ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

تداخل المنهج ونقد الخطاب الديني

علي السيد خصاف

يتحدد النقد الاساسي لنقد الخطاب الديني عند  الدكتور نصر حامد بأربع آليات (تقوم على أساس عناصر ثابتة أساسية غير قابلة للنقاش في القلب منها منطلقات هي الحاكمية والنص).

نحاول ان نستعرض هذه الاليات والثوابت مع بعض الملاحظات التي نستمدها من الطموح لاشاعة خطاب ايماني لا يعتمد التفسير القسري ويجعل للذات الانسانية المكانة الاولى في فهمها. الالية الاولى عند الدكتور (التوحيد بين الفكر والدين والغاء المسافة بين الذات والموضوع) ويفسر الدكتور المضمون لهذه الالية بوجود فاعلية خاصة للنصوص الدينية في زمن الرسول(ص)، وان ثمة مجالات اخرى تخضع لفاعلية العقل  البشري والخبرة الانسانية، وبعد ذلك يسحب الدكتور النتيجة لكي يعارض بها الخطاب الديني الحالي والذي يمد الفاعلية للنصوص الدينية الى كل المجالات  متجاهلا الفروق التي صيغت في مبدأ (انتم اعلم بشؤون دنياكم) ولست بصدد مناقشة الدكتور لنقده الخطاب الديني بشكل مباشر بقدر ما انا معني بالمنهج الذي يتبناه الدكتور في تحديد فرضياته المعرفية فمن المعلوم ان المنهج الذي يتبناه الدكتور هو المنهج البنيوي والذي يستند الى تعارضات اللغة وتفاعلاتها واعطاء الاولوية للنسق التعبيري وعدِّه المحدد  الاساسي لقيمة اللفظ  وينطلق المنهج البنيوي من رفض العلاقة بين المفردة ومعناها اي انه يقول باعتباطية الاشارة كما أسس لذلك (دي سوسير). في نظريتة لاصول اللغة وطوَّر (ياكبسون) في تحليلاته النظرية للفهم البنيوي في دراسته لمرض (الحبسة) وتفسير العلاقة بين التتابع بالربط بين اتجاه افقي بالكنية واتجاه عمودي بالاستعارة ثم انتهى الى انثربوولجية (ليفي شتراوس) التي اسسها على نتائج هذه الدراسات مع المزج بين المنهج الجدلي الماركسي ونظرية (فرويد) التي ينتهي بها (ليفي شتراوس) الى صياغة الواقع الاجتماعي في مجموعة من اللغات  يجعل فيها (لغة الكلام) الاصل وان التركيبة الافقية العمودية اساس لتفسير الاسطورة كما هي لغة لفهم الانشاءات التكوينية وتوسع هذا الفهم على يد المنظرين الذين انتظموا تحت الفهم البنيوي. بعد توسيع دراسات (السيموطيقا) علم الاشارات والامر الرئيس (التقابل ـ الراسي ـ الافقي) يحدد لنا السمة العامة للتحليل البنيوي كما يظهر في كتابات البنيويين بوصفه ظاهرة عامة والامر كما قلت في مكان اخر(اي التقابل الراسي الافقي) مسألة تصورية بشكل مطلق فلا أحد يعتقد ان هناك تنظيما افقيا او رأسيا في النشاط الدماغي وان الانتخاب للمفردة استعاريا او ربطها كنائيا مسالة تنميط ذهني خالص.

ان العقل يفكر نفسه في عموم التجربة الانسانية والتعبير (الافقي الراسي) وصفي لصيغ الانتقاء والضم وعمليا  فاننا نخطط دائما  لتعريف المواضيع والمواد ضمن نسق تنظيمي  يعتمد الصيغة ذاتها  وقد رد على (ليفي شتراوس) بان تفسير الاسطورة وفق هذا التحليل  من قبيل الدور اي انك تفرض فهما تحليليا ثم تتوصل اليه عند التطبيق وهذه واحدة من نقاط الضعف في التصور البنيوي كما هي مسالة التعارضات الثنائية، الذاتي/ الموضوعي، الني/ المطبوخ فبعد فرضها  تلحق بمصطلح (العلاقة الجدلية) لكي يتاح لهذه الثنائيات ان تؤدي الى ما يراد لها من فهم  رغم ان الاساس في مفهوم التعارض عند (سوسير) هو محاولة اعطاء مفردة ما جزءاً من القيمة وان كانت القيمة الحقيقية عنده تظهر من خلال السياق الا ان بناء الذهن وفق التصور البنيوي يحمل هذه السمة اي التوصيف الاثنيني واختصار المعالجة  بطرح (ان الموضوع ينتج بعلاقة جدلية) ورغم ان مفهوم (العلاقة الجدلية) لم يحدد له معنى متفق عليه حيث يذكر بهذه الصيغة. نعم ان الفهم الجدلي  بصورته الهيجلية او التوسع الماركسي له معلوم ولكن  طرح المصطلح اذا استقرئ في ادبيات التعبير ترك ليدل على عملية التفاعل المنتجة دون الاشارة الى فهم معين او موقف معين من التفسير الهيجلي او الماركسي له ان الجدل في ضمن التصور والتفسير المطروح ينطلق من مفهوم وحدة  الاضداد او تفاعل المتناقضات للخروج من التركيبة بنتيجة مغايرة للموضوعات المتضادة او المتناقضة. ومن الناحية الفلسفية نرى وجود سوء فهم وخطأ اصطلاحي إذ ان الادبيات المفسرة بتساوي معنى الضد لمعنى التناقض امر غير صحيح لان التناقض لايمكن ان يجتمع لانه يحدث ضمن الشيئ نفسه أي الوجود وعدمه متناقضان ولكنهما غير متضادين الواقع يحتمل التضاد ولكن التناقض يستدعي الأستحالة لأنه يتعلق بذات موضوع ما أذن كيف يمكن أن تنتج لنا مرحلة متقدمة او فهماً اكثر دقة، ومن الناحية العلمية وتجريبياً لم تكن النتائج في مجمل النشاط الأبداعي الأنساني على مستوى العلوم والتكنولوجيا إلاّ ضمن رفض مبدأ التناقض كقاعدة منطقية للإستقراء العلمي كما ان التطور المعرفي واقعياً يستند الى رفض ما هو خاطئ واستبدالهُ بما هو اكثر قدرة على التفسير فلم تكن قوانين (كبلر) متضادة او متناقضة مع ارصاد (غاليلو) لكي ينتج لنا نيوتن قوانينه الجوهرية في الجاذبية والحركة، كما ان نسبية انشتاين لم تكن الا توسيعا مؤسسا على قوانين نيوتن من خلال الجوانب التي لم تستطع قوانين نيوتن ان تفسرها ونحن نعلم ان قوانين نيوتن صحيحة وواقعية الى جانب نسبية انشتاين وهكذا. وبالرجوع الى موضوعنا الاساس وهو آليات الدكتور (نصر حامد)، وآليته التي تحاول ان تؤسس لانفصال معرفي بين فاعلية النص وذات المسلم آبان العصر الرسالي فان عرضاً يسيراً لمفهوم العقيدة يمكن ان يؤدي الى رفض مثل هذا الضغط المفاهيمي والفصل التعسفي بين فكر المسلم المعاصر للرسول والقيم التي تبناها، لان التبني الفكري (الاعتقاد) هو تسليم ذاتي لمنظومة من الافكار يجعل منها معيارا في النظر الى الماحول من الواقع والوجود وهذا هو معنى الاعتقاد بالمفهوم التقليدي المعروف، فالاسلام لم يكن موضوعا مطروحا لكي يقيم بفكر مؤسس على ارضية مختلفة، بل ان الفهم الاسلامي والتقبل للرسول(ص) بوصفه الممثل لهذا الفكر كان هو الارض التي تنطلق منها طبيعة العلاقة بين الانسان وعقيدته واعتقد ان الرجوع الى الامثلة التي كانت تمثل طبيعة الطليعة الاولى للمسلمين وانغماسها الكلي في طروحات القرآن والرسول توضيح لما نعنيه، ان اي عملية اعتقاد او تبني لاي فكر او منظومة من القيم تعني التكييف العقلي والنفسي والاخذ بمسلمات هذه القيم وأعتقد ان المسالة من الوضوح بما يكفي، يمكن ان نعتبر آلية (هدر البعد التاريخي التي يعتمد عليها كجزء من المواصفات السلبية لدى الخطاب الديني الحالي من وجهة نظر الدكتور آلية تنطبق على خطاب الدكتور نفسه الذي يحاول في آليته الاولى (التوحيد بين الفكر والدين والغاء المسافة بين الذات والموضوع) ان يسحب فيها مرحلة تاريخية معينة لها صفاتها العقائدية والاجتماعية بان يعرفها بهذا الشكل ويجعل من نص آليته مفتاحا للتعريف بها ومن ثم جعل هذه الحقبة بعد أدلجتها بصياغة مفهومة حكما على منجز او صياغة الخطاب الديني كما يفهم هو في الواقع المعاصر لان مما توحي به صياغة الدكتور لآليته محاولة فصل الشخصية المسلمة عن اطارها العقائدي في زمن الرسول والايحاء بان هناك قواعد فكرية ونقدية ومعيارية تعرف للذات المفكرة بمعزل عن العقيدة التي تبناها هذا الانسان، وهو تشوية وابتسار كما ينقد الدكتور الخطاب الديني الحالي، وهذا لا يعني اجحاف بحق تقدمية العقيدة الاسلامية كون ان التبني العقائدي المطلق عند المسلمين الاوائل ادى الى تغيير البنية الاجتماعية والى وضع اسس ومعايير اكثر انسانية وايجابية لعموم الحياة وهذا لايعني انكار خلاقية الذات المسلمة او مصادرة حقها في التامل والتدبر لانه من ما حث عليه القرآن الكريم فلا احد ينكر وجود التساؤلات الذاتية او حتى بعض الاحيان الاستنكارات الشخصية من بعض المسلمين والمتأتية في اغلبها اما من عدم وضوح في الرؤيا او محاولة للفهم بشكل ادق او لفهم حدود الوحي او الاجتهاد ممكن بل والاعتراض غير النزيه كما هو معلوم عن مصطلح (المنافقين في المدينة) ولكن سمة المجتمع آنذاك الاندفاع نحو التطابق بين الشخصية والقيم التي اعتنقوها.

 الآلية الثانية: رد الظواهر الى مبدأ واحد:

ويعرفها (بكونها تبدو واضحة في وهم التطابق بين المعنى الانساني (الاجتهاد الفكري) الآني وبين النصوص الاصلية والتي تنتمي الى الماضي (على الاقل في لغتها) و(ان التوحيد بين الفكر والدين ادى الى التوحيد مباشرة بين الانساني والالهي، واضفاء قداسة على الانساني والزماني) وبملاحظة يسيرة نرى ان مدلول هذه الآلية مطابق او متوحد مع مدلول الآلية الاولى وقد اعترضنا هناك على الدكتور بان الايمان (اي ايمان) يكون ضمنياً بتوحد الفكر مع الفكرة او الموضوع الذي آمن به الانسان وان ما يمكن ان يكون الاكثر دقة في نقاش الدكتور الخطاب الديني هو القول بانه يفرض الاجتهاد او الفهم في ضمن رؤية معينة ومحاولة توسيعه كقاعدة اساسية او تصور اوحد للدين والرأي بهذه الصيغة يكون اكثر دقة علمية كما انه يحدد معرفيا حقبة الرسالة الاولى بعدّها حقبة نزول الوحي والفهم المباشر والتطبيق الذي كان يتبناه الرسول دون وجود تطابق تاريخي بين مرحلتين تاريخيتين تاريخ الفهم المباشر زمن الرسول وفترات الاجتهاد والتفسير فيما بعد والذي يؤسس لفهم اكثر دقة دون تضبيب الفهم وضغطه ضمن آلياته التي تبدو حين ذاك بعيدة عن منطق التفسير العقلاني والعلمي الدقيق، كما ان المعايير الدينية العامة والملتصقة بالتقاليد الانسانية من تمتع الانسان المسلم بالوجدان الاجتماعي التي تؤسس للتكافل الاجتماعي او قدسية نظام الاسرة ومعيارية الاخلاق وهي مما اثبتت التجربة الانسانية كلها ايجابيتها وضرورة التمسك بها تندرج في ضمن الخطوط التي تتجاوز النقد بهدر البعد التاريخي كونها معايير تتجاوز الآني او المرحلي في تقدميتها وضرورتها لاي مجتمع انساني مثل هذه المعايير والتطابق مع النص الديني ضمنها لايجعل من ذلك توحيداً بين الالهي والانساني لان الاسلام او التسليم لمثل هذا الطرح في النص الديني ذو بعد اجتماعي انساني يتماهى مع الارادة الالهية. ان اضفاء الالهي على الاجتهاد مسألة تحدد بظروف الاجتهاد للذي يدعي شمولية تفسيره المعاصر وهذه مسألة بعيدة عن امكانية تحديد ما هو مقدس ضمن التعريف بما هو مقدس والهي وماهو اجتهاد بعد ضرورة عدم الرضوخ لدوغمائية الدكتور في فهمه وخلطه واعزو ذلك الى طبيعة المنهج التبسيطي والرضوخ الى آليات الخطاب البنيوي الذي يعتني باقامة منظومة خطابية شكلية تفتقد الى القدرة على الخروج من اطار التنظير الألسني السياقي الذي اختزل نظرية المعرفة بل وحتى رؤية العالم الى ابنية لغوية يبحثون من خلالها عن الابنية العقلية التي لم تنتج لنا الا ما بعد الحداثة وتفكيكية البناء النظري البنيوي ككل وعلى المستوى الانساني انتهى الهم الفلسفي الى مشكلات تعبيرية واضمحلالية المبدع بالخضوع لتذويب القصد في الانحياز والابداع الانساني والتاسيس للاادرية حديثة في صلاحية القارئ للتفسير الشخصي للمنجز الفكري دون ثوابت.

 الالية الثالثة:الاعتماد على سلطة التراث:

تحت هذا العنوان يشير الدكتور الى ان مبدا الحاكمية قد أسس من  معاوية بن ابي سفيان بنصيحة عمرو بن العاص في حربه مع الامام علي(ع) وليس هم الخوارج كما يروج له الخطاب الديني المعاصر وبذا فقد اسس للسلطة على مبدأ الحاكمية عند الامويين مما انتج مقولة (الجبر) ومن ثم ادى الى الغاء او اهدار قانون السببية في وجهة نظر الغزالي. من الطبيعي انني احاول ان ادفع باتجاه فصل المفاهيم ووضع المصطلح ضمن سياقه وفق فهم المنهج العلمي القائم على اساس الاحتكام الى القيمة الاحتمالية لاي فكرة وتعضيدها ايجابيا بالادلة والبراهين وبفهم تجريبي وانساني وبالسلب لأنه لا يوجود مرجع معرفي او علمي وبهذا فان الوجود كل الوجود خاضع للمنهج العلمي وفق هذا الاساس المنطقي للاستقراء كما ان الحاكمية اذا كانت تعني ان الرجوع في الحكم الى الخالق عزّ وجلّ على وفق النص القرآني الكريم مسألة لا اعتقد انها تحتاج الى سجال واسع او تغطية بحوادث تاريخية فالنص واضح في هذه المسالة ولكن تقييد الحكم او الحاكمية بالله لاتعني رضوخ المتغير الاجتماعي لفهم اجتهادي في مرحلة من مراحل حراك المجتمع الاسلامي كما هو عليه الاجتهاد في الخطاب الديني المعاصر ويمكن ان نختلف اجتهاديا ولكن لايمكن لاي جهة اجتهادية ان تجعل من نفسها سلطة تفسر مورد الحاكمية وتنطلق في التطبيق بوصفها ممثلة شرعية لان الشرعية الوحيدة لتفعيل الحاكمية كانت متحددة في شخص الرسول(ص) ومع وجود مذهب اسلامي يقول بوجود خلفاء او ائمة بعد الرسول يتمتعون بخصائص التمثيل الشرعي للحاكمية الا اننا نعلم جميعا بانه في الوقت الحاضر لايوجد من يستطيع ان يدعي ذلك. هذا التوضيح يمكن ان يكون مدخلا لفض النزاع وحسم نقاشات تستند الى ادلجة فكرية سواء كانت خطابا دينيا او فكريا ليبراليا ولا يمنع بهذه الحالة اي مجتمع انساني ان يرضخ لمنظومة من القواعد المنتقاة من الشرع الاسلامي بوصفه اجتهاداً يلبي طموح هذه الفئة بعد ان قبلت به، ولانستطيع ان نرفض ذلك بدعوى مغايرة اذا كان الاجتهاد لا ينعكس على الحركة الاجتماعية الانسانية بالسلب بل يعبر عن مستويات من الفهم تتلاءم و الخط القرآني في جوهره وبعده الانساني والتربوي رضوخا لحرية المبدأ و العقيدة.

اذن الحاكمية مسالة ثابتة للخالق في ضمن التصور اعلاه وكون استغلال السلطة الحاكمة لهذه المسالة والخروج بمفاهيم كالجبر والانتهاء عند الغزالي بأهدار قانون السببية مسالة تعبر عن طبيعة الصراع الاجتماعي السياسي في التاريخ الاسلامي ودراسة امكانية وجود مدارس تؤسس او أسست لفهم مغاير لمسالة قائمة تمثلت في اختلاف الرآي منعكسة في علم الكلام والخطابات المذهبية المتعددة. واعتقد ان فهم الحاكمية بما شرحنا يمكن ان يكون وقفة ذهنية مؤسسة للكشف عن قرب او بعد توجه فكري ما عن الفهم الواضح والعلمي لاسس الصراعات المذهبية.

 

الآلية الرابعة: اليقين الذهني والحسم الفكري.

يشير فيها الدكتور الى التلاحم العضوي بين هذه الآلية وآلية (التوحيد بين الفكر والدين) ويتلاحمان عنده ليقودان الى المسارعة بتجهيل الخصوم احيانا وتكفيرهم احيانا اخرى ولا ادري ما الذي يريد ان يؤسس الدكتور له تحت هذه الآلية؟ وهل هي من خصائص الخطاب الديني الذي يناقشه؟ ام ان فرض الرأي والحسم سمة تتداخل في جميع المناهج التي وجدت لها مجالاً تطبيقياً على ساحة الارض وعبر عنها بسلطة حاكمة وجمهور وان هذا الخطاب جزء من مجتمع بني على اساس فلسفة حكم ترى ان لها الاحقية في فرض رؤيتها على الواقع بحسم يقيني وتجربة انسانية عامة وامتصاص مثل هكذا اسلوب في الفهم ناتج عن تقاليد العملية السياسية  الاجتماعية بتراكماتها التاريخية في عموم الساحة الانسانية والقبول بالاختلاف والمخالفة بالراي بالشكل الذي يؤسس له الانسان الان. فهل كان من العسير ان يجد له مساحة ضوء كافية لكي تنمو في مجمل الساحة الانسانية ونعلم جميعا كيف تاسس المجتمع المدني الحديث بعد حروب ودماء ولازال هذا الحسم على المستوى الفكري متجسدا في التيار الفكري البشري وما يخاطب به التيار الذي يناقشه الدكتور يجب ان يشار اليه في كل العملية النقدية في المنجز الانساني في نفس الوقت الذي يؤسس المفكر العربي الليبرالي للقبول بفكرة ان الطرح العلمي بالفهم الجدلي قائم على التناقض وان التناقض يستطيع ان يخلق مركبا ايجابيا في فهم الحياة ومن الطبيعي ان الفهم العلمي كما اشرت يستند الى ما لايمكن ان يرتبط بشكل من الاشكال بالفهم الجدلي الذي يتبناه الدكتور او مفكري العرب بالتبعية الفكرية للنتاج الاوربي دون وجود نظرية نقدية تستند الى الاسس العلمية العقلية وليس الى ربط صفة (علمي) لاي تحليل ونستطيع ان نحسم يقينيا بعدم وجود ثمرة نقدية او خلق لنظرية نقدية عربية من خلال هذا الحسم في تابعية المنهج للمناهج الاوربية في مجالات الفكر والسياسة.

نعم نستطيع ان نتخلص من قوة الحسم اليقيني اللاعلمي حينما نؤسس لمفاهيم لا تستند الى هذا الفهم من خلال فرض رؤية منهجية معينة على الواقع الفكري او السياسي بل نرضخ ليقينية قبول المخالف والاختلاف مع دراسة المناهج المطروحة وفق الفهم الاستقرائي وهو غير ما فرضته التحليلات في الفكر العربي الليبرالي من تبعية معرفية وقسر مفاهيمي واصطلاحي لقولبة الاشكاليات الناتجة عن حراكنا الاجتماعي وخلفيتنا التاريخية مما يؤدي الى استنتاجات تمزج بين الفرض الصحيح والرأي الخاطئ.

يتطرق الدكتور بعد ذلك الى آلية اهدار البعد التاريخي التي المحنا الى معناها عنده وان تطابق الفهم للمعايير في النص القرآني بابعادها الكلية مع مجمل المنجز الانساني الاخلاقي والقيمي مسالة يجب ان تاخذ بشمولية التجربة الانسانية دون محاولة تأطيرها كونها قد نص عليها ضمن مرحلة تاريخية معينة والا فاننا سوف نحتاج الى تأويلات وتناصات جديدة للابعاد الانسانية وهكذا فالبعد الانساني القيمي سواء طرح من خلال المنظومة الدينية او الفهم المعرفي لايتساقط بل يثبت طرديا مع رسوخ انسانية التجربة البشرية، وقد المحنا الى حل للاشكال في هدر البعد التاريخي بين النص والاجتهاد اما بالنسبة إلى المنطلقات التي حددها الدكتور وهي الحاكمية اولا، فقد ابدينا بعض الملاحظات واعتقد انها معبرة عن فكرة متوازنة والمنطلق الثاني وهو النص: فيقول الدكتور(ان القرآن نص مقدس من ناحية منطوقة لكن يصبح مفهوما بالنسبي والمتغير اي من جهة الانسان ويتحول الى نص انساني (يتأنسن) النص منذ لحظة نزوله الاولى اي قراءة النبي له (لحظة الوعي) تحول من كونه (نصا الهيا) وصار فهما نصا انسانيا) ويقول (ان فهم النبي للنص يمثل اولى مراحل حركة النص في تفاعله).

بعد هذا القول من قبل الدكتور كيف يمكن فهم النص بعد انسنته؟

يقول الدكتور في نص اخر(وليس ثمة عناصر جوهرية ثابتة في النصوص، بل لكل قراءة - بالمعنى التاريخي الاجتماعي - جوهرها الذي تكشفه في النص). ما الذي يمكن ان يحدد لنا الثابت والمتغير في نص ما حين لايكون ثمة عناصر جوهرية ثابتة؟ وما الذي يمكن ان نرجع اليه في النص اذا كانت القراءة بمعناها التاريخي الاجتماعي هي المعطى المكون للدلالة؟ وكيف يمكن ان نقارن هذا الحسم اليقيني البنيوي مع باقي طروحات الدكتور حول فهم دلالي مرن غير رافض للثوابت رغم ان كل منهج الدكتور لم يدلنا على ما يمكن ان يكون ثابتا في نص ما وهو بطبيعة الحال الموقف الرسمي لفهم النص المستقى من منهجية البنيوية التي انتهت الى موت المؤلف والتي تقودنا الى لا ادرية حديثة وتشكيك سفسطائي بثوابت الفهم الانساني ولأنقل نصا لاحد المفكرين العراقيين: (انتجت لنا الحداثة بخطابها الفلسفي عددا لايستهان به من التقنيات والمعلومات التي شاءت الحداثة الغربية ان تمتهنها ضمن نظام فكري محدد وداخل مجتمع تاويلي معين تلك التقنيات التي راهنت كثيرا على الثورة اللسانية بانشطاراتها اللامتناهية وما تحمله اللغة من لغة وما يحتمل الكلام من كلام وذلك من اجل تقديم القول على الفكرة والكلام على اللسان) وكلي امل مع السيد المفكر على ان اساعد التقنيات البنيوية والحداثة على الانتحار لاكثر من مرة بعد أن أمات (نيتشة) الله  واعلن (رولان بارت) موت الانسان وانهى التاريخ (فوكوياما) التي استمدها من هيجل وماركس ولكن الله لم يمت كما ان المبدع هو رب لانجازه وان التاريخ مستمر بشهادة الوجود الكوني والانساني ولسنا معنيين بافعال التشضي التي تمارسها السنية الغرب وهي محددة ضمن الشرط التاريخي للانسان الغربي اذا شاء الانسان الغربي ومنهجه ان يكون انسانا ذو نصوص لاناص لها ومؤلفات لا مؤلفين لها وحقائق بلا محقق كما يذكر احد المثقفين فما بال المفكر العربي المسلم يستعير هذه التشظية واللاادرية بذكر احد المفكرين ان ثورة السفسطة والتشكيك ادت الى بروز شخصية مثل سقراط تعيد التوازن وتحاول ان تؤسس للعقل وتحجم الشك الى المستوى الايجابي له وتعضدت بنتاجات أرسطو في المنطق والطبيعة ثم جاءت شكلية القرون الوسطى ابان نهوض اوربا محفزة لتاسيسات المدرسة العقلية الاوربية عند ديكارت وانتهت في بعض توجهاتها للتاسيس للمنهج العلمي مع فصل يتمتع بعض الاحيان بلا معقولية عند رفض فلسفي لمبدأ العلية(السببية)عند هيوم وها نحن نتحول الى (قابل) بشرط نمو تاريخ الغرب حينما لم يستطع ان يدفع بنفسه باتجاه اقامة صرح فهمي فلسفي على نتائج العلوم لكي ينتهي الى اختزال الجهد الفكري (الفلسفي) الى تنويعات السنية بشكل عام واصبحنا الحاضنة الطبيعية دون حتى الالتفات الى فهم يشكل جزءاً من المساحة المعرفية الاوربية في فلسفات التضامنية ولربما التواصلية. في الواقع بقعة الضوء الانساني في الفلسفة الاوربية قائمة اوقامت على استخلاص نتائج بحوث الفيزياء والكون للشعور ولتحديد طبيعة العلاقة بين الانسان والوجود والالسنية دون الاستناد الى ركيزة نمو المعارف تنتهي الى اليأس والموت وتصل الينا بمثل هذا التناقض والنضوب المعرفي

 المصادر:

1.  أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الديني، ط2، دار سينا، 1994.

2.  سوسير، دي، علم اللغة العام، ترجمة يوئيل يوسف عزيز، بيت الموصل، 1988.

3.  برادبري، مالكولم، ماكفارلين، جيمس، الحداثة، ترجمة مؤيد حسن فوزي، بغداد دار المأمون، 1987.

4.  كريزويل، اديث، عصر البنيوية، ترجمة، جابر عصفور، بغداد، دار آفاق عربية 1985.

5.  مونز، بيتر، حين ينكسر الغصن الذهبي، ترجمة صبار سعدون، بغداد، دار الشؤون الثقافية، 1986.

6.  ميري، خضير، مستقبل الفلسفة المعاصرة (مقال التقنيات التفسيرية للحداثة) بغداد، دار الحكمة، 2002.

7.  الصدر، محمد باقر، فلسفتنا، ط2، بيروت، دار التعارف، 1998.