|
الألوهية في فلسفة ابن رشد
(الجزء الأول)
مشحن زيد الحشماوي
فقد شغلت
قضية الالوهيه الفكر الانساني قديماً وحديثاً ولا زالت
والى اليوم الدراسات والبحوث مستمره على اشدها لمناقشة هذه
القضيه ومعرفة ما اودع الله تعالى في هذا الكون من عجائب
واسرار، ونظم دقيقه مترابطه، تؤكد لكل ذي لب، ان لهذا
العالم اله خالق منفرد بالربوبيه والالوهيه، فلا رب سواه
ولا اله غيره.
لقد ترتب
على هذه القضيه مسائل كثيره ومعقده سواء كان في ذلك في
الفكر والسلوك ام في العقيده وحقيقة الايمان، وعلى ضوئها
يتحقق ايمان الفرد بالله (theist)
او الحاده (atheist).
ولكن رغم ان الاراء والافكار والنظريات قد حاولت جاده
اثبات وجود الله تعالى ووحدانيته والوهيته، الا ان اغلبها
تعثرت في نتائجها، ولم تصل الى درجة اقناع الناس بتلك
النتائج. الا اننا عند استقراء الادله والبراهين وما توصلت
اليه من نتائج نجد انها قد اكدت على ما نصت عليه الرسالات
السماويه حين قالت قولها الفصل في ذلك وقررت ـ وباساليب
وطرق مختلفه ومتعدده ـ ان الانسان مجبول على الاقرار
بربوبية الله تعالى وخالقيته ومفطور على الاعتراف
بوحدانيته تعالى والوهيته، فان ابناء الجنس البشري عامه
يعترفون انه ليس للعالم خالقان او صانعان مختلفان، بل رب
واحد، وخالق مبدع لا رب سواه ولا اله غيره، وان ذلك
الاعتراف يوجب ارادة الله تعالى بالعباده والخضوع والطاعه
له دون غيره.
وقد بذل
رجال الدين (اللاهوتيون) وكذلك اصحاب علم الكلام، والفلسفه
الالهيون جهوداً جباره لاثبات تلك الوحدانيه مستخدمين
الادله والبراهين على صدق براهين الرسالات السماويه
والتماس السند العقلي، والبرهان العلمي في نصوصها المقدسه.
وفي الفكر
الاسلامي ـ كما في الفكر الديني للديانات الاخرى ـ كانت
قضية الالوهيه والوحدانية من ابرز القضايا التي تم التعرض
اليها بالمناقشه واثبتت شرعاً وعقلاً اعتماداً على النصوص
الشرعيه والادله المنطقيه، فاقام علماء الاسلام الادله
والبراهين على وحدانيتة تعالى، ونفي التعدد عنه سواء كان
ذلك في الذات اوفي الصفات اوالافعال.
لقد اجهد
علماء المسلمين ـ جمهورهم ومتكلموهم وفلاسفتهم ـ انفسهم
لاثبات تلك الوحدانيه ، وكان مرجعهم وسندهم في ذلك ايات
القرآن الكريم وادلته ، وما ضمنت السنة النبوية الشريفة من
أدلة قطعية تعزز هذا الجانب.
وأذا كان
القرآن الكريم قد قرر أن الانسانية قد فطرت على الوحدانية
فقال تعالى ((ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن
الله))(1).
فأنه قرر
ايضاً ان بعض الامم والشعوب كانوا يخطئون في معرفة الههم
الحق، لذا فهم قد اشركوا في عبادته الهة اخرى اما في صورة
الاعتقاد والعبادة او في صورة الحاكمية والاتباع. ولاعادة
تلك الامم والشعوب الى طريق الحق طريق الاسلام أرسل تعالى
الرسل والانبياء ، وانزل الكتب السماوية لتاكيد مفهوم
الالوهية وعبادة الله ونبذ عبادة الشرك والوثنية فكانت
دعوة كل نبي ورسول كما يصرح القرآن الكريم بذلك ((ذلكم
الله ربكم خالق كل شيء فأعبدوه))(2).
وأنطلاقاً
من ادلة القرآن الكريم إنبرى رجال الفكر الاسلامي وحكماؤهم
لاثبات وحدانيته تعالى والوهيته الحقة، ونفي التعدد
والكثرة عنه سواء كان ذلك التعدد في الذات (أي نفي الكم
المتصل) الذي هو التركيب، فالله تعالى ليس مركباً من أجزاء
وكذلك نفي (الكم المنفصل)، الذي هو التعدد.
أركان التعدد في الصفات
وهو نفي
(الكم المتصل) الذي هو تعدد صفتين من جنس واحد، ونفي (الكم
المنفصل)، وهو نفي اثبات صفة لغيره تعالى، وكذلك نفي
التعدد في الافعال وهو نفي (الكم المتصل) أي اثبات فعل
لغيره تعالى عن طريق الخلق والايجاد.
وبذلك
اثبت علماء الامة الاسلامية وحدانية الله والوهيته الحقة
واثبتوا استحالة التعدد سمعياً وعقلياً وبرهنوا على أن
الله تعالى واحد أحد لاشريك له يشاركه في التصرف في
مخلوقاته أو ملوكيته ولا يستحق العبادة والطاعة والخضوع
والانقياد الا غيره.
وكان أبن
رشد من حكماء الامة الاعلام، واحد الفلاسفة الالهيين الذين
جعلوا همهم الاستدلال على وحدانية الخالق وكمال الوهيته،
والبرهنة عليها عقلياً اعتماداً على أدلة الشرع واتخاذ
ذلك منهجاً خاصاً واسلوباً للتوفيق بين العقل والنقل أو
بين الحكمة والشريعة.
وهو يرى
أن الشرع دعا الى اعتبار الموجودات بالعقل ، واستعمال
القياس العقلي والشرعي للبرهنة على الوحدانية الحقة،
وسنتناول في هذا البحث مناقشة الجهود التي سبقت جهود ابن
رشد في اثبات تلك الوحدانية، ثم نبين منهج هذا الفيلسوف
وطريقة استدلاله في اثباتها.
أولاً: الالوهية في القرآن الكريم
نزل
القرآن الكريم لإبطال جميع التصورات المنحرفة عن الالوهية
الحقة، واجتثاثها من قواعدها، فأقام بذلك العقيدة الدينية
على أسس سليمة مقرراً التوحيد الخالص بكل شعبه فقال تعالى:
((قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن
له كفواً أحد))(3).
لقد كانت
دعوة القرآن للناس تقوم على تحكيم العقل في التفرقة بين
عبادة الاله الحق الواحد الاحد، والالهة الباطلة التي كانت
تعبد بغير برهان أو دليل، والقرآن الكريم في دعوته هذه
إنما كان يصور التشعب الديني الذي ساد جزيرة العرب قبل
الاسلام وتعدد العبادات من دون الله وتنوع أشكالها وصورها
من أصنام وأوثان، وأشخاص، وحجارة وشياطين وملائكة، وجن،
وماء، وهواء، واشجار، أضافة لمن كان يدين بالتوراة،
والانجيل وسوى ذلك(4). لذا جاءت آياته المباركة تخاطب
اقواماً ينكرون، وأقواماً يشركون، واقواماً يدينون
بالتوراة او الانجيل او سوى هؤلاء، فكان هذا الخطاب للناس
كافة من أبناء العصر الذي نزل فيه القرآن وسائر العصور ومن
أمة العرب او من غيرهم من الامم ، ويقوم على أساس الدعوة
لتوحيد الله تعالى وفي ذلك يؤكد القرآن بقوله تعالى: ((أن
الحكم إلا لله، أمر الا تعبدوا إلا إياه))(5) وبذلك ابطل
القرآن الكريم الوهية تلك المعبودات الباطلة وبين حقيقة
ضعفها وعجزها فقال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:
((افتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئاً ولايضركم افٍ
لكم ولما تعبدون))(6) ولقد ضم القرآن الكريم كل الادلة
العقلية والبراهين البديهية السهلة البسيطة الواضحة التي
يدركها العقل الانساني من اول وهلة لتحقيق هدفه في اثبات
وحدانية الله تعالى دون الحاجة الى الغوص في لجج
الاستدلال والجدل ومن غير ان يعتريه ارتباك او عجز او وهم.
كذلك كان
التفكير السلامي في عهد رسول الله(ص) يقوم على التاكيد على
اصول العقيدة واركانها، وكانت الآيات المكية خاصة تؤكد على
هذا الجانب فجاءت بالادله القاطعة المثبته لوحدانية الله
وكمال الوهيته وتبين بطلان الشرك والانداد، اي ان القرآن
الكريم قد اثبت العقائد الدينية المتعلقة بذات الاله
وصفاته وافعاله، واقام الادلة والبراهين عليها، وحكى عقائد
المخالفين، وحمل عليهم بالحجة الدامغة، وخاطب العقل
واستنهض الفكر، وعرض نظام الاكوان وما فيها من الاحكام
والاتقان على انظار العقول وطالباًَ بالامعان فيها لتصل
بذلك الى اليقين بصحة ما جاء به ودعا اليه(7).
وقد سار
السلف الصالح من الصحابة الكرام على منهج الرسول الكريم
وسنته المباركة فكانت نزعتهم الغالبة ((التوقف)) عن الجدل
الديني وعدم الخوض فيه في مسائل العقيده ومنها بالالوهية
والوحدانية خاصة، وكان ذلك كما يقول التتازاني (رحمه
الله): »بسبب من صفاء عقائدهم ببركة صحبة النبي(ص) وقرب
العهد بزمانه ولقلة الوقائع والاختلاف وتمكنهم من الرجوع
الى الثقات«(8) ولاضير في ذلك ان الدين الاسلامي يتالف من
طرفين متمايزين في الواقع، مختلفين في الطبيعة هما:
العقيدة والشريعة.
أما
العقيدة فقد استوفى الله تعالى اصولها جميعاً في كتابه
العزيز، وقد اوضحتها وحددتها السنة النبوية الشريفة. فلا
مجال للبحث فيها بالاستقصاء والنظر والاجتهادالشخصي وكذلك
الشريعة فقد حددت السنةالنبوية خطوطها العامة وتركت
مسائلها الفرعية وجزئيتها للنظر والاستدلال والاجتهاد
لتلائم امورها المستنبطة من الاصول العامة متطلبات الحياة
المتغيرة، ولتواكب الشريعة الاسلامية بذلك كل زمان ومكان
وما يستجد في شؤؤن الحياة(9).
واستمرت
هذه الحالة طيلة حياة الرسول(ص) اي ما شملت عهد النبوة
وفترة من عهد الصحابة من الخلفاء الراشدين(رض).
ولكن بعد
انتشار الاسلام خارج الجزيره العربية واختلاط المسلمين
بغيرهم من الامم والشعوب من ارباب الديانات القديمة ومن
اصحاب الحضارات والفلسفات، اشتبك الفكر الاسلامي معهم في
مناقشات فكرية وعقائدية شملت مسائل كثيرة ومنها قضية
الالوهية والوحدانية للذات الالهية، فكثرت المجادلات
والردود والمناقشات وعن طريق ذلك استطاعت العناصر الخارجية
النفوذ الى الفكر الاسلامي والاشتباك معه والثأثير فيه من
خلال ما صبت فيه من افكار ومذاهب وفلسفات مما حمل بعض
المفكرين المسلمين على بلورتها واعادة صياغتها في قوالب
فكرية جديدة تلائم الواقع الاسلامي وظروفه وعصره وعقيدته
الايمانية، فبرز في ذلك ابداع اولئك المفكرين وتجلى
ايمانهم واخلاصهم لدينهم وعقيدتهم حين عملوا على دمج
الافكار الوافدة والفلسفات الدخيله واستيعابها لاخذ
المناسب منها والاستزادة مما لايتعارض مع اصول العقيدة
الاسلامية لخلق افكار جديدة وفق ضوابط فكرية اسلامية
لاتتعدى حدود الشرع لكنها تعمل داخل دائرته، وبذلك بدا
الدفاع العقلي المنضبط بالنص الشرعي وكان للفلاسفة
المسلمين وحكمائهم القدح المُعلى في هذا الجانب(10).
ثانياً: دور الفلسفة الاسلامية
بدا دور
الفلسفة الاسلامية يظهر بوضوح اثر تحول النزاع الفكري ضد
التيارات الفكرية والدينية والخارجية الى صراع عقائدي بعد
ان كان مقتصراً على المسائل العمليه ليس الا فاضحى الدفاع
عن مسائل العقيدة ضد المطاعن غير الاسلامية والتيارات
الفكرية الخارجية امراً واجباً على علماء الامة الاسلامية
مسترشدين بادلة القرآن الكريم وما حوى من براهين لاثبات
صدق الرسول، وحقيقة الوحي ووحدانية الذات الالهية وكمالها
المطلق، اي ان الفلسفة الاسلامية نبعت من موارد الفكر
الاسلامي ومصادره الاساسية وفي مقدمتها القرآن الكريم
والسنة النبوية المطهرة.
وبعد
اطلاع علماء الامة الاسلامية وفلاسفتها على منهج البحث
العلمي لاصحاب الفلسفات الاجنبية، والثقافات الدخيلة،
ومعرفتهم لاساليب الجدل والحجاج عن طريق استخدام المقدمات
المنطقية للوصول الى البراهين العقلية، استطاعوا استيعاب
جميع تلك الفلسفات والتيارات واحذ كل فريق منهم ما يجاري
مذهبه واتجاهه، وضمن ضوابط النصوص الشرعية كما ذكرنا،
فتعددت تبعاً لذ لك اتجاهاتهم الفلسفية وتنوعت وكان
الاتجاه المنطقي الالهي من اهم تلك الاتجاهات(11).
ويقوم هذا
الاتجاه على بحث العلة الاولى على منهج الفلسفة اليونانية
ثم العمل على التوفيق بينهما وبين العقيدة الاسلامية. وقد
مثل هذا الاتجاه مجموعة من الحكماء والمفكرين المسلمين
الذين عرفوا باسم ((الفلاسفه الالهيين)) امثال الكندي
والفارابي وابن سينا في المشرق العربي وابن طفيل وابن رشد
في المغرب العربي، وقد تاثر هؤلاء الفلاسفة بآراء افلاطون
وارسطو ودافعوا عنها الا انهم رعم هذا التاثير قد التزموا
بالعمل ضمن اطار النص الشرعي (القرآن والسنة) فناقشوا
مسائل الوجود والالوهية والوحدانية ضمن الاطار حيث انهم لم
يكونوا اصحاب نزعة عقلية فحسب، وانما كانوا مسلمين وفي
الصف الاول من صفوف الامة الاسلامية، وكانوا على شدة من
الحرص والثبات في عقائدهم بحيث اخذوا يترصدون المخالفين
والخارجين عن احكام الشرع فينبهون عنهم ويرمونهم بالمرق عن
الدين والجهل في الحكمة وهم بذلك قد قاموا بعمل جرئ منضبط
حين استطاعوا التوفيق بين الدين والفلسفة واعتمدوا النصوص
الشرعية في مناقشاتهم العقلية وفي استدلالاتهم المنطقية،
وكان الفيلسوف الاسلامي ابن رشد ابرزهم في هذا النهج ، حبث
انه اقام ادلته العقلية لاثبات الوهية الله تعالى
ووحدانيته وكمال صفاته مسترشداً بالنصوص الشرعيه وادلتها
لدحض الخصوم وهذا ما سنتطرق اليه في منهجه وطريقة
استدلاله(12).
ثالثاً: منهج أبن رشد في الاستدلال
يُعدْ أبن
رشد من الفلاسفة التوفيقين الذين اجهدوا أنفسهم للتوفيق
بين الدين والفلسفة أو بين (النقل) و (العقل) فهو يرى أن
ثمة توافقاً قائماً بين (الحكمة) وبراهينها العقلية
وبين(الشريعة) المستندة على الوحي والنص، وفي هذا المنهج
تتأخى (الحكمة) و (الشريعة) ويتزامل (العقل) مع
(النقل)(13).
وأبن رشد
يؤكد هذا المنهج بقوله: »اذا كانت الشريعة حقاً، وداعية
الى النظر المؤدي الى معرفة الحق ، فأنا معشر المسلمين
نعلم على القطع أنه لايؤدي النظر البرهاني الى مخالفة
ماورد في الشرع فأن الحق لايضاد بالحق بل يوافقه ويشهد
له«(14).
وقد
استخدم ابن رشد التأويل لرفع التعارض والتناقض بين النصوص
الشرعية وبين الحقائق اليقينية التي تجئ ثمرة البرهان عند
أهل النظر والمشتغلين بصناعة الحكمة. وهو يقطع بصلاحية
التأويل في كل المواطن والمواقف التي يبدو فيها التعارض
بين ظواهر النصوص ومعطيات البرهان، والتأويل عنده: »هو
أخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية الى الدلالة
المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من
تسمية الشيء بشبيهة أو بسببه او لاحقه أو مقارنة أو غير
ذلك من الاشياء التي عددت في التعريف اصناف الكلام
المجازي«(15).
ورغم
أيمانه بأستخدام التأويل لرفع التناقض بين النصوص الشرعية
والبراهين الفسفية، الا أنه لايتوسع في التأويل كثيراً الى
الحد الذي يؤدي الى الغاء معنى النص القرآني، ذلك أنه كان
راسخاً في العلوم الشرعية والعلوم العقلية معاً لذا لم يقع
في مثل ماوقع غيره كالفارابي وابن سينا من مخالفات صريحة
لقواعد التفسير وأصوله حين أسرفوا في تاويل النص الالهي،
وبذلك تقول: »والفلسفة تفحص عن كل ماجاء به الشرع فأن
أدركته استوى الادراكان، وكان ذلك اتم في المعرفة، وان لم
تدركه اعلمت بقصور العقل الانساني عنه وان يدركه الشرع
فقط«(16).
ويبدو لي
أن أبن رشد في قوله بالتأويل حاول رفع التداخل بين
المصطلحات اللفظية واتجاهتها وبين مضامينها وابعادها،
واعطاء كل لفظ مضمونه الخاص به على مستوى البحث المطلوب
والغاية المنشودة منه، أي أنه ادخل المجازات اللغوية للحد
من الاشكالية الفكرية والمنهجية للتوفيق بين (النقل) و
(العقل)، وزواج بين المباحث الفلسفية والمباحث اللغوية في
البرهنة الطبيعية، والالهية، والكلامية، والتفسيرية،
ولايسقط الاتصال بينها نظراً للتداخل بين هذه العلوم ،
لذا استخدم التأويل باعتباره السبيل الوحيد لازالة
التعارض الذي يبدو احياناً بين ظواهر النصوص ومعطيات
البرهان العقلي، وهو يؤكد ذلك بقوله: »ونحن نقطع قطعاً ان
كل ما أدى اليه البرهان، وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر
يقبل التأويل على قانون التأويل العربي، وهذه قضية لايشك
فيها مسلم ولايرتاب فيها مؤمن«(17).
وابن رشد
لايخرج من ضوابط النص الشرعي لذا فالتأويل عنده ماشهدت له
(الفاظ) الشرع وظواهر نصوصه وبذلك يصرح في كتابة فصل
المقال: »أنه ما من منطوق به الشرع مخالف بظاهره لما أدى
اليه البرهان، الا اذا اعتبر وتصفحت سائر اجزاءه، وجد في
الفاظ الشرع ما يشهد بظاهره لذلك التاويل، او يقارب ان
يشهد، ولهذا المعنى اجمع المسلمون على انه ليس يجب ان تحمل
الفاظ الشرع كلها على ظاهرها ولا ان تخرج كلها عن ظاهرها
بالتاويل«( 18).
وهو
بالتزامه بالضوابط الشرعية في تفسير النصوص انما ينطلق من
اصول عقيدته الاسلامية وباستخدامه المقدمات العقلية
الموصله الى النتائج البرهانية انما يؤكد ايضاً بان الشرع
بذاته قد اوجب النظر الفلسفي واعمال العقل، فالاعتبار
الشرعي يقضي باستخراج المجهول من المعلوم، لذا فهو يرى ان
التاويل والاستنباط في حالة الدلالة افضل الوسائل لمعرفة
الله سبحانه وتعالى فيقول »واذا تقرر ان الشرع اوجب النظر
بالعقل في الموجودات واعتبارها، وكان الاعتبار ليس اكثر
من: استنباط المجهول من المعلوم، واستخراجه منه، وهذا هو
القياس، او بالقياس، فواجب ان نجعل نظرنا في الموجودات
بالقياس العقلي.
وبين ان
هذا النحو من النظر، الذي دعا اليه الشرع، وحث عليه، هو
أتم انواع النظر باتّم أنواع القياس، وهو المسمى
برهاناً«(19).
ورغم
اعتماد ابن رشد منهج التاويل في تفسير الالفاظ التي لايمكن
حملها على ظاهرها الا انه كان يتبع قواعد التفسير المعروفة
ولايتعسف بأستخدام التأويل بأدخال تأويلات بعيدة عن الجو
البياني للأيات القرآنية وأنه يفسر تلك الايات كما هو
المتبادر في فهمها في أول نظرة. وهو يرى أن تلك الطريقة هي
الطريقة المثلى في فهم معاني الايات القرآنية، لذلك فهو
يطلق على هذه الطريقة أسم (الطريقة النظرية)، وهي التي أمر
الله تعالى بها الناس في كتابه الكريم لأنهم يدركونها
بنظرهم وهي طريقة الجمهور والخواص معاً، فالجمهور يفهمون
ظاهرها والخاصة من العلماء والحكماء يتعمقون في معانيها،
فالاختلاف بينهما في التفصيل ليس الاّ(20).
وابن رشد
في كلامه عن فهم الناس لمعاني الالفاظ الشرعية والبرهانية
يذكر ثلاثة أصناف منهم(21):
الاول:
الخطابيون، وهم الجمهور الغالب ممن ليسوا من أهل التأويل،
وهؤلاء تستجيب للوعظ والارشاد والادلة الخطابية وأنها غير
مهيأة للاستدلال المنطقي المنظم، وتلك العقول موجودة في
جميع الناس وهم السواد الاعظم الذين لايستجيبون الا للخيال
والعاطفة.
الثاني:
الجدليون، وهم اصحاب التأويل الجدلي سواء كان ذلك بالطبع
فقط أو بالطبع والعادة، وهؤلاء اصحاب العقول المنطقية التي
تكتفي بالبراهين الجدلية.
الثالث:
البرهانيون، وهم أهل التأويل اليقيني بالطبع والصناعة، أي
صناعة الحكمة، وهؤلاء اصحاب العقول القادرة على الاستدلال
بالادلة البيانية المحكمة للوصول الى نتائج يقينية ضرورية،
وهذه العقول لاتتوفر الا لقلة من الناس اصحاب الموهبة وهم
الخواص.
أن فهم
القرآن الكريم ووجوه اعجازه في رأي أبن رشد ميسر للاصناف
الثلاثة فكل منها يتبين الحق فيه بمايتفق مع قدرته العقلية
فليس هناك مشكلة في فهم الايات المحكمة فالجميع يفهمونها
ويدركون معناها بشكل واضح، أما الايات المتشابهة فلا
يفهمهاالا الفلاسفة وحدهم لما فيها من أمثال ومجازات فهم
اصحاب العقول الذين يستطيعون أدراك التسلسل الدقيق
للاستدلال، وهم الذين يفهمون المعنى الاعمق، أما الجمهور
فانهم يفهمون ظواهر النصوص ومعناها الحرفي فقط، وهؤلاء
لايسمح لهم بالنظر الى المعنى البعيد الخفي لتلك الايات
لانهم لا يستطيعون سبر اغواره فيتزعزع ايمانهم(22).
ويتضح ان
منهج ابن رشد يقوم على التوفيق بين (الشرع) و (العقل)
لاثبات وحدانية الله تعالى والوهيته الحقة، وانه استخدم
المجاز اللغوي والتأويل المنضبط لتفسير النصوص المقدسة،
لذا فانه لم يجار الفلاسفة وطريقتهم بأثبات الوحدانية عن
طريق نفي الكثرة المتعددة، وأنه تعالى لايتركب من أجزاء،
اذ انه تعالى لو كان كذلك لاحتاج الى كل جزء من أجزاءه
للضرورة أذ لايوجد الكل الا بوجود اجزاءه. والاحتياج علامة
الحدوث، والله تعالى منزه عن ذلك. والفلاسفة بذلك نفوا أن
يكون مع الله الهاً آخر(23).
كذلك فأن
أبا الوليد لم يتابع المتكلمين في برهانهم لأثبات
الوحدانية في الذات الالهية عن طريق : نفي ( الكم المتصل)*
و( الكم المنفصل)**، وأثباتهم الوحدانية في الصفات بنفي
(الكم المتصل) و (الكم المنفصل) أيضاً وأثبات الوحدانية في
الافعال بنفي (الكم المنفصل) فقط (24).
وأبن رشد
أنما أستخدم مسلكه التوفيقي وأستدل بذات الآيات القرآنية
الكريمة التي أستدل بها الطرفان (الجمهور والمتكلمون) لكنه
أخضع تلك الآيات للتأويل العقلي المنضبط بضوابط الشرع
واللغة، منتقدا طريقة المتكلمين خاصة في الاستدلال لما أدت
اليه من تفريع لامبرر له.
وهذا
ماسنبحثه فيما بعد، بعد استعراض أدلة الجمهور والمتكلمين
لأثبات وحدانية الله تعالى والوهيته وهي ذات الادلة التي
أستدل بها وبرهن عليها وفق منهجه التوفيقي.
رابعاً: أدلة جمهور المسلمين لاثبات الوهية الله تعالى
ووحدانيته.
أستدل
جمهور علماء المسلمين من السلف الصالح والمفسرين لاثبات
وحدانية الله تعالى والوهيته الحقة ونفي التعدد عنه في
الذات والصفات والافعال بأدلة نقلية وعقلية تضمنتها الايات
القرأنية والمباركة وبينتها السنة النبوية الشريفة،
ويؤكدها القول أن الله تعالى ضرب للناس في القرآن الكريم
من كل مثل فحوى هذا الكتاب العظيم الكثير من الادلة
العقلية والمقاييس البرهانية، والطرق العلمية المنطقية
المؤكدة للادلة النقلية الشرعية ومن أهم تلك الادلة التي
نص عليها القرآن الكريم:
أ. قوله
تعالى: ((لو كان فيها الهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب
العرش عما يصفون))(25).
ب. قوله
تعالى: ((ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من اله اذا لذهب
كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض))(26).
ج. قوله
تعالى: ((قل لو كان معه الهة كما يقولون إذا لابتغوا الى
ذي العرش سبيلاً))(27).
د.
شهادته تعالى وشهادة ملائكته واولي العلم على الوهيته،
فقال تعالى: ((شهد الله أن لا اله الا هو والملائكة وأولوا
العلم قائماً بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم))(28).
هـ. إخبار
الانبياء والرسل ( ع) بالوهيته. فقال تعالى: ((وما أرسلنا
من قبلك من رسول إلا نوحي اليه أنه لا إله إلا أنا
فاعبدون))(29).
وأستدلالاً بهذه الآيات المباركة قال الجمهور: »إن خالق
العالم ومدبره اله واحد لاشريك له فرد لا ثاني له«(30) فهو
اله واحد في ذاته، فلا ذات تشبه ذاته، ولو فرض وجود ذات
غير ذاته تعالى متصفة بصفات الالوهية لو جد الهان فأكثر،
ولو وجدت تلك الالهة لامكن الخلاف بينها فيلزم من ذلك
الخلاف فساد السموات والارض. وتلك حقيقة فطرية تشهد
الملاحظة بصدقها وهي ان وجود ملكين مختلفين في مدينة واحدة
يفسدها إلا أذا عمل أحدهما وبقي الاخر عاجزاً، واذا جاز
ذلك في الملوك من البشر فأنه لايجوز في حق الالهة لان
الاله العاجز لايوصف بالالوهية(31). والاله الحق لا بد أن
يكون خالقاً فاعلاً مدبراً قديراً، يوصل الى عبادة النفع
ويدفع عنهم الضر. ولو كان معه اله اخر شريك له في الملك
لكان لذلك الاله خلق وفعل وحينئذ لايرضى الاله الاول هذه
المشاركة في الملك، بل ان قدر على قهر الشريك فعل وتفرد
بالملك والالوهية، وان لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه عن
صاحبه كما ينفرد ملوك الارض وهنا لابد من ثلاثة احتمالات:
ـ أما أن
يذهب كلُّ اله بخلقه وسلطانه .
ـ وأما
أن يعلو بعضهم على بعض.
ـ وأما
أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء وهم
عاجزون، أي أنه وحده هو الاله وهم العبيد المقهورون.
لكن
مايشاهد من انتظام أمر العالم، ودقة نظامه وحكمة تدبيره
لدلائل على أن مدبره اله واحد ورب واحد لا اله للخلق غيره.
وبذلك يستدل الجمهور على استحالة تعدد الالهة ويبرهنوا على
ان خالق الخلائق اله واحد، وان العقل يوجب الاقرار بصانع
واحد وفاعل واحد، وان زاد الفاعل عن واحد ادى ذلك الى
التعارض، وان تعارضت ارادة الالهة تفسد افعالها لامحالة،
وبذلك يلزم القول بوحدانية الله والوهيته ولو كان هنالك
اكثر من اله خالق لما كانت السموات والارض، لان الكثرة
توجب وقوع الاختلاف(32).
والجمهور
بهذا الاستدلال يؤكدون أن الفطرة الانسانية السليمة مجبولة
على الاقرار بوجود اله واحد ذو ارادة واحدة، اذا لو تعددت
الذوات لتعددت الارادات ولتعددت نواميس الكون وانظمته،
ولاستقلت كل ارادة بما خلقت وفق ناموسها الخاص، وحيث علم
ان لاوجود لامثال تلك النواميس المتعددة المتباينة في هذا
الكون علم بالنص والدليل امتناع التعدد ولزم الايمان
بالوهية الله تعالى ووحدانيته ورفض الوهية المعبودات
الباطلة.
القسم الثاني |