (آل سعود)

قاسم السومري: لو اختصرنا وجهة النظر المتعلقة بنشأة الدولة العراقية الأولى والمتعلقة بمحاولة إعادة إنتاج دولة جديدة سنجد أن الأزمة تتكرر، وإذا رجعنا إلى الخلف سنجد بأن الحضارة الإسلامية مستمرة بأزماتها وبحسب وصف أحد المفكرين ((أن التاريخ العربي هو تاريخ جزر منفصلة)) أي أننا نخرج من أزمة ثم نعود إليها. وأعتقد بأن هناك أمران جوهريان، فيما يخص استمرار الأزمة، الأمر الأول هو العقل الذي أنتج هذه الحضارة، والذي بقي أسير طروحاته الأولى ولم يستطع مغادرتها. الأمر الآخر والذي يتعلق بالمعاصرة، و الفردية. عموماً وبحسب تقديري لا يمكن لنا أن نخرج من أزماتنا بدون معالجة العقل، ومن أهم مفاصل هذه المعالجة مفصل اللغة، التي هي وعاء العقل، واللغة العربية ربما هي الوحيدة من بين اللغات التي لم يجر عليها تطوير منذ ألف وأربعمائة سنة، فكيف يمكن أن ننتج فكر معاصر من خلال لغة ليست معاصرة.

مزهر جاسم الساعدي: كنت أتمنى من الدكتور عامر بما أنه خاض غمار معالجة موضوع نشأة الدولة العراقية أن يتطرق لموضوع الرسالة التي وجهت من قبل مشرف المعارف سنة 1925 إلى رئيس الديوان الملكي تتضمن وجود إشكالية في إطار الدولة العراقية تتلخص بنقطتين.

الأولى أن شكل النظام العام للدولة متقدم جداً مع أنه قائم على قضيتين مختلفتين هما: القضية الاقتصادية والقضية الاجتماعية، أعتقد بأننا ما زلنا نعاني من  المشكلة نفسها . شكل النظام أو الدولة شكل حديث (دستور، برلمان، فصل بين السلطات) كل هذه المفردات كانت موجودة في دولة العشرينات، فماذا كانت النتيجة؟

د. عامر : عندما تحدثت عن مقومات بناء الدولة (المقوم الاقتصادي والسياسي) قلت بأن المقوم السياسي المتمثل بالدستور والمؤسسات كان حاضراً، لكن كانت هناك عمليتي صيرورة وبناء الأمر الذي يعني الحاجة لكل العدَّة، وليس للعدّة السياسية، وهنا يرتبط سؤالك مع سؤال د. كامل المراياتي. لقد أكدّت بأن المشهد كان مشوَّه اجتماعياً واقتصادياً، وهنا أود أن أسجل اختلافي مع د. حيدر وهو يقول سقطت الدولة في 9 / 4 فالذي سقط هو السلطة أو الحكومة وليس الدولة، الدولة كانت مشوَّهة وهي بالتالي ساقطة أصلاً. بالنسبة للعلاج الذي طالب به د. المراياتي أنا ليس لدي علاج غير المطالبة بفهم الإشكاليات الحالية والتي قبلها.

د. كامل المراياتي: إذا سمحت لي أريد أن أتساءل عن مؤسسات المجتمع المدني ودورها في عملية البناء، عدد المؤسسات الهائل الموجود الآن لو كان موجود في زمن صدّام لتغيّرت المعادلة، كل هذا العدد من المؤسسات ومع ذلك الأمن مفقود والوضع السياسي متردي، على مؤسسات المجتمع المدني النزول إلى الشارع وتوعية الناس.

مزهر جاسم الساعدي: كنت أتمنى على د. عامر وباعتباره عمل في موضوع بناء الدولة العراقية لحقبة طويلة أن يكون لديه جواب عن سؤال العلاج غير كلمة لا أدري.

د. عامر: من المؤكد أنني لا أمتلك معالجة إجرائية، لكنني طرحت المعالجة التي أتصور أنها هي المجدية، قلت الفهم، فهم مقومات بناء الدولة تشخيص المشاكل، والتشخيص هو بداية أي معالجة.

بالنسبة للفتح والاستعمار: أنا لا أمتلك الشجاعة الكاملة، ن أسمي الفتح الإسلامي استعماراً إسلامياً. بالنسبة للملازمة بين العقلانية والعلمانية ـ وهي مداخلة د. خليل مخيف ـ هنا نعود لموضوعة تحديد المفاهيم، العلمانية كما أراها يجب أن لا تفصل فصلاً تاماً ـ متطرفاً ـ بين الدين والدولة أو السياسة، من جهة أخرى يجب أن لا ندعوا للدمج التام ـ المتطرف ـ بين هذين الموضوعين. يجب أن نميز وظيفياً بين هذين الطرفين، التمييز الذي يحول دون هيمنة أحدهما على الآخر. بحدود هذا الطرح يبدوا لي أن الملازمة موجودة بين العلمانية والعقلانية، عليه ليس لديَّ ميل عاطفي مع أو ضد الدين، بل فقط تمييز وظيفي. بالنسبة لموضوع الفردية المقصود بها النزعة التي سادت الحالة الغربية وهنا تسعفنا موضوعة اللغة التي طرحها الأستاذ قاسم السومري. بالنسبة لموضوع الثبات والاستمرار في الدولة، أعتقد بعدم وجود مثل هذا الثبات، حتى في التجارب الغربية، وقد أشار د. حيدر للخرق الحاصل الآن بالنسبة للسيادة التقليدية. موضوع التقارب بين الإشكاليات الحالية والسابقة التي تعيق بناء الدولة، يحضرني تقريراً حدثني عنه أحد أساتذتي كان قد كتبه الملك فيصل يشكو فيه من ضعف إمكانيات الدولة العراقية بالنسبة للعشائر آنذاك، حيث يقول بأن الدولة تمتلك فقط (2000) قطعة سلاح، بينما تمتلك العشائر (10000) قطعة، ولنا أن نقدر مقدار التشابه بين ضعف الدولة السابق والحالي.

د. حيدر سعيد: قفز موضوع الحداثة بشقيه من خلال المداخلات، الشق المتعلق بموقفنا منها، والشق المتعلق بموقع الدين من الحياة السياسية، أريد أن أقول أن الخطاب التلفيقي أو التوفيقي الذي بدأ منذ منتصف القرن التاسع عشر مازال هو السائد لهذه اللحظة، خطاب الهوية والخصوصية، وضرورة البحث عن الملائمة بينهما وبين الحضارة الغربية. أنا أعتقد بأن العراق هو النموذج الوحيد المؤهل ليطرح الحل البديل عن الحل التلفيقي الفاشل، وهو حل الارتباط بالحداثة، حادث 9/ 4 هو الذي يثبت فشل الحل التوفيقي، وأعود للتأكيد على موضوع اقتصار الشريعة الإسلامية على موضوع الأحوال الشخصية، نحن الذين نضع الإسلام بموقف عدائي بالنسبة للحضارة الغربية. بالنسبة لموضوع النائيني أتفق مع د. خليل، لكن النائيني بعد أن نظَّر للدولة الدينية أحال في حال عدم قيامها إلى الدولة الدستورية. أيضاً بالنسبة لموقف الشيعة من الدولة آنذاك، أنا تطرقت لموقف الأعم الأغلب من فقهائهم، وقد تسببوا بمنع الشيعة من الدخول حتى في المؤسسات الأمنية، لكنني من جهة أخرى لا أريد اختزال الشيعة بفقهائهم لأنهم كيان اجتماعي كبير ولذلك سأذكر أسماء أخرى اشتركت بالعمل السياسي فاضل الجمالي مثلاً كان يعتبر ممثل أمريكا في السياسة العراقية، سلام عادل أحد كبار القادة العراقيين، صالح جبر.

بالنسبة لفكر حزب الدعوة ـ وخلال عمر هذا الحزب 23سنة ـ قد مر بتموج أو بتحولات كبيرة، وبالتالي لا نستطيع أن نقول أنه انتهى إلى فكرة الشورى، ومن ثم ففكرة الإسلام السياسي تسربت إلى كل الأحزاب السياسية الإسلامية وبغض النظر عن استعمال مصطلح الحاكمية لله أم عدم استعماله. بالنسبة لموضوع مصادرة المقابر الجماعية لحساب اتجاه سياسي معين فأنا أوكد على أن الانتفاضة الشعبانية حدثت بين الأوساط الجماهيرية التي هي أوسع من الأحزاب السياسية، بل أن هذه الأحزاب كانت غائبة أو هي مبادة داخل العراق من قبل الدكتاتورية، وبالتالي لا يحق لحزب سياسي إسلامي أن يصادر شهداء هذه الانتفاضة. أوكد مضمون مداخلة الأستاذ عمّار الكعبي حول كون منطقة الفراغ دليل على محدودية التشريع الإسلامي، بالنسبة لمداخلته المتعلقة بفصل الدين عن السلطة، لا أنا أختلف معه وأؤكد على فصل الدين عن الدولة، بمؤسساتها التي منها المؤسسة الدستورية، التي يجب أن لا يتدخل فيها الدين. بالنسبة للمقارنة بين الدولة العراقية وبين الحالة العراقية الآن أنا قاربت بين الكليات، وليس بين الجزئيات، قصدت تحكم رجال الدين بالدولة والذي هو نموذج أقل تأثيراً من النموذج الإيراني الذي يقود فيه الدين جميع مفاصل الدولة.