ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الزهد المعماري

التماس الأخلاقي بين العمارة والدين والمجتمع

د. علي ثويني

 

تلبد أجواء العراق اليوم غمة من الانفلات الأخلاقي المسترسل من تداعيات السلطة البعثية التي كانت قد سعت إليها من ضمن سياقات عدة لنخر البنية الاجتماعية العراقية، ولغرض الإطباق و الهيمنة عليها. فرعاع ممسوخون أسهل إنقيادا من أمة تعتد بتراثها الأخلاقي وتمارس المكارم. فقد لمس الجميع مدى البذخ الذي طرأ على محيا العمارة العراقية الزاهدة ، حينما تبارى المنعمين وطبقة الأسياد إبان حقبة البعث، بالتطاول والبذخ وشاع (الدبل فليوم) الواه، وطفقت تظهر العناصر والأشكال الإستغرابية، والفضاءات المبالغة  والمعالجات الباذخة، وتداولت نفائس خامات البناء. كل ذلك جاء محاكاة عمياء لما سرى في قصور السلطة (القصور الرئاسية)، فالشعوب تبقى  على أديان ملوكها. ومبدأ الزهد في البنيان من سمات العمارة العراقية الموروثة بما تعلق الأمر بالمباشرة والإختزال وتحاشي البهرج والإختيال. وهكذا فان مكارم  التواضع و الوسطية والنأي عن الغلو و الإسراف قد أسترسلت منذ سومر، وتكرست في جوهر العقيدة الإسلامية الخاتمة. وبقى هذا المبدأ صنوا للمنهج القويم للإيمان و وجد تباعا مثل حال كل التوجهات الفكرية، صداه في العمران والعمارة الإسلامية.

مفهوم الزهد

الزهد (Ascetisme) في اللغة هو (الإعراض عن الشيء لاستقلاله واحتقاره وارتفاع الهمة عنه) كما ذكر ذلك ابن رجب(1) ، أو يرد ضد الرغبة وليس عدمها باطلاق، ومنه قولهم زهيد للقليل دون المعدوم.. ويقال "خذ زهد ما يكفيك أي قدر ما يكفيك" وبذلك فالزهد هو القليل، ورجل زهيد الآكل قليله(2) . وورد المعنى في الذكر الحكيم (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ)(3). وورد في الحديث النبوي الشريف بما يحدد تلك الصفة والمفهوم: (الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذ أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك) وقال الرسول الكريم  أيضا (أزهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)(4).

 وقد رسم الإمام علي بن أبي طالب خطابا أخلاقيا زاهدا من خلال حالتين : (الإعتدال في العيش دون الحرمان من الطيبات وهذه لعامة الناس، وإختيار الفقر والحرمان للأئمة)(5) . أو قوله بما ورد في (مرآة الزمان) لسبط بن الجوزي: (على أئمة الحق أن يتأسّوا بأضعف رعيتهم حالا في الأكل واللباس ولايتميزون عنهم بشئ)(6). والزهد لدى الإمام إبي الحسن يهدف الى إقامة مجتمع المتقين المثالي، وحدد تلك الفلسفة في خطابه الى محمد بن أبي بكر والي مصر: (أن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله،وشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، أباح لهم الله الدنيا ماكفاهم به وأغناهم.. سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت،أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا، وهم غدا جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم مايتمنون، لاترد لهم دعوة، ولاينقص لهم نصيب من اللذة،فإلى هذا ياعباد الله ليشتاق من كان له عقل، ويعمل له بتقوى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)(7).

وأورد الطبري عن الخليفة عمر بن الخطاب قوله عن الحاكم: (أن لايركب الوالي برذونا ولايأكل نقيا ولايلبس رقيقا ولايتخذ بابا دون حاجات الناس.)(8) والبرذون هو من وسائل النقل المقتناة من خاصة الناس وعليائهم. وورد عن عمر بما يخص أمور تفصيلية في البناء في قوله لسعد بن ابي وقاص عند توليه على الكوفة: (إياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس). ووردت الدعوة للزهد في الشعر العباسي عندما تصاعد الغلو في البذخ والإسراف من قبل السلاطين، وظهور الحركة الصوفية في البصرة الأموية ثم توسع منحى الزهد في بغداد العباسية:

إذا أردت شريف الناس كلهم

          فأنظر الى ملك في زي مسكين

ذاك الذي حسنت في الناس رأفته

         وذاك يصـــلح للدنيا وللدين

وورد  الزهد لدى بعض العلماء كما قال الفضيل بن عياض (الزهد هو الرضا عن الله)(9) و قال سفيان الثوري (161هـ-777م) (الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباء). ومن بواكير الفكر الصوفي في الإسلام نذكر ما قاله الحسن البصري (ت.110هـ-728م): (الزاهد الذي إذا رأى أحداً قال هو أفضل مني)(10). وجاء في الأخبار أن سأل رجل الحسن البصري عن سر زهده في الدنيا فأجابه: (إنها اربعة أشياء علمت أن رزقي لا يأخذه غيري فأطمئن قلبي وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به وحدي وعلمت أن الله مطلع علي فأستحييت أن يراني على معصية وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء ربي) . وقال الشيخ أبن تيمية ( لايحصن الأخلاق إلا الزهد ،ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي)(11). ومن مرادفات الزهد التقشف وهو أكثر من الزهد في مرتبة اللارغبة.

ومن مرادفات الزهد مفهوما "الحرص" و"الإقتصاد" وهما يعنيان الوسطية في الصرف والتصرف. ويذكر إبن خلدون في تاريخة رسالة طاهر بن الحسين الى ولده عبدالله حين ولاه المأمون الرقة ومصر ومابينهما، إذ يذكر: (وعليك بالإقتصاد في الأمور كلها، فليس شيء ابين نفعا ولا أجمع فضلا منه، والقصد داعية الى الرشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق قائد الى السعادة ، وقوام الدين والسنة الهادية بالإقتصاد، وكذا في دنياك كلها)(12).

وعكس الزهد والإقتصاد يرد الإسراف أو التبذير وهو وارد في كثير من التفاسير في اللغة والفقه الإسلامي ومنها يقول الجرجاني بان الإسراف: (هو إنفاق المال الكثيرفي الغرض الخسيس)، وفي موضع آخر يقول الإسراف هو: (صرف الشئ زائدا على ما ينبغي، وبخلاف التبذير، لإانه صرف الشئ فيما لاينبغي). وعرف التبذير إبن العربي قائلا: (أنه تجاوز الحد المباح الى المحضور)، وقال عن التبذير: (هو منعه من حقه ووضعه في غير حقه، بمعنى الإسراف)(13).

وللنصوص الداعية إلى لزهد تفسير فلسفي ينعكس من شعور المؤمن بالهوة السحيقة بين سمو الآخرة وحقارة الحياة الدنيا كما أسلفنا في رسالة الإمام علي بن أبي طالب. ويمكن ان يكون هذا سببا كافيا لأن تعلن جل الأديان كفاحها ضد الجميل لحدسها بأن ذلك الجميل يقيد الناس بالدنيا ويطمعهم بمتعتها الموجودة في الملبس والمأكل والأهم في العمارة التي هي خير محل لتفريغ حالة العافية التي تكتنف الإنسان وبذلك جاء الدين والفن الديني والعمارة الدينية موجبا على الناس خشية الخالق الضابط لتلك الجدلية. وعلى الرغم من ذلك فأن الديانات تعلن عداءها ضمنا للجميل لكنها لم تعلن عداءها "للسامي" الذي يعاضد الممارسة الأخلاقية في العقائد لما لها من تداخل مع الغيبيات التي تثنينا عن الإتيان بالقبائح. وكان من وراءعدم القطيعة مع "السامي" من تاثير عاطفي على الناس، حينما يترك لديهم دهشة، ويوقظ فيهم الحماس من خلال الهيبة التي يفرضها على المتلقي فيشعر بعدم قدرته على المقارنه مع الظواهر الأخرى.

ينطبق هذا الأمر على جل الأديان ويستثنى منها الإسلام الذي يأمن بالجمال الموضوعي كما ورد في الحديث (الله جميل ويحب الجمال)(14). لقد وردت ممارسات هذا المذهب الصوفي في الأديان البوذية والمسيحية والمانوية قبل ورودها في الإسلام، ومن الجدير ذكره أن اليهودية بنيت على مبادئ تجارية غير داعية للزهد أساسا، ووصفه  بابا للإيمان الصحيح، وسمة مشتركة لجمهور المؤمنين، كمطلب لبناء الحياة الروحية المثلى. وقد وصل البعض من  النصارى الى قناعات في ممارسة الرهبنة والتبتل والإعراض عن ملذات الدنيا في المأكل والملبس والفرج. ولكن الإسلام  لم يقر ذلك المبدأ، وللمصطفى العربي(ص) حديث يستهجن فيه تلك الممارسة. وعلى الرغم من المنطلقات الصريحة في التسامح مع متطلبات النفس بالتلذذ المقنن، فقد شذ عن ذلك وبالغ كثيرا وتمادى رهط كبير من طبقة رجال الدين، وجل الملوك وبطاناتهم الذين وجدوا  لهم في التمتع بملذات الدنيا، مخرجا فقهيا تفسيريا من ضمن النصوص المتسامحة.

 

الزهد في العمارة.

وردتنا أخبار العمائر الإسلامية الزاهدة الأولى، التي أقامها المسلمون في صدر الإسلام ابتداء من مسجد المدينة، مع حجراته الجانبية الذي شيّده الرسول الكريم(ص) بيده  من مادة الطين وسقَّفَة بجذوع النخيل وسعفه مثل أي دار للعامة. وقد مكث فيه حتى توفاه الله فدفن في إحدى حجراته. وجاءت الأخبار في حديث بن السائب عن الإمام الحسن قال: (كنت أدخل بيوت أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خلافة عثمان رضي الله عنه فأتناول سقفها بيدي). وبذلك تكرست القدوة الأخلاقية للبناء الذي مارسه الخلفاء الراشدون من بعد الرسول والمتجسد بجلاء في تعاليم الخليفة عمر بن الخطاب الذي حض على هذا المنحى لدى اختطاطه الأمصار مثل الكوفة والبصرة والفسطاط أو إعادة هيكلة المدن المشيَّدة من الأزمنة السابقة للإسلام مثلما حدث في القدس والمدائن ودمشق.

ويعزي البعض أن هذا الزهد المعماري متأت من بيئة الصحراء الفقيرة التي ورد الإسلام من ثناياها، أو ربما عقلية أهلها القنوعين المؤثرين البساطة والدعة وشظف العيش. ولكن فاتهم في ذلك التعليمة الواردة في المنظومة الأخلاقية  للإسلام والتي وردت في الذكر الحكيم  "إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا"(15) وذلك النعت ترك أثره في بواطن العقلية الإسلامية، وكانت للقدوة الحسنة أثرها في ذلك. ويعرف الجميع سيرة الخليفة عمر الذي آثر القيلولة تحت ظلال إحدى نخيل المدينة عندما أتاه رسول ملك الروم فنعتوا له مكانه، فتعجب من لا وجود لقصر يؤم هذا (السلطان) بحسب العقلية التي ألفها. وجاء في ذكر الزهاد من الصحابة ممن أثبتوا بسيرهم سمو العقيدة المسيرة لسجاياهم، ومنهم عبد الله بن عمر وسلمان الفارسي وعمر بن عبد العزيز وأبو ذر الغفاري الذي نقل عن أخباره بأن زوجه لم تجد ما تكفنه به بعد وفاته، وهو صاحب الرسول الكريم(ص).

ومن الجدير ملاحظته في أيامنا أن الإسلام أتى بحلول اقتصادية ذات روح إنسانية تحكمها الشريعة وضوابط العقيدة،وكرس الإسلام التكافل الاجتماعي والروح التعاونية بين عناصره ، وحدد أولويات وآليات منهجية لذلك. ولم يلغ الإسلام الطبقات الاجتماعية، على عكس مايذهب اليه البعض اليوم، وعدَّ وجود الفوارق في الرزق بين البشر من حكم الله في خلقه، الهدف منه  تكريس روح الطموح وحافزالسعي نحو تحسين المستوى المعاشي للبشر. وورد في الذكر الحكيم (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون)(16). ولكن لم يصاحب إقرار الإسلام بالطبقات الاجتماعية، وبالتفاوت الطبقي ،أي إقرار بالممارسة الشاذة عن الزهد والتعقل في الإسراف، والتواضع ويشمل ذلك حتى أصحاب الأموال الذي رفض لهم ممارسة كنزها. وقد ورد في الذكر الحكيم نقدا لاذعا لمن يسلك منهم ذلك المنهج غيرالاخلاقي في الممارسة المعمارية: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ. وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ )(17). ويمكن عد الغنى المادي بالمفهوم الإسلامي امتحاناً أخلاقياً للإيمان، أكثر من كونه مدعاة للتفاخر والخيلاء الذي هو إحدى صفات أهل البادية، والذي نجد له ممارسة حتى في أيامنا هذه. ويرد في قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)(18). وإذ نلاحظ بما يخص الممارسة المعمارية في المجتمعات الإسلامية بأن هيئة البيوت، فضاءاتها وملكاتها المساحية والتقنية، لا تحمل تلك الفوارق الطبقية الشاسعة، مثلما هو عليه في المجتمعات والثقافات الأخرى. ويكمن كبير الفرق في الجانب التزويقي والجمالي، والتجهيزي للبيوت.

وورد في تاريخ (أبن خلدون) (1333-1408) ما يعتبر سابقة في ملاحظة الشرخ الذي أوجده الغلو في الإسراف على البنيان، مقارنا مع سيرة الخليفة الراشد عمر بين الخطاب قائلا: (وكان الدين أول الأمر مانعا من المغالاة في البنيان والإسراف فيه في غير القصد، كما عهد لهم عمر بن الخطاب حين أستأذنوه بناء الكوفة بالحجارة، وقد وقع الحريق في القصب الذي كانوا بنوا به من قبل، فقال: افعلوا ولا يزيدن أحد على ثلاث أبيات. ولا تطاولوا في البنيان، وألزموا السنة تلزمكم الدولة). ويرد في نفس السياق أن أمر عمر الناس أن لا يرفعوا بنيانا فوق (القدر) فسألوه الناس وما القدر فقال (وإلا يقربكم من السرف ويخرجكم عن القصد)(19). وقد أعتقد إبن خلدون أن نزعة الإسراف والترف في البنيان وردت الى العرب من الفرس والقبط والنبط والروم، ونسى بأنه حالة متجذرة في السجية البشرية، ويدخل ضمن باب غريزة التملك.

ولم يعمر ذلك المنحى الزاهد  طويلا، فبعيد عصر الخلفاء الراشدين الذي اضطلع فيه الخليفة عمر بن الخطاب(رض) بمنهجية العمران والعمارة والخليفة علي بن أبي طالب(رض)، بالمنهج الثقافي والجمالي والفني. إذ نقل بعدها بنو أمية عاصمة الدولة إلى دمشق ثم أثروا حياة الترف وتأثروا بطابع الحياة البيزنطية المتماشية مع هذا المنحى ثم اتخذوا مما يناسبهم من العمارة السورية ـ البيزنطية منهجا للخيلاء وممارسة ملذات العيش. ويقال عن (الوليد بن عبدالملك) الأموي أنه أنفق جباية الضرائب على الأراضي الشامية لمدة سبع سنوات لبناء المسجد الكبير في دمشق. وبذلك انحرفوا بالسير الزاهد المرسوم من قبل السلف.

وعلى عكس تلك النزعة فقد ورد في ممارسة الزهد من أخبار الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز أنه أستكثر البذخ الذي شيّد به مسجد دمشق الجامع، حيث نقل عن صفوان بن صالح قال (سمعت عمر بن عبد العزيز، وذكر مسجد دمشق، فقال رأيت أموالا انفقت في غير حقها، فأنا مستدرك ما استدركت منها، فراده إلى بيت المال: أعمد إلى ذلك الفسيفساء و الرخام ،فأقلعه وأطينه، وأنزع تلك السلاسل وأجعل مكانها حبالا، وأنزع تلك البطائن. وأبيع جميع ذلك).

وخلف العباسيون الأمويين، و ساروا على النهج نفسه وزادوا فيه حينما تأثروا بالحياة الساسانية والعمارة الصرحية العراقية، كما هي صريحة في عمائر سامراء الباقية. وبذلك غيروا في جوهر الحياة الإسلامية ونقلوها إلى روح جديدة من البذخ والأبهة والخيلاء،غير المشابهة لما كان سائدا خلال سنين الإسلام الأولى، ولاسيما فيما يتعلق بمتاع الدنيا من الملبس والمأكل وأنعكس صريحا خلال العمارة والفنون

 الزهد في الحداثة  المعمارية

من خلال استيضاح الصفات الزاهدة المنعكسة في مرآة العمارة هذه، نجد أجلى صورها في البساطة والمباشرة التي تضطلع بموقع الجوهر والدستور. وولوجاً إلى معرفة صفة البساطة والتبسيط في العمارة التي كانت إحدى الثوابت الأساسية في عمارة المسلمين وحاد يوماً عنها السلاطين وحافظت على ديمومتها العمارة الشعبية والتي اكسبتها صفة ثابتة بسبب الاتجاه المباشر لهدف العمارة الذي أرساه الإسلام والمتمثل في وظيفية و(مباشرية) نحو الهدف إلى الفضاء المعماري المستخدم ومثالنا في ذلك المسجد الذي جاء ليحقق  وظيفة روحية وثقافية واجتماعية البسها المسلمون ببناء يفي بالحاجة ولم يعيروا أهمية لكيفية ما  ستكون عليه هيأتها الخارجية. وفي تقصي كنه البساطة من الناحية الفلسفية والعملية التي ظهرت في العمارة الخارجية والداخلية الإسلامية. نجد أن ممارسة (الإختزال) الوارد في العمارة الحديثة، لم يكن يعني بأي حال من الأحوال الاختزال لذلك الفضاء في جوانبه الكمية المجردة ، بل يشتمل على مجمل الأحاسيس والانطباعات التي تتولد عن حالة التكامل المتزن بين عناصر البنية الكلية لذلك الفضاء، الذي يخدم الحياة الاجتماعية الإسلامية .ويكون ذلك إنعكاسا لقوله تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)(20). وهذا هو الميزان والمقاس بين التبذير والتقتير الذي أنعكس كمبدء من مبادئ العمارة، السارية في كل مكان وزمان.

إن الوصول إلى نقطة التوازن هذه والتوقف عندها في نتاجات العمارة والفنون والآداب هي من سجايا البراعة والإبداع والتحكم الرفيع في الإيقاع والتأثير على أحاسيس المتلقي للفعل الإبداعي وان تحقيق  ذلك التوازن بين طرفي المعادلة (الأكثر أو الأقل) من اعقد التحديات التي تجابه المعماري أو الفنان أو الأديب. وأسلوب البساطة أو السهولة في هذا الاطار التوازني لايعني الرخص أو الوفرة، سهل المنال في العملية التصميمية. والمبنى البسيط في شكله يكون نتيجة دراسة طويلة وليست إعتباطية متسرعة. وتتاتى البساطة هنا من تأثيره على إستعمال وتنظيم حياة مستعمليه، وتأثيره على تسهيل فهمه وإدراكه بالنظر. كما هو الخطاب الإسلامي العام الذي ورد سهل الفهم والإفهام ويعتمد على أليات سهلة في شرحه.

والتبسيط عملية فحص وتجريد وإختزال لكل ماهو زائد وكل مال ليس له ضرورة وأساس من التواجد، وما يعدُّ عبئا على كفاءة المبنى. وهذه العملية لاتظهر للرائي العادي، ولايدركها إلا الخبير المتفقه، واسع الأفق، و يتميز بكونه مرهفا لإدراك الجمال من "النوع الفكري" ، المحسوس، وليس من النوع الملموس المدرك بالحواس. أما صيغة التبسيط الواردة في تيار "العمارة العالمية" المعاصر فهو ليس إلا إتباع لقواعد وإستخدام لأشكال تم تبسيطها وأصبحت ممكنة الإستعمال ذات ثلاثة ابعاد كانها تماثيل أو ثنائية الأبعاد كأنها لوحات فنية(21) وفي السياق الجمالي نجد ان للجمال ثلاث صيغ إحداها حسي بما تلمسه الحواس وجمال عاطفي يتعلق بالذكريات ،وسالف الصلات، وجمال فكري وهو يتكرس بعد مراحل كبيرة من التقدم والرقي العقلي و الثقافي.ويدعى كذلك (الجمال التجريدي) وهو أقرب أنواع الجمال الى النوع "الوظيفي" التي وجدت لها تيارا عريضا في عمارة القرن العشرين. ويتداخل ذلك الجمال مع مفهوم (المتقشفون) في العمارة، وهم المتمسكون بوجهة النظر الفكرية وحدها ويسقطونها عادة على الإعتبارات الأخرى غير الفكرية،ويخرجها من الموضوع. وهذا الجنوح الى الجمال لايتواجد في ذهن المتفرج السلبي(passive)، ولايتكشف لذوي العقل العلمي المحض، وبذلك يكون الإعجاب بالشئ وحده ولذاته وكنهاية في حد ذاته إعجابا تجريديا منزها من الغرض والفائدة ،أي مبرر أخر، وبذلك يتضمن الشكل لدى عشاق هذا الجمال درجة من السمو النوعي ويترادف الشكل مع الجمال نفسه(22).

وقد أدى التعلق بهذا النوع من الجمال (الزاهد) الى مشاكل فلسفية في الحضارات المادية، ومنها الحضارة المعاصرة، عندما وضعت مبادئ جامدة في النسب والتناظر والإنسجام الشكلي وغيرها من المبادئ التصميمية في العمارة، أرادوا أن يفرضوها على أذواق الناس. ثم تصاعد ذلك الى حالة من الياس من الموضوع بمجمله ،الذي أعتبر الجمال مسألة فردية محضة. وهكذا خالفوا موضوع (الجمال الزاهد) الذي أتى به الفكر الروحاني في الإسلام، الذي ربط الجمال بصانعه ولم يحدد له أشكالاً قسرية بعينها. وبذلك وجد حلا لذلك اللغط القائم بين مرامي كل من المعماريين الأكاديميين الذين يسعون لمقاييس ثابتة وشاملة والفلاسفة الذين يبحثون عن الحق المطلق والعلميين الذين يريدون ترتيب الأشياء عقليا حتى يتم إستيعابها والإلمام بها كلية، في الذهن والذاكرة. ولهذا المستوى الرفيع من الشعور بالجمال ومفهوم البساطة نجد في أيامنا هذه صدى في نفوس جل التيارات الفنية والمعمارية الحديثة، والتي كانت رائديتها تعود إلى العمارة الإسلامية الأولى. وهذا يرجعنا الى التمحيص في كنه العمارة، مستعينين بالتعريف الذي ذكره الدكتور عرفان سامي عن العمارة بأنها: (الفن العلمي لاقامة أبنية تتوفر فيها عناصر المتانة والمنفعة والاقتصاد وتفي بحاجات الناس المادية والنفسية والروحية في حدود أوسع الإمكانيات وبأحسن الوسائل المتوفرة في العصر الذي تكون فيه). وهذا ما يطابق المنهج الذي اتخذته عمارة المسلمين.

ومنذ بدء القرن وبظهور التيارات المعمارية العالمية في القرن العشرين حيث نجد تيار (النقائيين Purists ) قد أثر في العمارة الأوربية. وأنبرى من هذا التيار المعمار (أدولف لوس)(23)،  ناقدا حالة الزخرف في العمائر وذلك عام 1908 خلال مقال كتبه  بعنوان (الزخرف والجريمة)، وتطرف في أحكامه إذ عدَّ الزخرف من علامات الهمجية أو التردي الآثم، أو متنفسا للكبت(24). و بعد ان هذبت تلك الفكرة المتطرفة في أحكامها، إذ  ظهرت في مدرستين منها وهي مدرسة المعمار (ليكوربوزييه)(25 ) و(ميس فان دروه)(26) اللتين أخذتا شوطا كبيرا في هوى رهط واسع من المعماريين في العالم وجوهرهما يكرس  الاختزال والتقشف في المفردات المعمارية والذي يضيف إليه غنى كما قال ليكوربوزييه (Less is more ) وعلى الرغم من أن بعض المعماريين قد وسموا هذا المنحى الاختزالي بأنه يولد السأم (Less is bore ) كما قال فنتوري، وهو من رواد "مابعد الحداثة". ويقول ليكوربوزييه في ذلك: (تتولد العاطفة من النظام التشكيلي الذي ينشر تأثيره على كل جزء من أجزاء التكوين.. من الوحدة في الفكرة تمتد من وحدة المواد المستعملة إلى وحدة خطوط التسوية العامة.. من الوحدة في الهدف.. من ذلك العزم الذي لا يتزعزع للوصول إلى غاية النقاء وغاية الوضوح وغاية الاقتصاد.

ويمكن هنا رصد الفرق بين الزهد الإسلامي في العمارة والزهد الذي دعا إليه بعض رواد عمارة القرن العشرين بأن الثاني جاء مقتصرا على الزخرفية في العمارة والدعوة الى النزعة (الإختزالية)، دون المساس بالجانب الصرحي والمبالغات في الفضاءات والبذخ في مواد المواد والبهرج والإثارة في عناصرها، مما يجعل هذا الزهد ناقصا شكلا دون محتوى أو ظاهرا دون باطن. وهو ما يخالف الزهد الإسلامي الذي دعا الى"شمولية زاهدة"، في مجالات الحياة والعمارة التي كانت على العموم الصورة التي تعكس إيقاعها.

إن إدراك المفهومين ـ الاقتصاد والتبذير ـ المتناقضين يلتقيان في نقطة ذروة يتحقق عندها الكمال والتجاوب بين المكونات وعند هذه النقطة يجب أن تتوقف الإضافة إذ عندها تتحقق أسمى درجات الغنى والثراء علي صعيد الوظيفة أو الشكل. وهذا ما يتجلى في كثير من الأعمال العمرانية والمعمارية العربية. ولدينا في عمارة الصحراء الضاربة، ونموذجيتها في عمارة مدائن وادي (مزاب) في الصحراء الجزائرية، من جذورها القديمة، التي استطاعت أن تحافظ على بساطتها من التأثيرات الخارجية بسبب انعزالها والتي أحدثت اكبر الأثر في نفوس معماريي "البساطة" ومنهم ليكوربوزييه الذي نهل من عمارتها الشيء الكثير. وهذا  للأسف لم يمس مشاعر معماريينا المحدثين الذين حاكوا الجانب الصرحي للعمارة متأثرين بعمارة الغرب ومنبهرين بها، وعلى الرغم من وجود بعض المدارس العالمية الداعية إلى عكس ذلك كما هو حاصل في فكر المعماريين الفنلنديين والمدرسة الاسكندنافية مثل (الفار آلتو)(27) الذين رسموا خطهم البسيط المتواضع المتناغم مع الخطاب الأخلاقي العمومي والعقلية الشعبية دون الإفراط في العاطفة اليها، التي مازالت رافضة لعمارة البذخ. و توجه جل اهتمامهم لتطوير نوعية وكفاءة مواد البناء وتكنولوجيا البناء الذي يوفر السرعة والسهولة والاقتصاد في التنفيذ. وقد وجهت انتقادات شعبية حادة لمركز التجارة العالمي في مركز مدينة ستوكهولم عاصمة السويد وكان مما رددوه العامة في ذلك بأنها " هنا السويد وليس الخليج العربي! ".. إنها لحقاً مفارقة تستأهل التوقف عندها والمعاينة ، فيخال المرء فيها أن البساطة الواردة في جوهر الإسلام ومنهجه الأخلاقي وعمارته قد ظهرت هنا وليس من بؤرته المحمدية في الجزيرة العربية.

 

الهوامش

1. أبن رجب، جامع العلوم والحكم ص210.

2. قطر المحيط، بطرس البستاني.

3. سورة يوسف ـ الآية 20.

4. رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد.

5. مرآة الزمان لسبط بن الجوزي ـ مخطوطة مليت ـ أسطنبول (مجلد4 رقم1521).

6. تاريخ الطبري المجلد3، ص276.

7. عن نهج البلاغة للشريف الرضي. مجلة الفيصل ص 56، العدد 3130سبتمبر2002.

8. ورد ذلك في نهج البلاغة وأخرجه الكافي في أصوله ورواه المكي في قوت القلوب و 9. إبن عبد ربه في العقد الفريد. العقد الفريد، أبن عبد ربه ج 2، ص120.

10. عيون الأخبار، قتيبة.

11. ابن تيمية ـ توحيد الألوهية، ص 94.

12. مقدمة إبن خلدون، صفحة304.

13. أبن رجب ـ جامع العلوم والحكم ص211.

14. حديث نبوي شريف رواه مسلم والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد.

15. سورة الإسراء، الآية27.

16. سورة الزخرف، الآية32.

17. سورة الزخرف، الآية 33 -35.

18. سورة الملك، الآية2.

19. مقدمة أبن خلدون، ج3.

20. سورة الفرقان ـ الآية25.

21. د.عرفان سامي ـ نظرية الوظيفية في العمارة ـ القاهرة 1961- ص64

22. م. ن، 1961، ص11.

23. (Loos Adolf) معمار ومخطط مدن ومنظر نمساوي.

24. ليكوربوزييه معمار فرنسي من أصول سويسرية (1887-1965)، لديه كثير من النظريات الرائدة في عمارة القرن العشرين.

25. رينر بانهام ـ عصر أساطين العمارة ـ ترجمة سعاد عبدعلي مهدي، بغداد 1989، ص58.

26. لودفيك ميس فان درروه،معمار أمريكي(1886-1969) من أكثر المدافعين عن البساطة في العمارة.

27. الفار آلتو، (كورتان19898، هلسنكي 1976) معمار ومخطط مدن ومصمم فنلندي، ذا منحى وظيفي من النوع العضوي. أستطاع أن يؤثر في الفكر المعماري، ولاسيما لدول الشمال الأسكندنافي.