ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الدين والديمقراطية

حكمت البخاتي

موقع الدين

يعكس خاتمي في سؤاله حول (موقع الدين في عصرنا)(1) موقفا ايدلوجيا يهدف الى تحديد صيغة تعايشه او صورة منسجمة مع عصر امتلكت زمام التفكير فيه تساؤلات نقدية تناولت كل بديهات الفكر وقواعد المعرفة وشملت الدين في اطره المعرفية وطبيعة أثره في حياة الانسانية عموما وحياتنا الاسلامية خصوصا ضمن امتداد جغرافي وسياسي اصبح بحكم ستراتيجية موقعه مؤثرا في مفاصل السياسة والاقتصاد ولاعبا رئيسا في قضية الامن الدولي وان لم يرتق الى مستوى التحكم والادارة في توجيه الحدث سياسيا واقتصاديا واخيرا امنيا وان كان بنسبة محدوده يستطيع ان يؤثر في اتجاهه وهو ما يشكل عبئاً عليه اكثر مما هو وسيلة كسب سياسي بالنسبة اليه.

وعلى اثر المتغيرات الدولية زاد اهتمام العالم باقطابه المحركة واطرافه المتحركة في زحمة تنافسه السياسي والاقتصادي بقضية المؤثرات المفصلية في السياسة الدولية. ويتصدر طليعة هذا الاهتمام محاولات معرفية وعلمية بخصوص دراسة ومعرفة مصادر التاثير في الحراك المفصلي في المنطقة وانتشاره  الى مناطق اخرى خارج حدوده وقد ادرك عالم اليوم (الذي هو باختصار شديد حضارة الغرب) وعبر تجارب تاريخية عديدة معاصره. ان مصادر هذا التاثير تكمن في ثقافةالاسلام والى حد مؤثر قضية يسعى الايديولوجيون الاسلاميون الى تكريسها في خدمة الصراع مع الغرب، منظورا الى ما تمتلكه من قدرة  وثوقية في شعار (الاسلام هو الحل) في تصور الاسلام السياسي، وعند الاخر مجرد قدرة تجييشيه لاتقدم حلاً سوى تحشيداً يؤدي الى تأزيم الصراع مع الغرب بصورة اكثر ايدلوجية وابعد غورا في رسوخ حالة من العداء الذي تم  التنظير له وتبريره في اطروحة (صدام الحضارات).

وعلى اساس هذه الخلفية دخل السؤال حوله في حلقة الحوار بين الغرب بحضارته والشرق بثقافته ويوم كانت حضارة الاسلام هي المنجز السائد في العالم آنذاك لم يطرح هذا السؤال عن موقع الدين الذي هو الاسلام واهميته في الحياة لأنه كان قائدا بطبيعة قوته الحضارية ونفحته الروحية وسلطة امبراطوريته الواسعة وهذه السيادة كانت تمثل موقعه وأثره انذاك في ريادة الزعامة الكلية وهو ما يفسر ظهور مصطلحات ذات منحى سياسي في تراثه الديني مثل (الامامة ـ الولاية ـ والسياسة الشرعية ـ والاحكام السلطانية) وكانت أمته خير امة اخرجت للناس شأنها شأن كل امة امسكت بعنصر البناء في خضم التحولات الحضارية ولكنها تفوقت في القدرة على الامساك بهذا العنصر حتى في حالة التدهور الحضاري بعد ان نسجت منظومة عقدية كاملة حول موقع الانسان في الخلق وفلسفة وجوده.

بثنائية الاستخلاف (جاعل في الارض خليفة) العهد (وعهدنا الى بني ادم) وقاعدة الاستعمار في الارض (واستعمركم فيها) وهي قيم تشكلت في اطار رؤية دينية وترسخت في بنية المقدس في ذاكرة الامة وامتازت به عن بقية الامم وحضارات الكل الانساني وحتى بلغ الانسان درجة الاستخلاف ويوفي بعهده ويستعمر ارضه وعمارة الارض جنبة عملية في جوهر التحضر كان لابد لهذا الانسان ان يكدح (يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا) وهو خيار التزمته الامة امام تحديات المصير فكانت خير امة اخرجت للناس.

ولكن دخلت عتمة التاريخ بعد اختيار الهزيمة وأفول معنى السعي في حياة المسلمين ومن هنا صار السؤال خيارا لابد منه.

اذن فالسؤال عن موقع الدين واهميته هو نتاج تغيرات سياسية وتحولات اجتماعية كبرى اجتاحت حتى جغرافية عالم الاسلام الذي بدا مهتما اكثر من غيره بهذا السؤال ومن الطبيعي ان يكون الجواب متاثرا بالمعطى الثقافي المعاصر والناتج عن هذا التحول الكبير وقد حمل خلاصات الفكر الانساني. وكانت نهاية التاريخ عند فوكوياما جوابا غير مباشر على هذا السؤال  الذي اصطدم بقوة انبعاث العولمة وقد اختصرت مسافة الكون في تقنية المواصلات وثورة المعلومات وصارت الافكار بين التجاذب احيانا والتنافر غالبا فكان الحوار عند بعض والصدام عند اخرين يعبر عن هوية كل طرف يحاول تجديد موقع الدين من خلال اجابة تنبني على موقعه الثقافي والسياسي والاقتصادي مع التركيز على اهمية من الاولوية في الحضور وتبني الموقف المطلوب.

 

تحوير السؤال

وبحسب موقعه يبدأ خاتمي في تحوير السؤال قليلا (حتى يحظى باهتمام كل الذين يراودهم هاجس الحياة الانسانية من غير المسلمين )(2) في مشروع الحوار لديه ويعيد صياغة السؤال بدقة اكبر فيقول (اين موقعنا نحن في عالم اليوم)(3).

ويبدو ان افتقاد السيادة بالنسبة إلى الاسلام او الحاكمية التي عبر عنها ابو الاعلى المودودي عن هذه السيادة في رأي كمال ابو المجد. واختفاء قيادة تاريخية وأثره هذه القيادة في متطلبات الاجابة حول الدور ـ المسؤولية، وهو مصدر السؤال عن هذا الموقع للدين الذي تمثلناه فصار موقعنا نحن في عالم اليوم وهو موقع يتصف بالهامشية بعد ان افتقدنا الدور الذي كان لنا في حضارة مضت. ويسعى خاتمي الى استعادة هذا الدور بعد تأسيس موقع لنا في التاريخ المعاصر. وهذا ما نلمسه بوضوح في مطالعاته. ومن شروط نجاح هذا المشروع التساؤل الذي يعني (النقد في احدى صوره) حول حامل هذا المشروع الذي هو (الدين) فهو يتساءل عن الدين (بصفته مسلما غير محايد ولكن جزءاً من هذا التساؤل او النظر الى الدين لا مندوحة ان يكون من الخارج)(4)، وبهذا يكون الخارج مرجعية ضرورية في تكوين المعنى وفهم الدين. حين يعد ان لا مندوحة عن النظر الى الدين من الخارج. وهذا تحول مهم في تغيير وتوجيه مسار الفكر الاسلامي ومنهج التفكير في انتاجه لانه يمثل قطيعة مع نهج في التفكير ساد ازمات حضاراتنا واعتمد على منطلقات الداخل في الفكر دون الخارج منه يقينا بامتلاك الحقيقة وانغلاقه على ما توفره له انساقه الفكرية المتكاملة من اجابات وحلول يستغني بها عن اهمية كل سؤال يفد عليه ويسوقه فكر الخارج وقد اصيبت ذهنية الداخل بعطالة السؤال مما اورث يقينية فكر الداخل، وبذلك يسقط هذا الداخل بكل صوره في شرك النظرة الذاتية العمياء التي حرص خاتمي على ان لايقع فيها من خلال النظر من الخارج واشراك الاخر في حواره ولكن اذا كان لامندوحة عن النظر من الخارج ومخاطبة كل من يحظى السؤال باهتمامه من غير المسلمين فان هذا يقتضي حوارا متواصلا ووضوحا في الرؤيا لدى المخاطب، ان هذا المخاطب ليس اسيويا او افريقيا او مسلما اخر في تطبيقات خاتمي الحوارية وان كان يشمل في تنظيراته كل من يحمل هاجس الحياة الانسانية عندما يختصر الحوار بانتمائه الى عالم اليوم الذي هو حضارة الغرب تحديدا عند خاتمي هو ما يؤدي بطبيعة الحال الى اختزال الحوار مع مراكز تتبوأ وتمتلك مواقع القوة وتهميش اطراف تنسجم وثقافة الاسلام موضوع الحوار ومعادلة ويفترض ان يكون هذا الانسجام وعاء ثقافة الاطراف في عصر العولمة بما تمتلكه من عناصر تكوينية تدخل في بنية تركيبة الشرق المحاور (المتكافئ ـ الفاعل) في مواقع الحوار ويسهم تفعيل هذه العناصر الثقافية في تشكيل موقع ايجابي يتجنب احساس الدونية ويؤسس لغة حوار بناء بين مكونات عالم اليوم الذي هو اوسع مما رسم خاتمي حدوده باطرافه المتعددة ومراكزه المتوحدة في خارطة العولمة، وهي مراكز تحددت في جغرافية الغرب حصرا حسب املاءات عصر العولمة.

 

تقنية الحوار:

تمتلك تقنية فكر الخارج ونتاجه المعرفي جزءاً مهما من امكانية الجواب اذ لامندوحة عن النظر من خلاله حسب خاتمي بعد امتلاكه سيطرة كبرى على عالم اليوم. وفي تصور خاتمي لهذا العالم ـ عالم اليوم ـ فان هويته هي حضارة الغرب بما تمثله من سطوة ثقافية وقوة حضارية تكونت من خلال تجاوز الارتباك في مسيرته بفعل (انسجام تام بين ثقافته ومعطيات حضارته) وبهذا نأى بشخصيته المركزية عن اهتزازات لازالت تعاني منها ثقافات اخرى وتجمعات كبرى وهو سمة بارزة في ثقافتنا الاسلامية ووعينا الشرقي، وقد ظهر هذا الانسجام واضحا في منحى ثقافتنا السياسية بعد احداث 11 ايلول سبتمبر في اعلان جريدة اللوموند الفرنسية إذ جهرت (كلنا امريكيون) وزلة لسان بوش في اعلان بدأ الحرب الصليبية الجديدة.

ويبقى سؤال اخر مشروعا حول مد ى انسجام شخصية الغرب في ازمات دولية وحروب كونية عصفت باخلاقه وحضارته ولا شك انها احدثت اهتزازا في بنائه النفسي وبنائه الثقافي تمثلت في موجات من الفكر انساقت باتجاه هزيمة المعنى في افكار ما بعد الحداثة وحفريات في تاريخ فكر هذه الحضارة فنَّدت مقولة (مركزية الذات الاوربية) التي كان لها دور لا يغفل في قوة تماسك هذه الشخصية وتجاوز حالات الاهتزاز، فاذا اوشكت على الهزيمة عملت على ابادة اطراف لا تدور في فلك هذه المركزية وفي تدمير مدن (هيروشيما، ناكازاكي) ومحارق اليهود في المانيا النازية وتشريد شعب فلسطين، شاهد على مركزية هذه الذات في عدم الاهتزاز امام اخطر تحديات الحضارة التي هي تحديات اخلاقية وقيمية بالدرجة الاولى  وهو يتفق وما ينتهي اليه خاتمي في التشكيك  على قدرة هذه الحضارة على (تحقيق النهاية المرجوة وقيادة البشرية الى بر الامان ).

 

استيعاب الجواب

هناك تساؤل اخر مشروع على هامش همومنا وفي اعقاب تجاربنا الحديثة في التاريخ حول ما نشهده من جنوح الى شعارات (الديمقراطية، العلمانية، الليبرالية) وجاهزية حلول المؤسسات الدولية الكبرى وهو ما يذكرنا بجموحنا قريب العهد  نحو شعارات وايدويولوجيات اليسار والقومية والدينية. سؤالنا المشروع هو مدى قدرتنا على استيعاب جواب الخارج هذا او استعارة حلوله؟ وهي لاشك اجابات وحلول مؤثرة ومهمة في تجاوز الراهن من مشاكلنا وتوجيه قضايانا المصيرية. وتساؤلنا هذا ينمو في اجواء من اهتزازات في الشخصية لا زالت تخضع الى جدلية ثنائيات (الاحالة / الابداع) (التجديد/التاصيل) (القديم/ الحديث) وهي جدلية خلقت ازدواجية الرؤيا والسلوك توثيقا او تلفيقا في احسن انتاجها. او اورثت التغريب ومن ثم الانفصال والتطرف واخيرا الانتحار في اسوأ انتاج لها. ويعود هذا الاهتزاز عند خاتمي الى انتماء ثقافتنا الى عصر حضارة غابرة وتأثر هذه الثقافة بحضارة حديثة (لم تأخذ باسس هذه الحضارة مما جعل ازمتنا تعادل ضعف ازمات الغرب) ويفترض انسجاما تاما في اسس هذه الحضارة وثقافة شعوب الغرب واكثر ما يدعو الى التشكيك في أنموذج الانسجام الذي امتلكه الغرب وشدد عليه خاتمي في طرحه هو اختلاف الرؤية المعرفية والسياسية حول اهم انجاز قدمته هذه الحضارة في العصر الحديث ويدور حول مفهوم الدولة الحديثة اذ تفترض  العلمانية الفرنسية ان الدولة حاملة لفكرة المواطنة ولا تسمح ان تكون المبادرة في ما يتعلق بالقيم الاخلاقية محتكرة بالكامل من المجتمع)(5) وبذلك اصبحت الدولة العلمانية تمارس زرع الافكار الاجتماعية بقنوات سياسية ووسائل قانونية. في الوقت الذي احالت فيه الدولة الليبرالية مهمة صياغة القيم الى مكونات المجتمع المدني الجماعية، واعتبرته المكان الوحيد لتشكيل هذه القيم واكتفت بدور دركي يضمن عدم تحول المجتمع المدني الى (حرب الجميع على الجميع)(6) وهو تصور له حضور شديد في الولايات المتحدة ). واختلاف الانسجام هذا قد يؤثر على قدرتنا في استيعاب الجواب اذا اعتمدنا على تقنية الخارج في استحضاره بشكل آلي او عده أنموذجا احاديا لا يمكن تجاوزه.

وحتى  لايحدث الانسداد في افاق التحولات ويكون بالامكان تجاوز هذا الارتباك وتنمية استعداد بناء الذات في ازاحة الاهتزاز الذي نعاني منه.

يخلص خاتمي الى امرين يكون النقد هو المحرك فيهما وهما:

اولاً. نظرة نقدية  الى التراث والاستعداد لتقبل التغيير فيه. وهذا هو الاهم.

ثانياً. النظرة النقدية للحداثة بوصفها مرحلة عابرة في تاريخ الانسان. وليس اخر مراحل تكامل التاريخ وهو شرط الثقة بالذات والايمان بان التاريخ لايعرف له  نهاية  وانما  هو دائما  يبتدئ  ويتجدد  ونهايته  هي عين بدايته (وتلك الايام نداولها بين الناس).

 

الهوامش

1. خاتمي، محمد، مطالعات في الدين والإسلام والعصر، ص19.

2. م. ن، ص20.

3. م.ن، ص20.

4. م.ن، ص20.

5. هاشير، غي، العلمانية، ص74.

6. م. ن، ص75.