|
حدود الإدراك في منظومة التلقي الإنساني
(التأسيس لفهم جديد للعصمة والوحي)
سعدون محسن ضمد
مقدمة
يتعاطى
الإنسان مع الواقع الخارجي ـ وحتى الداخلي خلال عمليات
الاستبطان ـ من خلال منظومة (فحص، تلق، إدراك(1)) يعمل عن
طريقها على تصنيف المثير الخارجي وتقييمه ثم الإعداد
للتفاعل معه. وتعتمد هذه المنظومة على جملة من الآليات
التي تستخدمها خلال عملياتها المختلفة. وسنتعرض في هذه
الأوراق لعلمية تحليل نريد من خلالها استكشاف منظومة
الإدراك الإنسانية، للوقوف على مدى أهليتها للتعاطي
الموضوعي مع المدركات، وبصورة خاصة المدركات فوق الطبيعية،
أو بالأحرى فوق الحسية، في سياق تقييم لأداء هذه المنظومة
مع المدرك الغيبي.
مع أن
المقصود بالخطاب (المقدس) يمكن أن يشمل عموم النصوص
(الإلهية)، إلا أننا سنؤكد على الخطاب الإسلامي، الذي هو
المخطوط القرآني باعتباره نص جاء به الرسول محمد(ص) ونحاول
أن نشخص ونؤشر الأبعاد الذاتية(2) والموضوعية في هذا
الخطاب.
مبدئيا سنصنف
عملية تلقي هذا الخطاب على أنها اتصال تمت بين الله
والإنسان، وعليه سندخل من خلال تأشير الجهات الثلاث
(المُخاطِب، الخِطاب، المُخاطَب) التي تتكون منها جميع
عمليات الاتصال، بضمنها الوحي، الذي تتكون عملية الاتصال
فيه من: المُخاطِب الذي هو بالمفروض الله سبحانه وتعالى
والخطاب، بما يتضمنه من ترجمة للوحي يقوم بها الرسول(ص)،
والمُخاطَب ألذي هو المتلقي (الإنسان بصورة عامة).
ويأتي سؤال
الذاتية في الخطاب من كونه يمر عبر هذه المراتب الثلاث،
وبالتالي يمر عبر وساطة الإنسان (الرسول) واسطة نقل الخطاب
وتحويله من خطاب الهي إلى خطاب أنساني.
الرسول
محمد(ص) هو الذي نقل لنا الخطاب، بعنوان أنه خطاب إلهي
مرتبطة بالله سبحانه وتعالى، وهكذا يصبح طرف الإنسان في
المعادلة الخاصة بموضوعية الخطاب هو نقطة الضعف فيها.
بمعنى آخر أننا سنخرج في معالجتنا هذه من دائرة التساؤل
حول مدى إلهية الخطاب، إلى دائرة أخرى تشتمل على التساؤل
حول بقاء الإلهية في الخطاب، خلال رحلة انتقاله من المطلق
إلى المقيد، منتقلين بذلك من السؤال الذي يقول:
هل الخطاب
القرآني خطاب إلهي؟
إلى سؤال آخر
يقول:
هل بقيت
القيمة الإلهية (ما فوق الإنسانية) المتضمنة في الخطاب على
حالها، أثناء عملية نقله إلى المستوى البشري؟
بعد أن نتطرق
لجهات الاتصال الثلاثة، سنحاول الكشف عن الكيفية التي يتم
من خلالها ممارسة الاسقاطات الذاتية، ثم بعد ذلك ننتقل
لإيضاح العلاقة بين الوحي ومنظومة الإدراك الإنسانية، في
محاولة لصياغة وجهة نظر نقدية تؤسس لتعاط آخر مع المفاهيم
التالية: (الوحي، العصمة، النص المقدس). بعد ذلك سنحاول
تطبيق وجهة النظر على واحد من أهم المفاهيم التي عالجها
النص المقدس، وهو مفهوم التوحيد لنختبر المعطيات التي
سنخرج بها حول ذاتية وموضوعية تعاطينا مع المدرك الغيبي،
من خلال هذا المفهوم.
مثلث الاتصال:
إن الجذر
الذي تتأسس عليه التساؤلات المتعلقة بمدى أهلية منظومة
الإدراك الإنسانية للتعاطي مع المُدرك الغيبي، هو أن عملية
الانتقال بالخطاب من كونه إلهي، إلى كونه إنساني تتضمن
الكثير من الفعاليات، أهونها عملية ترجمة الخطاب، من
المستوى فوق اللغوي، إلى المستوى اللغوي، الأمر الذي يعني
أن هذا الخطاب خضع لمنظومة الإدراك الإنسانية، ومن ثم
لعملية ترجمة، وخلال مروره بهاتين الفعاليتين، فإنه ولا بد
قد خضع لعملية ضغط تتناسب وحجم المفردة اللغوية، من جهة،
وتقابل المفهوم الإنساني من جهة أخرى.
من وجهة
النظر التي تنطلق منها هذه الأوراق تكون المشكلة التي تهدد
القيمة الموضوعية للخطاب، مندرجة في إطار التشويه الذي
يلحق بالمفاهيم أثناء عملية نقلها من المستوى المطلق إلى
المستوى المقيد أو المحدود.
كما قلنا
سابقاً فإن مثلث الاتصال يتكون من مكونات أو أركان ثلاثة
هي:
أولاً: المُخاطِب (الله):
الذي هو فوق
طبيعي، لا يمكن تصوره، أو جعله موضوعاً مباشراً للإدراك
الإنساني (البدائي) خاصةً وأنه كموضوع، يقع خارج نطاق
تجربة الإنسان الإدراكية، والإنسان خلال تعاطيه مع مواضيع
إدراكه لا يستطيع أن يخرج عن حدود تجربته، وكما سنحاول
توضيحه لاحقاً. لكن لا بد لنا من الإشارة إلى أننا لا
نستطيع أن ننجز حكماً يقينياً بالمضمون المنقول إلينا عبر
النص المقدس، إلا بالاعتماد على العبارات والألفاظ التي
استخدمت كآلة تم من خلالها شحن ذلك المضمون خلال مسافة
رحلته من المطلق إلى المقيد. وهذه العبارات أو الألفاظ
وكما هو واضح، منتجات إنسانية، ابتكرها الإنسان انطلاقاً
من تجربته (التاريخية/ الحضارية)، وبالنتيجة يكون المضمون
المطلق (الإلهي) مشحون أو منقول إلينا بعبارات المقيد
(البشري)، ومن ثم يمكن لنا أن نتخيل (تسامحاً) أن تجربة
المطلق الأزلية الخارجة عن كل نطاق زماني ومكاني، اضطُرَّت
للاندراج بقيود ومحددات تجربة المقيد الحديثة زماناً
والضيقة مكاناً. ومع أن فاصل الخبرة بين البالغ والطفل ليس
كبيراً نسبياً، إلا أن البالغ يواجه مشكلة كبيرة في عملية
التواصل مع الطفل، أو نقل المعلومات إليه، والسبب في ذلك
يكمن بأن منظومة الطفل قليلة التجربة، وهي من ثم غير مؤهلة
للتواصل مع منظومة البالغ. هذا حال الطفل مع البالغ مع أن
فاصل الخبرة بينهما قليل، فكيف يمكن أن يكون حال التواصل
الذي يحصل بين الإلهي والبشري؟.
ثانياً: الخطاب (الرسول/ تلقي الرسالة):
ونقصد
بالخطاب العملية التي تم خلالها انتقال (الوارد أو المراد
أو المضمون) الإلهي، إلى الرسول وتحوله بالتالي من مراد
إلهي فوق طبيعي، إلى مدرك إنساني طبيعي، ونقصد بعملية
التحول من ما فوق الطبيعي إلى الطبيعي، اندراج المضمون
الإلهي بالقوالب (المفاهيمية/ اللغوية) الإنسانية، أو مرور
المعطى الغيبي خلال منظومة الرسول الإدراكية، وتحوله لمدرك
أو معلوم أو معروف.
ومع أن
الرسول(ص) يصدق عليه أنه مُخاطَب، الأمر الذي يحتم علينا
أن نصنفه ضمن الركن الثالث من أركان عملية الاتصال، لكننا
في هذا العنوان سنركز على عملية التواصل قبل اكتمالها
وتحولها لخطاب مميز موجه للرسول كمُخاطَب، ونترك معالجته
كمُخاطَب للعنوان التالي، إلا أننا نريد أن نستثمر اتضاح
ازدواجية دور الرسول(ص) بوصفه خطاب ومخاطب في نفس الآن،
لنشير بإيجاز إلى انشطار العصمة لهذا السبب، وتحولها إلى
عصمتين هما:
1. عصمة
الخطاب حتى لحظة اندراجه في منظومة الرسول الإدراكية،
وتحوله لمدرك إنساني.
2. عصمة
الخطاب خلال انتقاله من الرسول إلى الناس.
ثالثاً: المُخاطَب (الإنسان، الحضارة، التاريخ):
الخطاب
المقدس في هذه المرحلة يكون موجه للإنسان، للتجربة
البشرية، بكل ضعفها وقلة خبرتها، وعدم أهليتها للتعاطي مع
الماوراء، تعاطياً مجرداً عن الاسقاطات الذاتية، وهنا
ينكشف لنا بعداً آخراً من أبعاد الإسقاط الذاتي الذي يمارس
على النص المقدس، فحتى مع التسليم بأن منظومة التلقي عند
الرسول فوق بشرية، لا يمكننا أن نقول بأن منظومته في
الإلقاء أو التواصل مع الآخرين خارقة أيضاً، لأن عملية
التواصل في هذه المرحلة لا يقوم بها الرسول (المعصوم) فقط
بل يشترك معه بها الناس، وهم غير معصومين.
بهذه الحدود
نكون قد مهدنا للمدخل الذي سنعالج من خلاله الأثر الذي
يمارس على النص المقدس من خلال منظومة الوعي الإنسانية،
فخلال هذه المراتب الثلاثة انتقل الوحي، وتحول من مضمون
لمضمون مغاير، والمغايرة هنا إن لم تكن مفهومية، فهي لغوية
حتماً، إذ الشكل اللغوي (العربي) الذي لبسه الخطاب الإلهي،
يعدُّ نوعاً من أنواع المغايرة، بسبب أن الخطاب بمرتبته
الإلهية فوق مستوى جميع اللغات.
الأبعاد الذاتية والموضوعية في الخطاب الأول
بمثابة توضيح
من الواضح أن
ملكة الإدراك الإنساني محدودة بحدود تجربته التاريخية، فهو
حين يجعل من الواقع الخارجي موضوعاً لإدراكه ونقل هذا
الإدراك للآخرين، إنما يعتمد على منظومة من (لغة، مفاهيم،
معايير، قيم) يستعملها في التعاطي مع هذا الموضوع من أجل
تكوين صورة ذهنية تجعله ـ الموضوع ـ قابلاً للتصنيف
والتحديد والتسمية ومن ثم الاندراج في نفس مفردات منظومة
الإدراك ليكون منطلقاً أو مساعداً في إدراك المواضيع
الأخرى.
ومن هنا
تنطلق إشكالية الذاتية في الوعي الإنساني، وتختلف من ثم
وجهات النظر بخصوص الموضوع الواحد، حيث يستعمل كل فرد، ومن
ثم كل مجتمع أو مجموعة بشرية، إرثه وثقافته وجملة بنيته
المعرفية كإطار مرجعي في عملية التعاطي مع الموضوع، وهكذا
يتعرض المثير الواحد لعملية معالجة من أطر مرجعية مختلفة،
ويصبح من الأكيد أن تختلف وجهات النظر وتتباين. وفي
الحقيقة أن هذا الأمر لا يملك الإنسان بإزائه حيله، فهو
بأي حال لا يستطيع أن يستعير أدوات الآخرين الإدراكية في
تعاطيه مع الواقع، خاصة وأن عملية الحكم والتقييم على
الموضوعات، تكون في الأعم الأغلب عملية ذاتية، إذ التصديق
أو عدم التصديق بالحكم أمر ذاتي وليس موضوعي. وهكذا تكون
آلية الإدراك بكل ما تحتوي عليه من (لغة ومفاهيم ومعايير
وقيم) حاكمة ومتحكمة في صنع الصورة الذهنية للموضوع
المُدْرَك. وسنحاول التطرق بصورة مبسطة أولية لتأثير كل
مفردة من هذه المفردات:
أولاً: اللغة
لا يخفى بأن
مفردات اللغة الخاصة بأي ثقافة محدودة بحدود تجربتها
التاريخية، وهي بالتالي صنيعة من صنائع هذه التجربة، وأن
أي لغة عرضة لعملية تغير وتبدل وتطور، بحكم التطور الذي
يمر به الإنسان، مستخدم هذه اللغة، وعلى هذا الأساس يقفز
للذهن السؤال الذي يقول: إلى أي مدى يمكن للغة محدودة
المفردات خاضعة لتجربة ثقافية محدودة في أن تنجح بعملية
نقل موضوع يفوق قدرتها الاستيعابية من جميع الجهات. بعبارة
أخرى كيف تستطيع اللغة العربية أن توفر كمّاً من المفردات
يكافئ كم المعاني المراد نقله من منطقة الغيب، وهي اللُّغة
التي يمكن القول بأنها كانت ولا تزال بمعرض التَشَكُّل.
بحسب الفرض
الإسلامي فإن لكل واقعة حكم، فكيف يمكن للُّغَةِ العربية
أن تنقل الحكم المتعلق بموضوع لا تمتلك مقابله اللغوي، في
خزين مفرداتها؟
ونستطيع أن
نأخذ مثالاً يقرب الإشكالية بصورة أكثر، فعندما كان النص
المقدس بمعرض وصف النور الإلهي في سورة النور، جاء الوصف
بالشكل التالي: ((الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكوة
فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري،
يوقد من شجرة مباركة، زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد
زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نو على نور يهدي الله لنوره
من يشاء))(3). ونلاحظ أن المفردات (مشكاة، مصباح، زجاجة،
كوكب درّي، شجرة مباركة، زيت، ضوء، نار، نور) مفردات
إنسانية خاضعة وكما قلنا للتجربة الإنسانية، وهي لا تناسب
المعنى المراد إيصاله، المعنى الذي يتعلق بالذات المطلقة،
الذات التي تقع خارج الحس والخيال والتجربة الإنسانية.
المدرك هنا غريب على التعاطي البشري، ولذلك بدت المفردات
مثقلة بصورة ومعنى يفوقان القابلية المودعة فيها، نعم في
النهاية كانت وصف النص المقدس للنور الإلهي ساحر لكن
ساحريته محددة بتجربتنا، أي أننا أسقطنا ومن خلال لغتنا
محدودية واضحة خلال عملية وصف القدرة الإلهية غير
المحدودة، ومن ثم وبسبب ذلك بقيت القدرة أو المنزلة، أو ما
لا أعرف تسميته الحقيقية بقيت مرهونة بالصورة الذهنية،
للضوء والنار والنور. ويبدوا الأمر واضحاً أكثر بالنسبة
للآيات التي تم خلالها وصف التواصل الإلهي باستخدام
المفاهيم المتعلقة بأدواة التواصل الجسدية البشرية (اليد)
مثلاً، ((يد الله فوق أيديهم))، فالجدل الذي أثاره هذا
الاستخدام والمتعلق بتجسم الله تعالى منشأة الإسقاط الذي
يمارسه المفهوم المحدود على المعنى المطلق، عليه فالإنسان
لا يستطيع أن يتعامل مع غير المفهوم الأرضي، ولا يمكنه
التواصل مع المقابل المعنوي (الإلهي) المراد نقله من خلال
المفهوم الأرضي، لأن هذا التواصل خارج حدود التجربة، ليست
الفردية بل والنوعية أيضاً.
ثانياً: المفاهيم
نفس الأمر
يقال عن المفاهيم، ذلك أن المفاهيم الإنسانية، وفي أي
ثقافة تكون محدودة بتجربة تلك الثقافة التاريخية ومرهونة
بها، والسبب في ذلك أن المفاهيم لا تتكون من فراغ، فهي
حصيلة مباشرة للتجربة، حتى وإن كانت خيالية، وبدون التجربة
لا يتكون المفهوم، ولا الصورة الذهنية الخاصة بموضوعه،
تقول لندا.ل دافيدوف: »تؤثر الخبرات في ثقافة معينة على
طريقة التعامل مع المعلومات فتصور مثلاً أقزام البامبوطي (Pygmies
BaMbuti)
الذي يعيشون في الغابات الاستوائية الكثيفة في الكونجو حيث
يندر وجود المناظر البعيدة 100 قدم من أعلى شجرة إلى
الأرض. ولكن أحد هؤلاء الأقزام ويدعى كنجي
Kenge
قام برحلة مع أحد علماء الانثروبولوجيا ويسمى كولن تيرنبول
Colin Turnbuill إلى
سهل منبسط حيث رأى لأول مرة في حياته مسافة تمتد أميالاً
وإليك ما كتبه تيرنبول عن هذا الحديث. نظر كنجي عبر السهول
إلى مكان يوجد فيه قطيع من مائة ثور ينظرون إليه من على
بعد أميال. فسألني ما نوع هذه الحشرات فأخبرته أنها ثيران
وأنها في ضعف حجم ثيران الغابة المعروفة له. فضحك بصوت عال
وأخبرني ألا أحكي مثل هذه الحكاية السخيفة وسألني مرة أخرى
عن نوع هذه الحشرات. ثم أخذ في التحدث إلى نفسه وكأنه يبحث
عن رفيق أكثر ذكاء وحاول أن يجد رابطه بين الثيران وأنواع
الخنافس والنمل المألوفة لديه. وظل على هذه الحال حتى
ركبنا في السيارة إلى حيث يوجد قطيع الثيران. وأخذ يراقب
القطيع والثيران تبدوا أكبر فأكبر ورغم شجاعته، مثله مثل
كل الأقزام، إلا أنه تحرك وجلس بجانبي ودمدم قائلاً بأن
هذا سحر. وأخيراً عندما تحقق من أنها ثيران حقيقية. كف عن
الخوف. ولكن ما كان يحيره هو السبب في أنها كانت تبدوا
صغيرة جداً وإذا ما كانت فعلاً صغيرة وكبرت فجأة. أو أن
هناك خدعة في الأمر«(4) هكذا نرى أن أقزام البامبوطي لم
يكوّنوا مفهوماً ما يقابل العلاقة الطردية بين حجم الشيء
وبعده عن العين، وبالتالي بقي كنجي لا يستطيع أن يفهم كيف
يكون موضوع الإدراك (ثيراناً) وأنها في نفس الوقت صغيرة
الحجم، والسبب في ذلك هو نفس خبرة ليس كنجي فقط وإنما
ثقافة مجموعته التي كانت تعيش في بيئة كثيفة الأشجار الأمر
الذي لا يوفر مدى بعيد للرؤية، وهكذا بقي مفهوم (بعيد) ـ
الذي لا بد وأن (كنجي) يعرفه ـ لا يرتبط بصغر حجم الشيء
البعيد، ومن ثم أثرت التجربة الثقافية في أن يكون المفهوم
غير تام. وهناك مثال آخر، فمفهوم الأنوثة مرتكز ومتأسس على
مفهم المرأة. مفهوم الأنوثة مشتق من مفهوم المرأة ومفهوم
المرأة أيضا مرتكز ومتأسس على المرأة الخارجية، بمعنى أن
للصورة الخارجية اثر فعال على تشكيل المفهوم.
عندما يقال
أنثى يتصور المتلقي إمرأة بثديين بارزين وشعر طويل.
بالتالي فالإنسان في مرحلة صياغة مفهوم الأنوثة استعار
الكثير من مفردات المرآة ومفردات مفهوم المرآة شكل منها
مفهوم الأنوثة ولذلك عندما يكتشف الإنسان البسيط أن كثافة
الشعر بالنسبة للأسود معكوسة وأن ذكر الأسود كث الشعر
والأنثى بلا شعر يشعر بالاندهاش لأنه يفترض بأن الأنثى
بصورة عامة بشعر كثيف على الرأس.
هكذا نعتقد
بأن التجربة المفاهيمية تبقى محدودة بحدود الخبرة الخاصة
بالجماعة وتاريخها وغنى تجربتها. ومن هنا نجد بأن الكثير
من الآيات القرآنية كانت عرضة للجدل الذي هدد الكثير من
المضمون القرآني للهدم، خاصة ـ وكما أشرنا سابقاً ـ تلك
الآيات المتعلقة بالتجسيم والتجسيد، حيث أنها حاولت أن
تتعرض لنقل مضامين عن الغيب أو القدرة المطلقة، لا تشبه
أياً من المضامين المتعلقة بتجربة الإنسان المتلقي، فكان
لا بد لها من استعارة المفاهيم الأكثر قرباً من الموضوع
المراد نقله.
إن مفهوم
اليد في القرآن (يد الله فوق أيديهم) ومفهوم الاستواء
(استوى على العرش) ومفهوم القول (وإذ قال ربك للملائكة)...
الخ كلها مفاهيم مستعارة من تجربة المتلقي، وأنها لا تناسب
الحقيقة المنقولة، فنحن نعتقد بأن هناك مفارقة تطرحها هذه
الآيات، إذ أن هناك معنى يناسب جهة الغيب الجهة الإلهية
كان بمعرض النقل لجهة الشهادة الجهة البشرية، وأن هذا
المعنى خرج من خلال مفهوم اليد، أو مفهوم الاستواء، ثم بعد
ذلك أثار هذا المفهوم جدلاً واسعاً في بيئة التلقي، فقد
أدركت هذه البيئة بأن مفهوم اليد لا يمكن أن يكون مطابقاً
تاماً للمفهوم المراد نقله أساساً، ثم بمرحلة متقدمة أنكرت
هذه البيئة المطابقة وانتهت إلى أن المطابق الحقيقي لهذه
المفاهيم غير معروف، كما يقول الشافعي مثلاً (الاستواء
معلوم والكيفية مجهولة) وهكذا عجزت عملية النقل عن أداء
دورها التام في نهاية المطاف، فقط لأنها مرهونة بتجربة
الإنسان.
نفس الأمر
يقال عن المفاهيم (الملائكة، الوحي، الشياطين، الجنة
النار... الخ) فكلها مفاهيم قيّدت بتجربة الإنسان ومن ثم
بقيت مثيرة للجدل والأخذ والرد وبالتالي الاختلاف والتعارض
والتشتت.
ثالثاً: المعايير والقيم
للمعايير
والقيم أثر مهم في عملية الإدراك الإنساني، ومن ثم في
عملية نقل المعلومة، إذ أن دقة المعيار المستخدم في آلية
الإدراك بالنسبة لمعرفة وزن المعلومة المعرفي أو المعنوي
أو المادي، ومعنى القيمة في تلك الآلية، هما اللذان يحددان
في نهاية المطاف الشكل الخارجي والمحتوى الضمني للمعلومة،
سواء كانت منقولة أم مُسْتَقبلة من الخارج.
الوحي وآليات التلقي الإنساني.
أولاً: ما هو الوحي
تُستخدم كلمة
وحي عدة استخدامات متقاربة من بعضها البعض وكلها تدل
بالجملة على عملية الاتصال فـ»يقال: وحي يحي وحياً، أي:
يكتب كتباً.. وأوحى الله إليه، أي بعثه. وأُوحىَ إليه؛
ألهمه وقوله عز وجل [وأوحى ربك إلى النحل] أي؛ ألهمها
وأوحى لها معناه؛ وأوحي إليها في معنى. الأمر قال الله عز
وجل: [بأن ربك أوحى لها].. وزكريا أوحى إلى قومه أي أشار
إليهم، والإيحاء الإشارة«(5)، وقد تدل على ما هو أعم من
ذلك مثل »الإشارة والكتابة والرسالة... والكلام الخفي وكل
ما ألقيته إلى غيرك«(6)، وربما استخدمت لغوياً للدلالة على
خصوص »الوحي إلى الأنبياء (ع).. وأصل الإيحاء أن يسر بعضهم
إلى بعض.. وهو الإعلام في خفاء ولذلك صار الإلهام وحياً..
وكذلك الإشارة والإيماء يسمى وحياً«(7)، ولهذا كانت تسمية
جبريل (ناموس الله) ـ التي تعني المكان الذي يستتر به ـ
لكونه يدل على عملية اتصال سرية بين الله والرسول.
وقد استخدم
مفهوم (وحي) في القرآن للإشارة إلى ما هو أعم من الاتصال
بخصوص النبي من قبل الله، فهناك وحي بين الله والنحل:
[وأوحى ربك إلى النحل](8)، وبين زكريّا وقومه: [فأوحى
إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا](9)، وبين الله والملائكة: [إذ
يوحي ربك إلى الملائكة](10).
أما الوحي
اصطلاحاً فهو عند علماء الشريعة يستخدم للدلالة على »كلام
الله المنزل على نبي من أنبيائه.. خاطر الملك .. الذي ينفث
في الروع.. والإلهام .. وقد يكون الوحي في اليقظة كما يكون
رؤيا في المنام.. ـ وهو لدى المتكلمين ـ كشف الحقيقة كشفاً
مباشراً مجاوزاً للحس ومقصوراً على المختارين لهذا اللون
من الإعلام ـ أما لدى الفلاسفة فهو ـ اتصال النفس
الإنسانية بالنفوس الفلكية اتصالاً روحياً فترتسم لديها
صور الحوادث، وتطلع بهذا الاتصال، على عالم الغيب«(11).
ثانياً: الربط بين الوحي وآليات الإدراك:
بما أن الوحي
عبارة عن نوع من أنواع الاتصال الذي يتضمن عمليتي الإلقاء
والتلقي، التي تحدث بين طرفين دائماً؛ (الله/ الإنسان،
الله/النحل، الإنسان/ الإنسان).
وبما أن
الاتصال لا يتم إلا بوجود طرفين اثنين هما: (الملقي
والمتلقي)، إذن وحتى تتم عملية الاتصال بصورة كاملة، لا بد
للطرفين من أداة تواصل، وعادة ما تكون أداة الاتصال في
الحالات الطبيعية هي اللغة (في حالة الاتصال بين الإنسان
والإنسان)، بل حتى خلال عمليات التواصل غير الطبيعية لا
يمكن تخطي اللغة، حيث أن الإنسان وحتى في حالة التفكير
الداخلي يستخدم اللغة، بل ويعتمد عليها بالكامل خلال
عمليات التأمل وما شابهها من عمليات الاستبطان الأخرى. لكن
لنفترض أن عملية الوحي، هي عملية تواصل من نوع خاص، ومن ثم
لا تكون اللغة هي أداة الاتصال، أو أنها لا تمارس دوراً
مباشراً.
لنفترض بأن
اللغة لا تكون فعّالة في حالات الـ(إلهام، الإشارة، خاطر
الملك، المَنْفُوث في الْرَوْع، الكشف المجاوز للحس). عليه
فلا بد أن تكون أداة التواصل مقتصرة على المفاهيم، حيث
يعول عليها في هذا القبيل من التواصلات، فمن الواضح بأن
الإنسان ومهما استطاع التخلي عن اللغة خلال عملية التلقي،
فإنه لا يستطيع أن يتخلى عن المفاهيم أبداً، وإلا لا تكون
هناك عملية اتصال نهائياً.
على أساس ما
تقدم يتضح لنا بأن عملية الإيحاء أو (الوحي) تفترض وجود
أداة إنسانية، تم بواسطتها نقل المضامين فوق الطبيعية
(الإلهية) وجعلها طبيعية، أو بالأحرى (إنسانية)، الأمر
الذي يستدعي منّا إخضاع هذه الأداة للمناقشة والتأمل في
حال أننا أردنا أن نمارس أي نوع من أنواع الاقتراب المعرفي
من عملية الوحي.
ثالثاً: محدودية أدوات التلقي الإنساني ونسبية مفاهيمها
(الحاجة لفحص
أدوات التلقي قبل إنجاز أي تقييم يخص نجاح عملية الاتصال)
يتمتع
الإنسان ودونا عن باقي أنواع الجنس الحيواني بمنظومة
متقدمة جداً للإدراك. وقد قادته هذه المنظومة خلال رحلته
الطويلة على الأرض إلى ما وصل إليه الآن من تقدم حضاري
هائل. حيث تعدُّ هذه المنظومة أحد أهم أسباب الحضارة
الإنسانية، ومن ثم قد تكون هي وحدها وراء تميز الإنسان عن
باقي المخلوقات.
لكن من جهة
أخرى فإن هذه المنظومة ومهما كانت خلاقة ومبدعة، فأنها
ولابد محدودة بحدود، ومقيدة بقيود، وكما أنها وراء كل
نجاحات الإنسان، فإنها أيضاً وراء كل فشله وجملة مشاكله،
وكما أنها كانت الأداة التي قادة الإنسان للفهم الصحيح
فإنها من زاوية أخرى قادته للفهم الخاطئ، وهكذا. فبالإضافة
لمشكلة الإسقاطات التي تمارسها محدودية اللغة والمفاهيم
الإنسانية، هناك مشاكل أخرى تجعل هذه المنظومة تتلكأ في
عملها، هي أنها تستخدم آليات في الكشف عن الواقع قابلة
للخطأ والصواب، ومهما كان خطأ هذه الآليات قليلاً، ومهما
كانت دقتها كبيرة، غير أنها في نهاية الأمر قابلة للخطأ،
الأمر الذي يساوي عدم قابليتها على إنتاج اليقين الموضوعي
(التام). ومن هذه الآليات ما يمكن تسميته بـ:
أولاً: آلية
التعميم، التي تؤدي بالمُدْرِك إلى تعميم الحكم المتعلق
ببعض أفراد موضوع معين على جميع أفراد أو مصاديق ذلك
الموضوع. بعبارة أخرى؛ أن منظومة الوعي ومن خلال هذه
الآلية، تقفز من عملية الحكم على الجزء المقيد إلى الحكم
على الكل المطلق، دون أن تستند في قفزها ذاك على مبررات
موضوعية.
ثانياً: آلية
توالد المفاهيم، من بعضها البعض. حيث تعمل هذه الآلية
عندما تكون بمعرض صياغة مفهوم جديد أو حتى عندما تكون
بمعرض التعاطي مع المفاهيم الموجودة على صعيدي (الإدراك
والحكم)، إلى الرجوع لكل المفاهيم ذات الصلة بهذا المفهوم،
وعندما تكون بعض هذه المفاهيم أو كلها خاطئة، فإن النتيجة
ولا بد ستكون خاطئة.
ولتوضيح الموضوع أكثر سنورد بعض الأمثلة:
1. آلية
التعميم
قلنا أن
التعميم يعني ببساطة، قيام الإنسان بتعميم أحكام الجزء على
الكل، فهو يقوم بإجراء استقراءً ناقصاً على العلاقة بين
حكم ما وأفراد موضوع معين، فمثلاً، أنه يجد بأن الحديد
معدن وهو صلب، والألمنيوم معدن وهو صلب أيضاً، وكذلك
الذهب، والفضة... الخ، ومن ثم فإنه سينجز حكماً عاماً على
جميع المعادن بأنها صلبة، وفي حال أنه وجد أن معدناً ما
مختلف من هذه الجهة فإنه سيتفاجأ حتماً، إن الدهشة التي
يتعرض لها المدرك في هذه المواقف تكشف عن أنه لا يعي حدود
منظومته الإدراكية، بالتالي فإنه وفي معظم الأحيان لا
يستطيع أن يتعامل معها تعاملاً نقدياً، فمع أنه يدرك بأنه
لم يفحص صلابة جميع أنواع المعادن، إلا أنه تعامل مع
النتيجة التي خرج بها (المعادن صلبة) على أنها نتيجة تامة
لا تقبل الخطأ.
من الواضح
بأن آلية التعميم بحد ذاتها ضرورية بالنسبة لعملية الإدراك
الإنساني، لا بل أن هذا الإدراك يبدوا في بعض الأحيان غير
ممكن في حال فقدان هذه القابلية، فبدونها سيقع الإنسان
بأحد مشكلتين، الأولى هي أنه لن ينجز حكماً عاماً بخصوص أي
موضوع، لأنه لا يستطيع فحص جميع مصاديقه، وهذه مشكلة
حقيقية، حيث لن نستطيع التعامل مع المواضيع بدون معرفة
خصائصها، التي هي أحكامنا عليها. والمشكلة الثانية هي أن
يضطر الإنسان لإجراء الاستقراء التام، وهو أمر غير ممكن.
إذ كيف يستطيع الإنسان أن يفحص جميع المعادن من أجل أن
ينجز الحكم بصلابتها جميعها أم لا. فحتى لو تصورنا أن ذلك
الأمر ممكن، فمن أين سنعرف بأننا اكتشفنا جميع أنواع
المعادن مثلاً.
إذن،
فالتعميم كآلية في الإدراك، أمر لا بد منه، ولو أننا
أجرينا مقارنة بين المشاكل الإدراكية التي تسببها هذه
الآلية وبين الفوائد المعرفية، سنقرر حتماً بأن التوقف عند
هذه المشاكل أمراً كمالياً تماماً ولا جدوى من وراءه. إذن
فلماذا نتوقف نحن عنده؟
في الحقيقة
أن مشاكل التعميم لا تظهر عندما تكون الأحكام مستندة
للاستقراء، بل على تلك التي تستند على الاستنتاج، من جهة،
ومن جهة أخرى تظهر المشكلة أيضاً عندما تحتاج هذه الآلية
إلى التعاطي مع المفاهيم التي تتعلق بالمواضيع فوق الحسية،
إذ في هذه الحالة تقوم بمحاكمة هذه المفاهيم بنفس الطريقة
التي تحاكم بها المفاهيم المتعلقة بالمواضيع الحسية.
فمثلاً هناك مفاهيم ليس لها موضوع في الخارج، مثل مفهوم
الجن، فالجن على كل حال لم يقعوا يوماً موضوعاً للإدراك
الحسي، ومن ثم فإن الإنسان لا يستطيع أن يضع قبال المفهوم
الخاص بهم صورة ذهنية، عليه فهو ينزع للتخيل، وهو خلال
عملية التخيل لا يستطيع أن ينطلق من الفراغ، وهكذا سيكون
مضطراً لاستعارة بعض التفاصيل الخاصة بمفهوم الإنسان ليسد
بها الفراغات التي يحتاجها لتكوين الصورة الذهنية الخاصة
بالجن، ومن ثم وبمرحلة لاحقة تكوين أبعاد مفهومه عن الجن.
وهذا هو السبب الذي جعلنا نفترض بأن الجن يمشون مثلنا على
قدمين ويرون بعينين وهم يتكلمون حتماً ولهم أصوات،
وأيدي... الخ. إن كل هذه الصفات التي شكلنا من خلالها
الصورة الذهنية المتعلقة بمفهوم الجن، هي صفات لا تمتلك أي
رصيد موضوعي، وهي حتماً صفات غير دقيقة.
نفس الأمر
يقال عن مفهوم الإله أو الرب، فقد عمم الإنسان أول ما
تعامل مع هذا المفهوم معظم الصفات التي يتصف بها هو، على
الإله، فافترض بأنه لا يستطيع أن يدرك بدون السمع والبصر،
وافترض أيضاً بأنه يغضب ويرضى، ومن ثم فقد حاول إرضاءه
بنفس الأمور التي يستخدمها هو في حال أنه حاول إرضاء أحد
أبناء جنسه، أي أنه قدم القرابين، الأشياء التي تهمه افترض
بأنها تهم الرب، لذلك فعندما يغضب الرب تقدم له القرابين.
وهكذا أخذت الأحكام التي بناها الإنسان على استقراءه
للواقع الخارجي تسري حتى على المواضيع التي لم يجد لها
موضوعاً في نفس الواقع. لقد وجد أن جميع الكائنات تتكون من
جنسين اثنين، ذكر وأنثى، وهكذا لم يستطع أن يتخيل بأن تكون
الآلهة أو الجن من جنس واحد. الآلهة يجب أن يكونوا ذكور
وإناث، والجن كذلك.
ليس هذا
فحسب، بل إن مفهوم الإله مفهوم إنساني مستنبط من مفهوم
الألوهية، فلإنسان ـ وكما قلنا سابقاً ـ لا يستطيع أن
يتعامل مع المفاهيم التي ليس لها تجسد واقعي، ومفهوم
الألوهية مفهوم اضطر الإنسان لابتكاره بعد أن أدرك بأن ثمة
قوى تتحكم بالمصير وأن هذه القوى غير منظورة بالنسبة إليه،
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أدرك أيضاً بأن هذه القوى تفوق
قدراته على التخيل والوصف. هكذا تعامل الإنسان مع موضوع
فوق طبيعي، فوق حسي، فوق إدراكي، فماذا صنع؟
لقد قام
الإنسان (بأنسنة) هذا المدرك، من خلال تجزئته وتفكيكه،
حوله إلى نوع وأفراد، ألوهية وإله، فقط من أجل أن يصل
بمرحلة لاحقة إلى إنجاز صورة ذهنية للإله، يتمكن من خلالها
من إنجاز مفهوم محدد له. هكذا ولهذا السبب صار الإله يسمع،
ويرى ويتكلم. لأن الإنسان تمكن من سحبه لساحة وجوده، جعله
فرداً، أو أفراد، بعد أن كان منفلتاً عن هذه المحددات. لم
يكن الإنسان ليستطيع أن يتعامل مع مفهوم الألوهية، لأنه لا
يستطيع أن يشكل عنها صورة ذهنية، ما دامت لا تشبه الأشياء
التي يدركها ويتعامل معها، ولهذا لم يكن أمامه إلا أن
يماهي بينها وبين واقعه. لقد عمم العلاقة بين مفهوم
الإنسانية ومفهوم الإنسان الفرد، واستنبط من خلال ذلك
مفهوم الإله الفرد، أو المتعدد، أو الأول والآخر، ولو أن
الألوهية بقيت على حالها لكان الإنسان في غنى عن الدخول في
الصراعات التاريخية الدموية التي جرها عليه دفاعه عن كون
الإله واحد أم متعدد، قديم أم حادث، مطلق في قدرته أم أنه
ليس كذلك.... الخ.
إن كل هذه
المحددات إنسانية نشأت من الصورة التي أنتجها الإنسان عن
الإله، والتي اتكأ في الكثير من مفرداتها على الصورة
الذهنية التي كونها عن نفسه. وهكذا نستطيع أن نفهم القول
الذي تردده معظم الحضارات، وتقريباً كل الديانات، من إن
الإنسان مخلوق على صورة الله. والحقيقة أن الإنسان استنبط
صورة الإله من صورته ومن ثم افترض أن الإله هو الذي أراد
ذلك.
الحيوان جنس
تحته أنواع، هذا ما استقراه الإنسان، ومن ثم حكم به.
السماء ليست كذلك، لأن الإنسان لم يجد لها أنواعاً، فيحكم
بكونها جنساً، الماء أيضاً ليس جنساً تقع تحته أنواع،
والهواء كذلك. كل هذه الموجودات خارجية يمكن للإنسان أن
يشكل لها صورة ذهنية مبنية على معطيات خارجية (حسّية)،
ولهذا السبب لم يكن مضطراً لأن يشرك خياله في تحديد
مفاهيمه عنها. بمعنى آخر إن إسقاطات الإنسان على الموضوع
الخارجي الذي يقع في مجال إدراكه تقل طردياً مع كثافة
المعطيات الحسيّة، المتوفرة عنه في الخارج. غير أنه عندما
يصطدم بموجودات عقلية بحته، مجردة، فإنه لا يستطيع إلا أن
يسقط عليها الكثير من المحددات التي لا تتأسس على المعطيات
المتعلقة بها.
2.
آلية توالد المفاهيم:
لنفترض بأن
الإنسان كائن لا يمتلك عينين، ولنتصور معارفه في حال
فقدانه تلك الحاسة المهمة. كيف سيكون شكل المفاهيم
المتعلقة بها؟ مفهوم الجمال مثلاً، المرأة، الطبيعة،
الشجرة، كل هذه المفاهيم صيغت في المعرفة الإنسانية
والإدراك البشري انطلاقاً وبالاعتماد على حاسة البصر. إذ
لا يخفى مقدار ما تشترك به هذه الحاسة في صياغة تلك
المفاهيم.
مفهوم المرأة
مرتبط بالشكل الذي يرسمه جهاز الإبصار الخاص بنا، والصورة
التي تتشكل من خلال هذا الجهاز تفرض على الذهن الإنساني
محددات ذلك المفهوم، وبما أن مفهوم الأنوثة مشتق من مفهوم
المرأة، عليه سيكون مفهوم الأنوثة مرتكز على الأساس البصري
لمفهوم المرأة، وهو أساس ضعيف، إذ لا يخفى أن بين مفهوم
الأنوثة ومفهوم المرأة عموم وخصوص مطلق لحساب المفهوم
الأول، ومن ثم فمن الخطأ أن يرتكز تشكيل المفهوم العام على
الأساس الصوري للمفهوم الخاص.
تظهر المشكلة
بصورة واضحة عندما يحاول الذهن الإنساني أن ينطلق في صياغة
رؤيا ما، تتأسس على مفهوم معين متأسس بدوره على صورة
ذهنية. بعبارة أخرى لو أننا سألنا إنساناً لا يعرف الشيء
الكثير عن عالم النبات، عن الطحالب، سنجد بأنه لا يستطيع
بسهولة أن يصنفها على النباتات، ذلك أن مفهوم النبات لديه
يتأسس على مفهوم الشجرة، الذي ينطلق بدوره من بيئة فكرية
يؤثر عليها الجهاز البصري بشكل واضح، حيث تتدخل الصورة
الذهنية لمعظم الأشجار (جذع غصن ورقة ثمرة).
لنفس السبب
لا يستطيع أن يتخيل بأن الإسفنج البحري حيوان؛ حيث أن
الإسفنج البحري لا يتحرك وليس له أطراف وليس له فم
وعينين.... شأن باقي الحيوانات. وهنا يأخذ الإنسان العجب
والاستغراب. والمشكلة لا تكمن واقعاً في الحكم الخاطئ،
بقدر ما أنها تكمن بالعجب، فالعجب هنا متكئ على ما يسمى
باليقين الذاتي الذي يقيمه الذهن البشري على مقدمات لا
تكفي لإنتاج اليقين، وهكذا تنشأ لدينا مفاهيم لا تمتلك
معطيات حسية تكفي لأنتاجها، ما يؤدي لنشوء مفاهيم غير
واقعية (نسبية أو خيالية لدرجة كبيرة جداً).
نسبية المفاهيم
لكن كيف
ستكون أبعاد مفهوم المرأة، لو أننا كنا بلا عينين؟ كيف
سندرك الأشياء لو كنّا نعتمد على حاسَّة السمع مثلاً،
كالخفاش؟
هل كان لون
الشعر وطوله سيدخل كمحدد أساسي في مفهوم المرأة؟ هل كنّا
سنقيم وزناً للتناسق ما بين لون العينين ولون البشرة
والشعر في تقييم جمال المرأة؟
وبمستوى أكثر
تجريداً، هل ستبقى معايير الجمال كما هي عليه الآن،
بالنسبة لنا نحن البشر باعتبارنا كائنات بصرية، في حال
أننا امتلكنا حواس أخرى؟
لنستعرض
الموضوع بشكل آخر؛ ونفرض أننا حكَّمنا كائنين في جمال
امرأة ما، وكان أحد هذين الكائنين بشرياً عادياً، والآخر
ليس كذلك، ولنفترض بأنه يعتمد على حاسة (رادارية) كالتي
يعتمدها الخفاش. من الواضح أن الاثنين لن ينجزا نفس
الأحكام، أو على الأقل أنهما لن يعتمدا المعايير نفسها في
التقييم، وهكذا وفي حال أن أحدهما حكم بعكس حكم الآخر، فأي
الحكمين سيكون هو المقارب للواقع، أي هل سنقرر بأن تلك
المرأة جميلة واقعاً أم أنها ليست كذلك؟
ومن هذا
المنطلق يتأسس السؤال الذي كثيراً ما تم تداوله: هل أن
المفاهيم ذاتية أم أنها موضوعية، هل هي مطلقة أم نسبية.
وفي النهاية هل أن الجمال ـ أو أي من المفاهيم الأخرى ـ
ذاتي أم أنه خارجي؟
وتأسيساً على
ذلك؛ كيف يتسنى لنا الحكم بدقة عملية الاتصال التي تتم بين
الغيب والشهادة في حال أنها استندت للمفاهيم النسبية، كيف
يمكن لنا أن نحكم بخاتمية الرسالة، وانفلاتها من تغير
الإنسان وتغير وعيه ومفاهيمه؟
بعدي العصمة
بما أن
العلاقة وثيقة بين العصمة والوحي، وبما أن العصمة تتأسس
على الوحي، بل هي تعني ـ بمعنى من معانيها ـ سلامة عملية
الاتصال بين الطبيعي وما وراء لطبيعي (الوحي). إذن فنحن
يمكن لنا أن نناقش العصمة تأسيساً على مناقشتنا للوحي أو
لعملية الاتصال التي يمثلها.
بالتالي
فهناك بعدين اثنين للعصمة أو للوحي، يمكن مناقشتهما هما.
1. بعد اتصال
ما وراء الطبيعي بالطبيعي (الله بالإنسان) أي الوحي.
وهنا تبرز
الإشكالية ـ إشكالية قصور آلة الإدراك الإنسانية ـ من جهة
المتلقي، حيث أن هذه الآلية ستعمل على تقييد المعطيات
المستوردة من جهة ما وراء الطبيعة لجهة الطبيعة، وعندها
ستفقد تلك المعطيات الكثير من قيمتها باعتبارها منزلة من
قوة فوق إنسانية، لأنها ستترجم بلغة أو بمفاهيم الإنسان،
وحينها ستتحول إلى معطيات إنسانية، أو لا أقل إلى معطيات
نصف إنسانية، ولن تعود معطيات فوق إنسانية مئة بالمئة.
فكيف يتسنى
للإنسان أن يفهم المعطيات الغير طبيعية، وهو يعتمد على
آلية المعالجة، التي تستند بدورها لجمة مفاهيم طبيعية،
بعبارة أوضح، فعندما تعمل هذه الآلية على استيراد مفهوم
ماوراء طبيعي، فإنها وخلال عملية فهمه، ستضطر لمعالجته
(مقارنة، تشبيه، استنباط)، بالمفاهيم الطبيعية، وهكذا
ستجري عملية قياس يكون نتيجتها مفهوم إنساني (طبيعي أو نصف
طبيعي).
2. بعد اتصال
الطبيعي بالطبيعي (الإنسان بالإنسان) أي التبليغ.
هناك تتركب
الإشكالية، وتتضاعف، فبعد أن كان عوق آلية الإدراك يؤثر
على المتلقي خلال عملية الاتصال الأولى (الوحي)، فهنا (في
مرحلة التبليغ) سيكون من جهتي الملقي والمتلقي (الرسول
والمرسل إليهم). وحتى لو تنزلنا واعتبرنا أن ثمة قوة
إدراكية هائلة زود بها النبيُّ(ص)، تتيح له التعاطي الغير
مقيد مع الماوراء، فإننا لا نستطيع أن نتصور كيفية يتم من
خلالها معالجة العوق الادراكي الموجود في الناس.. عامة
الناس. وهذا العوق واضح وغير خفي، بل هو صارخ، وأجلى
مظاهره تبرز في اختلاف الناس بعد الرسول(ص)، حيث أن هذا
الاختلاف أثر من آثار هذا العوق، إذ لا يمكن التسليم بصحة
عقائد كل الملل، ومن ثم فلا بد من الاعتراف بخطأ بعضها وهي
تقوم بعملية التلقي ـ المباشر وغير المباشر ـ من
الرسول(ص). وهكذا يتضح بأن آليات الناس خلال تلقي عملية
التبليغ ليست معصومة، خاصة وأن لا أحد يقول بعصمة المتلقي.
ومن هنا فإن
مفردات التبليغ ـ ومهما كانت فوق طبيعية ـ ستكون محكومة
بطبيعية آليات التلقي العادية (لعامة الناس) وهنا لا
نستطيع أن نقول بأن المفردات المستوردة من ما وراء الطبيعة
كانت غير طبيعية، إذ ما جدوى كونها غير طبيعية، إذا كانت
ستبقى بذهن الرسول ولا تبارحه لعامة الناس؟
الأبعاد الذاتية والموضوعية لمفهوم التوحيد
إذن يندرج
البحث في الأبعاد الذاتية والموضعية لمفهوم التوحيد في نفس
سياق الاطروحة التي وصلنا لها تحت العناوين السابقة التي
تناولت نفس الموضوع بالنسبة للنص الإسلامي المؤسس. فقد
شخصنا إلى الآن أبعاداً ذاتية في النص المؤسس من خلال
اعتبار أن محدودية أدوات التلقي الإنسانية (مفاهيم/ مفردات
لغة) تحول دون تصنيفنا للنص المؤسس على أنه منتج غير
إنساني بشكل مطلق، ذلك أن مصدر الخطاب ومهما كان خارجاً عن
النطاق الإنساني، ومجرداً عنه، فأنه ولا بد سيكون مضطراً
لأن يأخذ آلة الإنسان الإدراكية بنظر الاعتبار وهو يقوم
بعملية الاتصال معه. أي أنه وكما تم توضيحه في العناوين
السابقة، لن يقتصر على الاتكاء على لغة الإنسان، بل أيضاً
على مفاهيمه التي يعتمدها ـ الإنسان ـ في عملية تلقيه من
الخارج. ومن ثم وكما تم توضيحه سابقاً فلن يستقبل الإنسان
من الخارج شيئاً خارجاً عن حدود تجربته الذاتية.
أي أن آلة
الإنسان الإدراكية ستقوم بإعادة إنتاج أي خطاب يأتيها من
خارج، وفي حال كان هذا الخارج هو الله، فإن هذه الآلة
ستحول خطابه من الإلهي إلى الإنساني.
وبما أن
مفهوم التوحيد يعد ركيزة أساسية من ركائز البنية
(المعرفية/ الرسالية/ الاجتماعية) للنص المؤسس، فلا بد
وأنه لعب دوراً مهماً في عملية إعطاء الخطاب ولادته
الإنسانية. أي أننا، سنقوم ـ نوعاً ما ـ بعملية تطبيق
للأطروحة التي فرغنا تواً من توضيحها.
مفهوم التوحيد في سياقه الحضاري
لم يكن مفهوم
التوحيد ابتكاراً إسلامياً بحتاً، فباعتباره عملية انتقال
من عبادة آلهة متعددة إلى عبادة إله واحد، ينتمي لمجتمعات
أو حضارات تقع خارج نطاق الحضارة التي مثلت الرحم الحقيقي
للإسلام، القرآن نفسه يخبرنا بأن بوادر التوحيد بدأت عند
إبراهيم عندما أدرك خلال تأملاته بأن ثمة منشأ أول (واحد)
لأول اثنينية، يمكن أن يتخيلها أي إنسان، وهو لذلك قرر أن
يتوجه بعبادته أو تأملاته لذلك المصدر أو المنشأ: ((وجهت
وجهي للذي فطر السموات والأرض)). كما أن التاريخ يخبرنا
أيضاً بأن من الفراعنة من دعا إلى نوع من أنواع التوحيد،
فضلاً عن اليهودية والمسيحية. وإذا أخذنا البوذية بنظر
الاعتبار فإننا نستطيع أن ننشط باتجاه دعم أو تقبل الرأي
الذي يضع عملية توحيد الإله أو الرب في سياق التطور
الحضاري الذي تمر به الأمم عموماً، حيث أنها تبدأ بعبادة
المحسوس (نبات، حيوان، جماد، إنسان) إلى عبادة غير
المحسوس، ومن عبادة عدت آلهة إلى عبادة إله واحد.
هكذا نستطيع
أن نفهم بأن العبادة التي كانت منتشرة بين معظم قاطني شبه
الجزيرة العربية، هي العبادة الطوطمية، حيث أن كل قبيلة
تعرف رباً معيناً وتعبده وتتقرب إليه، وهي تحج إلى مكة تحت
هذا العنوان، ونستطيع أن ندعم هذه الأطروحة من خلال
التأكيد على أن الأصنام التي كانت موضوعة في مكة كانت
عبارة عن تماثيل لبشر ولحيوانات ولرموز، تخص قبائل مختلفة
(اللات، العزى، مناة، هبل).. الخ.
وهكذا يكون
التوحيد الإسلامي ـ وبلحاظ كونه متأخراً على تجارب توحيدية
سابقة عليه ـ مفهوم إنساني التأسيس لا يخرج عن فضاء التطور
الطبيعي لعملية التدين، خاصة عندما نعتبر أن التدين عملية
تعاطي إدراكي بين الإنسان وما وراء الطبيعة. إننا في هذه
الأوراق نريد أن نعتبر أن اندراج مفهوم التوحيد ـ باعتباره
مخرجا من مخرجات النص المؤسس ـ في السياق التطوري المفهومي
البشري، وعدم خروجه عن المألوف الإنساني الحضاري، في عملية
التدين، دليلاً واضحاً على أن النص المؤسس لم يخرج خلال
عملية ترجمته لخطاب ما فوق الطبيعي (الإلهي) عن دائرة
التعاطي الإنساني، وهذا الموضوع يمكن أن يعتبر معطى مهم من
المعطيات التي أسسنا لها في العناوين السابقة والتي تدفع
باتجاه الذاتية التي قررناها سابقاً، أي إلى إنسانية النص
المؤسس، وليس إلى إلهيته.
الأبعاد الذاتي في التوحيد
بعد أن
اعتبرنا مفهوم التوحيد، نموذجاً واضحاً نستطيع أن نؤكد من
خلاله بعض الملامح الذاتية في النص المؤسس، نجد أن علينا
أن نوضح كيف أن ملامح هذا المفهوم وبحسب الطرح القرآني، هي
ملامح إنسانية وليست إلهية. وذلك من خلال الإشارة لعدد من
السمات الإنسانية التي اتسم بها هذا المفهوم خلال الطرح
القرآني له:
أولاً: توحيد الذات وتعدد الأسماء والصفات
قلنا بأن
الإنسان وخلال صعوده بمراقي الحضارة قام بعملية توحيد
لمعبوده وإلهه. وبعد أن كان يعبد آلهة متعددة، بتعدد دواعي
العبادة ـ الرزق، الحماية، النصر.. الخ ـ أصبح يعبد إلهاً
واحداً فقط. غير أن الملاحظة الجديرة بالاهتمام، أن هذا
التوحيد كان على صعيد الذات فقط، أي أن الإنسان لم يستطع
أن يفهم بأن الإله لا يشبهه، ولا يشبه أياً من المواضيع
التي وقعت يوماً ما تحت تعاطيه الإدراكي. وهو لم يستطع أن
يفعل ذلك لأنه وكما وضحنا سابقاً يدرك المواضيع الجديدة
عليه من خلال مقارنتها بالمواضيع التي خبرها سابقاً.
إن وقوع
مفهوم التوحيد ـ بحسب الطرح الإسلامي ـ بنفس المطب يؤكد
لنا حجم الممارسة الاسقاطية الذاتية التي تعرض لها الخطاب
الإلهي. فالتوحيد لم يخرج الإله عن كونه (سميع، بصير،
مريد، قادر، حي، رزّاق)، وهذه التعددية الواضحة في الأسماء
والصفات، تعيدنا لتعدد المعبود بحسبب تعدد دواعي العبادة،
وهي ممارسة إنسانية المنشأ، فمن المؤكد أن الصفات المتعددة
إنسانية ليس للإله علاقة بها، الأمر الذي يبرر لنا القول
بأن التعددية السابقة للتوحيد كامنة في التوحيد، وأن
منظومة الإنسان لم تستطع التجرد بصورة كلية عن أرثها
السابق، الأمر الذي استدعى كمون الآلهة المتعددة ـ إله
الرزق، إله الحرب، إله الحب، إله الحماية.. الخ ـ أو
ظهورهم في الأسماء والصفات المتعددة. ولو أن ملامح الصورة
الذهنية للتوحيد كانت مرسومة من قبل الله في النص المؤسس
وبدون إسقاطات لما كانت بهذا الشكل الإنساني الفاقع، بل
لما تشابهت مع الصور الذهنية المرسومة عن الإله في
الحضارات التي لم تعرف الديانات السماوية.
ثانياً: ذكورية الإله الواحد
إن أول سمة
نستطيع أن نلاحظها في هذا المفهوم، هو طغيان الذكورية فيه،
فهو إله، ذكر، أو هو على كل حال ليس بأنثى، ليس على صعيد
تذكير الاسم فقط، بل أيضاً على صعيد تذكير الصفات، إذ من
الواضح بأن جميع صفات الإله الواحد هي صفات ذكورية (جبار،
قهّار، قويّ، منتقم).
وهنا تتضح
الإشكالية، فالإنسان بصورة عامة لا يستطيع أن يتعامل
(مفهومياً) خارج إطار بيئته، أي أنه وعندما يكون بصدد
التعامل مع موضوع مجرد، فإنه يقوم بعملية صياغة مفهوم يخص
هذا الموضوع، وهو لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن يأتي
لهذا المفهوم بملامح خارج نطاق خبرته الخاصة (الإنسانية
الذاتية)، فحتى المفاهيم المتعلقة بالكائنات الخيالية
الأسطورية نجد أنها ذات ملامح إنسانية، أو حيوانية بصورة
عامة، أي أنها مندرجة في فضاء خبرة الإنسان. وعلى هذا
الأساس نجد أن كل المسميات التي أطلقها الإنسان على
المواضيع التي وقعت موضوعاً لإدراكه، هي مسميات إما مؤنثة
أو مذكرة. ومن ثم فإن اندراج مفهوم الإله الواحد، في هذا
الإطار يؤكد ما ذهبنا إليه من أن القلعة التي تحيط بآلة
الإنسان الإدراكية لا يمكن اختراقها بخطاب يأتي من جهة
أخرى خارج حدود ذاته وتجاربه الخاصة.
ثالثاً: تجسيم الإله الواحد
مهما كانت
عملية توحيد الإله المعبود متجهة صوب تجريده من الملامح
البشرية بصورة خاصة، والطبيعية بصورة عامة، إلا أن العوق
الموجود في الإدراك الإنساني، والذي يحول بين الإنسان وبين
التعاطي مع موضوعات إدراكه بصورة منفلته عن خبرته الذاتية،
جعل أمر الابتعاد بهذا التجريد عن المثالية أو الكمال غير
ممكناً، ولذلك نجد أن الإله الواحد في نهاية المطاف يتخذ
شكلاً إنسانياً، من خلال منحه أعضاء إنسانية، أو تصوره
يقوم بحركات أو أنشطة إنسانية، فهو ذو يد (يد الله فوق
أيديهم) وهو يسعى (وجاء ربك والملك صفاً) ويعتدل(استوى على
العرش).
خاتمة
إن الإسقاط
الذي أشرنا لوقوعه على النص (المقدس) والذي مارسته منظومة
الإنسان الإدراكية، خلال استقبالها له، يكشف لنا عن الحاجة
الماسة للتعامل مع هذا الموضوع تعاملاً آخراً ينطلق لا من
التساؤل المتعالي الغيبي المؤسس على المسلمات المسبقة، بل
من التساؤل الواقعي الأرضي المؤسس على الفحص الموضوعي
الواقع خارج إملاءات الذات المجتمعية أو الانتمائية.
إن الأعضاء
والحركات والفعاليات الإنسانية، وهي تشكل الخطوط العامة
للصورة الذهنية الخاصة بالإله الواحد، تهيئ لنا فرصة قوية
للتأكيد على أن النص المؤسس لم ينجح بالانفلات عن إطار
التعاطي الإنساني، ومن ثم فإنه كخطاب، قد تعرض لعملية
إعادة إنتاج بشرية، ربما صادرت الكثير من طاقته
(الماورائية) وهذا الموضوع بحد ذاته يطالبنا بإعادة فحص
للقيمته الموضوعية لكل ما يتم استقباله بأدواتنا البسيطة
الخاصة بالتلقي.
الهوامش
(1) الإدراك:
تمثيل حقيقة الشيء وحده من غير حكم عليه بنفي أو اثبات
سمّي تصوراً ومع الحكم بأحدهما يسمّى تصديقاً. [الجرجاني،
علي بن محمد، كتاب التعريفات، بيروت، مكتبة لبنان، 1985،
ص13].
(2) كلما
سيرد في هذه الأوراق عن الذاتية، يقصد به الذاتية ببعدها
الاجتماعي الحضاري، فالاسقاطات التي يمكن أن تمارس من قبل
المتلقي لا تمارس بالعنوان الشخصي (الفردي)، بل بل
(الاجتماعي/ الحضاري)، المتضمن لتأثير ثقافة المجموعة أو
المجتمع في صياغة المفاهيم التي يتعامل من خلالها الفرد في
تعاطيه مع مدركاته. فمن الواضح أن هناك فرقاً واضحاً بين
مفاهيم وألفاظ ومعايير الثقافات المختلفة.
(3) سورة
النور الآية (35).
(4) لندا. ل،
دافيدوف، مدخل علم النفس، ترجمة، د. سيد الطواب، وآخرين،
الدار الدولية للنشروالتوزيع، ط4، 1983، ص280-281.
(5) الخليل
بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ط2ـ 1409، مؤسسة دار
الهجرة، ج3، ص32.
(6) ابن
منظور، لسان العرب، ط1ـ 1405، دار إحياء التراث، ج15،
ص379.
(7) محمد
مرتضى الزبيدي، تاج العروس، مكتبة الحياة، بيروت، ج10،
ص385.
(8) النحل68.
(9) مريم11.
(10)
الانفال12.
(11) زيادة،
د. معن، الموسوعة الفلسفية العربية، معهد الإنماء العربي،
ط1ـ 1986، ج1، ص840.
|