ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الحضارة/ المرأة (الحضور والغياب)

سليم مطر

 

ثبت على مر التاريخ  بأن أي مجتمع لن يبلغ أي رقي حضاري من دون مشاركة فعالة من قبل المرأة، ان ارتقاء المرأة واحترامها ارتقاء واحترام للمجتمع كله، وانحطاط المرأة وقمعها انحطاط وقمع للمجتمع كله. لهذا فانه من المؤكد ان الحقب التي ارتقت فيها الحضارة العراقية، كانت ايضا حقَب رقي ومشاركة فعالة من قبل المرأة العراقية.. كذلك ان حقب الانحطاط كانت هي الحقب التي تم فيها ابعاد المرأة العراقية عن المشاركة واحتقارها. ويمكن ملاحظة هذه الحقيقة عن طريق معاينة الحقب المختلفة التي عاشها المجتمع العراقي في ظل الاسلام.

تعريب العراق واسلامه:

في اواسط القرن السابع خرجت الجيوش العربية الاسلامية من الجزيرة العربية واسقطت الامبراطورية الساسانية الفارسية التي كانت تهيمن على العراق وايران واجزاء من افغانستان وآسيا التركستانية الوسطى. وتم كذلك طرد الدولة البيزنطية من سوريا ومصر، ثم بلغت الجيوش الاسلامية شمال افريقيا وعبرت حتى اسبانيا. بالنسبة إلى العراق عندما دخلت الجيوش الاسلامية وجدت امامها نحو سبعة ملايين من السكان العراقيين باغلبيتهم الساحقة من المسيحيين (النساطرة) مع اقليات من الصابئة واليهود والمانوية، فضلاً عن بعض المجوس من الاداريين والعسكريين الأيرانيين(الدهاقنة). وكانت لغة هؤلاء جميعهم هي اللغة السريانية (الآرامية) العراقية، التي سبق لها وإن سادت في الامبراطورية الفارسية واصبحت لغة الثقافة الاولى جاعلة من اللغة الفارسية البهلوية محصورة في البلاط ورجال الدين المجوس(الموابد). لقد دخل الاسلام العراق على انه منقذ للناس من السيطرة الايرانية والاضطهاد الذي مارسه رجال الدين المجوس ضد  الكنيسة العراقية الذي راح ضحيته مئات الآلاف من المسيحيين العراقيين طيلة عدة قرون.

 ان قوة الاسلام وسر انتشاره السريع بين شعوب البلدان المفتوحة، يكمن في منحه الفرصة لهذه الشعوب بالتخلص من حالة التبعية والخضوع للقوى الاجنبية والمتجبرة، وتوفير الفرصة لهم للأشتراك بالحكم والمشاركة الفعلية في الدولة الاسلامية، وذلك من خلال تبني الاسلام التطوع في الجيوش الفاتحة وادارات الدولة الجديدة والتمتع بالمغانم والمزايا العديدة. ان ترك السلطة العربية الاسلامية الباب مفتوحا لجميع ابناء البلدان المفتوحة للدخول في الاسلام والمشاركة بالحكم، جعل الاغلبية الساحقة من هذه الشعوب تدخل الى الاسلام لتشارك في ادارة الدولة الجديدة، بل حتى الاستحواذ عليها، إذ تمكنت جميع الشعوب الاصلية بعد تبني الاسلام من السيطرة على فروع الدولة الاسلامية في اوطانها. بعد اقل من قرن من الفتح وما إن سقطت الدولة الاموية في دمشق حتى فقد العنصر القبائلي العربي الفاتح  تمايزه العنصري والسياسي بعد ذوبان الاغلبية الساحقة من هؤلاء الفاتحين في ابناء الشعوب الاصلية من خلال التزاوج والاستقرار.

هكذا تمكن المصريون والبربر والسوريون والعراقيون والايرانيون والتركستان والهنود والاسبان، من تبني الاسلام والمشاركة الفعالة في صنع الحضارة الجديدة التي كان دينها الأسلام ولغتها العربية. بل حتى الجماعات التي لم تعتنق الاسلام وبقيت على يهوديتها ومسيحيتها وصابئيتها تم اشراكها وفسح المجال لها لكي تؤدي ادوارا حضارية وادارية وسياسية معروفة.

العراقيون والسوريون كانوا اكثر الشعوب التي تبنت العربية واستعربت اسرع من غيرها بسبب التجاور الجغرافي مع عرب الجزيرة العربية والاتصالات السكانية والحضارية المتواصلة منذ فجر التاريخ  وانتماء  الجميع الى عائلة اللغات السامية، والتقارب الكبير بين اللغتين السريانية لغة العراقيين والشاميين مع  اللغة العربية الفاتحة. ان سهولة الاستعراب لدى العراقيين سمحت لهم منذ بدء الفتح ان يشاركوا بصورة فعالة في صنع الحضارة العربية الاسلامية، بل ان العراقيين هم  من منح اللغة العربية نحوها وبلاغتها وتنقيطها وحركاتها من خلال ميراث لغتهم السريانية، وبرزت في هذا المجال مدرستا الكوفة والبصرة

 

المرأة العراقية قبل الحقبة العباسية

ليس هنالك أثر واضح للمرأة العراقية في الحقبة الراشدية (637 ـ 661 م) إذ دامت نحو عشرين عاماً، اصبح في سنواتها الاخيرة العراق مقرا للخلافة عندما اختار الامام علي(ع) الكوفة عاصمة له. خلال هذه الحقبة القصيرة وبالذات اثناء خلافة (ابي بكر)(رض) وحروب الردة برز أثر المرأة العراقية بمثال (سجاح الموصلية) التي اعلنت النبوة، وتمردت لكنها تراجعت فيما بعد واعتنقت الاسلام.  بعد ذلك تمكنت السلالة الاموية من الاستحواذ على السلطة واتخذوا من (دمشق) عاصمة لهم. بعدها انحدر وضع العراقيين وعانوا من الظلم والتعسف الذي كان اساسه عنصرياً يحمل في طياته الكثير من الاحتقار القبائلي العربي ضد العراقيين الاصليين الذين اطلق عليهم تعابير احتقارية مثل (العلوج) و(الموالي) و(النبط). هذه الحقبة الاموية  كانت نسبيا قصيرة  إذ دامت نحو 80 عاماً، لهذا من الصعب الحديث عن أثر واضح للمرأة العراقية خلال هذه الفترة لقصرها وايضا لتوتر اوضاعها. لكن يمكن ذكر أثر المرأة في حركات الخوارج والعلوية. يذكر الطبري مثلا انه كان في الكوفة بيتان لامرأتين من الشيعة كان يجتمع فيهما زعماء الشيعة فيتباحثون في امرهم ويحيكون المؤامرات ضد الخلافة الاموية.

 

نهضة بغداد ونهضة المرأة

في اواسط القرن الثامن الميلادي، وبعد انتفاضات وحروب وكوارث عديدة،  تمكن اخيرا العراقيون من الاستحواذ على  دولة الخلافة، بقيادة التحالف (العباسي العلوي) وبالتعاون مع الجماعات التي شاركت العراقيين الشعور بالاضطهاد ومنهم الايرانيون والتركستان.

هكذا تكونت الدولة العباسية (العراقية ـ العربيةـ الاسلامية) بقيادة السلالة العباسية العراقية، وجعل العاصمة (بغداد) وسط العراق قرب (بابل) عاصمة العراقيين التاريخية التي لم ينسوها على الرغم من خرابها قبل الف عام، إذ بقيت حية في حكاياتهم واساطيرهم التي ادخلوها الى المسيحية ثم الى الأسلام. في (بغداد) قاد العراقيون اكبر واطول نهضة حضارية عالمية في التاريخ، مازجين كعادتهم ما ورثوه من اسلافهم العراقيين الاوائل في سومر وبابل ونينوى، مع ميراثات الشعوب الاخرى من اغريقية وفارسية وهندية وشامية ومصرية وغيرها، حتى اصبحت (بغداد)، مثل سالفتها (بابل)، عاصمة الارض التي تتفاعل فيها اللغات والاديان والافكار وتتزاوج بها جميع الاجناس البيضاء والصفراء والسوداء من تجار وعبيد ومرتزقة وطالبي علم ومغامرين حالمين.

في العصر العباسي، اخذ العراقيون يشعرون حقا وحقيقة انهم بدأوا أخيرا باستعادة امجادهم القديمة المنسية، وقد آن اوانهم ان  يؤدّوا من جديد أثرهم التاريخي الحضاري المنتظر الذي حرموا منه منذ اكثر من الف عام بعد سقوط بابل في القرن السادس قبل الميلاد.

 

أثر الجواري في العصر العباسي

ان تجارة الرقيق، اناث وذكور، تقليد بشري قديم قدم تواجد المجتمعات البشرية. منذ إن عرف الانسان الجوع والحرب عرف العبودية، إذ كان اول العبيد هم اسرى الحروب كذلك ابناء الفقراء الذين يبيعهم اهلهم الى الاغنياء لكي ينقذوهم من الجوع والفقر. ظلت العبودية سائدة في كل انحاء الارض اينما وجدت الجماعات البشرية، ما دام هنالك فقر وهنالك حروب. صحيح أن الإسلام لم يحرم الرق، بل دعا إلى إلغائه تدريجيا،  وذلك لاستحالة فرض الغائه في تلك الازمان. من هنا كانت النظم والقوانين التي جاء بها الإسلام لتحسين أحوال الرقيق والرفع من مكانتهم الاجتماعية. يمكن القول ان المجتمعات الاسلامية هي اكثر المجتمعات التي توفرت فيها الفرص للعبيد، نساء ورجال، ان ينعتقوا من عبوديتهم ويصعدوا في السلم الاجتماعي الى حد ان يكونوا اعضاء في الطبقات الحاكمة وشخصيات مرموقة في مختلف المجالات.

منذ العصر العباسي الاول (132 - 232 هـ/ 750م - 846م)"  برزت ظاهرة التمازج الحضاري والسكاني بين الجماعات العربية التي استقرت في ربوع النهرين مع السكان العراقيين الاصليين من الذين دخلوا الاسلام. فمثلا بالنسبة إلى الخلفاء العباسيين، من بين سبعة وثلاثين خليفة عبّاسي لم يكن من بينهم من هو عربي الام الا ثلاثة: (ابو العباس السفاح)، و(المهدي بن المنصور)، و(محمد الامين بن هارون الرشيد). وادى توجه العباسيين للزواج من ابناء البلد ومن الجواري والاماء إلى ترشيح ابنائهن لمنصب الخلافة وذلك يخالف ما جرى عليه العرف ايام الامويين إذ كانوا لا يستخلفون ابناء الاماء.

خلال العصر العباسي تحول المجتمع العراقي الى اكبر المجتمعات في التاريخ الذي  يمتلك هذا العدد الهائل من الجواري والرقيق. لقد تحولت( بغداد) الى اكبر مدينة في ذلك العصر باستيراد العبيد، يجلبون لها من كل انحاء الارض، من غابات افريقيا واصقاع تركستان حتى روسيا والبلدان الاسكندنافية. بل كان هنالك جوارٍ وعبيد من دماء عربية يجلبون من الحجاز واليمن، فالحروب والفقر لم تميز بين الاجناس.

ان كثرة الجواري في اسواق (بغداد) في هذا العصر، يعود اولا الى الغنى المادي الفاحش الذي تراكم لدى الطبقة العباسية الحاكمة بسبب تراكم  مغانم الحروب والعائدات المالية والعينية المجلوبة الى (بغداد) من جميع انحاء الامبراطورية. فضلاً عن كثرة الحروب التي كان على الدولة العباسية خوضها في اصقاع مختلفة مما أدى إلى اتساع الدولة وانتشار تجارة الرقيق انتشارا واسعا. علما ان هؤلاء الرقيق، من اناث وذكور، لم يكن بمعظمهم من الاسرى، بل ان غالبيتهم العظمى اطفال قد باعهم اهلهم الى النخاسين من اجل انقاذهم من الفقر والجوع، وعلى امل ان يحالفهم الحظ  في حياة اخرى. وفعلا ان الكثير من هؤلاء الرقيق قد استثمروا اوضاعهم الجديدة فصعدوا بالسلم الاجتماعي واصبحوا اعضاء في الطبقة الحاكمة نفسها، بل ان بعضهم اصبحوا سلاطين، ومن اشهرهم(كافور الاخشيدي) في مصر، كذلك امهات وزوجات الخلفاء اللواتي كن جواري، ومن اشهرهن (الخيزران) ام(هارون الرشيد).

من المعلوم ان هؤلاء الرقيق ليسوا كلهم من المجلوبين الجدد من خارج العراق، بل الكثير منهم قد ولدوا في العراق نتيجة تزاوجهم بين بعضهم البعض، او تزوج امهاتهم برجال احرار. أن البلدان الأصلية للجواري لم تعد المصدر الوحيد لتزويد العراق، فقد صرن يتكاثرن بالزواج من الرقيق وصارت الجارية تنسب بالمولد.

ان الحديث عن الجواري يقتضي اولا الحديث عن النخاسين أو (تجار الجواري). كان هؤلاء يشكلون فئة اجتماعية متكاملة، من حيث عدد العاملين معهم من عمال وكتاب ووسطاء وشبكات دعارة ودعاية وتثقيف، ولهم فروع وعيون واتصالات مع وسطاء وتجار فرعيين مقيمين في جميع انحاء الارض. كان للنخاسين دُوراً في (بغداد) مخصصة لتلك التجارة تقع على  شواطئ نهر دجلة قرب أسواق الرقيق. كما أن هنالك دوراً خاصة للرقيق مجاورة لدورهم، وهنالك حكايات كثيرة عما يجري في تلك الدور من مجون تحت إشراف النخاسين وبتوصية منهم استجلابا لطبقة الأغنياء وطبقة الشعراء ممن يستهويهم ذلك النوع من الحياة اللاهية في أوساط الجواري. وقد تطور العمل والتخصص لدى هؤلاء النخاسين بحيث انهم جلبوا المعلمين والمثقفين في مختلف الفروع لكي يقوموا بالاشراف على تربية وتثقيف جواريهم وتعليمهن مختلف معارف ذلك الزمن لكي يتمكن من مجالسة أفراد الطبقات العليا والتأثير فيهم.

لقد نجحت جهود النخاسين الكبيرة في هذا المضمار للدرجة التي أصبحت فيها الكثير من هؤلاء الجواري يجادلن ويحاورن في كثير من أبواب العلوم والفنون بالشكل الذي تفوقن فيه على كثير من الحرائر اللواتي لم تتح لهن كل هذه الفرص في التثقيف والتعليم. ان ارتفاع المستوى الثقافي لدى الجارية يعني ارتفاع سعرها، ثم ان هذا زاد في حظوظهن مع الرجال بالشكل الذي أدى إلى ازدياد تأثيرهن  في المجتمع العباسي بأكمله. ان الجواري  اثرن بشكل لا يمكن وصفه في الطبقات العليا من المجتمع العراقي وبالذات في الطبقة العباسية الحاكمة، ولم يقتصر الامر على  نشر الخلاعة والمجون واجواء (الف ليلة وليلة)، بل كان لهن تأثير ايجابي واضح يتمثل بمساهمتهن في نشر الثقافة والفنون الجميلة والكثير من التقاليد والعادات المجلوبة من مجتمعاتهم الاصلية، سواء بالموسيقى والغناء والازياء والطبخ والادب وكل المجالات المعرفية. فضلاً عن ما تنتجه هؤلاء الجواري أنفسهن من شعر نتيجة لتثقيفهن ثقافة عالية من قبل نخاسيهن. بل إن أثر هؤلاء تعدى كذلك إلى الناحية السياسية فقد اتسع نفوذهن وقوي سلطانهن وخاصة اللواتي حظين بأن يكون لهن أزواج أو أبناء من الخلفاء، ويبدو ان الجواري المجلوبات من الحجاز كان لهن تأثير واضح في فن الغناء في (بغداد). وهنالك مجموعة من الخلفاء وأبناء الخلفاء ممن كانت لهم صنعة في الغناء. ومن اشهر الجواري اللواتي برزن على هذا الصعيد: (بذل) و(تيم) و(دنانير) و(عريب) و(فريدة) و(عاتكة بنت شهدة) و(قلم الصالحية).

كما كان لهؤلاء الجواري تأثير أدبي على الادباء انفسهم يتمثل فيما تثيره الجواري من عواطف في صدور الشعراء فتخرج على ألسنتهم شعرا جميلا. ولهذا السبب انتشر شعر الغزل بصورة تفوق أي عصر، وانقسم الى  غزل عفيف وغزل ماجن. ومن أشهر القصص المعروفة على هذا الصعيد قصة( بشار بن برد وعبدة) و(قصة العباس بن الأحنف وفوز) وقصة (أبي العتاهية وعتبة) وقصة (أبي نواس وجنان)، فضلاً عن قصص اقل شهرة، مثل قصة (إبراهيم الموصلي وذات الخال) وقصة (محمد بن أمية وخداع).

هناك مجموعة من الجواري نظمن الشعر وتفوقن في النظم فيه، يحضر مجالسهن الأدباء ويتبارين مع فحول الشعراء. لكن للاسف تاريخ الادب لم يحفظ لنا الكثير من نتاجاتهن، ربما بسبب تدخل بعض المتزمتين من ذوي العقلية الفحولية في الغاء ومسح تراثهن!! هنالك جاريتان شغلتا المجتمع العباسي وسيطرتا على تفكير كثير من الخلفاء والشعراء بما تملكانه من موهبة فنية في نظم الشعر ورواية للأخبار والأشعار وهما (عنان) جارية (الناطفي) و(عريب) جارية (المأمون).

 

بروز الدور السياسي للمرأة

وفي تلك الحقبة ازدادت مشاركة المرأة السياسية بسبب التطورات الاجتماعية المتسارعة آنذاك. فقد اعتمد الخليفة المنصور على النساء في جمع الاخبار عن اعدائه وساعده الاعتماد على النساء في معرفة احوال الناس حتى عرف الولي من العدو والمُداجي من المُسالم. ومن النساء العباسيات اللاتي كان لهن دور في العصر العباسي (زينب بنت سلمان) إذ عمرت طويلاً. كما مارست المرأة القضاء فقد تولت أم الخليفة (المقتدر العباسي) رئاسة محكمة استئناف بغداد.

ولما تسلم (المهدي) الخلافة ظهرت المشاركة النسائية بصورة واضحة وكان لنساء الخلفاء وامهاتهم أثر لا يمكن اغفاله في ا لشؤون السياسية إذ عارض (عبد الله بن المقفع) هذا الدور المتعاظم للمرأة وكتب يقول: ((امور كثيرة لا يجترئ عليها إلا أهوج، ولا يسلم منها إلا قليل: صحبة السلطان، وائتمان النساء على الأسرار، وشرب السم للتجربة، وركوب البحر)). وقد تدخلت النساء في حياة (المهدي) وشؤون الدولة فقد كان كثير الجلوس مع النساء، وكانت زوجه (الخيزران) (ام هارون الرشيد) تجلس في عتبة الرواق المقابل للايوان، وتجلس (زينب بنت سليمان) بإزائها، وفي الصدر مجلس الخليفة (المهدي)، يقصدهن في كل وقت فيجلس ساعة ثم ينهض. وكان من تأثير (الخيزران) ان رشح (المهدي) إبنيها وهما (الهادي والرشيد) للخلافة، مع ان ابنه الاكبر (عبد الله) من ابنه عمه وهي عربية هاشمية (رابعة بنت ابي العباس).

وفي عصر (الرشيد) مارست زوجه (زبيدة) السياسة وكانت الملكة الثانية في بلاط العباسيين بعد (الخيزران). ففي عصر (الرشيد) زاد اقبال الناس على الجواري وتعليمهنّ ودفع الاثمان الباهظة في شرائهنّ وقد اثر ذلك على مختلف جوانب الحياة مما ادى إلى زيادة تحرّر المرأة واندفاعها للمشاركة في شؤون الحياة المختلفة.  ويلاحظ  ان دخول النساء العراقيات في الاحزاب قد تراجع في العصر لعباسي عما كان عليه الوضع ايام الامويين كما تراجعت مشاركة المرأة في القتال، ربما بسبب استقرار الاوضاع عموما وكذلك اعتماد الدولة على قوات مجلوب من الخارج بمعظمهم من تركستان. ان تدخل (زبيدة) في عصر (الرشيد) جعله من ازهى عصور الخلافة العباسية، فزبيدة تتابع والرشيد دائم البحث عن اسرار رعيته يساعده في ذلك عيونه واصحاب اخباره في جميع الولايات. اما (المأمون) (198-218) فقد اعتمد على العنصر النسائي ليس في أخذ المشورة ولكن في تسيير اعماله، ففي نزاعه مع (الامين) كان يرسل بريده مع النساء، يضعن البريد داخل اعواد منقورة من المكاف (نوع من الشجر). ولم يقتصر اعتماده على النساء في نقل البريد فحسب، بل كان يرسل النساء والرجال متنكرين في زي التجار او الاطباء وكان يفضل استخدام العجائز في هذه المهمات اذ يذكر (النويري) ان العجائز كن يأتينه كل مساء بتقارير مفصلة تتعلق بأخبار الناس وأخبار اللصوص والفساق. وذكرت بعض المصادر ان عدد هؤلاء العجائز يقارب الالف عجوز. ان تعاون الخلفاء مع بعض النساء وفسح المجال امامهن للمشاركة في شؤون الدولة اثبت ان المرأة مثل الرجل قادرة على تصريف شؤون الدولة والاعتماد عليها.

وقد تعاظم أثر المرأة كثيرا في العصر العباسي الثاني (242-334، 846-907م) ويبدو ان الفساد الهائل في بلاط الخلفاء في هذا العصر انعكس بصورة سلبية على أثر المرأة خلافاً لدورها الايجابي في العصر العباسي الاول. لقد زاد الاعتماد على النساء في العصر العباسي الثاني في ادارة السجون التي كانت في قصور الخلفاء لحبس المتنفذين في الدولة، فقد كان معظم الوزراء الخارجين على الخلافة من المتنفذين يسلمون لزيدان قهرمانة المقتدر. واصبح لامهات الخلفاء وازواجهم دور اكثر وضوحا مما كان في السابق، اذ وصل تأثير النساء على الخلفاء صورة لم يألفها المجتمع من قبل وذلك نتيجة الامتيازات التي حصلن عليها وضعف الخلفاء وصغر سنهم وقد تمكن هؤلاء النسوة مع وصيفاتهن ومواليهن وبعض القادة والكتاب من تشكيل طبقة خاصة شكلت عبئاً مالياً كبيراً على خزينة الدولة. ومن علامات الانحطاط انه كان يتوجب على الولاة في الدولة ان يهادوا الخليفة والسيدة والخالة والقهرمانة والحاجب والخادم وكتابهم وكل من يلوذ بهم، وكان هذا التقليد لا يجوز الاخلال به والا تعرض صاحبه للعزل والسجن.

اما في العصر الثالث والاخير(334-656هـ، 946-1258م)، إذ خضعت السلطة العباسية تماما للقوى العسكرية الناهظة من شرق الخلافة، في ايران وتركستان، وبدأ أثر العراقيين يتراجع بالتدريج في التأثير على الدولة. ثم ان ازدياد التوتر والثورات وتعاظم التهديدات الخارجية والحروب الصليبية، كل هذا جعل الروح الحربية الفحولية تطغي على الروح الانوثية المسالمة. وفي الحقبة البويهية كان أثر النساء محدوداً جداً ويعود السبب إلى ان خلفاء تلك الحقبة لم يكن لديهم سلطة في الدولة، ولهذا لا تأثير بالضرورة لنسائهم. ولكن ثمة استثناءات، فقد برزت في تلك الحقبة (عابدة بنت محمد الجهنية) وكانت اديبة شاعرة فصيحة وكانت تحضر مجلس عضد الدولة. وبرزت (قهرمانة معز الدولة)، فقد كانت تعقد المحالفات مع رجال الدولة وتعين الوزراء وكذلك قهرمانة الخليفة القائم بأمر الله، (وصال)، فقد كانت تشترك في اختيار الوزراء، شأنها شأن قهرمانات العصر العباسي الثاني. وفي الحقبة السلجوقية وتنامي الحياة الحربية والفحولية بسبب المخاطر التي تهدد الدولة والتي امتدت اكثر من مائتي عام من عام 447 وحتى سقوط بغداد سنة 656هـ. وقد  ظهرت استثناءات إذ لم يكن للنساء دور مؤثر في سياسة الدولة بشكل عام. فقد ذكر ابن الاثير انه في زمن (المقتدي) اول خلفاء هذه الحقبة كانت جاريته (شمس النهار) قوية ولما سقط (المقتدي) مغشياً عليه، حلت ازرار ثوبه فوجدته وقد ظهرت عليه امارات الموت، ولما حاولت جارية اخرى الصراخ قالت لها شمس النهار: (( ليس هذا وقت اظهار الجزع والبكاء، فإن صِحْتِ قتلتك)).. واحضرت الوزير فأعلمته الحال وشرعوا في البيعة لولي العهد (المستظهر بالله). ومن النساء في عهد السلاجقة التي كان لها تأثير في المشاركة السياسية (زوجة طغرل بك) إذ كانت سديدة الرأي فوّضها زوجها امره في كثير من الامور فكانت على احسن تدبير.

 

المصادر:

1. مطر، سليم، دراسات مختلفة في موضوع الهوية العراقية.

2. خريسان، د. محمد، المرأة والمشاركة السياسية، بيروت 1997 .

3. الفريح، سهام، الجواري والشعر في العصر العباسي، الكويت.