|
أثريات تشظي الجسد العراقي
(محاولة أنتروبولوجية)
حيدر علي
ليس من قبيل
المصادفة ان تختفي القراءآت الأناسية (الانتروبولوجية) و(التحلينفسية)
لكثير من الظواهر التي باتت مألوفة في حياة كل فرد عراقي،
على الرغم من بشاعتها، ووحشيتها، ودمويتها، اقول ليس من
قبيل المصادفة ان تغيب هكذا قراءة، لأننا اعتدنا على غياب
الخطاب الأبستمولوجي للعلوم الأنسانية باقسامها المختلفة،
لان اهل هذه العلوم مصّرون ان يبقوا واقفين على التل.
الأمر الذي
جعل تأثيرهم محدوداً، ان لم يكن مهمشاً أو غائباً، وكأن كل
ما يحدث من ظواهر بعيد كل البعد عن جوهر اختصاصاتهم
الأنسانية، هذا الفراغ افسح حيزاً كبيراً للخطاب السياسي،
وبشكل خاص الخطاب السياسي (الإنشائي)، أي ذلك الخطاب الذي
يعتمد على مقولات سياسوية متكررة وسائدة ومنتشرة، فصارت
لاتأتي بأي جديد لكثير من الظواهر التي يعج بها الشارع
العراقي.
من هنا نحاول
جاهدين ان نقدم مثل هذه القراءة، ولا ندعي انها القراءة
الوحيدة التي تحمل بين ثناياها تفسيراً لما يحصل في الراهن
العراقي، بل على العكس انها قراءة خجولة جداً، ان لم تكن
يسيرة ومتواضعة، انها مجموعة من الأنطباعات لكثير من
المشاهدات اليومية، حاول كاتب هذه السطور ان يعيد قراءتها
بمرجعيته اليسيرة، ليس من اجل اكتشاف اشياء جديدة، بقدر
ترسيخ نوع من الكتابات غير المألوفة، وغير السائدة، حتى
تكون الظواهر المبحوثة او المدروسة تشغل حيزاً علمياً من
جانب، وتقرأ في سياقاتها الثقافية، والأسطورية،
والدينية... الخ. من جانب آخر، وبهذه القرآءة نكون قد
لامسنا تاريخية كل ظاهرة في لاشعور الثقافة العراقية.
قلنا اننا
أزاء مدخل أناسي (انتروبولوجي) لكن السؤال الذي نود طرحه
الآن.
ما هذا
المدخل؟ وماذا يفيدنا في هذه القرآءة؟.
يقول العالم
الأنتروبولوجي الأنكليزي ايفنز ريتشارد عن تحديد وتعريف
الأناسة المجتمعية:-
((ان مهمة
الأناسة المجتمعية مختلفة تماماً عن الدراسات التاريخية،
انها تحلل السلوك المجتمعي، تبعاً لأشكاله المؤسساتية،
كالعائلة، وسساتيم القربى، والتنظيم السياسي، وصيغ
التدابير القانونية، والعبادات الدينية، فضلاً عن العلاقات
القائمة بين مختلف هذه المؤسسات))(1).
هنا نرى ان
عمل الأناسة يتركز على ما هو كائن، وليس على ماينبغي ان
يكون، بمعنى انها دراسة تاريخية تنطلق من وجود المجتمعات،
وجوداً تاريخياً، يتحرك في اُطر ثقافية، وخطابات
ايديولوجية، يقول ريتشارد:-
((الأناس
يدرس المجتمعات بوصفها كيانات))(2).
هنا نرى ان
هذه الفكرة الأناسية تكاد تركز عنايتها على منطق العلاقات
والتفاعلات بين الهياكل المؤسساتية من جهة، والهياكل
البنيوية من جهة اخرى، هذا يعني ان الأناسة تتعامل مع الكل
وليس الجزء:
((يدرس
الأناس البيئة، والأقتصاد، والمؤسسات السياسية، والقضائية،
والبنى العائلية، وسساتيم القربى والأديان))(3).
هكذا نرى
اننا اذا ما اردنا ان نقرأ اية ظاهرة سائدة في الشارع
العراقي، يجب علينا ان نقرأ تاريخية هذه الظاهرة، واتصالها
بالمقدس الديني، او بنظام غيبي، او بنظام لاهوتي، او حتى
ايديولوجي.
من هنا نكون
أزاء اشياء جديدة وحقائق لم نتوقعها، بل حتى لم نجازف
بطرحها كأسئلة مشروعة، يقول كلود ليفي شتراوس :ـ
((ان ما يهتم
به الأناسيون مغايراً لكل ما يخطر(عادة) على بال البشر ان
يدونوه على حجر او يخطّوه على ورق))(4).
تفخيخ الجسد العراقي
بين عودة
المكبوت/ وحضور المقدس
هل صحيح ان
كل ما يحدث في الأفق الدنيوي لايمت بأية صلة بفضاء المقدس؟
وهل صحيح ان
المقدس لايزال يقرأ بالطريقة الثيولوجية المتعالية، ام انه
يتحرك اليوم بالوجود المحايث؟
وهل صحيح
اننا اليوم نتحرك بعقولنا، ام منقادون بايديولوجياتنا؟
ومخيلاتنا، وانفعالاتنا؟
يقول ريجسيس
دوبريه عن تفسير هذه الظواهر في المقدس هو افضل طريق لفهم
الدنيوي:ـ
((مايشغلني
هي أسئلة من طراز: ما الذي يجعل المرء يقرر المخاطرة
بحياته؟(5).
ما الذي يجعل
الفكرة، وان كانت خاطئة تغير عالم الواقع؟ بماذا نفسر
انخراط الأفراد في تشكيل عصابات وجماعات، واحزاب، وامم،
وكنائس؟ وبالتالي ماالخطوات التي تؤدي بالناس تدريجياً الى
التجمهر، وما الذي يدفعهم نحو الفعل؟ فنقطة الأنطلاق
بالنسبة اليّ ليست الأبستمولوجيا على الأطلاق لأن مشكلة
الفلاسفة تكمن في عدم اجتيازهم للمنطق الثنائي: خطأ/ صواب
حين يتعلق الأمر بتطبيق نظرية المعرفة. لذلك فان الشأن
الديني يكون في جهة الخطأ بلا ادنى شك، فالصواب لايوجد
الاّ في الحقائق. وتفسير ذلك بسهولة هو ان الشأن الديني
لايشغل الفلاسفة، لكننا اذا تفحصنا الأمر عن قرب سوف يتبين
لنا ان كل شيء يدعو للأعتقاد بأن الصواب بمفهوم الحقائق هو
عديم الفعالية وان الخطأ هو ذو فاعلية فائقة.
اننا نعني
هنا شكلاً معيناً من اشكال الخطأ: الأسطوري/ الخيالي/
العجيب/ الخرافي، وهي كلها انماط من الفكر غير قابلة
للأثبات. وقد تصنفها الأبستمولوجيا ضمن الضبابي وعديم
المردود والعقيم وغير المثمر لكن الواقع يثبت لنا العكس
تماماً، فغالباً مايستقبل الناس الحقائق بشيء من
اللامبالات، ولأنها حقيقية لايمنحها الناس اي قوة لتفرض
نفسها وتلقى القبول، ما يهمني هي تلك الوظيفة المحركة
الكامنة في الأيمان، وفي قدرته على سن القوانين المصيرية
للعالم، وقد انتهيت الى فكرة الدافع من طريق تلك القدرة
على التحرك،اريد ان افهم ما الذي يثير الفعل لديهم؟ ما هو
ذلك الاّسطومحرك (المحرك غير العقلاني)، وهذه صورة اخرى
للتفلسف من طريق المزاوجة بين الفلسفة والأنتروبولوجيا،
وهذا مايجعل من المقدس افضل طريق لفهم الدنيوي))(6).
اذن ان فكرة
المقدس هنا تبدو امتداداً طبيعياً لفكرة الدنيوي، بمعنى ان
الظواهر الوجودية، والأنسانية، والأجتماعية، ما هي الاّ
ترجمات لاشعورية للمقدس وبطبيعة الحال عندما نتكلم على
اشكالية المقدس، فاننا نبحث عن ظاهرة الجسد العراقي ومدى
ارتباط ما يسقط من هذا الجسد، من دماء، واشلاء متناثرة،
وازهاق النفس، واحتراق الجثة... الخ. كل هذه الظواهر لها
امتداد سياسي، وتاريخي في ثقافتنا العربية، إذ عندما كان
يُذكر الدم، او الجسد، او النفس كانت تذكر ضمن سياق
مُحَََََََرم أو تابو (مُقدّس). اذن كيف تحولت مثل هذه
الأشياء الى اشياء دنيوية او ليست مقدسة؟.
كيف صار الدم
منظراً طبيعياً امام المارة، بعدما كان محضوراً اومقدساً
في ادبياتنا؟
وكيف تحول
الجسد الى ركام متناثرة وُمشرح بعدما مُنع تشريحه، او
النظر فيه وهو بهذه الحالة؟
ما الذي حصل
في لاشعور الأفراد؟
هل فقدوا
الأيمان بفكرة المقدس المتعالي، والمفارق، لفرط ماشاهدوا
من فضائع تحصل على خريطة المشهد الدنيوي؟
يقول
بلانديه:ـ
(( ان الميل
الراهن يدفع الى ان يُرى مقدس في كل مكان والى ان لا يُري
دين في اي مكان، ان الأزدواجية التي تضر بكل تعريف للمقدس
تكون مشددة عندما لايعود يتلقى شكله من المؤسسة الدينية
وهذه السيولة تتيح له ان يتوظف في مواضيع متغيرة، ان
المقدس عندما يكون قد تحرر وعاد، يصبح (وحشياً)، بحسب رأي
روجيه باستيد، ربما يستطيع حين ذاك ان يعثرعلى ما قد كان
بدايته: طاقة ناجحة من فيض حياة جماعية مازالت غير مضبوطة
مندفعة بحثاً عن معناها، إن المقدس يعاني هذا الانجرار،
إنه يفتح طرقاً عديدة إنه يمنح القداسة على ممره بتوليده
تعلقات هشة، انه ايضاً والجاً دروباً لامخرج لها حيث
لايتجلى الاّ مظاهر تعيرها وسائل الأعلام شاشاتها
احياناً))(7).
هكذا نرى كيف
ان واقع القتل الدموي تحتضنه مرجعية تتحرك في فضاء المقدس
لكنه مقدس جوهره مُدنّس، هذا المُدنّس الذي حوّل حياة كل
العراقيين الى حياة فاقدة الأمل، بلا غاية او هدف، حياة
لاهم لها الآّ ان تحافظ على جسدها على قيد الحياة، هؤلاء
هم مسيّري، ومسخري فكرة المقدّس انهم جماعات خارج الزمان،
خارج التاريخ، بعد ما كانوا يقمعون الجسد العراقي،
ويقتلونه في السر والخفاء، وفي مقابر جماعية نائية هاهم
يعودون اليوم بخطاب وبتكنلوجيا سياسية جديدة، يعودون كيما
يُغيِّبوا من جديد حياة الجسد العراقي، من خلال افكار
الدين، والمقدّس وهوامات خيالية لاوجود لها كالجهاد،
والقتال في سبيل الله، ومحاربة الكافر، بهذه الطريقة صار
المقدّس هو الثيمة المتحركة المتحكمة بسلوكيات المجتمع
العراقي كافة، لدرجة ان الأنسان العراقي بدأ يوماً بعد يوم
يعتاد على رؤية هذه الأشلاء، والدماء، بعدما كانت لها
قداسة في لاشعوره، لدرجة انه ظل يسأل عن فائدة المقدس بعد
خراب الحلة، والبقية تأتي..؟!
اذن ان تفكيك
المقدس يعني تعرية ما هو محجوب ومطموس، ومستور، بأسم
القداسة، لأن الدنيوي بات افضل طريقة لفضحه وكشفه،
وبالتالي كشف كل السياسات الأرهابية التي تحتمي بهذه
الفكرة.
عودة المكبوت السياسي السلطوي
هل يمكننا ان
نقول ان ما حصل هو عملية اخراج ما هو كامن في القوة الى ما
هو بالفعل، بمعنى بعدما كان الجسد مغيباً ومستبعداً، اليوم
صار يقتل ويتَّشرح، على مرمى انظار آخرين، بطريقة مرئية؟
هل هذا يعني
عودة المكبوت السلطوي السابق؟
كيف يمكننا
ان نتكلم عن عودة المكبوت؟.
يكتب عالم
النفس سامي عن عودة المكبوت؟
((عودة
المكبوت تعني عودة العناصر والصور، والأفكار المكبوتة من
عالم اللاوعي(8) والتي لم تنته مطلقاً، الى الظهور ثانية
الى عالم الواقع(9)، تثير عودتها عناصر من العالم الخارجي،
فتحدث الصدمة وغالباً ما تُصطـَحب بالشعور بالغرابة
المقلقة، تظهر الغرابة المقلقة كلما امحت الحدود بين
الواقع والخيال بحيث ان ما نراه غريباً يبدو
واقعياً))(10).؟
ويقول سامي
على في موضع آخر عن هذه الفكرة :-
((في الغرابة
المقلقة، تتعقد اللعبة الجدلية بين المألوف والغرابة،
وكونها تتمحور حول الموضوع الواحد عينه، والمفارقة ان مصدر
الخوف ليس الغريب في تضاده مع المباشر مع المألوف، لكنه
المألوف الماضي الذي جعله المكبوت امراً مجهولاً يقتحمنا
مجدداً كذكرى ماوراء كل الذكريات، ولهذا يقول شيلنغ: كل ما
يجب ان يبقى سراً، مختبئاً، فيظهر))(11).
المكبوت بين الأيديولوجي والخيالي:-
هذا هو جوهر
المكبوت، اوهذا ما يعرف بـ(عودة المكبوت السلطوي) الذي
تقوده جماعات، وشراذم، فاقدة المعنى والهدف، بأستثناء هدف
القتل، ومعنى الدماء، مثل هذه الجماعات تحتاج الى
الأيديولوجية، والأوهام، والخيالات، حتى تؤسس وجودها من
جديد بعد ما استبعد هذا الوجود فتلجأ الى الصور والمقدس،
والشعارات، التي تحاول نقلها من عالم الأذهان العصابي، الى
عالم الأعيان الذهاني، فيبدأ مسلسل القتل وسفك الدماء بأسم
هذه الخطابات الزائفة، يقول ريكور:ـ
(( يمتلك كل
مجتمع مخيلاً سياسياً، اجتماعياً، اي نظاماً منسجماً من
الخطابات الرمزية التي تستطيع ان تؤدي وظيفة قطعية
(دوغمائية) او توكيد جديد من حيث هو توكيد جديد، يعمل
(المخيال) بوصفه ايديولوجيا تستطيع ايجابياً ان تكرر
الخطاب المؤسس للمجتمع، وهذا ما أُسميه بـ(الرموز
التأسيسية) وهكذا يحافظ على احساسه بالهوية، ومكمن الخطر،
بالطبع، ان هذا التوكيد الجديد قد تُحَرِّفه في العادة
النخب التي تحتكر السلطة الى خطاب تمويهي يهدف الى الدفاع
غير النقدي عن السلطات السياسية الراسخة، وفي هذه الحالات
تتحجر رموز الجماعة وتتوثن، اي تتحول الى اكاذيب لتبرير
شرعية السلطة))(12).
خاتمة.. لبدء مؤجل:..؟.
بعد هذا
العرض الموجز والسريع لتاريخية الظاهرة السياسية العراقية
بتشعباتها المختلفة، ماهو الهدف الذي كنا نصبوا اليه عندما
كتبنا هذه المادة؟
وبغض النظر
عمّا اذا كنا وفقنا الى ذلك، هل استطعنا ان نحيط بوصف هذه
الظاهرة؟
يبدو ان
الهدف الأساسي الذي كان يحرك هذه الكتابة هو ايماننا بأن
الظاهرة، وكل ظاهرة، لاينبغي ان تقرأ بطريقة اكاديمية، او
خرافية، ليس لهذه الطريقة اي هدف سوى الأجادة التامة في
كتابة التاريخ، وعندما اقول الأجادة فاني اقصد ان التاريخ
هنا يُكتب بمعزل عن المعارف الضمنية السائدة في كل عصر
واعني بها الثقافات اللامركزية، اي انها منسية، كثقافة
السرد والمتخيل، والحياة اليومية، والتدين الشعبي،
والذاكرة الجماعية، والثقافة الشعبية...الخ. هذه الأطرتشكل
"اللاشعور التاريخي"(13) الذي يكون بدوره نظاماً سستيمياً
من الفكر الذي يشكل هوية الجماعات المتحركة في حيز هذا
الفضاء، او هذا المتبنى الخطابي، وهذا ما عاناه بالضبط
(ارفن جميل شك) عندما قال:ـ
((يولد
الأفراد في خطاب جمعي يشمل المحظورات، والأوامر والأحكام
القيمية، والمُثل، والحكايات الخرافية، وهلـّم جرا))(14).
اذن السؤال
الأبستمولوجي الذي يطرح نفسه الآن، هل يمكننا ان نؤرخ لكل
الظواهر التي يعيشها مجتمعنا اليوم بطريقة تقليدية، ام
بطريقة العلوم الأنسانية؟
هل نقرأ،
الأفعال، والسلوك، والقيم بطريقة مستقلة عن ذاكرتها
الجماعية، والتاريخية، ولاشعورها الأيديولوجي ام العكس لذا
عندما نتكلم على فكرة المقدّس وحضورها:ـ
خطابنا
السياسي بطريقة ضمنية ومدى ارتباطات الجماعات الأرهابية
بهذا الأرث فاننا في الحقيقة نحاول ان نؤسس نمطاً جديداً
من القرآءة والكتابة التاريخية، انه نمط يفكر من خلال
المسكوت عنه او اللامُفكر فيه، او ما كان مستحيل التفكير
فيه في حقبة زمنية معينة، وهذا يعني ربط الظواهر بسياقاتها
المتحكمة بتشكيلها، وصيرورتها، من خلال التداخل البنيوي
بين اتساق هذه المعارف، المتضمنة معارف ايديولوجية ودينية،
وتاريخية، انه نمط بأختصار شديد يمكنني ان اقول عنه، انه
يبحث في تاريخية الذهنيات، بتعبير لوغوف.
هذه الذهنيات
المعجونة والغارقة بحب السلطة، والمقدس الذي يُبرر ديمومة
هذه السلطة، لاسيما الخطاب الديني، إذ نرى اليوم مثل هذه
الذهنيات لايمكن ان تتجاوز او حتى أن تفكر بالتجاوز او
النسيان لتاريخها السلطوي الذي يتجسد كمخيال ابدي في حقهم
بهذه السلطة الأمر الذي جعل مثل هذه الذهنيات لاتتحمل
الجرح النرجسي الذي جرحت به عندما تم زعزعتها عن كينونتها
التاريخية، مما جعلها تمارس كل صنوف العنف والقتل والقمع
والأرهاب من اجل ان لاتنسى هذه الذاكرة السلطوية، وقد وصف
الكاتب ابراهيم محمود هذه الذهنية وصفاً تاريخياً جميلاً،
ارى انه من اللازم عرضه حتى نرى طبيعة الأتصال بين المقدّس
/ والتاريخ / والمتخيل الاهوتي بقول ابراهيم محمود:
(بيد ان هذا
السلوك المعاش تاريخياً يشكل ذاكرة مصاحبة لكل جماعة انه
سلوك يفكر به عند الضرورة اللازمة(15). ومن جهة اخرى يدخل
اطار اللاشعور ويبرز على اكثر من صعيد كخلفية تاريخية
و(غنية) توضح حقيقة هذه العقلية (الذهنية) في شتى
الميادين. ويؤدي هذا التشضي التخاصمي والايحاء الى ضرورة
استخدام سلوك العنف والقمع او العمل به والتلويح بذلك هنا
الى حيث صورته العنفية. وتحول هذه الصورة الى (مغذّ)
(للمخيلة الجمعية) فالقامع يتهيأ باستمرار للاستعانة بها.
والافادة منها والمقموع الذي يكون ميدان تجربة للاول يتحين
الفرص فيلجأ اليها ويعد مخزونه في ذاكرته لانه تعبأ
نفسياً، ومن خلال توحيد اللغة على اكثر من صعيد بضرورة
استخدامها، فالأزدواجية المخطط لها هي سمة هذه العقلية، اي
بروزها بمظهر الطبيعة، او السوية، او بمظهر المستبدة
الطاغية.
وهي في
تشكيلها هكذا كأنما استعارت صورة الاله، وتجسيدها في الشخص
الذي يتزعم جماعة، او يقود تنظيماً،او يديره. وليس صعباً
او مستغرباً اذاقلنا ان معظم الحكام ومن كانوا يتحركون في
ظلهم حاولوا الظهور بهذه الأزدواجية وارادوا أقتباس وتجسيد
ماهو الهي في علاقاتهم مع الآخرين فهم يقدمون للعامة
والخاصة، ويوصفون من قبل هولاء بالرحمة والعدالة، والحكمة
والحُلم، والعطف، والأمان، ومقابل ذلك بالحسم والقسوة
والصراحة والمكر والدهاء والأستبداد(16)))(17).
الهوامش
1. برتشاد
(ايفنز) الأناسة المجتمعية، ديانة البدائيين في نظريات
الأناسين ص12 ترجمة حسن قبيسي دار الحداثة، بيروت ط1986
2. م.ن، ص18.
3. م.ن، ص18.
4. قبيسي
(حسن). المتن والهامش، تمارين على الكتابة الناسوتية،
ص122. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1
،1997.
5 ربما ان
هذا السؤال يدعونا الى ان نؤسس سوسيولوجيا التفخيخ، او الى
تأسيس علم اجتماع التفخيخ، وهذه مهمة العلوم الأنسانية؟.
6. حوار مع
ريمبيس دوبريه، نُشر في: قضايا اسلامية معاصرة، العدد30
السنة التاسعة، شتاء2005 .
7. بالانديه
(جورج)، في الطريق إلى القرن الواحد والعشرين، ص192 ترجمة
محمد حسن ابراهيم، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، سوريا،
ط1، 2000.
8. علي(سامي)
الفكر العربي المعاصر، ص60، العدد22كانون الأول1986.
9. علي(سامي)
الفكر العربي المعاصر، ص61، العدد22كانون الأول1968.
10. يمكننا
ان نعتبر السجون/ المقابر/ الدهاليز/ المنفى، صور مجازية
للوعي السياسي.
11. بمعنى ان
صور القتل والقمع، والتمثيل بالجسد، لازالت مستمرة على ارض
الواقع، على الرغم من زوال السلطة شكلياً طبعاً.
12. الوجود
والزمان والسرد، فلسفة بول ريكور، ص101، ص102، ترجمة سعيد
الفاتحي ط1 المركز الثقافي ـ المغرب، ط1، 1999.
13. مصطلح
استعمله بروديل في الحوليات التاريخية.
14. شك رفن
جميل، الأستشراق جنسياً، ص81.
15. كما حدث
لهذه الذهنيات الأرهابية التي تبرر القتل، بأسم الدين،
والأصل التاريخي.
16. من
استعمالنا.
17, علينا ان
لانتعجب من اولئك الذين يصورون النظام السابق، بنظام الأمن
والأستقرار؟!
|